الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن حمل اللواء من بعده إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الله تعالى قد فضّل القرآن الكريم على سائر الكتب، إذ جعله مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه، ومن وجوه تفضيله ومزاياه ما اختُص به من إنزاله على وجوه القراءات، وتكفل الله بحفظه وترتيله فجاء مُصرَّفًا على أوسع اللغات، وظلّ محروسًا من الزيادة والنقصان والتبديل، على مر الزمان وتقلّب الأحوال، وما ذاك إلا دلالةً من دلائل إعجازه وبدائع نظمه.
وقد حظي علم القراءات بعناية كبيرة من العلماء المشتغلين بعلوم القرآن الكريم في مختلف عصور التاريخ الإسلامي، وعدّوه من أشرف العلوم، وأشدها ارتباطًا بكتاب الله - ﷿ -، وقد كثر التصنيف في هذا العلم قديمًا وحديثًا، واحتفظت لنا المكتبة الإسلامية بتصانيف شتى في هذا العلم، معظمها لا يزال مخطوطًا، وما نشر منها لم تتوافر لبعضه على وجه الإجمال شروط الدقة والتثبت في التحقيق والدراسة والنشر العلمي، مع محدودية انتشاره في البلاد الإسلامية.
وأكثر الجهود انصبت في العقود الأخيرة على نشر المصنفات المخطوطة في علم القراءات، والتحقيق العلمي لها، لكن الكتابة في تاريخ علم القراءات ظلت محدودة للغاية، ومحصورة في نطاق ضيق، وظل هذا العلم بحاجة إلى كتابة تاريخ مفصل لمراحله التي مر بها عبر التاريخ الإسلامي الطويل.
[ ٢٧ ]
وكما كان الدافع لجمع القرآن في زمن أبي بكر وعثمان ﵄ هو صيانة كتاب الله تعالى، فإن ذلك أيضًا كان وراء تحديد القراءات التي يقرأ بها.
ثم إن القراء بعد ذلك تفرقوا في البلاد، وخلفهم أمم بعد أمم، وكثر بينهم الخلاف، وقل الضبط، واتسع الخرق، فقام الأئمة الثقات النقاد وحرروا وضبطوا وجمعوا وألفوا على حسب ما وصل إليهم أو صح لديهم.
فالذي وصل إلينا اليوم متواترًا أو صحيحًا مقطوعًا به هو: (قراءات الأئمة العشرة المتواترة، ورواتهم المشهورين).
وأخيرًا فإن القرآن الكريم وقراءاته روح حياة الأمة الإسلامية ومشكاة حضارتها الفكرية، فلذلك كان حقًا على المتخصصين من أبناء الأمة في كل عصر أن يعنوا بمحاسن هذا الدين العالمي من خلال كتابه المبين، وأن ينبروا لإظهار الحق وإبرازه بلغة تناسب عصورهم ومعطياتها، ويأتي هذا البحث القرآني ليعنى بدراسة قضية أخذت حيزًا من اهتمام العلماء.