اعْلَم أَن الْفَتْح - وَالْمرَاد بِهِ هُنَا: فتح الْقَارئ فَاه بِلَفْظ الْكَلِمَة وَهُوَ فِيمَا بعده ألف أظهر - هُوَ الأَصْل.
والإمالة - وَالْمرَاد بهَا هُنَا: الانحراف بفتحة، يَليهَا ألف من اسْم، أَو فعل، نَحْو الكسرة، وبالألف نَحْو التَّحْتِيَّة - فَرعه؛ لِأَنَّهَا لَا تجوز إِلَّا لسَبَب، فَإِن فقد وَجب الْفَتْح. وَبِهَذَا قَالَ جمَاعَة.
وَقَالَ آخَرُونَ كل مِنْهُمَا أصل بِرَأْسِهِ، مَعَ الِاتِّفَاق على أَنَّهُمَا لُغَتَانِ فصيحتان، نزل بهما الْقُرْآن.
وَأَجَابُوا عَن تَعْلِيل الْأَوَّلين، بِأَن وجود السَّبَب لَا يَقْتَضِي فرعية، وَلَا أَصَالَة.
قَالَ ابْن الْجَزرِي: وَلكُل من الرأيين وَجه.
هَذَا، وَأَنت خَبِير بِأَن الإمالة نَوْعَانِ: كبرى، وصغرى. وَيُقَال أَيْضا: مَحْضَة، وَبَين بَين، وَذَلِكَ بِأَن تنحو بالفتحة فِيمَا يمال، ك ﴿الدَّار﴾، و﴿الْهدى﴾، نَحْو مَا ذكر مَا على وَجه الْقرب مِنْهُ، أَو من الفتحة وَالْألف.
[ ١ / ١٨٧ ]
إِذا تقرر هَذَا فَاعْلَم أَن الإمالة تقريب، كَمَا أَن الْإِدْغَام كَذَلِك.
قَالَ الْمَهْدَوِيّ: وَلها أَسبَاب، وَفَائِدَة.
فأسبابها عشرَة ترجع إِلَى الكسرة، والتحتية.
وفائدتها: سهولة اللَّفْظ؛ لِأَن اللِّسَان يرْتَفع بالإمالة وينحدر بِالْفَتْح، وَالثَّانِي أخف عَلَيْهِ من الأول. ثمَّ اعْلَم - أَيْضا - أَنَّهَا عِنْد الْإِطْلَاق تَنْصَرِف إِلَى الْكُبْرَى.
وَالْمرَاد هُنَا: الصُّغْرَى. وَهِي قِسْمَانِ: رائي، ويائي. وهما مرويان عَن ورش. ولقالون مَوَاضِع يسيرَة، نذكرها بِأَعْيَانِهَا.
[ ١ / ١٨٨ ]
فَالْأول: لَيْسَ لَهُ فِيهِ إِلَّا الإمالة مَا عدا: ﴿وَلَو أَرَاكُم﴾ و﴿جبارين﴾، و﴿الْجَار﴾ . فَإِنَّهَا كالقسم الثَّانِي. وَالثَّانِي لَهُ فِيهِ الْفَتْح أَيْضا.
وَضَابِط الأول: كل ألف بعد رَاء، نَحْو: ﴿مجْراهَا﴾، أَو قبل رَاء طرف مَكْسُورَة وَلَو مكررة، نَحْو: ﴿الدَّار﴾، و﴿أَبْصَارهم﴾، و﴿الْأَبْرَار﴾ .
وَيلْحق بِهَذَا: ﴿الْكَافرين﴾، مُعَرفا، ومنكرًا، حَيْثُ أَتَى، إِذا كَانَ بعد الرَّاء تحتية، بِخِلَاف: ﴿كَافِر﴾ الْمُفْرد؛ لعدم توالي
[ ١ / ١٨٩ ]
كسرتين وتحتية الْمَوْجُود فِي الْجمع، وَبِخِلَاف نَحْو: ﴿الذَّاكِرِينَ﴾، اتبَاعا للأثر.
وَضَابِط اليائي: كل ألف أَصْلِيَّة منقلبة عَن يَاء، فِي اسْم، أَو فعل. وتعرف فِي الْأَسْمَاء بالتثنية، نَحْو: ﴿الْهدى﴾، وَفِي الْأَفْعَال بإيصال ضميرك بهَا نَحْو: ﴿رمى﴾، وَمِنْه: ﴿عَسى﴾، على الصَّحِيح، فترجع الْألف للياء المنقلبة عَنْهَا، فَتَقول: الهديان، ورميت، وعسيت.
وَجَمِيع ألفات التَّأْنِيث، وَهِي الْوَاقِعَة فِي مَوْزُون فعلى، بالحركات الثَّلَاث فِي فائها نَحْو: ﴿مرضى﴾، و﴿سِيمَا﴾، ﴿دنيا﴾، وَمَا ألحق بهَا من نَحْو: ﴿يحيى﴾، و﴿عِيسَى﴾، و﴿مُوسَى﴾، وموزون فعالى بِضَم فائها، وَفتحهَا نَحْو: ﴿فُرَادَى﴾، و﴿نَصَارَى﴾ .
[ ١ / ١٩٠ ]
وسأذكر فِي الْبَاب الثَّالِث مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن الْعَظِيم على مَوَازِين: فعلى الثَّلَاثَة، وعدة موَاضعه مفصلا، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وأمال - أَيْضا - ألف ﴿أَنى﴾ الاستفهامية، وَهِي الْوَاقِعَة قبل أحد أحرف: شليته، وَهِي: الشين الْمُعْجَمَة، وَاللَّام، والتحتية، والفوقية، وَالْهَاء، نَحْو: ﴿أَنى شِئْتُم﴾ .
