نجد من الأمانة العلمية هنا أن نتطرق إلى أمر غاية في الأهمية، وهو موقف الشيعة من فرية
_________________
(١) واللغة وفنون الأدب، عهد إليه المأمون بتربية ابنيه، وكان فقيها أيضا، عالما بأيام العرب وأخبارها. من كتبه (المقصور والممدود)، و(معاني القرآن)، و(المذكر والمؤنث)، و(الأمثال)، وغيرها كثير.
(٢) الصفاقسي (١٢٦٠ - ١٣٢٣ هـ): محمد بن محمد طريفة الصفاقسي، فقيه، أديب، ناثر، شاعر، حفظ القرآن وجوّده، وأخذ بالروايات من طريق الشاطبية وغيرها، ثم رحل إلى الحجاز فحجّ، ثم سافر إلى تونس فتلقى العلم بجامع الزيتونة، وتوفي بصفاقس، ودفن بها، له مجموعة فتاوى نظمها من محرراته مدة مباشرته الفتوى.
(٣) أبو زرعة ابن زنجلة: من أعلام القرن الرابع، أشار سعيد الأفغاني في مقدمة تحقيقه لكتاب أبي زرعة (حجة القراءات)، بأنه لم يجد له ترجمة وافية، وحسبك في معرفة علمه وفضله مطالعة كتابه الشهير (حجة القراءات).
(٤) الدّاني (ت ٤٤٤ هـ/ ١٠٥٤ م): هو أبو عمرو عثمان بن الصيرفي، ولد في قرطبة، فقيه مالكي، طلب العلم في القيروان والقاهرة ومكة والمدينة، ثم عاد إلى قرطبة، ثم استقر بدانية حيث توفي، كان ذا حافظة عجيبة، ذاعت شهرته في القراءات. له ما يزيد على مائة مصنف أخصها (التيسير في القراءات السبع).
(٥) الطوسي (٣٨٥ - ٤٦٠ هـ): هو أبو جعفر محمد بن الحسن، ولد في طوس، وتوفي بالنجف، ودرس في بغداد. أحرقت كتبه لما دخل أرصغرل بك السلجوقي إلى بغداد. من مؤلفاته (الاستبصار فيما اختلف فيه من أخبار)، وله كذلك (التهذيب)، وهما من كتب الحديث عن الشيعة.
(٦) الدمياطي (ت ١١١٧ هـ): هو محمد بن أحمد، من علماء دمياط. له إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر.
[ ٥٠ ]
تحريف القرآن، ومسألة سلامة النّص القرآني، فقد كثر الحديث حول هذه المسألة، واتخذها بعض الناس سببا للطعن في إيمان القوم ووصمهم بالزندقة، واعتقاد النقص والزيادة في كتاب الله.
والحق أن الطعن في سلامة النّص القرآني منقول عن طائفة من علماء الشيعة، بل في بعض الكتب المصادر عند القوم، وهو ما يزيد المسألة تعقيدا، فقد ورد على سبيل المثال في الكافي للكليني (١)، وهو من أوثق مراجع القوم في الرواية النصوص التالية:
عن جعفر بن محمد قال: (لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة، وإن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد ﷺ كان سبع عشرة ألف آية) (٢).
عن أبي الحسن المضاي قال: «قرأ أمير المؤمنين: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (من خلافة علي) وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، فقلت: تنزيل؟ فقال:
نعم» (٣).
وفي الكافي للكليني أيضا في تأويل قوله تعالى: ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ: (إن الله تعالى لما قبض نبيه ﷺ، ونوزعت فاطمة في ميراثها من رسول الله ﷺ، فاعتزلت الناس خمسة وسبعين يوما حتى كتبت مصحفها، فأرسل الله جبريل إليها، حتى كتبت مصحفا فيه علم ما كان وما يكون، وما لم يكن إلى يوم القيامة) (٤).
عن محمد بن جهم الهلالي أن أبا عبد الله قال: (أمّة هي أزكى من أمّة) في سورة النّحل، ليست كذاك، ولكنها: (أئمة هي أزكى من أئمتكم) (٥).
