" وهذا دليل قاطع، وبرهان ساطع، على صحة ما جاء به الرسول وصدقه، حيث تحدى الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وأخبر أنهم لا يأتون بمثله، ولو تعاونوا كلهم على ذلك لم يقدروا عليه.
ووقع كما أخبر الله، فإن دواعي أعدائه المكذبين به، متوفرة على رد ما جاء به بأي وجه كان، وهم أهل اللسان والفصاحة، فلو كان عندهم أدنى تأهل وتمكن من ذلك لفعلوه.
فعلم بذلك، أنهم أذعنوا غاية الإذعان، طوعًا وكرهًا، وعجزوا عن معارضته.
وكيف يقدر المخلوق من تراب، الناقص من جميع الوجوه، الذي ليس له علم ولا قدرة ولا إرادة ولا مشيئة ولا كلام ولا كمال إلا من ربه، أن يعارض كلام رب الأرض والسماوات، المطلع على سائر الخفيات، الذي له الكمال المطلق، والحمد المطلق، والمجد العظيم، الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادًا، والأشجار كلها أقلام، لنفذ المداد، وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله". (^١)
ولقد مكث النبيﷺ- في مكة قرابة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله ويؤسس معالم التوحيد ويفضح ويقارع معاقل الشرك والوثنية، والقرآن المكي يتنزل عليه بآيات وسور زواجر وروادع، وهو يتلو عليهم آياته ويتحداهم بها، وبعد هجرته تتابع الوحي المدني نزولًا وتجدد تحديًا مرة أخرى فنزلت سورة البقرة المدنية يتجدد معها عهد التحدي، ونزل قوله تعالى: (وإِن كُنتم في ريْبٍ ممّا نزّلْنا على عبدِنا فأتوا بسُورةٍ من مِّثْلِه، وادعُوا شُهداءَكم مِّن دُونِ الله اِن كُنتم صادقين، فإن لَّم تفعلوا، ولن تفعلوا، فاتّقوا النّارَ …) (البقرة: ٢٣ - ٢٤).