قد ذكرنا حديث ابن عمر أنهم كانوا يتعلمون ما ينبغي أن توقف عنده كما يتعلم القرآن وإن هذا إجماع من الصدر الأول وقد روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان﴾، وقال: فانقطع الكلام وحدثنا أحمد بن محمد بن نافع، حدثنا سلمة، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتاده في قوله جل وعز ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما﴾، قال أنزل الكتاب قيمًا ولم يجعل له عوجًا فيجب على هذا أن لا يقطع عند عوج لأن قيمًا راجع إلى ما قبله.
وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا الحسن بن محمد حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: كل مؤمن صديق شهيد ثم قرأ ﴿أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾، وكذا يروى عن مجاهد قال أبو جعفر: فعلى هذا التأويل التمام عند ربهم وفيه قول آخر أن يكون
[١/ ١٤]
[ ١٤ ]
التمام أولئك هم الصديقون ويكون الائتناف ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ كما قال مسروق هي للشهداء خاصة.
وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يستحب أن يقف ﴿قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾ ثم يبتدئ فيقول ﴿هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾، أراد أن يفرق بين كلام الكفار وجواب الملائكة، وسئل علي بن أبي طالب ﵁ عن قول الله ﷿ ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾، وقد رأينا الكافر يقتل المؤمن، فقال علي ﵁: اقرأ ما قبلها ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ يعني يوم القيامة، قال أبو جعفر: لما اتصل الكلام بما قبله تبين المعنى وعرف المشكل، وقد تأول بعض العلماء حديث جرير: بايعنا رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم أنه ينبغي أن ينصح من علم القرآن فيقف الذي يعلمه على ما يحتاج إليه من القطع وما ينبغي أن يستأنف به.
ويروى عن ميمون بن مهران أنه أنكر الوقف على ﴿إنما نحن مصلحون﴾ ثم يقول: فيبتدئ ﴿ألا إنهم﴾، وكذا عن عمر بن عبد العزيز، فينبغي أن يتجنب القارئ مثل هذا، أنكره ميمون بن مهران ولا يقطع عند قوله ﷿ ﴿وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين
[١/ ١٥]
[ ١٥ ]
آمنوا وعملوا الصالحات﴾، فلا يجوز الوقف على مثل هذا على أي حال من الأحوال، وإذا كان يصلي فالاستحباب له ألا يقطع في آخر الركعة إلا على كلام تام ولا يقف على ﴿إنما نحن مصلحون﴾ وهو رأس العشر في عدد أهل المدينة، ولكن التمام ﴿ولكن لا يشعرون﴾ وكذا لا يقف على رأس العشرين ﴿لعلكم تتقون﴾ لأن ﴿الذي جعل لكم﴾ من نعت (ربكم) ولكن يقطع إن شاء عند قوله ﴿أن الله على كل شيء قدير﴾ وإن شاء وقف على ما بعد العشرين وهو قوله ﷿ ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، ولا ينبغي أن يحتج بأن نيته وإن وقف غير ذلك فإنه مكروه عند العلماء بالتمام والسنة وأقوال الصحابة تدل على ذلك، فقد أنكر النبي ﷺ على الرجل الذي خطب فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما، ولم يسأله عن نيته ولا ما أراد وأنكر النبي ﷺ على من قال ما شاء الله وشئت ولم يسأله عن نيته، وكذا القاطع على ما لم يجب أن يقف عليه وإن كان نيته غيره فإنه يكره ذلك له، وقد كره إبراهيم النخعي أن يقال لا والحمد لله ولم يكره أن يقول نعم والحمد لله، وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه
[١/ ١٦]
[ ١٦ ]
قال لرجل معه ناقة أتبيعها بكذا؟ فقال: لا عافاك الله، فقال: لا تقل هكذا ولكن قل لا وعافاك الله، فأنكر عليه لفظه ولم يسأله عن نيته.
[١/ ١٧]
[ ١٧ ]