من ذلك قوله جل وعز وعن ﴿الم﴾ في القطع عليها والائتناف بما بعدها أربعة أقوال: منهن أن فيها ثلاثة أتمة، والقول الثاني: أن القطع على (الم) كاف وليس بتمام والقول الثالث: أن القطع عليها ليس بتام ولا كاف والقول الرابع: أن القطع على (الم) تمام).
قال أبو جعفر وهذه الأقوال يبينها كلام العلماء في التفسير، ونحن نشرح ذلك حتى يتبين معناها ويكون ذلك دالًا عليها وعلى غيرها من أشباهها ونعزوا كل قول إلى قائله، قال الأخفش سعيد بن مسعدة: ألف تمام، لام تمام، ميم تمام، ومذهب أبي عبيدة أن مجازها مجاز حروف الهجاء، ومذهب الكسائي، أنها حروف التهجي قال أبو جعفر: فهذا قول وليس عندي بصواب لأنها في المصحف موصولة فلا يجوز قطعها كما لا يجوز مخالفة ما في المصاحف ولا تمام في كتاب الله جل وعز منها شيئًا مقطوعًا إلا ﴿حم عسق﴾ والعلة في قطعها دون غيرها أن الحواميم، سبع فلما تكررت وزيد في إحداهن شيء كان منفصلًا، والقول الثاني قول أبي حاتم قال: (الم) كاف وليس بتمام وعلته في هذا أنه زعم أنه لم يدر ما معنى حروف المعجم، فجعل الوقف كافيًا لأن ما بعدها مفيد ولم يجعله تامًا لأنه إذا وقف عليه لم يعرف معناه.
والقول الثالث أن الوقف على (الم) ليس بتام ولا كاف في مذهب
[١/ ٣٠]
[ ٣٠ ]
الفراء، لأن المعنى عنده حروف المعجم يا محمد ذلك الكتاب، واجتزئ ببعضها من بعض، قال أبو إسحاق: هذا خطأ لو كان كما قال لكان بعدها أبدًا (ذلك الكتاب) أو ما أشبهه، وقول عكرمة (الم) قسم، يوجب أن لا يكون تمامًا لأن القسم متعلق بما بعده، وكذا قول قطرب إنما جيء بها ليتلى عليهم ما بعدها، وكذا قول محمد بن يزيد أنها تنبيه.
والقول الرابع أن (الم) تمام وقول أبي إسحاق كان يذهب إلى أن كل حرف منها يفيد معنى، وقول أبي الحسن بن كيسان أن (الم) تمام إلا أن تقديره خلاف تقدير أبي إسحاق لأن أبا إسحاق يقدره بمعنى: أنا الله أعلم، وابن كيسان يقدره اسمًا للسورة، قال (الم) في موضع نصب بمعنى اقرأ (الم) أو عليك (الم) قال: ويجوز أن يكون في موضع رفع بمعنى هذا أو هو أو ذلك (الم) وقولاهما جميعًا موجود في التفسير، فأما قول أبي إسحاق فروى عن ابن عباس، كما حدثنا عبيد الله بن إبراهيم البغدادي، حدثنا حفص بن عمر بن الصباح، حدثنا أبو نعيم، حدثناش ريك عن عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله ﷿ (الم) قال: أنا الله أعلم، و(المر) قال: أنا أرى، و(المص) أنا الله أفصل.
وقول ابن كيسان يروى معناه عن قتادة كما حدثنا أحمد بن محمد بن
[١/ ٣١]
[ ٣١ ]
نافع قال: حدثنا سلمة، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة في قوله جل وعز (الم) قال: اسم من أسماء القرآن، قال أبو جعفر: فقد صار على هذين القولين التمام (الم) وهي أولى ما قيل في ذلك وكل ما في القرآن من نظيره فهو مثله في قول الجماعة الذين ذكرناهم وأطلنا شرحه لأن له نظائر ولا نعلم أحدًا صنف كتاب تمام فجمع هذه القوال كلها فيه بشرحها وبالله التوفيق.
(ذلك) ليس بموضع قطع لأنه لا يفيد إلا بما بعده و(الكتاب) فيه تقديرات ستة: على ثلاثة منها يكون التمام ﴿ذلك الكتاب﴾ على أن يكون ما بعده مستأنفًا فمن التقديرات أن يكون ذلك مرفوعًا بالابتداء و(الكتاب) خبره وهذا قول أبي حاتم وقال: ومثله ذلك، وقال أبو عبيدة ذلك بمعنى هذا وأنشدوا:
أقول له والرمح يأطر متنه = تأمل خفاقًا أنني أنا ذلكا
أي: أنا هذا، قال أبو جعفر وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال: لا يكون ذلك بمعنى هذا لاختلاف معنيهما قال: والمعنى أنى ذلك الذي سمعت به.
والتقدير الثاني: هذا ذلك الكتاب الذي كنتم ترجونه، وهذا قول محمد بن يزيد قال: ويدل عليه ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾.
[١/ ٣٢]
[ ٣٢ ]
والتقدير الثالث هذه الحروف ذلك الكتاب وهذا قول الفراء.
قال أبو جعفر: فالقطع على هذه الأقوال الثلاثة (ذلك الكتاب) فأما التقديرات الثلاثة الأخر فإنه يكون الكتاب نعتًا لـ (ذلك) و﴿لا ريب فيه﴾ الخبر، وهذا قول الأخفش سعيد حكاه عنه أبو حاتم قال: كذا قال معلمنا الأخفش وليس كما ظن واحتج بقوله جل وعز ﴿الر تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ لأنه ليس بعده (لا ريب فيه) قال أبو جعفر: وهذا لا يلزم لأنه إذا كان بعده (لا ريب فيه) فهو خبر وإذا لم يكن ذلك بعده فالخبر غيره.
والتقدير الثاني: أن يكون ﴿هدى للمتقين﴾ الخبر، والتقدير الثالث أن يكون الخبر (لا ريب فيه) لأن معناه حق.
قال نافع: لا ريب تمام ورد هذا عليه أحمد بن جعفر قال: لأنه لا بد من عائد وهذا لا يلزم، قد حكى البصريون: لا بأس، وحكى الكوفيون: إن زرتني فلا براح فيجوز أن يكون (لا ريب) التمام وبحذف الخبر، وقد قرأ أبو عبد الرحمن: ﴿قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول﴾ ويجوز أن يكون (لا ريب) التمام لأن معناه حق ويكون ﴿فيه هدى للمتقين﴾ مستأنفًا، ويجوز أن يكون التمام (لا ريب فيه هدي للمتقين) المبتدأ والخبر (للمتقين) ويجوز أن يكون بمعنى: هو هدى للمتقنين، وفي المتقين تقديرات
[١/ ٣٣]
[ ٣٣ ]
تكون تمامًا على أن يجعل (الذين) في موضع رفع بالابتداء ويكون الخبر ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾، ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا أي الذين يؤمنون بالغيب هم المذكورون، ويجوز أن يكون التقدير: هم الذين.
قال أبو جعفر: ورأيت علي بن سليمان يستحب أن يقطع عند (المتقين) لأنه رأس آية ويجوز أن يكون التقدير: هم الذين يؤمنون بالغيب، فإن جعلت (الذين) نعتًا لـ (المتقين) أو بدلًا منهم لم يتم الكلام على (المتقين)، والذي قاله علي بن سليمان حسن لأن (المتقين) مع أنه رأس آية كلام مفيد على مذهب الحسن أن المعنى الذين يتقون الله جل وعز بأداء حقه يجعلونه بينه وبينهم حاجزًا من عذابه ومانعًا من عقابه والتقى والتقوى والتقيه في اللغة الخوف، قال ﷿ ﴿فاتقوا النار ﴾ الآية، وأنشد الأصمعي:
ألا تتقون الله يا آل عامر = وهل يتقي الله الإبل المصمم
والإبل: الفاجر، والإبل: الضعيف الحيله، والمصمم: الذي يمضي على ما هو فيه (الذين) لا يوقف عليه لأنه اسم ناقص ولا على (يؤمنون) لأن (بالغيب) من تمامه ولأن (يقيمون) معطوف عليه داخل في الصلة معه وكذا ﴿ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون﴾ إن جعلناه معطوفًا على (الذين) الأول أو على
[١/ ٣٤]
[ ٣٤ ]
(للمتقين) أو على المضمر لم تقف على (ينفقون) وإن جعلناه مبتدأ أوقفت على (ينفقون) وابتدأت ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾ ويكون الخبر ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ هاهنا القطع، وهو أتم ما مر من أول السورة إليه يدلك على ذلك ما حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السلام قال: حدثنا أبو الأزهر، حدثنا روح قال: حدثنا شبل عن ابن أبي نجيج عن مجاهد قال: من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين وبعدها آيتان في نعت الكافرين، وبعدهما ثلاث عشرة آية في نعت المنافقين.
قال أبو جعفر: فهذا أحسن من قول مجاهد وهذه التمامات الثلاثة من أحسن ما في هذه الآيات ﴿إن الذين كفروا﴾ إلى قوله جل وعز ﴿لا يؤمنون﴾ فيه تقديرات ثلاثة إن جعلت (لا يؤمنون) خبر إن فالقطع عليه وإن جعلت ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ الخبر كان الوقف على (أم لم تنذرهم) كافيًا غير تمام، والتقدير الثالث أن يكون القطع (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) ثم يبتدئ (هم لا يؤمنون) يكون (هم) في موضع رفع بالابتداء و(لا يؤمنون) الخبر، والأولى أن يكون القطع (لا يؤمنون) ويكون كافيًا.
قال أبو العاليه: أنزل الله ﵎ في قادة الأحزاب ﴿إن
[١/ ٣٥]
[ ٣٥ ]
الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾، فلم يكن في قادة الأحزاب نجيب ولا ناج ولا مهتد ولا أسلم منهم أحد إلا رجلان وكانا مغموصًا عليهما في دينهما أحدهما أبو سفيان والآخر الحكم بن أبي العاص ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾، قال الأخفش سعيد ويعقوب هذا التمام، قال الأخفش: ولو وقف على (قلوبهم) كان أيضًا تمامًا، قال أبو جعفر: إذا وقف على (ختم الله على قلوبهم) وقدره بمعنى وختم على سمعهم لم يكن على قلوبهم تمامًا لأن الثاني معطوف عليه، وإن قدر أن الختم على القلوب خاصة فهو تمام، ويقوى هذا أن مجاهدًا قال: أن الذنوب تحيط بالقلب فإذا أحاطت به كله فذلك الطبع.
قال أبو جعفر الطبع والختم واحد والرين دون ذلك والأقفال أشدها فإن قيل فإن كان الثاني معطوفًا على الأول فلم لم يكن وختم الله على قلوبهم وسمعهم ففي هذه ثلاثة أجوبة منها أن إعادة الحرف لمعنى المبالغة في الوعيد، والجواب الثاني أن السمع لما كان واحدًا والقلوب جماعة أعيد الحرف، والجواب الثالث أن المعنى وختم على سمعهم فحذف الفعل وقام الحرف مقامه.
وروى المفضل عن عاصم ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾ بالنصب، وقدر الكسائي أن المعنى (وجعل على أبصارهم غشاوة) فعلى هذا التقدير يكون (وعلى سمعهم) كافيًا، وأجاز الكسائي أن يكون التقدير (وختم على أبصارهم غشاوة) فعلى هذا القطع على ﴿غشاوة ولهم عذاب عظيم﴾، تمام حسن لأنه قد انقضت
[١/ ٣٦]
[ ٣٦ ]
القصة في الكافرين وابتدأت قصة المنافقين.
كما حدثنا أبو علي محمد بن جعفر بالأنبار قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل حدثنا عمر وحدثنا أسباط بن نصر عن السدي ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ قال: هم المنافقون.
قال أبو جعفر (ومن الناس) ليس بقطع لأنه لا يفيد إلا ما بعده وكذا (من) لأن (ما) بعدها داخل في صلتها وكذا يقول لأن ما بعده محكى وكذا (آمنا بالله) متصل به وباليوم الآخر كافي، وكذا (وما هم بمؤمنين) إن جعلت (يخادعون) مستأنفًا وإن قدرته في موضع الحال بمعنى مني قول آمنا مخادعين كان الوقف (والذين آمنوا) كافيًا غير تمام ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم﴾ كافي، وكذا (وما يخادعون)، وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى واحد ورويت قراءتان أخريان (وما يخادعون إلا أنفسهم)، كذا رواها أبو حاتم قال كما يقول غبن فلان رأيه، وروى عن يعقوب أنها قراءة شاذة ورواها أحمد بن يحيى (وما يخدعون إلا أنفسهم) بالرفع، قال أبو جعفر قد أجاز سيبويه مثل هذا وأنشد:
لبيك يزيد ضارع لخصومة = وأشعث ممن طوحته الطوائح
أي يبكيه ضارع وكذا التقدير بخدعهم أنفسهم كما نقول: ضرب يزيد عمرو وأي ضربه عمرو والوقف واحد، (وما يشعرون) تمام
[١/ ٣٧]
[ ٣٧ ]
﴿في قلوبهم مرض﴾ قطع كاف ﴿فزادهم الله مرضا﴾ تمام ﴿ولهم عذاب اليم﴾، ليس بوقف لأن ما بعده متصل به وكذا إن كان (أليم) بمعنى مؤلم فليس بوقف أيضًا و(أليم) بمعنى مؤلم قول يقوله بعض النحويين على تساهل، والحقيقة أنك إذا قلت عذاب مؤلم جاز أن يكون قد ألم ثم زال.
