أبو عبد الله صحابي جليل، يعدّ من الفاتحين الشّجعان، ولاه عمر بن الخطاب على المدائن فتغلب على الفرس في نهاوند عام (٢٣ هـ)، وغزا همذان والرّي. توفي بالمدائن عام (٣٦ هـ)، وقد وردت عنه الرواية في حروف القرآن، رضي الله عن حذيفة وأرضاه (١).
فهذه أسماء أربعة وعشرين صحابيا كريما، أخذ عنهم التابعون، ورووا قراءتهم، وصاروا فيما بعد إسنادا عاليا لأهل التواتر، ولن تجد اليوم صاحب تواتر إلا وهو يدلي من أحد هؤلاء الصحب الكرام بسبب.
_________________
(١) تمت ترجمة الصحابة الكرام تخيرا من المراجع الخمسة الأمهات: الطبقات الكبرى لابن سعد، والاستيعاب لابن عبد البر، وأسد الغابة لابن الأثير، والإصابة لابن حجر، وطبقات القرّاء لابن الجزري. وقد تخيّرنا من تلك المظانّ ما يتصل ببيان إتقانهم للرواية، ومساهماتهم في حفظ القرآن وضبطه.
[ ٤٧ ]
وتجب الإشارة هنا إلى أن ما روي عن الصحابة من اختيارات في القراءة مما لم يدرج في المتواتر ليس له حظ من القبول، ويحرم اعتقاد أنه من القرآن، وهو على كل حال
ليس إلا اختيارات لبعض الكلمات لا يجتمع منها بحال نص قرآني كامل، ويجب حمله على أحد الوجوه الثلاثة الآتية:
١ - الطعن في إسناد هذه الرواية، وهذا من باب تحصيل الحاصل، إذ القرآن لا يقبل إلا متواترا، فما لم تندرج هذه الرواية في المتواتر؛ فهي حكما ليست من القرآن الكريم، والمتواتر كله مضبوط محفوظ مدوّن.
٢ - حمل ذلك على أن الصحابي أراد بذلك التفسير، فأدرجه في مصحفه، أو لقنه للمتلقي على أنه تفسير للنّص القرآني وليس جزءا منه.
٣ - حمل ذلك على أنه وهم من الصحابي، أو من الراوي المتلقّي عنه، وأنه لا يقاوم الصحيح المروي عن الصحابي نفسه بأسانيد التواتر المحفوظة.
ومن الأمثلة على ذلك المردود مما أورده بعض علماء القراءات:
١ - روي عن علي ﵁: (يريد ينقاص) بدلا من (يريد أن ينقض) (١).
٢ - ونسب إليه أيضا: (فمن خاف من موص حيفا) بدلا من (جنفا) (٢).
٣ - قرأ أبي بن كعب ﵁: (وغير الضّالين) بدلا من (ولا الضالين) (٣).
٤ - وقرأ أيضا: (للذين يقسمون من نسائهم) بدلا من (للذين يؤلون) (٤).
٥ - وقرأ ابن مسعود: (وكان عبد الله وجيها) بدلا من (وكان عند الله) (٥).
_________________
(١) انظر المحتسب لابن جني ٢/ ٣١.
(٢) انظر البحر المحيط لأبي حيان ٢/ ٢٤.
(٣) انظر البحر المحيط لأبي حيان ١/ ٢٤.
(٤) انظر البحر المحيط لأبي حيان ٢/ ١٨٠ م ورواها أيضا عن ابن عباس الطبري في جامع البيان.
(٥) انظر المحتسب لابن جني ٢/ ١٨٥.
[ ٤٨ ]
فمثل هذه الروايات وغيرها- وهي كثيرة (١) - لا تعتبر قرآنا بحال، وإنما يوردها المفسرون على أساس أنها منهج الصحابي في التفسير، وقد أعرض عنها بالطبع أئمة الرواية.