و﴿يَا ويلتى﴾، و﴿يَا أسفى﴾، و﴿يَا حسرتي﴾، و﴿مَتى﴾، و﴿بلَى﴾، وَإِن كَانَ حرفا.
وَألف مَا رسم بياء، وَلَو واويا غير: ﴿لَدَى﴾ بغافر،
[ ١ / ١٩١ ]
و﴿إِلَى﴾، و﴿حَتَّى﴾، و﴿على﴾، و﴿مَا زكى﴾ .
وَألف كل فعل ثلاثي مزِيد، نَحْو: ﴿زكاها﴾، و﴿تزكّى﴾، و﴿أنجى﴾، و﴿ابتلى﴾، لقلب أَلفه يَاء مَعَ الضَّمِير، و﴿تقاة﴾، و﴿تُقَاته﴾، و﴿محياي﴾، و﴿مثواي﴾، و﴿مثواه﴾، و﴿فتاها﴾، و﴿لفتاه﴾ مَعًا و﴿فأنساه﴾، كَيفَ أَتَى،
[ ١ / ١٩٢ ]
و﴿مزجاة﴾، و﴿نأى﴾ مَعًا، و﴿أعمى﴾ حَيْثُ أَتَى، و﴿إناه﴾، و﴿محياهم﴾ .
وأواخر آي سُورَة: طه، والنجم، والمعارج، وَالْقِيَامَة، والنازعات، وَعَبس، والأعلى، وَالشَّمْس، وَاللَّيْل، وَالضُّحَى، واقرأ.
أما الأولى، فَمن قَوْله تَعَالَى: ﴿لتشقى﴾ إِلَى آخرهَا.
وَأما الثَّانِيَة: فَمن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا هوى﴾ إِلَى: ﴿من النّذر الأولى﴾ .
وَأما الثَّالِثَة، فَمن قَوْله تَعَالَى: ﴿لظى﴾ إِلَى: ﴿فأوعى﴾ .
[ ١ / ١٩٣ ]
وَأما الرَّابِعَة، فَمن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا صلى﴾ إِلَى آخرهَا.
وَأما الْخَامِسَة، فَمن قَوْله تَعَالَى: ﴿حَدِيث مُوسَى﴾ إِلَى آخرهَا، إِلَّا الْكَلِمَة الْمُشْتَملَة على هَا، وَهِي لَيست رائية نَحْو: [﴿ضحاها﴾] .
[ ١ / ١٩٤ ]
وَأما السَّادِسَة، فَمن أَولهَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿تلهى﴾ .
وَأما السَّابِعَة، والتاسعة، والعاشرة، فَمن أولهنَّ إِلَى آخِرهنَّ.
وَأما الثَّامِنَة، فَمَا عدا: ﴿ضحاها﴾، و﴿تَلَاهَا﴾، و﴿طحاها﴾ .
وَأما الْحَادِيَة عشرَة، فَمن قَوْله تَعَالَى: ﴿ليطْغى﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يرى﴾ .
وَفِيمَا اسْتثْنِي من السورتين المذكورتين: الْفَتْح، أَيْضا.
وَجَمِيع (التَّوْرَاة) بَين بَين.
[ ١ / ١٩٥ ]
وَرُوِيَ عَن قالون: الْفَتْح، أَيْضا.
وَالرَّاء والهمزة، وَقفا، ووصلا من نَحْو ﴿رأى كوكبا﴾، ﴿رَآهَا تهتز﴾ .
وضابطه: أَن يَقع قبل متحرك.
والهمزة فَقَط وَقفا، من نَحْو: ﴿رأى الشَّمْس﴾ . وضابطه: أَن يَقع قبل سَاكن.
وسترى عدَّة مَوَاضِع: ﴿رأى﴾، بأقسامه الْمَذْكُورَة مفصلة فِي الْبَاب الثَّالِث.
[ ١ / ١٩٦ ]
وَألف: ﴿سوى﴾، و﴿سدى﴾، و﴿تراءا الْجَمْعَانِ﴾ وَقفا.
وَلَا يمْنَع من إمالة [مَا قبل] الْحَرْف المتطرف الْمَكْسُورَة وصلا: سكونه وَقفا، نَحْو: ﴿الدَّار﴾ .
ووقف على الْألف المتطرفة قبل سَاكن، يائيا كَانَ نَحْو: ﴿مُوسَى الْهدى﴾، أَو رائيا نَحْو: ﴿الْقرى الَّتِي﴾، بالإمالة.
وَلأَهل الْأَدَاء فِي الْوَقْف على الْمَقْصُور الْمنون ثَلَاثَة آراء: الإمالة، وَعدمهَا، وتفصيل الحذاق وَهُوَ تفخيم الْمَنْصُوب،
[ ١ / ١٩٧ ]
نَحْو: ﴿غزى﴾، و﴿تترا﴾، وترقيق غَيره نَحْو: ﴿مولى﴾، و﴿مُسَمّى﴾ .
ومأخذ الْخلاف: الِاخْتِلَاف فِي الْألف الْمَوْجُودَة فِي الْوَقْف، هَل هِيَ المبدلة من التَّنْوِين، أَو الْأَصْلِيَّة عَادَتْ لزوَال التَّنْوِين؟
وعَلى الأول الْمَازِني، فَلَا تمال، وعَلى الثَّانِي السيرافي، فتمال. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ، والحذاق: هِيَ فِي الْجَرّ وَالرَّفْع: الْأَصْلِيَّة، وَفِي النصب: المبدلة من التَّنْوِين كَمَا فِي الصَّحِيح، فتمال فِي الْأَوَّلين، دون الْأَخير.
وَسَيَأْتِي حكم فواتح السُّور فِي محالها، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[ ١ / ١٩٨ ]