اهتم الرسول ﷺ بتلقين الصحابة- رضوان الله عليهم- القراءة وتعليمهم إياها وقراءة الآيات التي أنزلت عليهم، ومن هنا نشأ علم القراءات بالتلقين الشفوي عن
_________________
(١) - عبد الفتاح القاضي، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة. بيروت-لبنان، دار الكتاب العربي، ط١، ٢٠٠٤م، ص٧. وهذا التعريف قريب من تعريف ابن الجزري انظر: ابن الجزري. منجد المقرئين. ص٦.
(٢) - القضاة، أحمد محمد مفلح، وآخرون. مقدمات في علم القراءات. عَمّان-الأردن، دار عمار، ط١،٢٠٠١م، ص٤٩.
[ ٥٨ ]
رسول الله ﷺ إلى الصحابة- رضوان الله عليهم- ومنهم إلى من بعدهم، حيث أتقن الصحابة رضوان الله عليهم تلاوة القرآن وضبطوه بحكم تلقيهم المباشر من النبي ﷺ، وكان هو المشرف والمرجع الأول في الإقراء والإرشاد، كما كان -﵊- يرسل بعض الصحابة إلى مناطق أخرى لتعليم المسلمين القرآن الكريم، وكان أول معلم أرسل في هذه المهمة: مصعب بن عمير (١)
- ﵁- ليعلم الأوس والخزرج بعد بيعة العقبة الأولى. ثم تتلمذ جمع من الصحابة - رضوان الله عليهم- على يد النبي ﷺ وأمر المسلمين أن يستقرئوا القرآن منهم، وكان من هؤلاء من حفظ القرآن كاملًا، ومنهم من حفظ أكثره، ومنهم من حفظ بعضه، كل ذلك في زمن النبي ﷺ ومن هؤلاء: عبد الله بن مسعود (٢) ومعاذ بن جبل (٣)، وأبي بن كعب (٤)،
وسالم مولى
_________________
(١) - مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، القرشي السيد الشهيد السابق البدري العبدري، بعثه رسول الله ﷺ إلى المدينة قبل الهجرة يقرئهم القرآن، كان يدعى المقرىء، وهو أول من سُمي بذلك، قتل يوم أحد سنة ثلاث هجرية. انظر: ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد. الاستيعاب في معرفة الأصحاب. تحقيق: علي محمد البجاوي، بيروت -لبنان دار الجيل، ط١،١٤١٢هـ، ج٤/ص١٤٧٣. وابن الجزري. غاية النهاية. ج١/ ٢٦١.
(٢) - عبد الله بن مسعود بن مدركة بن إلياس من السابقين الأولين، وأحد من جمع القرآن على عهد رسول الله - ﷺ-، وكان يقول: حفظت من في رسول الله ﷺ بضعة وسبعين سورة. وإليه تنتهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، والأعمش توفي سنة٣٢هـ. انظر: الذهبي. معرفة القراء الكبار. ج١/ص٣٢.
(٣) - معاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري، من نجباء الصحابة، قال أنس: جمع معاذ القرآن في حياة رسول الله ﷺ كان أعلم الصحابة بالحلال والحرام، كما قال النبي ﷺ وقد ورد عنه الرواية في حروف القرآن، توفي بالطاعون سنة ١٨ بالأردن. انظر: ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي أبو الفضل الشافعي، الإصابة في تمييز الصحابة. تحقيق: علي محمد البجاوي، بيروت - لبنان، دار الجيل ط٢، ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م، ج٧/ص٥٢٤.
(٤) - أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية النجار الأنصاري﵁- أقرأ الأمة، عرض القرآن على النبيﷺ- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ: "أرحم هذه الأمة بها أبو بكر - وذكر الحديث وفيه-"وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب". قرأ عليه أبو هريرة وعبد الله بن عباس، ومن التابعين: عبد الله بن عيا ش، وعبد الله حبيب وأبي العالية. مات سنة عشرين أو تسع عشرة وقيل غير ذلك. انظر: الذهبي. معرفة القراء الكبار. ج١/ص٢٨. وابن حجر العسقلاني. الإصابة في تمييز الصحابة. ج١/ ص٢٧.
[ ٥٩ ]
أبي حذيفة (١)، وغيرهم من الصحابة -﵃ أجمعين-. ويقوي هذا القول حديث النبي ﷺ عن مَسْرُوقٍ قال كنا نَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بن عَمْرٍو فَنَتَحَدَّثُ إليه وقال بن نُمَيْرٍ عِنْدَهُ فَذَكَرْنَا يَوْمًا عَبْدَ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ فقال لقد ذَكَرْتُمْ رَجُلًا لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ من رسول اللَّهِ ﷺ سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول خُذُوا الْقُرْآنَ من أَرْبَعَةٍ من ابن أُمِّ عَبْدٍ فَبَدَأَ بِهِ وَمُعَاذِ بن جَبَلٍ وَأُبَيِّ بن كَعْبٍ وَسَالِمٍ مولى أبي حُذَيْفَةَ (٢).
وكان بعض الصحابة بعد أن يتلقى القرآن من النبي ﷺ يكتب ما يحفظه، ويجعله لخاصة نفسه، ويكتب فيه تفسير بعض الآيات، وهذا ما كان يُعرف بمصاحف بعض الصحابة كعبد الله بن مسعود - ﵁ - حيث كان له مصحف خاص، وكذلك أبي بن كعب.