و(أليم) أبلغ لأنك تخبر أنه ملازم ولهذا منع النحويون إلا سيبويه أن يتعدى «فعيل» (بما كانوا يكذبون) بآيات الله ورسله و(يكذبون) قطع حسن أيضًا أي يكذبون في نحو قولهم (آمنا) (وإذا) ليس بوقف كاف لأنها تشبه حروف الشرط فهي تحتاج إلى ما بعدها ﴿قيل لهم﴾ ليس بكاف لأن ما بعدها محكى وكذا القول في جميع القرآن ﴿لا تفسدوا في الأرض﴾ ليس بكاف لأن بعده جواب (إذا) قال أبو حاتم ﴿قالوا إنما نحن مصلحون﴾ وقف كاف والتمام ﴿ولكن لا يشعرون﴾.
قال أبو جعفر وكذا قول أصحاب التمام يقولون (مصلحون) ليس بتمام ولا يقفون عليه وهكذا سبيل الكلام إذا حكى عن قوم وهو مردود عليهم، والتمام بعد أن يأتي الرد عليهم، وكذا التمام ﴿ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾.
قال أبو حاتم ﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن
[١/ ٣٨]
[ ٣٨ ]
كما آمن السفهاء﴾ وقف كاف والتمام (ولكن لا يعلمون) قال أبو جعفر: هذا قريب مما قبله ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ قطع صالح ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم﴾ ليس بقطع كاف لأن الائتناف بما بعده لا يحسن.
قال أبو حاتم (مستهزءون) ليس بوقف صالح لأنه لا يستأنف ﴿الله يستهزئ بهم﴾ ولا يستأنف ﴿ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، قال: والتمام ﴿في طغيانهم يعمهون﴾، وقال يعقوب هو وقف كاف، الذي قاله يعقوب صواب على قول من قال معنى (الله يستهزئ بهم) بجهلهم وبغيهم، قال الله ﷿ ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها﴾ أي تعاب، ومن قال معنى (الله يستهزئ بهم) يجازيهم على استهزائهم كان الوقف عنده ﴿يعمهون أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ وقف صالح وكذا ﴿فما ربحت تجارتهم﴾، والتمام ﴿وما كانوا مهتدين﴾. قال الأخفش سعيد: وأما قوله جل وعز ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾ فالتمام فيه عند قوله جل وعز ﴿حذر الموت
[١/ ٣٩]
[ ٣٩ ]
والله محيط بالكافرين﴾ لأنه أراد ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا أو كصيب من السماء﴾ كما تقول أنت كزيد أو أخيه، ولو قلت أنت تريد ذلك المعنى أنت كزيد ولم تذكر الأخ لم يجز السكوت عليه ولم يكن تامًا.
قال أبو جعفر هذا الذي ذكره الأخفش لا يكاد يبلغه نفس واحد ولا يصل إليه، وقد ذكر في غير هذا الموضع إن قوله جل وعز ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾ لا يتم الكلام حتى يأتي بقوله جل وعز ﴿أو كصيب من السماء﴾ كما تقول ضربت زيدًا أو عمروًا فلا يجوز إذا أردت هذا المعنى أن تقول ضربت زيدًا أو تسكت فينقلب المعنى، قال أبو جعفر وهذا الذي قاله يخالف فيه لأن قولك ضربت زيدًا أو عمروًا شك وليس كذا الآية لأن معناها والله أعلم الإباحة أي مثلوهم بذا أو بذا، فإذا كان الأمر على هذا كان الوقف على ﴿ذهب الله بنورهم﴾ صالحًا ﴿وتركهم في ظلمات﴾ ليس بوقف كاف لأن ﴿لا يبصرون﴾ في موضع الحال.
قال الأخفش وإذا أردت التمام في قوله ﴿صم بكم عمي﴾ كان كل واحد منهما تامًا وهذا خلاف قوله الأول فيكون الوقف على هذا ﴿لا يبصرون﴾ وإن شئت وقفت على (صم) بمعنى هم صم وإن شئت وقفت على (بكم) وإن شئت وقفت على (عمي) يقول الوقف على (لا يبصرون) تام وكذا (عمي) وهذا مذهب
[١/ ٤٠]
[ ٤٠ ]
أبي عبيدة والمعنى عنده وهم صم بكم عمي، وأنشد (النابغة الذبياني):
توهمت آيات لها فعرفتها = لستة أعوام وذا العام سابع
رماد ككحل العين ما إن يبينه = ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع
وهو قول الفراء قال (صم بكم عمي) إنما رفعن وأسماؤهن في أول الكلام منصوبة لأن الكلام تم ﴿فهم لا يرجعون﴾ وقف صالح (أو كصيب من السماء) ليس بوقف كاف لأن ﴿فيه ظلمات ورعد وبرق﴾ نعت لـ (صيب ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم﴾ ليس بكاف لأن ما بعده من تمامه.
قال أبو حاتم (حذر الموت) وقف صالح وقال: والتمام (والله محيط بالكافرين) وقال الأخفش (حذر الموت) التمام، وقال غيره لا يوقف على ﴿من الصواعق﴾ لأن ما بعده علة له وقد يجيء على قول سيبويه لأنه قال هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه عذر وقوع الأمر فانتصب لأنه مرفوع له، وأنشد:
واغفر عوراء الكريم إدخاره = واصفح عن شتم اللئيم تكرما
قال أبو جعفر فهذا مفعول من أجله كما تقول: جئتك ابتغاء العلم، وقال الفراء وأما قوله جل وعز (حذر الموت) فإنه منصوب على
[١/ ٤١]
[ ٤١ ]
التفسير كما قال جل وعز ﴿يدعوننا رغبًا ورهبا﴾، وقال جل ثناؤه ﴿ادعو ربكم تضرعا وخفية﴾، قال أبو جعفر: الذي تعارف عليه النحويون أن المنصوب على التفسير يحسن فيه من أو في جنسه و(رغبًا ورهبا) مصدران، فكذا (تضرعا وخفية) ﴿والله محيط بالكافرين﴾ وقف حسن ﴿يكاد البرق يخطف أبصارهم﴾ وقف صالح.
قال نافع ﴿وإذا أظلم عليهم قاموا﴾ التمام، قال أبو حاتم (وإذا أظلهم عليهم قاموا) وقف صالح وكذا ﴿لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ والتمام ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾.
قال أبو جعفر: وهذا أحسن ما في العشر من التمام لأنه انقضاء قصة المنافقين والائتناف بما بعده حسن، ﴿يا أيها الناس﴾ ليس بوقف كاف لأن الناس نعت لأي وأي يلزمها النعت ومن النحويين من يقول هو صلة لأي (الناس) ليس بوقف كاف لأن النداء إنما يؤتي به تنبيهًا على ما بعده ﴿اعبدوا ربكم﴾ فيه تقديرات ثلاثة وإن جعلت (الذي) نعت لربكم لم يكن تامًا ولا كافيًا، وإن جعلت ﴿الذي خلقكم﴾ مبتدأ وخبره ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشا﴾ كان القطع على (اعبدوا ربكم) تامًا، (الذي
[١/ ٤٢]
[ ٤٢ ]
خلقكم) ليس بوقف كاف لأن ﴿والذين من قبلكم﴾ عطف على الكاف والميم داخل في الصلة (والذين من قبلكم) فيه تقديرات ثلاثة:
فإن رفعت (الذين) بالابتداء لم يكن تامًا ولا كافيًا، وإن جعلته بمعنى هو أو بمعنى أعني أو نعتًا كان كافيًا، وإن جعلت الذي الثاني نصبًا بـ (تتقون) كان الوقف على (والذين من قبلكم) تامًا، وكان ﴿لعلكم تتقون﴾ غير تام ولا كاف، وكذا إن جعلت الذي الثاني خبر الأول أو نعتًا لربكم أو للذي الأول وفي الوقف على (لعلكم تتقون) تقديرات ثلاثة، هذا أحدها، والتقدير الثاني أن يكون كافيًا على أن يكون الذي الثاني في موضع رفع على إضمار مبتدأ أو في موضع نصب بمعنى أعني، والتقدير الثالث أن يكون (لعلكم تتقون) تمامًا، ويكون (الذي جعل لكم الأرض فراشا) مبتدأ ويكون خبره ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾ فإن معناه فلا تجعلوا له وأعيد الاسم على التفخيم والتعظيم كما قال ﷿ ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، وأنشد سيبويه:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء = نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
قال أبو جعفر وهذه الأشياء من لطائف النحو ولا أعلم أحدًا ذكرها في كتاب تمام ولكنها مستخرجة على أصول النحويين وإنما يحمد
[١/ ٤٣]
[ ٤٣ ]
من عمل كتابًا أن يستنبط شيئًا أو يقرب بعيدًا أو يختصر مكثرًا وبالله جل وعز التوفيق.
(الذي جعل لكم الأرض فراشا) ليس بوقف كاف لأن ﴿السماء بناء﴾ معطوف داخل في الصلة، فإن قدرت ﴿وأنزل من السماء ماء﴾ عطفًا أيضًا دخل في الصلة ولم يجز أن يقف على بناء وإن قدرته مستأنفًا ولم ترفع الذي بالابتداء جاز الوقف على (والسماء بناء وأنزل من السماء ماء) ليس بوقف كاف لأن ما بعده عطف عليه ﴿فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾ إن رفعت الذي بالابتداء لم يكن وقفًا كافيًا وإن كان غير ذلك وقفًا صالحًا ولم يكن تامًا لأن في الفاء التي بعده معنى المجازاه ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾ ليس بوقف كاف لأن ما بعده متعلق به.
قال سفيان: أي فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل ﴿وأنتم تعلمون﴾ التمام و(إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) ليس بقطع كاف لأنه لم يأت جواب الشرط.
قال الأخفش: أما قوله جل وعز ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ فيكون تمامًا إن شئت كأنه قال (فأتوا بسورة من مثل ذلك) وقال غيره: ليس بتمام لأن (وادعوا) عطف على (فأتوا ﴿وادعوا شهداءكم من دون الله﴾ ليس بوقف كاف لأن ﴿إن كنتم صادقين﴾ متعلق به حذف جوابه لأن الأول يدل عليه.
[١/ ٤٤]
[ ٤٤ ]
ألا ترى أن قوله جل وعز (وادعوا) فيه قولان أحدهما أن معنى (وادعوا) واستغيثوا بمن يغيثكم إن كنتم صادقين في أنكم تأتوا بسورة من مثله، وقال أبو جعفر ومعنى هذا يروى عن ابن عباس، وأنشد النحويون:
فلما التقت فرساننا ورجالهم = دعوا يالكعب واعتز بنا لعامر
بمعنى وادعوا واستغيثوا، ألا ترى أن بعده لام الاستغاثة والقول الآخر أن معنى (وادعوا) من الدعاء (إن كنتم صادقين) وقف صالح وليس بتمام لأن ما بعده متعلق بما قبله ولا سيما ومن المفسرين من قال المعنى ﴿وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ ليس بقطع كاف لأنه لم يأت جواب الشرط.
﴿فاتقوا النار﴾ ليس بقطع كاف لأن (التي) نعت لـ ﴿النار التي وقودها الناس والحجارة﴾، وقف حسن ويكون (أعدت) مستأنفًا، قال أبو جعفر: وقد غلط أبو حاتم في هذه الآية لأنه لم يجز الوقف على (والحجارة) وزعم إن (اعدت) داخلة في الصلة وشبهه بالذي في آل عمران ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾، قال أبو جعفر: هذا غلط بين لأن (التي) في آل عمران لم تجيء لها صلة قبل (أعدت للكافرين) وليس كذا
[١/ ٤٥]
[ ٤٥ ]
(التي) في هذه السورة ﴿أعدت للكافرين﴾ قطع تام.
﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ليس بقطع كاف لأنه متعلق بما بعده ﴿أن لهم جنات﴾ ليس بقطع كاف لأن ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ نعت لجنات الأنهار، ليس بقطع كاف إلا أن يجعل ما بعده مستأنفًا ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا﴾ ليس بقطع كاف لأنه لم يأت الجواب ﴿قالوا هذا الذي رزقنا من قبل﴾ قطع صالح وكذا ﴿وأتوا به متشابهًا﴾ وكذا ﴿لهم فيها أزواج مطهرة﴾، والتمام ﴿وهم فيها خالدون﴾.
﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا﴾ هذا تمام عند أحمد بن جعفر، وقال أحمد بن جعفر: لو وقف واقف على ﴿أن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما﴾ جاز وكان حسنًا وقال الأخفش: إن شئت وقفت ﴿مثلا ما بعوضة﴾، وقال أبو حاتم ﴿فما فوقها﴾.