ويرد هنا سؤال: أين يمكننا أن نقف على معارف هؤلاء الصحابة الكرام في القراءة؟ وهل ثمة مصنفات تركوها نثروا فيها معارفهم، نتلمس فيها اختياراتهم؟
والجواب أن ذلك يلتمس من طريقين:
أولا: ما دوّنه علماء التفسير والرسم من اختيارات هؤلاء الصحابة الكرام، حيث كانوا يوردون ما قرأ به الصحابة يستعينون به على التفسير، وإضاءة المعاني، ومن هذه المصنفات:
المصاحف لابن أبي داود السجستاني (٢)، والبحر المحيط لأبي حيان (٣)، وإملاء ما منّ به الرحمن للعكبري (٤)، وإعراب القرآن للنحاس (٥)، ومعاني القرآن للأخفش (٦)، ومعاني القرآن للفرّاء (٧)،
_________________
(١) أفرط في إيراد مثل هذه النقول الشاذة عن الصحابة كل من: - أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني في كتاب المصاحف. - ابن جني في كتابه المحتسب. - أبو حيان في تفسيره البحر المحيط. ثم قام الأستاذان الجليلان الدكتور أحمد مختار عمر، والدكتور عبد العال سالم مكرم، باستقصاء سائر هذه الروايات المتواترة والآحاد والشاذة والباطلة في موسوعة كبيرة تقع في تسع مجلدات أصدرتها (انتشارات أسوة) التابعة لمنظمة الحج والأوقاف والشئون الخيرية في طهران، بمساعدة لجنة دعم البحث العلمي لكلية الآداب بالكويت.
(٢) السجستاني: هو أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث، وسليمان بن الأشعث هو أبو داود السجستاني صاحب السّنن، وقد كتب محمد بن سليمان كتابه المشهور، المصاحف. (انظر الحاشية السابقة).
(٣) أبو حيان الغرناطي (٦٥٤ - ٧٤٠ هـ): ولد في غرناطة، وتوفي في القاهرة، وتعلم في الأندلس ومصر. لغوي من كبار العلماء، له كتب في بحث لغات العربية والتركية والفارسية والحبشية. من أشهر كتبه (البحر المحيط) في تفسير القرآن، و(منهج السالك على ألفية ابن مالك).
(٤) العكبري (٥٣٨ - ٦١٦ هـ): عبد الله بن الحسين. عرف بالنحوي الضرير، ولد وتوفي ببغداد، تعلّم على ابن الخشاب. له (التبيان في إيضاح القرآن)، و(شرح ديوان المتنبي).
(٥) النحاس، أبو جعفر أحمد (ت ٣٣٨ هـ): لغوي، أديب، مفسّر، تعلم على الزجاج والأخفش والأصغر وابن الأنباري. تعلم في القاهرة. جلس عند مقياس النيل يتلو الشعر فأخذه النهر في فيضانه. له مؤلفات في اللغة والآداب والتفسير.
(٦) الأخفش (ت ٣١٥): هو علي بن سليمان بن الفضل الأخفش الصغير البغدادي، أبو الحسن، نحوي، إخباري لغوي، سمع المبرد وثعلب بن يحيى وغيرهما، وتوفي ببغداد وقد قارب الثمانين، له من التصانيف (الأنواء)، (التثنية والجمع)، (شرح كتاب سيبويه)، (الجراد)، و(تفسير معاني القرآن).
(٧) الفرّاء (١٤٤ - ٢٠٧ هـ): هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي، أبو زكريا، إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو
[ ٤٩ ]
وغيث النفع للصفاقسي (١)، وحجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة (٢)، والتيسير للداني (٣)، والتبيان للطوسي (٤)، وإتحاف فضلاء البشر للدّمياطي (٥)، وغيرها.
والحق أنه لا يخلو كتاب من كتب التفسير أو الرسم؛ من إشارات كثيرة لما قرأ به الصحابة الكرام من وجوه سمعوها من النّبي ﷺ.
ثانيا: وهي الوثيقة الأهم، وهي تلقي الأئمة القراء من شيوخهم بالمشافهة، وهذه المشافهة التي بلغت أعلى درج التواتر لم تزل متصلة، يتلقاها الأبرار عن الأخيار، لا يرقى إليها الشك، ولا يتطرق إليها الوهم، وهي لدى العلماء اليوم متصلة مسندة، وكل قراءة منها تنتهي إلى صحابي كريم، ومن خلالها تستطيع أن تتبين اختيارات هذا الصحابي من قراءة النّبي ﷺ، وهذه الأسانيد اليوم متوافرة متضافرة، منصوبة في صدور مجالس الإقراء، وسوف نأتي على إيراد بعض هذه الأسانيد في التّلقي عن أكابر الصحابة في قسم الملاحق.