أولا: إعادة التشكيل:
"أ" مادة الفصل:
"أ" الجرجاني يعيد تشكيل مادة الفصل:
سأعتمد هنا نفس ألفاظ الجرجاني مع إيجاز الإطناب، والتقديم والتأخير بما يخدم عرض الموضوع، ناظرًا بعين الاعتبار لما عرضت سابقًا من جهود العلماء السابقين على الجرجاني.
١- الجرجاني يعرف بالفصل والوصل ويبين أهميتهما:
يقول: "الوصل في الجمل عطف بعضها على بعض، والفصل ترك العطف فيها، والمجيء بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد الأخرى"١، ثم يقول: "إن معرفة الفصل من الوصل مما لا يتأتى لتمام الصواب فيه إلا للأعراب الخلص وإلا قوم طبعوا على البلاغة، وأوتوا من المعرفة في ذوق الكلام هم بها أفراد"٢، و" اعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول فيه: "إنه خفي غامض، ودقيق صعب" إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب"٣.
٢- من أدوات الفصل عند الجرجاني:
"أ" ضمير الفصل: في مثل:
وأرضى بها من بحر آخر إنه هو الري أن ترضى النفوس ثمادها٤
"ب" الفصل بالجملة المعترضة: في مثل قول الشاعر:
وإني "على إشفاق عيني من العدا لتجمح مني نظرة ثم أطرق٥
_________________
(١) ١ الدلائل ٢٢٢. ٢ نفسه ٢٢٢. ٣ نفسه ٢٣١. ٤ أرضى أي: أقنع بالقليل، ومن بحر آخر: من بمعنى بدل، والثماد هو القليل الذي لا مادَّ له، الدلائل، هامش ٢٠٨ تحقيق المراغي، وانظر الدلائل ٣١٨ تحقيق خفاجي وص٣١٨ تحقيق شاكر. ٥ الدلائل ٩٨، والبيت لابن المعتز.
[ ٥٧ ]
"ج" طرح الواو وهو المشهور.
٣- الفصل في المفردات مدخل إلى الفصل في الجمل:
يقول: "كما كان في الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله، فيستغنى بصلة معناه له عن واصل يصله ورابط يربطه، وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف إلى شيء يصلها به، وكالتأكيد لا يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكَّد، كذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها، وتستغنى بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها. فإذا قلت: "جاءني زيد الظريف" و"جاءني القوم كلهم" لم يكن "الظريف" و"كلهم" غير زيد وغير القوم١.
٤- الفصل في الجمل:
ويكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها، وتستغنى بربط معناها لها عن حرف عطف بربطها وهي:
"أ" كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ومبينة لها، وكانت إذا حصلت لم تكن شيئا سواها، كما لا تكون الصفة غير الموصوف، والتأكيد غير المؤكد، ومثال ما هو من الجمل كذلك. مثل قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ٢ قوله: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ بيان وتوكيد وتحقيق لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ وزيادة تثبيت له وبمنزلة أن نقول: "هو ذلك الكتاب هو ذلك الكتاب"٣.
ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ
_________________
(١) ١ نفسه ٢٢٧. ٢ البقرة: ١، ٢. ٣ الدلائل ٢٢٧.
[ ٥٨ ]
وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١، قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ تأكيد لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾، وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ توكيد ثانٍ أبلغ من الأول٢.
- وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ ٣، إنما قال: ﴿يُخَادِعُونَ﴾ ولم يقل: "ويخادعون" لأن هذه المخادعة ليست شيئا غير قولهم "آمنا" من غير أن يكونوا مؤمنين. فهو إذن، أُكِّد به كلام آخر هو في معناه وليس شيئا سواه٤.
٥- الجمل المفصولة المؤكدة للجمل المنفية:
"ومما جاء فيه الإثبات بـ "إن وإلَّا" على هذا الحد قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٦.