قال أبو جعفر: هذا أصح الأقوال فأما أن يقطع على (أن يضرب مثلا فخطأ لأن (ما) إن كانت زائدة للتوكيد فلا يبتدأ بها، وإن كانت بمعنى والذي ورفعت بعوضة فهي بدل من مثل، وكذا إن كانت نكرة ومثل ومثل واحد والمعنى - والله أعلم - إن الله لا يستحي أن يبين شبهًا، ومَثَلُ ومِثْل مثل شَبَهٍ وشِبْه، كما قال:
[١/ ٤٦]
[ ٤٦ ]
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا = وما مواعيده إلا الأباطيل
والقطع على (ما) لعمري حسن، كما قال:
لشيء ما يسود من يسود =
ولكن الائتناف لما بعدها قبيح، لأنه منصوب مردود على ما قبله أو بمعنى ما بين بعوضة، والوقف على (بعوضة) ليس بتمام لأنه متعلق بما بعده (فما فوقها) كما قال أبو حاتم ﴿فأما الذين آمنوا﴾ ليس بقطع كاف لأنه لم يأت الخبر ﴿فيعلمون أنه الحق من ربهم﴾ قطع حسن لأن أما لا تحتاج إلى تكرير وإنما يأتي بعدها ما هو معطوف عليها.
﴿وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾، قال أبو حاتم: هذا الوقف، وأما الفراء فليس هذا عنده تمامًا، والتمام عنده ﴿ويهدي به كثيرًا﴾، قال الفراء وقوله جل وعز ﴿ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا﴾ فكأنه قال والله أعلم ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد يضل به هذا ويهدي به هذا، قال الله جل وعز ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾.
قال أبو جعفر الأولى في هذا ما قاله أبو حاتم والدليل على ذلك قوله جل وعز في سورة المدثر ﴿وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾، ثم قال جل وعز ﴿كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء﴾، فهذا غير ذلك.
[١/ ٤٧]
[ ٤٧ ]
﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾ فيه تقديرات ثلاثة: إن قدرت ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ مبتدأ وجعلت خبره ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ كان (إلا الفاسقين) قطعًا تامًا، وإن قدرت (الذين) في موضع نصب بمعنى أعني أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ كان (إلا الفاسقين) قطعًا كافيًا، وإن قدرت (الذين) نعت للفاسقين لم يكن (إلا الفاسقين) قطعًا تامًا ولا كافيًا (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) ليس بقطع كاف لأن ما بعده معطوف على ما في الصفة فهو داخل في الصلة ﴿ويفسدون في الأرض﴾ وقف حسن إن لم ترفع (الذين) بالابتداء ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ قطع تام ﴿كيف تكفرون بالله﴾ ليس بقطع كاف لأنه متعلق بما بعده.
قال الفراء: المعنى (كيف تكفرون بالله وقد كنتم أمواتًا فأحياكم) قال الأخفش سعيد: ولا يتم المعنى على ﴿وكنتم أمواتا﴾ حتى تقول ﴿فأحياكم﴾، فهذا الوقف عند الأخفش وهو كما قال لأن (يميتكم) فعل مستقبل (واحياكم) ماض على أن في هذا أقوالا ثلاثة، فالأخفش يقول الوقف (فأحياكم) وأبو حاتم يقول الوقف (ثم يميتكم) وأكثر الناس تقول ﴿ثم إليه ترجعون﴾.
قال أبو حاتم وأما قوله جل وعز ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم﴾ فهذا الوقف لأن هذا مما عاينوه
[١/ ٤٨]
[ ٤٨ ]
ورأوه وهم لم يكونوا مؤمنين بحياة الآخرة والرجوع إلى الله جل وعز ﴿ثم يحييكم ثم إليه ترجعون﴾ فإنما وقع التوبيخ على ما هم مقرون به ومعاينون له.
قال أبو جعفر فهذا نص كلام أبي حاتم وظاهر كلامه مستحسن حتى يتدبرون ذلك، إن التمام عنده ثم يميتكم لأنهم مقرون بهذا وإذا تدبرت قوله رأيت ما قاله غير لازم لأن الله جل وعز قد وبخهم بكفرهم في الآية وهم (لا) يقرون بالكفر، فأما مذهبه أن (ثم يميتكم) منقطع مما قبله لأنهم لا يقرون به، والبين أنه ليس كذلك، لأنهم قد لزمهم الإقرار به، لأن الذي جاءهم بالبراهين الباهرة عليهم أن يقبلوا كلما جاء به ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾، قال أبو حاتم الوقف على (جميعا) حسن في السمع وليس بتمام لأن (استوى) معطوف على (خلق) فهو داخل في الصلة ولا يوقف على الصلة دون الموصول ولا على الموصول دون الصلة.
قال أبو جعفر الذي قاله كما قال إلا أن فيه وجهًا لم يذكره يجوز أن يكون ثم استوى إخبارًا من الله جل وعز منقطعًا من الأول فيصبح الوقف على جميعًا، قال أبو حاتم والوقف ﴿فسواهن سبع سموات﴾ ثم الوقف ﴿وهو بكل شيء عليم﴾، قال أبو جعفر التمام على قول أبي عبيدة وهو بكل شيء عليم لأنه زعم أن قوله جل وعز ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض
[١/ ٤٩]
[ ٤٩ ]
خليفة﴾ (إذ) فيه زائدة، وأنشد:
فإذا وذلك لا مهاه لذكره = والدهر يعقب صالحا بفساد
وأنشد أيضًا:
حتى إذا أسلكوهم في قتائده = شلا كما تطرد الجمالة الشردا
قال أبو جعفر وهذا عند محمد بن يزيد وجماعة (غير غلط) من أبي عبيدة لأن إذ وإذا ظرفان مفيدان بمعنى فلا يجوز الغاؤهما، فأما البيت الأول تقديره فإذا ما نحن فيه وما مضى لا مهاه له أي لا نضاره له ليس ينبغي أن يغتر بذلك، والبيت الثاني تقديره عند محمد بن يزيد حتى إذا أسلكوهم فحذف جواب إذا، فيجب ألا يكون ما قبله تمامًا لأن ما قبله يدل على هذا المحذوف.
ألا ترى أن معنى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) أذكروا هذا واعرفوه (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) هذا التمام عند الأخفش وليس بتمام عند غيره وهذا يبينه التفسير، وبيانه في الآية من المشكل.
قال أبو عبيده في قول الله جل وعز ﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ جاءت على لفظ الاستفهام والملائكة لم تستفهم، وقد قال الله جل وعز ﴿إني جاعل في
[١/ ٥٠]
[ ٥٠ ]
الأرض خليفة﴾ ولكن معناها الإيجاب أنك ستفعل، قال جرير:
ألستم خير من ركب المطايا = وأندى العالمين بطون راح
وشبهه أبو عبيده: يقول الرجل لغلامه وهو يضربه، إذا أذنب: ألست الفاعل كذا فعلى قول أبي عبيدة، قالوا أتجعل فيها مستأنف وهو مخالف في ما قاله.
روي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس قالا: قال الله جل وعز للملائكة ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ قالوا: ما ذلك الخليفة؟ قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا، ﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ فعلى هذا القول لا يتم الكلام عند قوله (إني جاعل في الأرض خليفة) لأنه متعلق بما بعده وما بعده دال على المحذوف.
وقد قيل أتجعل فيها من يفسد فيها استخبار على غير حذف المعنى، أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن حالنا لم يتغير، فالوقف الكافي على هذا (ونقدس لك)، وقيل المعنى أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء أم تجعلنا، فالوقف على هذا ويسفك الدماء، وفي الآية قول خامس قيل إذن الله جل وعز لهم أن يسألوا عن هذا متعجبين، قال أبو جعفر: وهذا القول خارج عن قول أهل التأويل وهذا محظور في كتاب الله جل وعز.
وأولى الأقوال - والله أعلم - ما روى عن صحابين لا يعلم لهما مخالف من الصحابة وأهل العلم على أنه قال رجل من الصحابة شيئًا لم أسمع خلافه إلا إلى صحابي مثله ولا سيما وهم حاضروا التنزيل والحاضر يعلم بمشاهدته الكلام ما لا يعلمه الغائب، قال أبو
[١/ ٥١]
[ ٥١ ]
جعفر ومثل هذا الحذف موجود في كلام العرب كما قال:
فلا تدفنوني إن دفني محرم = عليكم ولكن خامري أم عامر
أي ولكن دعوني للتي يقال لها إذا أريد صديها خامري أم عامر.
قال الأخفش والتمام عند قوله جل وعز ﴿إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها﴾ قطع صالح وليس بتمام لأن ما بعده معطوف عليه وكذا ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾ وأما فقال ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ فوقف حسن وليس بتمام لأن الجواب بعده وهو متعلق به ﴿قالوا سبحانك﴾ ليس بقطع كاف لأنه لم يأت جملة ما قالوا وكذا ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ فأما ﴿إنك أنت العليم الحكيم﴾ فوقف حسن وكذا ﴿قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾، وأما ﴿فلما أنبأهم بأسمائهم﴾ فليس بقطع كاف لأنه لم يأت جواب لما ﴿قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض﴾ ليس بقطع كاف لأن وأعلم معطوف على ما قبله.
قال الأخفش ووقف التام أن يأتي بالقصة كلها إلى ﴿وما كنتم تكتمون﴾، ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ وقف صالح ﴿فسدوا﴾ ليس بقطع كاف لأن ﴿إلا إبليس﴾ استثناء ﴿أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ وقف حسن،
[١/ ٥٢]
[ ٥٢ ]
﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ ليس بتمام لأن ما بعده معطوف عليه وليس برأس آية ولكنه صالح وكذا ﴿وكلا منها رغدًا حيث شئتما﴾ فأما ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ فليس بوقف كاف لأن ﴿فتكونا﴾ جواب النهي من الظالمين وقف حسن، ﴿فأزلهما الشيطان عنها﴾ وقف صالح وكذا ﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾، قال أبو حاتم الوقف الكافي ﴿وقلنا اهبطوا﴾، قال أبو جعفر على قول أبي حاتم يكون (بعضكم) مرفوعًا بالابتداء إخبارًا فإن جعلت الجملة في موضع الحال كان الوقف ﴿بعضكم لبعض عدو﴾.
قال أبو حاتم ﴿ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾ وقف كاف ﴿فتلقى آدم من ربه﴾ ليس بقطع كاف حتى يأتي بالمفعول، قال محمد بن سعدان: وحدثنا عبد الوهاب، قال حدثنا سعيد عن قتاده عن ابن عباس والحجاج عن جرير بن حازم عن حميد عن مجاهد وعبيد بن عقيل عن شبل بن عباد عن عبد الله بن كثير المكي (فتلقى آدم من ربه كلمات) بنصب (آدم) ورفع (كلمات) وعلى هذا لا يقف حتى يقول كلمات وهو على هذه القراءة وكذا لأن المرفوع لا بد منه ﴿فتاب عليه﴾ وقف صالح ﴿إنه هو التواب الرحيم﴾ قطع حسن ﴿قلنا اهبطوا منها جميعا﴾ وقف كاف، ﴿فإما يأتينكم مني
[١/ ٥٣]
[ ٥٣ ]
هدى﴾ ليس بقطع كاف لأنه لم يأت جواب الشرط، وكذا ﴿فمن تبع هداي﴾ والتمام ﴿فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا﴾ ليس بوقف كاف حتى يأتي بخبر الابتداء والتمام ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ ليس بتمام لأن ما بعده معطوف عليه متعلق به وهو ﴿أوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ وهذا أيضًا ليس بتمام ولكن ﴿وإياي فارهبون﴾ وقف حسن وليس بتمام وإنما المعنى وإياي فارهبون في الوفاء بالعهد كما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن قوس حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا ابن المبارك عن الحسن بن يحيى عن الضحاك (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) قال أوفوا بما افترضت عليكم وأوف لكم بالجنة، ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم﴾ وقف صالح وكذا ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ وكذا ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا﴾، وكذا ﴿وإياي فاتقون﴾ إلا أنه حسن لأنه رأس آية والقطع على (فاتقون) حسن من جهة أخرى وذلك إنك إذا وقفت عليه بغير (يا) كنت مواقفًا للسواد ولجميع القراء فيما علمت وإذا وصلته فمن القراء من يكتب فيه اليا كما حدثنا عبد الله القزويني عن أبي العباس وراق خلف قال: حدثنا روح بن عبد المؤمن
[١/ ٥٤]
[ ٥٤ ]
قال: حدثنا أحمد بن موسى عن عيسى بن عمر - فإياي فارهبون وإياي فاتقون ﴿والذي هو يطعمني ويسقين﴾ ﴿إلا ليعبدون﴾ - إذا وقفت فيها كلها كان بغير يا وإذا وصلت كانت بيا قال يعقوب ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾ قال أبو جعفر: في هذا غلط بين ليس هذا بتمام ولا كاف لأن ولا تكتموا لا يخلوا من أحد الجهتين، أما أن يكون معطوفًا فلا يتم الوقف على ما قبله وإما أن يكون جوابًا فيكون القطع على ما قبله أبعد.
والجواب كما قال الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله = عار عليك إذا فعلت عظيم
فلو وقف على (لاتنه عن خلق) لفسد المعنى، وكذا قول العرب: لا تأكل السمك وتشرب اللبن لو وقف على لا تأكل السمك لفسد المعنى على أن يعقوب لما ذكر أن (لا تلبسوا الحق بالباطل) تام كاف قال ثم تجعل الكتمان جوابًا فجاء ما بعد الوجهين والوقف الكافي ﴿وأنتم تعلمون﴾ وليس بتمام لأن ما بعده معطوف عليه، وكذا ﴿وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة﴾.
والقطع التام ﴿واركعوا مع الراكعين﴾، وكذا ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا
[١/ ٥٥]
[ ٥٥ ]
تعقلون﴾، لأن المعنى أفلا تعقلون ما في هذا عليكم، والوقف عليه حسن لأنه رأس آية، ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ وقف صالح ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ فيه تقديران أن جعل (الذين) نعتًا للخاشعين أو بدلًا لم يحسن القطع على الخاشعين، وإن جعلت الذين مرفوعًا على إضماره مبتدأ، كان الوقف على الخاشعين حسنًا.