_________________
(١) الكليني (ت ٣٢٩ هـ): هو أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي، فقيه ومحدّث ومؤرخ إمامي، من أهم رواة الشيعة الجعفرية، اشتهر بكتابه: الكافي، وهو مجموع يتضمن (١٦١٩٩) حديثا، تصبح عند حذف المكرر منها (٨٧٨١) حديثا، وقد كتبت عليه مئات الشروح والتعليقات، ويعتبر من أوسع كتب الرواية عند الشيعة.
(٢) الكافي للكليني، باب ٤٧١، حديث (٢٨).
(٣) أصول الكافي للكليني، كتاب الحجة، باب النكت من التنزيل في الولاية. ١/ ٤١٢، رقم الباب في المعجم المفهرس (١٦٦).
(٤) الكافي، باب فيه ذكر الصحيفة، ١/ ٢٤٠، وانظر كذلك باب ٩٨، حديث (١ و٢ و٣ و٤) ١/ ٣٤٤، وقد عنون الكليني لهذا الباب بقوله: باب فيه ذكر الصحيفة والجامعة ومصحف فاطمة ﵍.
(٥) الكافي للكليني، باب ٩٢، حديث (٧).
[ ٥١ ]
ومثل ذلك في الكافي أيضا عن الإمام محمد الباقر قوله:
«ما ادّعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة بعده» (١).
وقد أدى ورود مثل هذه الروايات عن القوم إلى فتح باب الطعن في عقائد الشيعة، وذهب بعض المتشددين من أهل السّنة إلى الحكم بكفر القوم وفساد عقائدهم (٢).
والحق أن من يعتقد تحريف القرآن الكريم كافر بالإجماع، مخالف لهذه الأمة، ولكن ينبغي أن لا نتعجل على الناس حتى نتبين حقيقة ما يعتقدون، فليس مجرد وجود الرواية في كتبهم دليلا على أنها لهم اعتقاد، وكذلك فإنه ينبغي أن نتبين مذهبهم في تأويل ما يروون.
والمحققون من الشيعة لا يعتقدون صحة سائر ما في الكافي للكليني، ولم ينزلوه عندهم منزلة صحيح البخاري عندنا- كما يعتقد عامة الناس- بل إنهم يذكرون أن فيه ضعيفا ومرسلا كثيرا، وأن الشيخ المتقي الكليني صنف كتابه في عشرين سنة، يسند عمن يسمع، فالعهدة على الإسناد، كما صنع الإمام الطبري، إذ أثبت لك أسانيده، وقال هذا إسنادي، ومن أسند فقد أعذر.
وفي دراسة علمية صدرت حديثا لمحقق شيعي هو السيد هاشم الحسيني جزم فيها بقوله: «إن المتقدمين لم يجمعوا على جميع مرويات الكليني جملة وتفصيلا» (٣).
ويقول: «إن أحاديث الكافي التي بلغت ستة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين، يكون الصحيح منها خمسة آلاف واثنين وسبعين حديثا، والحسن مائة وأربعة وأربعين حديثا، والموثق ألفا ومائة وثمانية وعشرين حديثا، والقوي ثلاث مائة وحديثين، والضعيف تسعة آلاف وأربع مائة وثمانين حديثا» (٤).
_________________
(١) الكافي للكليني، كتاب فضل القرآن.
(٢) انظر على سبيل المثال: الخطوط العريضة للأصول التي قام عليها دين الشيعة الإمامية لمحب الدين الخطيب، ط المكتب الإسلامي ١٣٩١ هـ. وكذلك كتاب الشيعة والقرآن لإحسان إلهي ظهير ص ٩٢ و١٣٣.
(٣) دراسات في الحديث والمحدثين للسيد هاشم معروف الحسيني ص ١٣٢ - ١٣٤.
(٤) المصدر نفسه ص ١٣٧.
[ ٥٢ ]
الصحيح ٥٠٧٢/ الحسن ١٤٤/ الموثق ١١٢٨/ القوي ٣٠٢/ الضعيف ٩٤٨٠/ مجموع ما في الكافي ١٦١٩٩ (١) وقد تعقب النقاد من الشيعة روايات تحريف القرآن الواردة في الكافي، فإذا هي نحو ثلاث مائة رواية وردت من طريق أربعة وهم: أبو عبيد الله السياري، ويونس بن ظبيان، ومنخل بن جميل الكوفي، ومحمد بن حسن بن جهور (٢).
