ذكر لي بعض أصحابنا عن أبي بكر بن مجاهد أنه كان يقول: لا يقوم بالتمام إلا نحوي عالم بالقراءات عالم بالتفسير عالم بالقصص وتلخيص بعضها من بعض، عالم باللغة التي نزل بها القرآن، وقال غيره: يحتاج صاحب علم التمام إلى المعرفة بأشياء من اختلاف الفقهاء في أحكام القرآن لأنه من قال من الفقهاء لا تقبل شهادة القاذف وإن تاب فإن الوقف عنده ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ فمن روى عنه أن شهادة القاذف لا تجوز وإن تاب فإن الوقف عنده ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ فمن روى عنه أن شهادة القاذف لا تجوز وإن تاب ابن عباس من رواية عطاء الخراساني عنه وهو قول شريح والحسن والنخعي وسعيد بن جبير والثوري، وقال أصحاب الرأي شهادة القاذف المحدود فيه لا تجوز أبدًا ومن قال تجوز شهادته إذا تاب كان الكلام عنده متصلًا والوقف عند ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ ومن روى عنه أن شهادة القاذف إذا تاب جائزة عمر بن الخطاب رواه الزهري عن ابن المسيب عن عمر وروى ابن أبي طلحه عن ابن عباس ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ قال: ثم قال ﴿إلا الذين تابوا﴾ قال: ومن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله ﷿
[١/ ١٨]
[ ١٨ ]
تقبل.
قال أبو جعفر وهذا قول طاووس ومجاهد وعطاء والزهري والشعبي وأبي الزناد ومالك والشافعي، واحتج الشافعي بأن الثنيا في سياق الكلام على أول الكلام وآخره في جميع ما يذهب إليه أهل اللغة إلا أن يعرف ذلك بخبر وليس عند من يزعم أنه لا تقبل شهادة أن الثنيا له خبر إلا عن شريح وهم يخالفون شريحًا برأي أنفسهم، قال أبو جعفر: ويحتاج إلى معرفة بالنحو وتقديراته، ألا ترى أنه من قال ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ منصوبة بمعنى كملة أبيكم إبراهيم وأعمل فيها ما قبلها، لم يقف على ما قبلها ومن نصبها على الإغراء وقف على ما قبلها ويحتاج إلى معرفة التفسير لأنه إذا وقف على ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة﴾ كان المعنى أنها حرمت عليهم هذه المدة وإذا وقف على ﴿فإنها محرمة عليهم﴾ كان المعنى أنها محرمة عليهم أبدًا وأنهم يتيهون في الأرض أربعين سنة، فيرجع في هذا إلى التفسير ويكون الوقوف بحسب ذلك ويحتاج إلى المعرفة بالقراءات لأنه إذا قرأ ﴿ويقولون حجرًا محجورا﴾ كان هذا التمام عنده، وإن ضم الحاء وهي قراء الحسن فالوقف عنده (ويقولون حجرا) وكان الرجل من العرب إذا نزلت به شدة يقول حجرا فقيل لهم محجورا أي لا تعادون كما كنتم في الدنيا تعادون حجر الله جل وعز ذلك عليكم يوم القيامة، وإذا قرأ ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين
[١/ ١٩]
[ ١٩ ]
بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾، فهذا التمام عنده إذا نصب وهي قراءة نافع وعاصم والأعمش وحمزة، ومن قرأ (والعين بالعين) فرفعها ورفع ما بعدها فالوقف عنده (أن النفس بالنفس) وهذه قراءة الكسائي واختيار أبي عبيد واحتج بحديث الزهري عن أنس أن رسول الله ﷺ قرأ ﴿أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾، قال أبو جعفر فعلى هذه القراءة والعين بالعين ابتداء حكم في المسلمين ويجعل ما كتب عليهم في التوراة أن النفس بالنفس ويوجب الحكم بالقصاص في العيون وما بعدها بين المسلمين بالآية.
وممن كان يرى القصاص من العين علي بن أبي طالب ﵁ وهو قول الشعبي ومسروق والنخعي وابن سيرين والزهري والحسن ومالك والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق كما روى الحكم عن يحيى بن جعده: أن أعرابيًا قدم بحلوبه إلى المدينة فساومه مولى لعثمان بن عفان فنازعه فلطمه ففقأ عينه، فقال له عثمان: هل لك أن أضعف لك الدية وتعفوا عنه، فأبى، فرفعهما إلى علي بن أبي طالب ﵀، فدعا بمرآة فأحماها ثم وضع القطن على عينه الأخرى ثم أخذ المرآة بكلبتين فأدناهما من عينه حتى سال إنسان عينه.
قال أبو جعفر فقد صار في معرفة الوقف والائتناف والتفريق بين المعاني، فينبغي لقارئ القرآن إذا قرأ أن يفهم ما يقرؤه ويشغل
[١/ ٢٠]
[ ٢٠ ]
قلبه به ويتفقد القطع والائتناف ويحرص على أن يفهم المستمعين في الصلاة وغيرها، وأن يكون وقفه عند كلام مستقر أو شبيه به وأن يكون ابتداؤه حسنًا ولا يقف على مثل ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى﴾ لأن الواقف هاهنا قد أشرك بين المستمعين، وبين الموتى والموتى لا يسمعون ولا يستجيبون وإنما أخبر عنهم أنهم يبعثون.
قال أبو جعفر ومن لم يعرف الفرق بين ما وصله الله جل وعز في كتابه وبين ما فصله لم يحل له أن يتكلم في القطع والائتناف، فقد ذكر بعض من ألف كتابًا في هذا أن الوقف ﴿ألم يأتكم نذير قالوا بلى﴾، قال أبو جعفر: وهذا غلط لأنه لا ينبغي أن يبتدئ بما بعده فيحتاج القارئ أن ينظر أين يقطع وكيف يأتنف، فإن من الوقف ما هو واضح مفهوم معناه، ومنه مشكل لا يدري إلا بسماع وعلم بالتأويل ومنه ما يعلمه أهل العلم بالعربية واللغة، فيدري أين يقطع وكيف يأتنف.
قال أبو جعفر وسأبين إن شاء الله ما يقطع عنده ويحسن الائتناف بما بعده في هذا الكتاب وهو كتاب القطع والائتناف في القرآن العظيم.
[١/ ٢١]
[ ٢١ ]