قال أبو جعفر: ورأيت علي بن سليمان يستحسن في مثل هذا الوقوف على رأس الآية، والذي قال عندي حسن يدل عليه قوله جل وعز ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ فلما انقضت الآية قال جل وعز ﴿التائبون العابدون﴾ ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ ليس بقطع كاف لأن أن الثانية معطوفة على الأولى والقطع التام ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ ليس بوقف كاف لأن ما بعده معطوف على ما قبله والقطع على ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ حسن لأنه رأس آية، ﴿واتقوا يومًا﴾ ليس بوقف كاف لأن ما بعده من نعمته، والكوفيون يقولون صلة والقطع التام ﴿ولا هم ينصرون﴾.
[١/ ٥٦]
[ ٥٦ ]
قال الأخفش ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون﴾ التام قال أبو جعفر: والأمر على ما قال ﴿يسومونكم﴾ مستأنفًا فإن جعلته في موضع نصب على الحال لم يتم الكلام على ما قبله ﴿يذبحون أبناءكم﴾، إن جعلته بدلًا من يسومونكم لم يكن يسومونكم قطعا كافيًا لأن الفعل ببدل من الفعل كما قال:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا = تجد حطبًا جزلا ونارًا تأججا
﴿ويستحيون نساءكم﴾ قطع صالح ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ قطع حسن، ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم﴾ ليس بتمام لأن ما بعده عطف عليه ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ وقف صالح على مذهب الفراء لأن معنى ﴿وأنتم تنظرون﴾ عنده وأنتم تعلمون كما قال جل وعز ﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل﴾ وقد خولف في هذا وذلك إنه استبعد أن يكونوا ينظرون إلى فرعون حين غرق لشغلهم بما هم فيه، قال أبو جعفر: وهذا متناول بعيد والأمر أقرب من ذلك يكون وأنتم تنظرون إلى انفراق البحر وانطباقه على فرعون وآل فرعون فينظرون على ما به.
﴿وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة﴾ ليس بتمام لأن ما بعده معطوف عليه والمعنى فيه، وأما قول الأخفش المعنى ﴿وإذ واعدنا
[١/ ٥٧]
[ ٥٧ ]
موسى﴾ تمام (أربعين ليلة) فمخالف للظاهر لقول أهل التأويل ﴿ثم اتخذتم العجل من بعده﴾ ليس بتمام لأن التقدير ثم اتخذتم العجل من بعده إلهًا وهذا حالكم ﴿وأنتم ظالمون﴾ وقف حسن وإن كان ما بعده معطوفًا على ما قبله لأنه رأس آية ولكن ليس بتمام، والقطع التمام ﴿لعلكم تشكرون﴾ إذا قدرت المعنى واذكر إذ أتينا موسى الكتاب ولم تجعل إذ معطوفة على ما قبلها ﴿وإذ أتينا موسى الكتاب﴾، وقف كاف على أحد قولي الفراء وهو قول قطرب يذهبان إلى المعنى: وأعطينا محمد الفرقان.
قال أبو جعفر وهذا القول لا يصح على قول أهل التأويل ولا في الظاهر ولا في العربية لأن أهل التأويل يقولون: أوتي موسى التوراة وهي الكتاب وهي الفرق بين الحلال والحرام ومنهم من يقول: أوتي موسى الكتاب وانفراق البحر والظاهر على خلاف ما قالا، قال الله ﷿ ﴿ولقد أتينا موسى وهارون الفرقان﴾ فلا يجوز في العربية أعطيت زيدًا دينارًا أو درهمًا وأنت تريد وأعطيت عمروًا درهمًا فإن احتج بقول الشاعر:
يا ليت زوجك قد غدا = متقلدًا سيفًا ورمحا
قيل له هذا البيت لا يشبه ذلك لأنهما جميعًا لشيء واحد وأيضًا فقد
[١/ ٥٨]
[ ٥٨ ]
عرف أن معناه وحامل رمحًا وقد ذكر الفراء قولا آخر قال العرب: تنسق الشيء على الشيء إذا اختلف اللفظان وإن كان هو هو وأنشد:
وقدمت الأديم لراهشيه = وألفى قولها كذبا ومينا
يذهب إلى أن (المين) هو الكذب، قال أبو جعفر: وهذا البيت لا يشبه من الآية شيئًا لأن المين إن كان هو الكذب بعينه فلا يفيد إلا معنى الكذب فإن القرآن أفاد معنى غير معنى الكتاب، قال مجاهد أي ﴿وفرقانا﴾ بين الحق والباطل وهذا قول حسن حكى سيبويه مررت بزيد أخيك وصديقك.
والقطع التام ﴿لعلكم تهتدون﴾ قال يعقوب والوقف الكافي ﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾ وهذا عنده غير غلط لأن ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ عطف عليه وهو أيضًا متعلق بالقول، قال أبو حاتم: ومن الواضح ﴿ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم﴾، وقف حسن وكذا ﴿إنه هو التواب الرحيم﴾ ثم التمام على رأس كل آية إلى قوله ﷿ ﴿وما ظلمونا﴾ أي وما ينقصونا بفعلهم وإنما ينقصوا أنفسهم الثواب والنعيم الدائم، فهذا وقف صالح. والتمام ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ وبعده ﴿نغفر لكم خطاياكم﴾ وقف صالح ﴿وسنزيد المحسنين﴾ وقف
[١/ ٥٩]
[ ٥٩ ]
حسن ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾ قطع صالح ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا رجزًا من السماء بما كانوا يفسقون﴾ قطع تام، إذا قدرته بمعنى واذكروا ﴿إذ استسقى موسى لقومه﴾ وقف صالح وليس بتمام لأن ما بعده معطوف عليه والقطع التام رأس الآية إذا قدرته بمعنى واذكروا ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد﴾، قال الأخفش التمام وبصلها لأنهم سألوا بلغ هذه الأشياء كلها، وقال غيره هو قطع كاف لأنه لم يأت بالجواب.
﴿قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ إن قدرت هذا إخبارًا عن الله ﷿ لم ينبغ أن تقف عليه لأن ما بعده إخبار عن الله جل وعز أيضًا، وإن قدرت أن يكون الكلام من كلام موسى وقفت عليه، وأهل التفسير على هذا القول، قالوا لما خاطبوا موسى ﷺ بهذا غضب قال ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ قال الله جل وعز ﴿اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾ لا اختلاف في هذا أنه إخبار عن الله جل وعز وهو قطع صالح.
قال أبو حاتم ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾ وقف حسن قال وأحسن منه ﴿وباءوا بغضب من الله﴾، قال أبو جعفر ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله﴾ ليس بقطع كاف لأن ما بعده معطوف عليه.
[١/ ٦٠]
[ ٦٠ ]
﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ قطع صالح والتمام ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾، ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن﴾ ليس بقطع كاف لأنه لم يأت خبر إن وكذا ﴿من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا﴾ لأن الجملة خبر إن والعائد محذوف كما حكى عن العرب: السمن منوان بدرهم، أي منوان منه، والتقدير ﴿من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم﴾، فيما يردون عليه من أهوال يوم القيامة ﴿ولا هم يحزنون﴾ على ما خلفوه في الدنيا ويحزنون وقف حسن ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور﴾ ليس بوقف كاف.
قال الأخفش المعنى وقلنا ﴿خذوا ما أتيناكم بقوة﴾، قال أبو جعفر: (وقلنا) معطوف على أخذنا، وكذا ﴿واذكروا ما فيه لعلكم تتقون﴾ وقف حسن أي لعلكم تتقون عقابي، وليس بتمام لأن ما بعده ﴿ثم توليتم من بعد ذلك﴾ قطع صالح ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾ قطع حسن ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت﴾ قطع صالح، قال الأخفش: التمام ﴿فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين
[١/ ٦١]
[ ٦١ ]
فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها﴾ ليس بقطع كاف ﴿وموعظة للمتقين﴾ تمام على قول الأخفش، لأن التقدير عنده: واذكروا إذ قال موسى لقومه، وعلى قول الفراء ليس بتمام لأنه عنده معطوف على ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾.
﴿وإذا قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ قطع صالح ﴿قالوا أتتخذنا هزوا﴾ مثله لأن الكلام قد أفاد الهزو: اللعب والجهل، كما قال:
قد هزت مني يا أم طيسلة
﴿قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ قطع حسن، ﴿قالوا أدع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ قطع كاف، ﴿قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر﴾، قال نافع: ثم قال الفراء: لا فارض ولا بكر، انقطع الكلام ثم استأنف فقال ﴿عوان بين ذلك﴾، وفي الحديث أن سعيد كان يقف (ولا بكر) وكذا عن مجاهد وعيسى بن عمر ويعقوب وخالفهم كلهم الأخفش فقال: التمام ﴿عوان بين ذلك﴾ قال أراد لا كبيرة ولا صغيرة ولكن عوان بين ذلك وأنشد:
جلوس لدى الأبواب طلاب حاجة = عوان من الحاجات أو حاجة بكرا
[١/ ٦٢]
[ ٦٢ ]
قال أبو جعفر: مع مخالفة الأخفش هذه الجماعة قد جاء بوجه بعيد، ومن النحويين من يقول أخطأ وجاء ما لا يجوز البتة وذلك أنه جعل عوانًا من نعت بقرة وذلك بمنزلة المضمر وإذا كان التقدير: إنها بقرة عوان بين ذلك أي بينهما أي بين الفارض والبكر، فقد قدم المضمر على المظهر ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ وقف حسن.
﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾ وقف صالح، ﴿قال إنه يقول إنها بقرة صفراء﴾ من القراء من قال هذا الوقف لأن الصفراء عنده بمعنى سوداء، قال الحسن: صفراء سوداء، قال أبو عبيده: قالوا صفراء سوداء كما قال ﴿جمالة صفر﴾، قال أبو جعفر: فعلى هذا القول لا يكون فاقع تابع لصفراء كما قرئ على عبد الله بن أحمد بن عبد السلام عن أبي (الأزهر) قال: حدثنا روح عن سعيد عن قتادة، قال: الفارض الكبيرة والفاقع الصافي وتسر الناظرين وتعجب الناظرين، قال أبو جعفر والتقدير على هذا لونها فاقع أي لونها صاف خالص لا تكون اتباعًا وقد حكى الكسائي فقع يفقع وأنشد غيره:
= فهي صفراء أولادها كالزبيب
[١/ ٦٣]
[ ٦٣ ]
أي أسود، قال أبو جعفر: وهذا القول خلاف المعروف من كلام العرب وخلاف الظاهر والمتعارف لأن العرب تقول أصفر فاقع ولا يقال أسود فاقع إنما يقول أسود حالك وحلكوك وحلوك ودجوجي وغربيب وأبيض لهق ولهق ولهاق ويقق وناصع وأحمر قاني وأخضر ناضر.
وقرئ على أحمد بن محمد الحجاج عن يحيى بن سليمان قال: سمعت عبد الله بن إدريس قال: سمعت أبي وغيره ذكر عن الأسود بن يزيد قال: العرب تسمى الأحمر أسود، وقال أبو جعفر: وهذا لا حجة فيه لأن الحمرة والخضرة مقاربتان للسواد، قال الله جل وعز ﴿مدهامتان﴾ أي خضراوان شديدتا الخضرة فكأنهما سوداوان، فإذا قيل أصفر فاقع زال معنى السواد منه، وقد قال سعيد بن جبير: كانت صفراء كلها وعنه كانت صفراء القرن والظلف.
﴿فاقع لونها﴾ وقف حسن إن جعلت تسر الناظرين مستأنفًا وإن جعلته نعتًا فالوقف على الناظرين، ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ وقف صالح، وكذا ﴿إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾ وقف حسن، ﴿قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول﴾ ليس بقطع كاف، وزعم الفراء أنه ليس بقطع لأن المعنى ليست بذلول تثير الأرض وهو معنى قول أبي عبيده
[١/ ٦٤]
[ ٦٤ ]
قال: ليست بذلول ولا تثير الأرض، وبين هذا قال الحسن: كانت هذه البقرة وحشية ليس لها ذل الإنسية أي المألوفة للناس قال أبو جعفر: وهذا قول حسن بين ما تقدم، أي: إنها وحشية لم تذل بإثارة الأرض وسقى الحرث.
قال نافع ﴿ولا تسقى الحرث﴾، تم وقال أبو جعفر الرواسي في القرآن مواضع أحب أن أقف عليها منها ولا تسقى الحرث وخالفهما الأخفش لأنه جعل مسلمة نعتًا لبقرة، وقال التمام ﴿لاشية فيها﴾.
قال أحمد بن موسى ﴿قالوا الآن جئت بالحق﴾ ثم قال أبو جعفر: فأما أول من قال كفروا بهذا فقول مردود لأنهم قد انتهوا إلى ما أمروا به من ذبح البقرة وإنما كفرهم هذا القائل بقولهم ﴿الآن جئت بالحق﴾ ولم يزل ﷺ جادًا بالحق، وقال بعضهم بل جهلوا في هذا وغلطوا كما جهلوا في إن لم يأخذوا بما أمرهم به موسى ﷺ من الظاهر حتى تعنتوا وقالوا: أدع لنا ربك يبين لنا ما هي وما لونها، قال ابن عباس لو أخذوا أدنى بقرة لأجزأتهم.
﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾، وقف حسن، ﴿وإذ قتلتم نفسًا فأدارءتم فيها﴾ وقف صالح ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ قطع حسن، ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ ليس بقطع كاف لأن في الكلام حذفًا أي اضربوه ببعضها ﴿كذلك يحيي
[١/ ٦٥]
[ ٦٥ ]
الله الموتى﴾ ليس بوقف كاف لأن ويريكم آياته عطف على يحيى ﴿لعلكم تعقلون﴾ وقف حسن وليس بتمام ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك﴾ وقف صالح.
قال أبو حاتم: الوقف الكافي ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾ قطع صالح، وكذا ﴿وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ وقف صالح حسن على مذهب من قال هذا مخصوص لما يعلقه بالله جل وعز منها وعلى قول من قال إنه يرى صورته لذا منقادًا لأمر الله جل وعز، كما قال: خشع كل شيء لله، كما قال:
لما أتى خبر الزبير تضعضعت = سور المدينة والجبال الخشع
﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ تمام ﴿وهم يعلمون﴾ وقف حسن، قال أحمد بن موسى ﴿ليحاجوكم به عند ربكم﴾ تمام، قال يعقوب وأبو حاتم: ﴿أفلا تعقلون﴾ ﴿وما يعلنون﴾ كاف وكذا ﴿إلا أماني﴾ وكذا ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ وكذا ﴿ثمنًا قليلا﴾ وكذا ﴿مما يكسبون﴾ وكذا ﴿قالوا
[١/ ٦٦]
[ ٦٦ ]
لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة﴾ وكذا ﴿فلن يخلف الله عهده﴾ وكذا ﴿أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾ وقف صالح وليس بتمام لأن ﴿بلى﴾ رد لقولهم (لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة) ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ وقف حسن ولا يجوز الوقف على ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وإلا انقلب المعنى، والوقف ﴿أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾.
﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ قال أبو حاتم: تم الكلام أي واستوصوا بالوالدين إحسانًا، قال: والدليل على ذلك ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ أمر وكذا ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ أمر، قال الأخفش: وأما قوله جل وعز ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ فإن التمام فيه (وقولوا للناس حسنا) لأن الميثاق أخذ بهذا كله.
قال أبو جعفر: محمد بن جرير يختار هذا القول ورد قول أبي حاتم لأن عنده من كلامين وإذا كان كلام من كلام واحد كان أولى ورد قول من قال التقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، ولو كان كذا لكان: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا، قال: ولو كان كذا لكان: وأحسنوا إلى الوالدين إحسانًا، وقدره معطوفًا على المعنى لأن المعنى: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بهذا وبهذا فعطف على المعنى كما قال:
[١/ ٦٧]
[ ٦٧ ]
معاوى إننا بشر فاسجع = فلسنا بالجبال ولا الحديدا
(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) قيل: هذا التمام، ثم قال لليهود الذين كانوا بين ظهراني المدينة ﴿ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون﴾ وقيل: بل التمام: معرضون وكله مخاطبة لمن مضى من أسلافهم، وقيل: (ثم توليتم إلا قليلا منكم) التمام هو مخاطبة لأسلافهم وقال قائل هذا ثم خوطبوا هم فقيل: وأنتم أيضًا معرضون كأسلافكم، والله جل وعز أعلم بما أراد وكذلك اختلفوا في قوله جل وعز ﴿وأنتم تشهدون﴾، فقال قوم ﴿ثم أقررتم﴾ التمام وأنتم تشهدون مخاطبة لمن كان بالمدينة، ليموا على تضييعهم أحكام ما في أيديهم من التوراة، بمعنى: أقررتم بأخذ الميثاق بأن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم ويصدقون بأن ذلك حق، حكى هذا القول عن محمد بن جرير عن ابن جميل بن سلمه بن الفضل عن ابن اسحق عن محمد ابن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس وأنتم تشهدون، قال علي: إن هذا حق من ميثاقي عليكم.
وقال قوم بل ذلك خبر من الله جل وعز عن أوائلهم ولكنه أخرج الخبر بذلك عنهم خرج المخاطب على مذاهب العرب ومعنى وأنتم تشهدون على هذا وأنتم شهود وهذا مذهب أبو العاليه وهو أول
[١/ ٦٨]
[ ٦٨ ]
القولين في هذا وفي الذي قبله إن يكون خبرًا عن أسلافهم وقد دخل فيه المخاطبون به الذين أدركوا النبي ﷺ لأن الله جل وعز لما أخذ الميثاق من الذين كانوا على عهد موسى ﷺ من بني إسرائيل على ما بينه في كتابه ألزم جميع من أبصرهم من ذريتهم من حكم التوراة مثل ما ألزم أولئك ثم أنت الذي خاطبهم بهذه الآيات على نقضهم ونقض سلفهم ذلك الميثاق وتبديلهم ما وكدوا على أنفسهم له بالوفاء من العهود بقوله جل وعز (ثم أقررتم وأنتم تشهدون) وإن كان خارجًا عن لفظ الخطاب للذين كانوا على عهد نبينا ﷺ فإنه يعني به من كل من أخذ الميثاق منهم على عهد موسى ﷺ ومن بعده وكل من شهد منهم بتصديق ما في التوراة لأن الله جل وعز لم يختص بقوله جل ثناءه (ثم أقررتم وأنتم تشهدون) وما قبله بعضهم دون بعض.
والآية محتملة أن يكون أريد بها جميعهم فليس لأحد أن يدعى أنه أريد بها بعض دون بعض وكذا ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾ لأن أوائلهم فيما يروى قد كانوا يفعلون من ذلك ما يفعله أواخرهم الذين أدركوا عصر نبينا ﷺ (ثم أنتم هؤلاء تقتلون) ليس بقطع كاف لأنه هو لا بمعنى الذين يقتلون داخل في الصلة وكذا ما معطوف عليه.
قال أبو حاتم: الوقف الكافي وهو ﴿محرم عليكم إخراجهم﴾
[١/ ٦٩]
[ ٦٩ ]
وكذا عنده ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ وكذا ﴿إلا خزي في الحياة الدنيا﴾ وكذا ﴿إلى أشد العذاب﴾، قال: والتمام ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ بالتاء والياء قيل غلط أبو حاتم في هذه الآية ليس بتمام ولو قال هو كاف فصلح والدليل على أنه ليس بتمام أن ما بعده صفة لما قبله وهو ﴿أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة﴾.
والتمام ﴿وهم لا ينصرون﴾ ثم الوقف الحسن عند أبي عبد الله ﴿استكبرتم﴾، قال الأخفش: التمام ﴿ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون﴾ قال لأن المعنى استكبرتم فقتلتم والذي قال حسن تم الوقف الحسن ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾، ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله﴾ الوقف آخر الآية، ثم الوقف على رأس الآية التي تليها ﴿ويكفرون بما وراءه﴾ وقف صالح، قال السدي: بما وراء القرآن قال: فقال الله جل وعز ﴿وهو الحق مصدقا لما معهم﴾ قال: وقال ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ ثم الوقف على رؤوس الآيات إلى قوله جل وعز ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا﴾ قال الأخفش: تم الكلام، وقال أبو حاتم: هذا الوقف الكافي وهو
[١/ ٧٠]
[ ٧٠ ]
مذهب الفراء كقول الأخفش قال معناه والله أعلم وأحرص من الذين أشركوا على الحياة، كما تقول هو أسخى الناس من هرم لأن التأويل الأولى هذا أسخى من الناس، وهذا قول أهل التأويل وأهل القراءة واللغة إلا نافعًا وأنه قال: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة، ثم قال أبو جعفر: ولولا مخالفة الجماعة لكان يقال وجه هذا في العربية كما قال:
لو قلت ما في قومها لم تيثم = بفضلها في حسب وميسم
قال الفراء: تم وصف المجوس فقال: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾، قال الأخفش وأما ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب﴾ التمام فيه أن يعمر لأنه يريد وما هو بمزحزحه التعميق، قال أبو حاتم: التمام ﴿والله بصير بما يعملون﴾.
قال أحمد بن موسى: ﴿قل من كان عدوًا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ تام، قال أبو جعفر: وهذا غلط لأن ﴿مصدقًا﴾ منصوب على الحال المؤكدة والعامل فيها ما قبلها فكيف يكون ما قبلها تمامًا.
والتمام ﴿وهدى وبشرى للمؤمنين﴾ ثم التمام رؤوس الآيات إلى ﴿كأنهم لا يعلمون﴾ فإنه ليس بتمام لأن ﴿واتبعوا﴾
[١/ ٧١]
[ ٧١ ]
معطوف على ﴿نبذ﴾ ولكنه وقف صالح لأنه رأس آية وقد يجوز على وجه بعيد أن يستأنف ما بعده ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان﴾ قال نافع تم ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ وقف كاف إن قدرت يعلمون مؤتنفًا، وإن قدرته خبر للكن أو في موضع نصب على الحال لم يقف على كفروا، ﴿يعلمون الناس السحر﴾ وقف كاف إن جعلت ما نافية وإن جعلتها في موضع نصب لم يقف على (السحر) لأنها معطوفة عليه.
﴿وما أنزل على الملكين﴾ وقف كاف على قراءة الزهري لأنه يروى عنه أنه قرأ ﴿ببابل هاروت وماروت﴾ بالرفع وقرأ الحسن وعبد الرحمن بن أبزى وما أنزل على الملكين واختلفا في المعنى، فقال الحسن: هما علجان من أهل بابل، وقال عبد الرحمن بن أبزى: هما داود وسليمان، قال نافع: ببابل ثم قال: وهذا الأوجه له لأنه قدر هاروت وماروت بدلا من الملكين فلا يوقف على الأول دون الثاني وكذا إن قدرت هاروت وماروت بدلا من الشياطين ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ قال الأخفش: هذا التمام وقال نافع: تم، وخالفهما بعض النحويين
[١/ ٧٢]
[ ٧٢ ]
فقال ﴿فيتعلمون﴾ نسق على يعلمون والأول أولى لأنه كان كذا لكان ﴿فيتعلمون منهما﴾ وأيضًا فالتقديم والتأخير إنما يكون إذا لم يجز غيرهما.
﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ وقف صالح ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ وقف كاف وكذا ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ وكذا ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ والتمام ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون﴾.
قال أبو حاتم ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾ قال: والوقف الكافي ﴿من خير من ربكم﴾، قال أبو جعفر: إن جعلت (من) زائدة على قول أبي عبيدة كان المعنى أن ينزل عليكم خيرًا من ربكم، والقول كما قال أبو حاتم وأنشد أبو عبيده لأبي ذؤيب:
جزيتك ضعف الحب لما استبنته = وما إن جزاك الضعف من أحد قبلي
وقد خولف أبو عبيده في هذا فقيل من في الآية للتبعيض وفي البيت لابتداء الغاية قال أبو حاتم: والتمام من الوقف ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ خولف أبو حاتم في هذا وقيل هذا ليس بتمام
[١/ ٧٣]
[ ٧٣ ]
لكنه وقف كاف لأن ما بعده ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ أي على كل شيء مما ينسخه وعلى جميع الأشياء وهو متعلق بما قبله.
﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ قال أبو حاتم: وقف كاف ﴿وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾ وقف حسن وكذا على قراءة من قرأ ولا نصير لأنه معطوف على الموضع وليس بمبتدأ لأن المعنى وما لكم سوى الله وما لكم بعد الله من ولي ولا نصير، قال أميه:
يا نفس ما لك دون الله من واق = وما على حدثان الدهر من باق
﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾ وقف صالح ﴿فقد ضل سواء السبيل﴾ وقف حسن، ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا﴾ قال الأخفش: هذا التمام، ثم استأنف ﴿حسدا﴾ أي يحسدونكم حسدًا وقال الفراء: لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا، انقطع الكلام وهو قول أحمد بن موسى ومحمد بن عيسى وقال نافع: كفارًا، وقال أبو جعفر: هذا قول محمد بن يزيد ليس بتمام ولا وقف كاف لأنه يسأل بعض أصحابه ما معنى ﴿حسدًا من عند أنفسهم﴾، وهل يكون حسد الإنسان من عند غيره، فسئل الجواب، فقال: التقدير: ود كثير من أهل الكتاب من عند أنفسهم لو يردونكم كفارًا
[١/ ٧٤]
[ ٧٤ ]
حسدًا، أي هذا الذي يودونه لم يؤمروا به وإنما يتبعون فيه أهواءهم ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾، وقف صالح وكذا ﴿حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير﴾ وقف حسن، ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ وقف صالح، وكذا ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾، والتمام ﴿إن الله بما تعلمون بصير﴾.
﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم﴾ هذا الوقف عند أبي حاتم، ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ ليس بتمام لأن ما بعده ﴿بلى﴾ وهي رد للنفي المتقدم والتمام ﴿ولا هم يحزنون﴾، ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء﴾ وقف صالح وكذا ﴿وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ والوقف الحسن ﴿وهم يتلون الكتاب﴾ لأن المعنى فيه أي قالت اليهود وهم يتلون التوراة وفيها ذكر عيسى ﷺ وقد أمروا بالإيمان به فقد قالوا بعد أن كفروا بعيسى ليست النصارى على شيء وقالت النصارى وقد أمروا بالإيمان بموسى ﷺ وهم يتلون بذلك الكتاب ليست اليهود على شيء.