وهؤلاء الأربعة مطعون في عدالتهم عند علماء الاصطلاح من الشيعة، وإليك ما قالوه فيهم:
يقول الغضائري (٣) عن السياري: «ضعيف متهالك غال منحرف» (٤). ويقول عنه الشيخ النجاشي (٥): «ضعيف الحديث، فاسد المذهب» (٦). وقال الشيخ النجاشي في يونس بن ظبيان:
«ضعيف جدا، لا يلتفت إلى كل ما رواه (٧)، بل كل كتبه تخليط». وقال عنه ابن الغضائري:
«كوفي غال كذاب، وضّاع للحديث» (٨).
_________________
(١) يلاحظ أن مجموع ما أورده الحسيني هو (١٦١٢٦)، وهو أقل بثلاثة وسبعين حديثا من المجموع الذي صدّر خطابه بتقريره! ونوضح هنا تعريف علماء الاصطلاح عند الشيعة لاصطلاحي القوي والموثق: الموثق: هو ما دخل في طريقه من نصّ الأصحاب على توثيقه مع فساد عقيدته، ولم يشتمل باقيه على ضعف. القوي: ما اتصل إسناده إلى المعصوم برواية من وثّقه غير الإمامية، ولم يأت أئمتنا على توثيقه ولا تجريحه. انظر قواعد الحديث لمحي الدين الموسوي الغريفي من علماء الإمامية، ط مكتبة المفيد، ص ٢٤.
(٢) أكذوبة تحريف القرآن بين السّنة والشيعة، تأليف الشيخ رسول جعفريان، ص ٤٦.
(٣) الغضائري ( - ٤٤١ هـ): وهو الحسين بن عبد الله بن إبراهيم الغضائري، أبو عبد الله، شيخ الإمامية في عصره، كثير التّرحال، كان حكمه أنفذ من حكم الملوك، يرمى بالغلوّ، له كتب منها: (البيان عن حياة الإنسان)، و(النوادر في الفقه)، و(أدب العاقل)، و(تنبيه الغافل في فضل العلم)، و(فضل بغداد)، و(عدد الأئمة)، و(ما شذّ عن الأئمة في ذلك)، و(يوم الغدير)، و(الرّد على الغلاة والمفوضة).
(٤) قاموس الرجال ١/ ٤٠٣.
(٥) النجاشي (٣٧٣ - ٤٥٠ هـ): هو أحمد بن علي بن أحمد بن العباس، النجاشي، الأسدي، أبو العباس، مؤرخ إمامي، يعرف بابن الكوفي، ويقال له الصيرفي من أهل بغداد، توفي بمطيرآباد، له كتاب: الرجال، في تراجم علماء الشيعة وأسماء مصنفاتهم، والكوفة وما فيها من الآثار والفضائل، وأنساب بني نصر بن قعين وأيامهم وأشعارهم، وهم أجداده.
(٦) معجم رجال الحديث ٣/ ٢٩٠.
(٧) رجال النجاشي، ص ٨٣٨.
(٨) خلاصة الرجال للعلامة الحلي، ص ٢٦٦.
[ ٥٣ ]
وأما منخل بن جميل فقد نقل السيد هاشم الحسيني عن علماء الرجال أنه من الغلاة المنحرفين (١).
وقال العلامة الحلي (٢) في محمد بن حسن بن جهور: «كان ضعيفا في الحديث، غاليا في المذهب، فاسدا في الرواية، لا يلتفت إلى حديثه، ولا يعتمد على ما يرويه» (٣).
وهكذا، فإن تواثب القوم على توهين رواية هؤلاء وتجريحهم والطعن في صدقهم وأمانتهم دليل واضح على تبرؤ مراجع الشيعة من هذه الأوهام، ويبقى ورودها في الكافي مشروطا بصحة الإسناد، وهو لم يتحقق كما رأيت.
وقد نقل عن أئمة الشيعة نصوص كثيرة تدفع توهم اعتقادهم بشيء من التحريف، وأنا أنقل لك طائفة منها: