فأول ذلك فاتحة الكتاب، قال أبو جعفر فيها: على قراءة المدنيين والبصريين ثلاثة مواضع القطع عليها والائتناف بما بعدها حسن، فالأول منها ﴿مالك يوم الدين﴾، والثاني ﴿وإياك نستعين﴾ والثالث آخر السورة.
قال أبو جعفر يدلك على ما قلنا الحديث المسند كما قرئ على أحمد بن شعيب عن سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله عن مالك قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن أبي القاسم قال: حدثنا مالك واللفظ له عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ «كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن هي خداج هي خداج هي خداج غير تمام»، فقلت: يا أبا هريرة إني أكون أحيانًا وراء الإمام فغمز ذراعي فقال: اقرأ بها يا فراسي في نفسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «قال جل وعز قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل»، قال رسول الله ﷺ «اقرأ يقول العبد ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ يقول الله جل وعز حمدني عبدي
[١/ ٢٣]
[ ٢٣ ]
يقول العبد ﴿الرحمن الرحيم﴾ يقول الله أثنى علي عبدي يقول العبد ﴿مالك يوم الدين﴾ يقول الله جل وعز مجدني عبدي، وهذه الآية بيني وبين عبدي، يقول العبد ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد ﴿إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل».
قال أبو جعفر فقد تبين التمام في هذه السورة من لفظ رسول الله ﷺ لأن التمام الأول هو آخر ما لله جل وعز خالصًا وهو (مالك يوم الدين)، والتمام الثاني هو آخر ما بين الله جل وعز وبين عبده وهو (وإياك نستعين)، والتمام الثالث آخر ما سأل العبد وهو (ولا الضالين).
وعلى قراءة الكوفيين فيها أربعة مواضع منهن هذه الثلاثة والرابع (بسم الله الرحمن الرحيم)، هذا تمام وهي قراءة جماعة ومنهم من يحتج لها بأشياء عن النبي ﷺ وعن أصحابه وعن التابعين وبإجماع المسلمين على نقلها متصلة بالسور بلا فرق بينها وبين السورة فهذا الاحتجاج بالإجماع.
وأما ما هو عن النبي ﷺ مما صح سنده فما رواه
[١/ ٢٤]
[ ٢٤ ]
الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم) ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال آمين، وقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، فإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، فلما سلم قال: أما والذي نفسي بيديه إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ، قال أبو جعفر: فهذا إسناده لا أعلم فيه علة.
وقرئ على جعفر بن محمد بن مستفاض الفاريابي عن إسحاق بن راهويه قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي قال: حدثنا ابن جريج عن أبي مليكه عن أم سلمه قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ يقطع قراءته آية آية (بسم الله الرحمن الرحيم) ثم يقرأ (الحمد لله رب العالمين)، قال الفاريابي: وحدثني عبد الله بن محمد بن يوسف الفاريابي قال: حدثنا أبي حدثنا عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن عبد الرحمن بن أندي عن أبيه قال: صليت خلف عمر فجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال الفاريابي: وحدثني سليمان بن عبد الرحمن وهشام بن عمار قالا: حدثنا يحيى بن حمزة قال: حدثنا عطاء الخراساني عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه أنه كان يجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال الفاريابي: وحدثنا محمد بن عبيد بن حساب قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثنا أيوب عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يستفتح الصلاة بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وإذا قال (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال (بسم الله الرحمن الرحيم).
قال الفاريابي حدثنا إسحاق بن راهويه قال: حدثنا
[١/ ٢٥]
[ ٢٥ ]
عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحن ما كنا نعلم بانقضاء السورة إلا بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) قال: فقلت لسعيد بن جبير: فأين الآية السابعة؟ قال: هي (بسم الله الرحمن الرحيم).
قال الفاريابي: وحدثنا مزاحم بن سعيد قال: حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا ابن جريج قال: أخبرني أبي أن سعيد بن جبير أخبره أنه سأل ابن عباس عن قوله جل وعز (سبعًا من المثاني) فقال ابن عباس: سبعًا من المثاني أم القرآن، قال سعيد: ثم قرأها على ابن عباس وقرأ فيها (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال أبي قال سعيد: فقلت لابن عباس: فما المثاني؟ قال: هي أم القرآن استثناها الله جل وعز لأمة محمد ﷺ في أم الكتاب فادخرها لأمة محمد ﷺ حتى أخرجها لهم ولم يعطها أحد قبل أمة محمد ﷺ، فقلت لأبي: أأخبرك سعيد بن جبير أن ابن عباس قال له (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من القرآن؟ قال: نعم، قال: وقال عطاء في أم القرآن هي سبع بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) والمثاني القرآن.
قال الفاريابي: وحدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد الوارث عن حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه يستفتح القراءة بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، ويقول إنما استرقه الشيطان.
قال حدثنا الفاريابي، وحدثنا قتيبة حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن حنظلة عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: من ترك (بسم الله الرحمن الرحيم) فلم يقرأ بها في الصلاة فقد ترك آية من كتاب الله.
[١/ ٢٦]
[ ٢٦ ]
قال الفاريابي: وحدثنا مزاحم بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا شعبة عن الأزرق بن قيس قال: صليت خلف ابن الزبير فجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) فلما قال (ولا الضالين) قال (بسم الله الرحمن الرحيم).
قال الفاريابي: وحدثنا مزاحم بن سعيد، حدثنا ابن المبارك، حدثنا سفيان عن عاصم بن أبي النجود قال: رأيت سعيد بن جبير يجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) في كل ركعة.
قال الفاريابي: وحدثني أبو الإصبع عبد العزيز الحراني قال: حدثني عتاب بن بشير عن خصيف أن عطاء ومجاهدًا قالا: إذا أم الرجل القوم فليجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال أبو جعفر وقد عورضت هذه الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين بما رواه شعبة عن ثابت وقتادة عن أنس قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلم أسمعهم يجهرون بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال أبو جعفر، فهذا فيه غير جواب منها أنه قال لم أسمعهم وقد سمعهم غيره ولا حجة للنافي مع المثبت، ومنها ألا يجهروا ويسروا، ومنها أن أنسًا لما روى أنه لم يسمع الجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم).
وروى أبو هريرة الجهر كان الحديثان غير متناقضين ويكون الجهر والإسرار جائزين، وكذا قال الحكم وإسحاق بن راهويه، إلا أن إسحاق قال الجهر أحب إلي، وأما الحديث فإنه كان يستفتح القراءة بـ (الحمد لله رب العالمين) فيحمل معناه أنه يراد بهذه السورة كما تقول سورة البقرة والذين قالوا لا يستفتح بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) قد أجازوا ذلك، فقال مالك أن أستفتح بها في
[١/ ٢٧]
[ ٢٧ ]
أول السور في شهر رمضان جاز ذلك، وقال أبو حنيفة يستفتح بها سرًا عند استفتاح الصلاة على أنه قد صح ذلك عن من تقوم به الحجة، قال أبو جعفر: وقد ذكرنا المسند وقد روى ذلك عن تسعة من الصحابة عمر وعلي وابن مسعود وعمار وشداد بن أوس وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وأبي هريرة ومن التابعين والفقهاء الزهري وعطاء وطاووس وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن سيرين وأبو إسحاق والحكم وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد.
قال أبو جعفر وفي أم القرآن خمسة أتمه على قراءة محمد بن السميفع منها الأربعة التي ذكرناها والخامس (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم) هذا التمام على قراءته لأنه يقرأ (مالك يوم الدين)، فيبتدئ النداء وفيه معنى التواضع (كما قرئ) ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾.
قال أبو جعفر ولو لم يذكر إلا هذا في هذه السورة لكان كافيًا ولكنا نزيد ذلك شرحًا ليدل على ما بعده لا ينبغي أن يقف على (بسم) لأنه مضاف إلى ما بعده والمضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحد والقطع على (بسم الله) جائز إلا أن الائتناف بما بعده لا ينبغي لأنه نعت، وكذا الوقف على (الرحمن) والتمام (بسم الله الرحمن الرحيم) ولا يقف على (الحمد) لأنه مبتدأ لم يأت خبره والوقف
[١/ ٢٨]
[ ٢٨ ]
على (الله) جائز إلا أنه لا ينبغي أن يفعل ذلك لأن قوله (رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) نعت وهذا التمام، ولا قف على (إياك) لأنه في موضع نصب بـ (نعبد) ولا (نعبد) لأن ما بعده معطوف عليه والتمام (نستعين)، ولا يقف على (إهدنا) لأن الصراط منصوب به ولا على (الصراط) لأن المستقيم نعت له، ولا على (المستقيم) لأن ما بعده بدل ولا على (الذين) لأن ما بعده من صلته ولا على (عليهم) لأن (غير) بدل من (الذين) أو نعت أو نصب على الحال والائتناف فكذا أيضًا ولا على (المغضوب) لأن الذي يقوم له مقام الفاعل بعده، والتمام (ولا الضالين).
[١/ ٢٩]
[ ٢٩ ]