قال السدي: فقد قال جل وعز ﴿كذلك قال الذين لا يعلمون مثل
[١/ ٧٥]
[ ٧٥ ]
قولهم﴾ والذين لا يعلمون: العرب ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ التمام قال أبو حاتم: والوقف ﴿وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ قطع صالح وليس بتمام والتمام ﴿ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ والوقف بعد هذا عند أبي حاتم ﴿فثم وجه الله﴾.
﴿وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه﴾ قال نافع ثم قال أبو جعفر: ومعنى سبحانه في اللغة تنزيهًا له مما نسبه إليه المشركون فلذلك قد صلح الوقف على سبحانه وقال الأعشى:
أقول لما جاءني فخره = سبحان من علقمه الفاخر
أي تنزيهًا له من الفخر كذا يتأول أكثر أهل اللغة، وزعم محمد بن جرير أن المعنى سبحان الله من فخر علقمه كما قال: إذا رأى الإنسان من شيء يتعجب منه (قال) سبحان الله، قال: أي تنزيهًا لله من تكبر علقمه.
قال أحمد بن موسى ﴿كل له قانتون﴾ تمام، قال أبو حاتم ﴿وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾ وقف جيد وأجود منه
[١/ ٧٦]
[ ٧٦ ]
(فيكون) قال أبو جعفر: إن جعلت (فيكون) معطوفًا على يقول فالوقف (فيكون) وإن جعلته مستأنفًا وقفت على (كن)، قال الشاعر: يريد أن يعربه فيعجمه.
وقال الله تعالى ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية﴾ قال الأخفش: هذا التمام لأنه أراد هل لا يكلمنا الله أو تأتينا آية قال أبو عبيدة:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم = بنى ضوطرى لولا الكمى المقنعا
﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ قال أحمد بن موسى: هذا التمام ﴿تشابهت قلوبهم﴾ قطع صالح، والتمام ﴿لقوم يوقنون﴾، ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا﴾ ليس بتمام على ما روى في الحديث أن النبي ﷺ قال: ليت شعري ما فعل أبواي، فأنزل الله جل وعز ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾، وقد قيل: هذا على التعظيم كما يقال لا تسأل عن فلان، ومن قرأ ولا تسأل عن أصحاب الجحيم كان الوقف على ما قبله أسهل إلا أن تقدره في موضع الحال وعن أصحاب الجحيم تمام وكذا ﴿ولا نصير﴾، ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته﴾ ليس بقطع كاف
[١/ ٧٧]
[ ٧٧ ]
ولا يجوز الوقف عليه لأنه يصير المعنى الذين أوتوا الكتاب يتلونه حق تلاوته وهذا انقلاب المعنى وإنما المعنى والله أعلم الذين آتيناهم الكتاب وهذه حالهم.
﴿يؤمنون به﴾ فهذا الوقف، والتمام ﴿الخاسرون﴾ فأما ﴿على العالمين﴾ فليس بتمام لأن ﴿واتقوا﴾ معطوف على ما قبله، فالتمام ﴿ينصرون﴾.
﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ وقف صالح، ﴿قال ومن ذريتي﴾ مثله والتمام ﴿قال لا ينال عهدي الظالمين﴾، ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا﴾ قال الأخفش: هذا التمام على قراءة ﴿واتخذوا﴾ بكسر الخاء ومن قرأ اتخذوا فالتمام ﴿مصلى﴾ أن لم يجعل ﴿وعهدنا﴾ معطوفًا على ما قبله ﴿والركع السجود﴾ وقف حسن، ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا﴾ قال الأخفش: التمام فيه ﴿من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه﴾ من قول الله جل وعز، ومن قرأ ﴿فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار﴾ فهذا الوقف عنده على
[١/ ٧٨]
[ ٧٨ ]
ما قال أحمد بن جعفر قال أحمد بن موسى: التمام ﴿وبئس المصير﴾ قال خلف بن هشام: حدثنا الخفاف، حدثنا هارون عن حنظلة عن الحارث بن أبي ربيعة في قوله ومن كفر فأمتعه خفيفة قال هذا من قول إبراهيم قال حدثنا خلف وحدثنا الخفاف وحدثنا إبان عن قتادة مثله ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ ثم قال أبو حاتم: الوقف ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ أي قالا ويقولان ﴿ربنا تقبل منا﴾ قال أبو حاتم: والوقف ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ ثم استأنف ﴿وأرنا مناسكنا﴾ لأنه دعاء بعد دعاء، قال: والتمام رأس الآية أحسبه يعني ﴿إنك أنت العزيز الحكيم﴾ قال: والوقف ﴿إلا من سفه نفسه﴾ قال نافع ﴿إذ قال له ربه أسلم﴾ تم، وقال غيره: التمام ﴿قال أسلمت
[١/ ٧٩]
[ ٧٩ ]
لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه﴾، قال الأخفش: هذا التمام، ثم قال جل وعز ﴿ويعقوب﴾ أي وقال يعقوب: يا بني، وخالفه في هذا جماعة منهم أبو حاتم، قال: الوقف الكافي الحسن (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب) ثم قال: يا بني، قال أبو حاتم: أي قال كل واحد منهما ﴿يا بني إن الله اصطفى لكم الدين﴾ قال أبو حاتم: ولا يقف على (تموتن) حتى يقول ﴿إلا وأنتم مسلمون﴾، قال أبو عبيده انقطع الكلام ثم جاءت أم مستأنفة بمعنى: الألف وهل، وأنشد:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط = غلس الظلام من الرباب خيالا
قال يعقوب: ومن الوقف ﴿قالوا نعبد إلهك وإله آبائك﴾ فهذا وقف كاف ثم قال جل وعز ﴿إبراهيم وإسماعيل واسحق﴾، قال: ومن قرأ وإله أبيك كان وقفه إبراهيم، قال أبو جعفر: هذا غلط لأن إبراهيم وإسماعيل واسحق بدل من أبائك فلا يوقف على ما قبله لأنه ليس بتمام ولا كاف، ومن قرأ وإله أبيك ففي قراءته تقديران، أحدهما أن يكون يريد بأبيك إبراهيم وحده فلا ينبغي أن يقف على إبراهيم لأن ما بعده عطف عليه ويجوز أن يريد بأبيك معنى أبائك كما يقال: مررت بأبين ثم بحذف النون للإضافة فنقول مررت بأبيك كما قال:
[١/ ٨٠]
[ ٨٠ ]
فقلنا أسلموا أنا أخوكم = فقد سلمت من الإحن الصدور
(إبراهيم وإسماعيل واسحق) ليس بتمام ولا كاف لأن ﴿إلهًا واحدا﴾ منصوب على الحال أو على البدل من الأول فلا يجوز الوقف على ما دونه، والتمام ﴿ونحن له مسلمون﴾، قال الأخفش ﴿تلك أمة قد خلت﴾ هذا التمام، وقال أبو حاتم ﴿لها ما كسبت﴾ هذا الوقف الكافي الحسن قال ﴿ولكم ما كسبتم﴾ وقف مفهوم ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ وقف حسن، ﴿وقالوا كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا﴾ قال الأخفش: وهذا التمام، قال أبو جعفر: هذا على مذهب سيبويه ليس بتمام، وله فيه قول حسن، وذلك أنه لما قيل لهم: كونوا هودًا أو نصارى فكأنه قيل اتبعوا اليهودية أو النصرانية فقالوا بل نتبع ملة إبراهيم، فبعض الكلام مربوط ببعض فلهذا لم يكن ما قبله تمامًا، ومذهب الكسائي إن التقدير: بل يكون أهل ملة إبراهيم مثل ﴿واسأل القرية﴾، فعلى هذا أيضًا لا يكون ما قبله تمامًا، وقال أبو عبيده ﴿ملة إبراهيم﴾ إغراء فعلى هذا القول يكون الوقف على ما قبله كافيًا ﴿حنيفًا﴾، قطع كاف ﴿وما كان من
[١/ ٨١]
[ ٨١ ]
المشركين﴾ وقف حسن، ثم الوقف ﴿ونحن له مسلمون﴾، قال الأخفش ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾ هذا التمام ﴿في شقاق﴾ قطع كاف ﴿فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم﴾، على قول الكسائي تمام لأنه ينصب ﴿صبغة الله﴾ على الإغراء بمعنى اتبعوا صبغة الله أي دين الله ومن جعلها بدلا من ملة كان الوقف عنده ﴿ونحن له عابدون﴾ تم الوقف ﴿ونحن له مخلصون﴾.
قال الأخفش ﴿إن إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى﴾ هذا التمام، قال أبو حاتم ﴿قل أنتم أعلم أم الله﴾ وقف كاف، وكذا ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون﴾ وقف حسن، ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ قال أحمد بن موسى: تمام، قال ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ تمام، قال أبو جعفر: هذا غلط لأن (لام كي) التي في (لتكونوا) متعلقة بجعلناكم والحديث أيضًا يدل على ذلك حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن
[١/ ٨٢]
[ ٨٢ ]
النبي ﷺ قال: يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت؟ فيقول نعم، فتدعى أمته فيقال لهم: بلغكم فيقولون: ما جاءنا من نذير وما جاءنا من أحد، فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فذلك قول ﷿ ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ أي عدلا، قال أبو حاتم: والوقف الجيد ﴿ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾.
قال الأخفش ﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾ تمام، قال أبو حاتم ﴿وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾ كاف، ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ قطع صالح والتمام ﴿إن الله بالناس لرؤوس رحيم﴾، ﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾ قطع كاف، ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ مثله ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾ الأولى والثانية جميعا تمام، ﴿وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾ قطع حسن، والتمام رأس الآية، قال أبو حاتم ﴿وهم يعلمون﴾ التمام، قال أبو جعفر: وهو على ما قال إذا قرأت ﴿الحق﴾ بالرفع يكون مرفوعًا على إضمار مبتدأ وإن شئت بالابتداء ﴿من ربك﴾ الخبر ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ كاف، وكذلك ﴿يأت بكم الله جميعًا﴾
[١/ ٨٣]
[ ٨٣ ]
والتمام رأس الآية ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ ليس بتمام ولا كاف لأن ما بعده وإن كان استثناء ليس من الأول فإنه متعلق به راجع إليه كما قرئ على عبد الله بن أحمد بن عبد السلام عن أحمد بن الأزهر حدثنا روح، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله جل وعز ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾ قال مشركو قريش قالوا تحول إلى قبلتنا، قال أبو جعفر: والتقدير في العربية على مذهب سيبويه لكن الذين ظلموا من الناس فإنهم يحتجون عليكم، فالاستثناء الذي ليس من الأول لا بد أن يكون متعلقًا بالأول وقد كان أبو بكر بن مجاهد يستحب أن يقف عند قوله ﷿ ﴿إني لا يخاف لدى المرسلون﴾ ثم يبتدئ ﴿إلا من ظلم﴾ والأمر عند أهل العربية كما ذكرناه وأبو عبيده يذهب إلى أن (إلا) بمعنى الواو، وأنشد:
إلا كخارجة المكلف نفسه = وابني قبيصة أن أغيب ويشهدا
قال المعنى وكخارجة قال أبو جعفر: وهذا لا يجوز عن أهل العربية لو جاز هذا لجاز أن يقال لفلان عند فلان مائة إلا عشره بمعنى مائة وعشره وهذا بطلان البيان وإلا في البيت الذي أنشده استثناء ليس من الأول يدلك على ذلك ما قبله قال الأعشى:
من مبلغ كسرى إذا ما جئته = عني ومن يسعى لأن نتجردا
كلا وبيت الله حتى تنزلوا = من رأس ساريه إلينا الأسودا
[١/ ٨٤]
[ ٨٤ ]
لنقاتلنكم على ما خيلت = ولنجعلن لمن عتا وتمردا
ما بين عانة والفرات كأنما = حش الغواة به ضراما موقدا
أليت لا أعطيه من أبنائنا = رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا
حتى يقيدك من بنيه رهينة = نعش ويرهنك السماك الفرقدا
ثم قال بعد هذا إلا كخارجه والمعنى لكني أعطيه خارجه فهذا استثناء ليس من الأول.
﴿فلا تخشوهم واخشوني﴾ قطع صالح ﴿ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون﴾ تمام إن جعلت كما متعلقة بـ ﴿فاذكروني﴾، فإن جعلت التقدير ولأتم نعمتي عليكم كما أو لعلكم تهتدون كما لم يكن تمامًا، ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ تمام، إن جعلت كما متعلقة بما قبلها وكان محمد بن جرير يختار أن يكون التقدير ولأتم نعمتي عليكم كما والمعنى عنده ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملتكم الحنيفية وأهديكم إلى دين خليلي إبراهيم ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم﴾ ويستبعد أن يكون التقدير فاذكروني كما أرسلنا لأنه يبعد عنده في كلام العرب أن يقال جئتك فأكرمني أكرمك وإنما الكلام عنده كما جئتك فأكرمني فلما إن كان في التلاوة ﴿فاذكروني أذكركم﴾ كانت كما متعلقة بما قبلها وفاذكروني مستأنف، قال أبو جعفر: الذي استبعده جائز وأهل التأويل عليه كما قرئ على عبد الله بن أحمد بن عبد السلام عن أبي
[١/ ٨٥]
[ ٨٥ ]
الأزهر حدثنا روح بن عباده قال: حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم﴾ قال: كما فعلت فاذكروني وقال الأخفش سعيد: نحو هذا ﴿ولا تكفرون﴾ تمام وكذا ﴿إن الله مع الصابرين﴾.
