فعالمٌ بعلمِهِ لم يعمَلَنْ … مُعَذَّبٌ من قبلِ عُبَّادِ الوَثَنْ.
وكلُّ من بغير علم يعملُ … أعمالُه مَردودَةٌ لا تُقْبَلُ.
وقد قال ربنا قولًا جللًا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٢ - ٣)
ثم جعل إلى رسوله ﷺ تفصيلَ ما ورد فيه إجمالٌ، وبيانَ ما ثبت فيه إشكالٌ،
وتحقيقَ ما ورد فيه احتمالٌ؛ وليتحقق له بذلك كمال بلاغه عن ربه، حيث أمره سبحانه بقوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) (المائدة: ٦٧)
وقد وكلَّ اللهُ تفصيلَ المجملِ إليه، وبيانَ المشْكَلِ عليه، وتحقيقَ المحتملِ فيه إليه، فقال سبحانه وخطابه موجه إليه، صلوات ربي وسلامه عليه: (وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل: ٤٤).
جعلنا الله ممن يقوم بحقه خير قيام، فيتدبره ويُحُلُ منه الحلالَ ويحرم الحرامَ، ويقوم بقسطه على الكمالِ والتمامِ، ويوفي بشرطه ابتغاء مرضاة الملك العلامِ، ويهتدي بهداه، ولا يرتضي سواه، ويهتدي لأعلامه الظاهرةِ، ويستمسك بأحكامه القاطعة الباهرةِ، ليجمع اللهُ له به خيرَ الدنيا والآخرة، فهو سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرةِ.
وقد جعل استنباطَ معانيهِ، والاجتهاد في الوصول إلى مقاصده ومراميِهِ، موكولًا لأهل الفهمِ فيه، فقال سبحانه: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: ٨٣)
فهم بذلك عن غيرهم قد تميزوا، وخُصوا بثواب اجتهادهم مرتين إن أصابوا الحقَ وقد تفرسوا، وأعداء الملة منهم بذلك قد تغيظوا، وقد بشرهم بذلك من أمرهم أن يتعلموا ويتمرسوا: "إذا حكمَ الحاكمُ فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". (^١)
فكتاب الله أصل والسنة له تفصيل وتبيانٌ، واستنباط أهل العلم له شرح وإيضاح وبيانٌ.
فالحمد لله على كمال الدين وتمام النعمة، والحمد لله على شرعةٍ غراءَ وخيرِ ملةٍ، ونسأله سبحانه حسن العاقبة في الأمور كلها والوفاة على الإسلام والسنة. (^٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (٧٣٥٢) عن عمرو بن العاص ﵁
(٢) - ينُظر: عَرَفة بْنُ طَنْطَاوِيِّ: مقدمة كتابه: (المدخل الموسوعي لدراسة التفسير الموضوعي).
[ ٨ ]
وإنَّ القرآن الكريم هو خاتم الكتب المنزلةِ، وهو أجَلُها وأفضلُها وأعظمُها، وإنْ كانت كلها من عند الله إلا أنَّ القرآنَ جاء ناسِخًا لِهَا كلها ومُهَيمِنًا عليها، فأجلى الله به عن البصائرَ ما غشَّاها من تيهٍ وضلالٍ وعمى، وأخرج الله به البشريةَ من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن جَهالة وضلال الجاهلية إلى شرف الانتماء للإسلام، وقطع الله به دابِرَ القوم الظالمينَ، وقد ضمَّنَه ﵎ جَميعَ ما يُصلِح حياةَ البشر في معاشها ومعادها، كما صانه سبحانه من التحريف والتبديل والتغيير، وتكفَّل سبحانه بِحِفظه بذاته العلية، فقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩)، وهو كتاب لا يأتيه الباطل من بين يدَيْه ولا من خلفه، ولا يعتريه أي نَّقص، ولا يشُوبُه أيُّ خطأ أو خللٍ، وجَلَّ الله أن يكون كلامُهُ كلام بشَرٍ كما زعم الْمُبطِلون، بل هو كلامُ الله تعالى حقيقةً- حرفًا وصوتًا ولفظًا ومعنىً-، كما قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) (يسن: ٦٩)