أفلا ترى أن الإثبات في الآيتين جميعا تأكيد وتثبيت لنفي ما نفي، فإثبات ما علمه النبي ﷺ وأوحى إليه ذكرًا وقرآنًا تأكيد وتثبيت لنفي أن يكون قد علم الشعر -وكذلك إثبات ما يتلوه عليهم وحيًا من الله تعالى تأكيد وتقرير لنفي أن يكون نطق به عن هوى"٧.
_________________
(١) ١ البقرة: ٦، ٧. ٢ الدلائل ٢٢٨. ٣ البقرة: ٨، ٩. ٤ الدلائل ٢٢٤. ٥ يس: ٦٩. ٦ النجم: ٣. ٧ الدلائل ٢٣٠.
[ ٥٩ ]
٦- جمل الحال المفصولة:
"أ" فصل جمل الحال الاسمية:
إن كان الخبر في جملة من المبتدأ والخبر ظرفًا، ثم كان قُدِّم على المبتدأ كقولنا: "عليه سيف" و"في يده سوط" كثر فيها أن تجيء بغير واو. فمما جاء منه قول بشار في مدح خالد بن برمك:
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها خرجت مع البازي على سواد
يعني: علي بقية من الليل
وقد يجيء ترك "الواو" فيما ليس الخبر فيه كذلك، ولكنه لا يكثر، فمن ذلك قولهم: "كلمته فوه إلى في"، و"رجع عوده على بدئه" في قول "من رفع" ومنه بيت الإصلاح١.
نصف النهار الماء غامره ورفيقه بالغيب لا يدرى٢
"ب" فصل جمل الحال الفعلية:
١- جملة الحال ذات المضارع المثبت:
وهذه لا تكاد تجيء بالواو، بل ترى الكلام على مجيئها عارية من الواو، كقولك: "جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه"، وكقول الشاعر:
وقد علوت قتود الرحل يسفعني يوم قُدَيْدِيمَة الجوزاء مسموم٣
_________________
(١) ١ أي كتاب "إصلاح المنطق" لابن السكيت "ت٢٤٤هـ". ٢ يصف غواصًّا يغوص في الماء لاستخراج الدر، أي ظل في الماء غائصًا من الصباح حتى الظهر، وصديقه واقف على البر ممسك بالحبل، لا يدري عنه شيئا، الدلائل ٢٠٢ و٢٠٣. ٣ هو لعلقمة بن عبدة الشاعر الجاهلي المشهور: القتود: جمع قتد وهو خشب الرحل المعهود، سفعه: لفحة بحره فغير لونه وسفعته النار كذلك، قديديمة تصغير قدام، الجوزاء: من منازل الشمس، ويوم مسموم هبت فيه ريح السموم بكثرة وهي ريح حارة، الدلائل ٢٠٥.
[ ٦٠ ]
٢- ذات المضارع المنفي:
ومع هذه يتغير الحكم، فتجيء الواو، وتترك كثيرا، وذلك مثل قولهم:
"كنت ولا أخشى بالذئب"١، وقول مالك بن رفيع وكان جنى جناية فطلبه مصعب بن الزبير:
بغاني مصعب وبنو أبيه فأين أحيد عنهم؟ لا أحيد
أقادوا من دمي وتوعدوني وكنت وما ينهنهني الوعيد٢
فأما مجيء المضارع منفيًا حالا من غير الواو، فيكثر أيضا ويحسن، فمن ذلك قوله:
مضوا لا يريدون الرواح وغالهم من الدهر أسباب جرين على قدر٣
٣- ذات الماضي:
ولا تقع حالا إلا مع "قد" مظهرة أو مقدرة -أما مجيئها "بالواو"، فالكثير الشائع، كقولك: "أتاني وقد جهده السير"، وأما بغير "الواو"، فكقوله:
متى أرى الصبح قد لاحت مخايله والليل قد مزقت عنه السرابيل٤
_________________
(١) ١ أي: ولا أخوف بالذئب. ٢ أقادوا من دمي: أهدروا دمي. ٣ الدلائل ٢٠٧. ٤ الدلائل ٢٠٩-٢١٠.
[ ٦١ ]