قال الأخفش ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات﴾ تمام، قال والمعنى ﴿بل هم أحياء ولكن لا تشعرون﴾، قال الأخفش ﴿والثمرات﴾ تمام ﴿وبشر الصابرين﴾ ليس بتمام إن جعلت الذين نعتًا للصابرين، وإن جعلته مبتدأ كان تمامًا، وإن جعلته على إضمار مبتدأ كان كافيًا، والتمام ﴿أولئك هم المهتدون﴾ وليس قول من قال ﴿فلا جناح﴾ تمام بشيء لأن الحديث يدل على غير ذلك جاء التوقيف إنهم تحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة ولأنهما من شعائر الجاهلية فأنزل الله جل وعز ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾.
﴿شاكر عليم﴾ تمام ﴿من بعد ما بيناه للناس في الكتاب﴾ ليس بقطع كاف لأنه لم يأت خبر إن
[١/ ٨٦]
[ ٨٦ ]
﴿اللاعنون﴾ ليس بقطع كاف لأن ﴿إلا الذين تابوا﴾ استثناء والتمام ﴿وأنا التواب الرحيم﴾، ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ وإن جعلته عطفًا على المعنى لم يقف على أولئك عليهم لعنة الله والتقدير على قراءته ﴿أولئك يلعنهم الله والملائكة والناس أجمعون﴾ ولا يقف على (أجمعين) لأن ﴿خالدين فيها﴾ حال متقدم والوقف على ﴿ولا هم ينظرون﴾ تم الرحمن الرحيم، ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ ليس في الآية وقف إلى آخرها، ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله﴾ قال أبو حاتم: وقف تمام، قال: والتمام ﴿والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾ ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب﴾ وفي هذه الآية قراءات وإعراب ومعان نحتاج إلى معرفتها مع التمام، قرأ مجاهد وابن كثير وحميد وأبو عمرو وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة﴾ بفتح (أن) الأولى والثانية، وقرأ أهل المدينة وأهل الشام ولو ترى بالتاء وبفتح أن الأولى والثانية، وقرأ الحسن وقتاده
[١/ ٨٧]
[ ٨٧ ]
ولو ترى بالتاء أيضًا وكسر (إن) الأولى والثانية وهي قراءة يعقوب وقرأ أبو جعفر القارئ بالياء وكسر إن الأولى والثانية أيضًا، قال أبو جعفر: فمن قرأ القراءة الأولى لم يقف على إذ يرون العذاب على قول الأخفش لأن التقدير عنده (ولو يرى الذي ظلموا أن القوة لله) برفع (يرى) على أن ويرى بمعنى يعلم وعلى قول أبي عبيده التقدير عنده: ولو يرى الذي أشركوا عذاب الآخرة لعلموا أن القوة لله، فعلى قوله لا يوقف على (إذ يرون العذاب) لأن يعلموا جواب لو، ومن قرأ ترى بالتاء وفتح أن كان وقوفه على إذ يرون العذاب حسنًا إذا قدره بمعنى يرون أن القوة لله، وقيل التقدير لأن القوة لله وعلى هذين الجوابين لا يوقف على إذ يرون العذاب، قال يعقوب: ومن الوقف (ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب) وهذا التمام الكافي وإنما قال هذا لأنه يقرأ إن بالكسر.
﴿شديد العذاب﴾ قطع حسن إن جعلت (إذ تبرأ) مقطوعًا مما قبله، وإن جعلت إذ بدلا من إذ الأولى لم يقف على (شديد العذاب) ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾ وقف صالح وكذا رؤوس الآيات التي بعده إلى قوله ﴿فما أصبرهم على النار﴾ فإنه وقف حسن إذا قدرت ذلك مرفوعًا بالابتداء وفيه تقديرات:
فمنها أن يكون موضع نصب أي فعلنا ذلك بهم من العذاب بأن الله ﷿ نزل الكتاب بالحق وكفروا به وقيل ذلك في موضع رفع أي ذلك بالصبر على النار بالاجتراء على المعاصي لأن الله جل وعز
[١/ ٨٨]
[ ٨٨ ]
نزل الكتاب بالحق فخالفوه، وتأولوه على غير تأويله وقبل ذلك الذي قصصناه عليكم من قوله جل وعز ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله﴾ وكذا ذلك ﴿بأن الله نزل الكتاب بالحق﴾ فجحدوه وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد تمام.
قال الأخفش ﴿ولكن البر من آمن بالله﴾ تمام إن شئت قال أبو جعفر: وهذا غلط بين لأن واليوم الآخر مخفوض معطوف على الأول داخل في الصلة فهذا خطأ في المعنى والإعراب وكذا ﴿والملائكة والكتاب والنبيين﴾ وكذا ﴿وآتي المال على حبه﴾ لأنه معطوف على آمن داخل في الصلاة وأهل التفسير يقولون: هذا يوجب أن يكون في المال حق سوى الزكاة لأن الزكاة قد ذكرت في الآية بعد هذا إلا أن بعضهم قال هما جميعًا للزكاة فهذا ذكر من يعطي وذاك فرضها ﴿ذوى القربى واليتامى والمساكين﴾ داخل في الصلاة ﴿وابن السبيل﴾ كذا أيضًا، فمن أهل التفسير من قال هو الضيف وقال مجاهد هو المجتار من موضع إلى موضع وهذا الذي يعرف في كلام العرب يقال: هذا ابن الطريق للملازم له وكذا ولد الطريق، وعلى هذا يتأول الحديث: لا يدخل الجنة ولد زنا أي الملازم للزنا، قال الشاعر:
وردت اعتسافا والثريا كأنها = على قمة الرأس ابن ماء محلق
[١/ ٨٩]
[ ٨٩ ]
﴿والسائلين﴾ تمام عند يعقوب وهو غلط أيضًا لأن ﴿وفي الرقاب﴾ داخل في الصلة وكذا ﴿وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾ هذا وقف حسن إن رفعت وهم بالابتداء ونصبت ﴿الصابرين﴾ بمعنى أعني وهو أحسن ما قيل فيهما، وإن رفعت والموفون على أن تعطفه على (من) لم تقف على ما قبله.
قال أبو حاتم ﴿والصابرين في البأساء والضراء﴾ وقف مفهوم، وقال والتمام ﴿وحين البأس﴾ وقف كاف وليس بتمام لأن ما بعده راجع إلى ما قبله ﴿أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ تمام، ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ قطع حسن إن رفعت ما بعده بالابتداء، وإن رفعته بالفعل دخل في الصلة ولم تقف على القتلى وكان التقدير: يا أيها الذين آمنوا كتب عليك أن يقاص في القتلى الحر بالحر، كما قال:
= فلم أنكل عن الضرب مسمعا
﴿والأنثى بالأنثى﴾ وقف حسن، قال أبو حاتم ﴿وأداء إليه بإحسان﴾ وقف كاف والتمام ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾ قطع كاف، وحكى ابن شاذان عن أبي عبد الله وهو محمد بن عيسى المقرئ قال ﴿كتب
[١/ ٩٠]
[ ٩٠ ]
عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا﴾ وقف تام قال أبو جعفر: هذا غلط وقد بين ذلك النحويون، ففي قول الكسائي المعنى كتب عليكم الوصية وذكر الوصية أنها فعل وهو أحد قولي الفراء وقوله الآخر أن يكون كتب بمعنى قيل لأن التقدير كتب عليكم إلا قال وكتب في القرآن معناه فرض.
قال أبو جعفر: معنى القولين جميعًا (ليس أن ترك خيرًا) بتمام لأن قول الوصية للوالدين معناه فرض عليكم ﴿الوصية للوالدين والأقربين﴾ أو قيل لكم هذا، والوقف الكافي ﴿حقًا على المتقين﴾ وكذا ﴿إن الله سميع عليم﴾ وكذا رأس الآية التي بعدها ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾، قال ابن شاذان: هذا وقف كاف، قال أبو جعفر: وهذا غلط لأن ﴿أيامًا معدودات﴾ منصوب بالصيام أما أن يكون ظرفًا وأما أن يكون مفعولًا.
وذكر أبو حاتم أن الوقف أيامًا معدودات ثم الوقف عنده ﴿فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ قطع كاف ثم الوقف عند أبي حاتم ﴿فمن تطوع خيرًا فهو خير له﴾، قال يعقوب: ومن الوقف ﴿وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ ثم استأنف ﴿شهر رمضان﴾ وهو
[١/ ٩١]
[ ٩١ ]
مرفوع بالابتداء وخبره ﴿الذي أنزل فيه القرآن﴾ ومذهب الكسائي أن التقدير (كتب عليكم الصيام، كتب عليكم شهر رمضان) ومذهب الفراء أن التقدير: ولكم شهر رمضان جاز أن تقف على ما قبله ويصير تقدير الكسائي كتب عليكم الصيام شهر رمضان وله تقدير آخر وهو أن تصوموا شهر رمضان خير لكم وفي التقديرين جميعًا التفريق بين الصلة والموصول تم الوقف عند أبي حاتم ﴿من الهدى والفرقان﴾.
قال أحمد بن موسى ﴿ولا يريد بكم العسر﴾ وقف كاف ﴿ولعلكم تشكرون﴾ قطع تام قال يعقوب: ومن الوقف ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ ثم قال جل وعز ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ وقوى هذا القول بعض القراء واحتج بقول الحسن: سئل رسول الله ﷺ أين الله ﷿؟ فأنزل الله جل ثناءه (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) وقال نصير: لا يقف على قوله جل وعز (فإني قريب) ولكن على قوله جل ثناءه (إذا دعان) أو على رأس الآية ﴿لعلهم يرشدون﴾.
﴿وأنتم لباس لهن﴾ قطع صالح وكذا ﴿عفا عنكم﴾ وكذا ﴿من الفجر﴾ وكذا ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ وكذا ﴿في المساجد﴾ والتمام ﴿لعلهم يتقون﴾ وكذا رأس الآية الأخرى.
[١/ ٩٢]
[ ٩٢ ]
قال أبو حاتم ﴿قل هي مواقيت للناس والحج﴾ تام ﴿لعلكم تفلحون﴾ وقف حسن وكذا ﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾ وكذا ﴿الفتنة أشد من القتل﴾ وكذا ﴿كذلك جزاء الكافرين﴾ وكذا ﴿فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم﴾ والتمام ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ ثم الوقف بعده عند أبي حاتم ﴿والحرمات قصاص﴾ ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾ قطع كاف، وكذا ﴿وأحسنوا﴾، قال سفيان: أي وأحسنوا بالله الظن، قال يعقوب: ومن الوقف ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ من رفع فقرأ (والعمرة لله) وقف (وأتموا الحج) قال أبو عبيدة (والعمرة لله) استئناف ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾ قطع كاف وكذا ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ وكذلك ﴿أو نسك﴾ ثم الوقف بعد هذا عند أبي حاتم ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ والتمام ﴿شديد العقاب﴾.
﴿الحج أشهر معلومات﴾ قطع صالح والتقدير عند القراء وقت الحج أشهر معلومات ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا
[١/ ٩٣]
[ ٩٣ ]
فسوق ولا جدال في الحج﴾ هذا وقف حسن على هذه القراءة، أكثر القراء قرأ بها الحسن وقتادة وشيبة ونافع وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي وتفسير ابن عباس يدل على أنها كانت قراءته، وقرأ يزيد بن القعقاع (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) وكذا الوقف أيضًا على قراءته، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، وذكر عن مجاهد أن المعنى ولا جدال في الحج أنه في ذي الحجة ولهذا اختار هذه القراءة إن شئت وقفت على ولا رفث ولا فسوق والتقدير: عند أبي عمرو فلا يكن منكم رفث ولا فسوق ثم ابتدأ فقال: ولا جدال في الحج وأما قول ابن سعد أن من رفع جاز أن يقف على لا ليس بمعنى أنه تمام وإنما يعني أن (لا) لم تبين ما بعدها فيكونا بمنزلة شيء واحد ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾ قطع كاف ﴿وتزودوا﴾ قطع كاف عن ابن شاذان وكذا ﴿فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب﴾، قال أبو حاتم: هذا التمام وهو رأس الآية، قال أبو جعفر: هذا التمام وهو رأس آية أما الوقوف على (واتقون) فلا يعلم أحدًا من العلماء أجازه. قال الحسن: إنما عاتب الله جل وعز أولي الألباب لأنه يحبهم، والتمام ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم لمن الضالين﴾ وقف حسن وكذا ﴿إن الله غفور
[١/ ٩٤]
[ ٩٤ ]
رحيم﴾ وكذا ﴿أو أشد ذكرا﴾ وكذا ﴿من خلاق﴾ وكذا ﴿وقنا عذاب النار﴾ والتمام ﴿والله سريع الحساب﴾ والوقف عند أبي حاتم بعد هذا ﴿في أيام معدودات﴾ وبعده ﴿لمن اتقى﴾ وبعده ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾.
قال أبو جعفر: هذا على قراءة من قرأ ويهلك بالنصب، ومن قرأ ويهلك بالرفع فإنه تقديران: أحدهما: وهو قول أبي عبيدة إنه مستأنف فيكون الوقف على قوله ﴿ليفسد فيها﴾، والقول الآخر: وهو مذهب الفراء أن يكون ويهلك معطوفًا على (يعجبك) فيكون الوقف ﴿ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ وبعده ﴿فحسبه جهنم﴾ وبعده ﴿ولبئس المهاد﴾ وبعده ﴿ابتغاء مرضات الله﴾ والتمام ﴿والله رؤوف بالعباد﴾.
﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾ هذا قطع كاف وإن كان قد اختلف في معنى السلم فقال الضحاك: السلم الإصلاح وقال الربيع بن أنس: السلم الطاعة، قال أبو جعفر: حدثنا أحمد بن
[١/ ٩٥]
[ ٩٥ ]
محمد بن نافع حدثنا سلمه حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتاده يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم قال: الإسلام، قال أبو جعفر: وهذا ما قيل فيه لأن المخاطبة للمؤمنين فليس لقول من قال السلم الصلح معنى إنما يقال هذا لأهل الحرب يقال لهم: ادخلوا في الاستسلام والصلح.
فإن قيل ما معنى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في الإسلام، فالجواب عن هذا قد بينه أهل التأويل، فقال الضحاك: يا أيها الذين آمنوا بهذا الكتاب فيكون المعنى على هذا يا أيها الذين آمنوا بالأنبياء آمنوا بمحمد، وقال عكرمة: نزلت في عبد الله بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب، قالوا يا رسول الله: إن السبت قد كان مفروضًا فأذن لنا فلنسبت وإن التوراة كتاب الله فأذن لنا فلنقم بها في الليل فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) قال أبو جعفر: فليس يخلو قوله جل وعز يا أيها الذين آمنوا من أن يكون مخاطبة لأهل الكتاب والمنافقين أو لمن آمن بمحمد ﷺ على الحقيقة وهذا أولى أن يخاطب به هؤلاء فيكون المعنى يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في الإسلام في جميع شرائعه وحدوده فيكون الوقف كافة، وكافة حال من السلم أي ادخلوا في الإسلام في هذه الحال.
وأما قول من قال السلم بالفتح الإسلام والسلم بالكسر الصلح والاستسلام فلا يصح هذا التفريق وإن كان بيت زهير ينشد بالكسر:
وقد قلتما أن تدرك السلم واسعا = بمال ومعروف من الأمر نسلم
والسلم ها هنا الصلح.
[١/ ٩٦]
[ ٩٦ ]
﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ وقف حسن والتمام ﴿فاعلموا أن الله عزيز حكيم﴾، قال: من الوقف ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم في ظلل من الغمام﴾ فهذا التمام من الوقف، وقد خولف يعقوب في هذا فقيل: بل الوقف الكافي ﴿والملائكة﴾ على قراءة من قرأ ﴿والملائكة وقضى الأمر﴾، وقال مخالفة الدليل على هذا أنه في قراءة أبي عبد الله (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام).
وقال أبو العالية: الملائكة تأتي في ظلل من الغمام ويأتي الله ﷿ فيما شاء، قال أبو جعفر: إلا أنه جاء في تفسير قتاده ما يقوى قول يعقوب، قال يعقوب: أي هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وتأتيهم الملائكة عند الموت وقرأه أبي جعفر (والملائكة) بالخفض فلا تقف على ما قبله، ومن قرأ في ظلل من الغمام والملائكة وقضاء الأمر فها هنا وقفه والتمام ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ وبعده ﴿من آية بينة﴾ وبعده ﴿فإن الله شديد العقاب﴾ ﴿ويسخرون من الذين آمنوا﴾ وقف حسن ثم يبتدئ ﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة﴾ تام ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ قطع تام ﴿ليحكم بين
[١/ ٩٧]
[ ٩٧ ]
الناس فيما اختلفوا فيه﴾ وقف صالح.
﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم﴾ قطع كاف، فأما ما قبله فمختلف فيه فمن الناس من يقول التقدير: وما اختلف فيه بغيًا بينهم إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات، وهذا القول غلط في العربية لأنه يدخل خبر النفي في الإيجاب، وقال قوم التقدير: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغيًا بينهم من بعد ما جاءتهم البينات، والوقف على هذين القولين بغيًا بينهم وقيل في الكلام حذف والتقدير: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوا الكتاب وما اختلفوا فيه إلا من بعد ما جاءتهم البينات وما اختلفوا فيه إلا بغيًا بينهم.
قال أبو جعفر: وكان محمد بن جرير يميل إلى هذا القول فيصلح على هذا القول يقف ما اختلف فيه (إلا الذين أوتوه) وكذا (من بعد ما جاءتهم البينات) وكذا ﴿بغيًا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه﴾ قطع صالح ولا يقف على ما قبله وإن كان في معناه اختلاف وذلك أنه يقال ما معنى الهداية إلى الاختلاف والهداية إلى الاختلاف ضلال، ففي هذا جوابان: أحدهما: أن أهل الكتاب اختلفوا فكفر بعضهم بكتاب بعض فهدى الله جل وعز المؤمنين فآمنوا بالكتب كلها فقد هداهم لما اختلفوا فيه من الحق لأن الكتب التي أنزلها الله جل وعز كلها حق والقول الآخر المعنى فهدى الله جل وعز المؤمنين للحق من ذلك،
[١/ ٩٨]
[ ٩٨ ]
فإن قيل ليس كذا نص التلاوة لأن من مع الحق واللام مع ما، قيل نزل القرآن بلغة العرب وهم يفعلون مثل هذا، قال:
كانت فريضة ما تقول كما = كان الزنا فريضة الرجم
أي كما كان الرجم فريضة الزنا، والتمام ﴿والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾.
قال أبو حاتم ﴿متى نصر الله﴾ وقف كاف، قال والتمام ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾، قال أحمد بن موسى ﴿يسألونك ماذا ينفقون﴾ تام، قال أبو حاتم ﴿وابن السبيل﴾ وقف كاف، والتمام ﴿فإن الله به عليم﴾، ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ وقف حسن، وكذا ﴿وهو خير لكم﴾ وكذا ﴿وهو شر لكم﴾ فالتمام ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾، ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ وقف صالح ﴿قل قتال فيه كبير﴾ وقف حسن إن رفعت ﴿وصد عن سبيل الله﴾ بالابتداء وما بعده من المرفوع معطوف عليه وخبر المبتدأ (أكبر عند الله) وللفراء فيه قولان، أحدهما أن يكون (وصد عن سبيل الله) معطوفًا على كبير فيكون التقدير: قل قتال فيه كبير وقتال فيه صد عن سبيل الله وقتال فيه كفر.
[١/ ٩٩]
[ ٩٩ ]
قال أبو جعفر: وهذا القول غلط من جهتين: إحداهما أنه ليس أحد من أهل العلم يقول: قتال في الشهر الحرام كفر بالله، ولا نعلم أن هذا قيل قط، فهذا قول خارج من الإجماع، وأيضًا فإن بعده ﴿وإخراج أهله منه أكبر عند الله﴾ ولا يكون إخراج أهل المسجد الحرام منه عند الله أكبر من الكفر، وقوله الآخر أن يكون وصد عن سبيل الله وكفر به كبير، قال أبو جعفر: وهذا يفسد لأن بعده وإخراج أهله منه أكبر عند الله فصار نظير ذلك ولو صح ما قال لكان الوقف ﴿والمسجد الحرام﴾ على أن أبا حاتم قد زعم أن الوقف الكافي والمسجد الحرام ولعله أخذه من قول الفراء وإن كان كثير الطعن عليه والإزراء به.
فقد حدثنا علي بن سليمان قال: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول: كان أبو حاتم دون أصحابه المازني والزيادي والتوزي إلا أنه إذا أخرج من بلده يعني البصرة لم يلق أعلم منه، فأما والمسجد الحرام فمذهب الفراء فيه أنه نسق على الشهر أي يسألونك عن الشهر الحرام وعن المسجد الحرام.
وقد رد عليه هاذ القول لأنهم لا يسألون عن المسجد الحرام لأنهم قد رأوا تعظيم رسول الله ﷺ والمسلمين إياه فلا معنى لسؤالهم عنه، ولكن التقدير والله أعلم وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام كما قال جل وعز ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام﴾ ﴿أكبر عند الله﴾ وقف صالح وكذا
[١/ ١٠٠]
[ ١٠٠ ]
﴿والفتنة أكبر من القتل﴾ وكذا ﴿إن استطاعوا﴾ والقطع التام ﴿وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.
﴿إن الذين آمنوا﴾ ليس بقطع كاف وإن كانت قد تمت الصلة لأنه لم يأت خبر إن ﴿والذين هاجروا﴾ نسق عليه أي هجروا منازلهم لأنها بين الكفار خوف الفتنة، (وجاهدوا أنفسهم) وجاء على فاعل لأنه من اثنين، والتمام ﴿والله غفور رحيم﴾ ﴿ومنافع للناس﴾ وقف صالح ﴿وإثمهما أكبر من نفعها﴾ مثله ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قال أبو حاتم: ثم قال ﴿كذلك﴾ ﴿في الدنيا والآخرة﴾.
﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ وقف صالح وكذا ﴿فإخوانكم﴾ وكذا ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ وكذا ﴿لأعنتكم﴾ والتمام ﴿إن الله عزيز حكيم﴾ قال أبو حاتم ﴿ولو أعجبتكم﴾ ﴿ولو أعجبكم﴾ كافيان وكذا عنده ﴿والمغفرة بإذنه﴾ والتمام ﴿لعلهم يتذكرون﴾.
قال أبو جعفر: ومن قرأ ﴿حتى يطهرن﴾ جاز أن يقف ها
[١/ ١٠١]
[ ١٠١ ]
هنا، ومن قرأ (حتى يطهرن) لم يقف عليه لأنه لا يجوز أن يطأ امرأته إذا طهرت حتى تطهر بالماء وجاز له أن يقف عليه ﴿من حيث أمركم الله﴾ والتمام ﴿ويحب المتطهرين﴾.
قال أبو حاتم ﴿فأتوا حرثكم أني شئتم﴾ تام، قال أبو جعفر: من قال ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ إنه التسمية عند الجماع لم ينبغ أن يف على (أني شئتم) وهو قول حسن لأنه قد تقدم ذكر أشياء من الخبر منها ﴿قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾ وهو قول السدي وليس أني شئتم تمامًا على القولين وإن كان قد اختلف في معنى أني شئتم، فقال قوم: معناه كيف شئتم، وقال قوم: معناه أين شئتم وقال قوم: معناه متى شئتم وقال قوم: من أي وجه شئتم من ناحية الحرث، قال أبو جعفر: وهذا أصح الأقوال فيه.
وإنما أشكل على قوم أني لمقارنتها معنى كيف وأين ومتى، والفرق بين هذه الحروف وبين أنى موجود في العربية لأن أين للسؤال عن الأمكنة إذا قال رجل أين زيد قيل في مكان كذا وكيف سؤال عن الحال إذا قال كيف هو قلت صالح ومتى سؤال عن الزمان إذا قال متى وافيت؟ قلت يوم كذا وأني سؤال عن الوجوه والمذاهب لو قال رجل: أني أتيت امرأتك لقال من قبلها والدليل على هذا قول الشاعر:
[١/ ١٠٢]
[ ١٠٢ ]
أنى ومن أين أبك الطرب = من حيث لا صبوة ولا ريب
أي من أي الجهات ومن أي المواضع راجعك الطرب.
وقد جاء التوقيف بما يبين هذه الآية صح عن صحابيين أن اليهود قالوا إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها خرج ولده أحول فأنزل الله جل وعز ﴿نساءكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ فتبين أن المعنى فأتوا نساءكم من حيث يكون الحرث وهو القبل من أي الجهات شئتم.
﴿واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه﴾ وقف كاف والتمام ﴿وبشر المؤمنين﴾ وكذا ﴿والله سميع عليم﴾ وكذا ﴿والله غفور حليم﴾ وكذا ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ وقف صالح وليس بتمام والتمام ﴿فإن الله سميع عليم﴾ ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ قال أبو حاتم: وقف كاف وكذا عنده ﴿إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ وكذا ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ والتمام ﴿والله عزيز حكيم﴾ ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ وقف حسن ﴿إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾ قطع كاف،
[١/ ١٠٣]
[ ١٠٣ ]
﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ قطع صالح ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ قطع حسن وكذا ﴿إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ والتمام ﴿لقوم يعلمون﴾، ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾ قطع صالح وكذا ﴿ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾ وكذا ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوا﴾ والتمام ﴿اعلموا أن الله بكل شيء عليم﴾.
﴿إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ قطع صالح، وكذا ﴿بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر﴾ قطع حسن، والتمام ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ قطع صالح، وكذا ﴿بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ قطع حسن، ﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾ وقف كاف إن جعلت ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ بمعنى وعلى الوارث النفقة، وإن جعلته بمعنى وعلى الوارث ألا يضار كان هذا الوقف الكافي وهذا معنى كلام ابن شاذان (فلا جناح عليهما) قطع كاف ﴿إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف﴾ قطع كاف والتمام ﴿واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾.
[١/ ١٠٤]
[ ١٠٤ ]
﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا﴾ ليس بقطع كاف لأنه لم يأت خبر المبتدأ والوقف الكافي ﴿وعشرا﴾ وكذا ﴿بالمعروف والله بما تعملون خبير﴾ وقف حسن ﴿أو أكننتم في أنفسكم﴾ قطع صالح ﴿إلا أن تقولوا قولا معروفًا﴾ قطع كاف ