اشتهر بين المشتغلين بعلوم القرآن الكريم أن مرحلة نقط القرآن الكريم جاءت متأخرة عن شكله، وأكثر الروايات أن نقط القرآن تمّ أيام عبد الملك بن مروان بمبادرة من الحجاج بن يوسف الثّقفي والي العراق حينئذ، ويذكر في هذا السياق أبو الأسود الدؤلي، ونصر بن عاصم الليثي، والخليل بن أحمد الفراهيدي (١)، وتبدو هذه المرحلة متّصلة بالمرحلة الأولى في إطار تحسين الرسم القرآني وإتاحته للقرّاء في الأمصار.
ومن العسير أن تنسب نقط القرآن لواحد بعينه من هؤلاء، والمؤكد أن جهودهم جميعا تآزرت، وتكاملت في خدمة الرسم القرآني حتى بلغ مبلغه في الإتقان والوضوح الذي نبتغيه، وليس تحديد نائل هذا الشرف من شرط هذه الدراسة، فنحيل مرة أخرى على المؤلفات في تاريخ تدوين القرآن الكريم.
_________________
(١) انظر ترجمته: ٣٦.
[ ١٠٠ ]
وما قدّمناه في باب شكل القرآن من الاعتراضات والرّدود يصدق تماما على مرحلة نقط القرآن الكريم؛ إذ كان الجميع ينظرون إلى المرحلتين على أنهما سعي للأهداف ذاتها بالوسائل ذاتها.
والذي يعنينا هنا من أمر نقط القرآن الكريم هو أثر هذه الخطوة على القراءات، فقد نتج عن النقط مثل ما نتج عن الشكل، من غياب كثير من القراءات المشروعة- المتواترة- من النّص القرآني، فمثلا:
في سورة الرّعد (١٦) تمّ نقط الآيات على الشكل التالي:
أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ- بتاء المضارعة- وهي قراءة الجمهور، فغابت حينئذ قراءة متواترة مشروعة، وهي: (أم هل يستوي الظلمات والنور) - بياء المضارعة- وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف، ورواية شعبة عن عاصم.
ومما توقدون عليه:- بتاء المضارعة- وهي قراءة الجمهور، فغابت حينئذ قراءة متواترة مشروعة وهي: ومما يوقدون عليه- بياء المضارعة- وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف ورواية حفص عن عاصم.
وفي سورة الأعراف (٥٧) تمّ نقط الآية على الشكل التالي:
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا:- بالباء- وهي قراءة عاصم وحده، فغابت حينئذ قراءة التسعة الباقين بالنون (١) (نشرا).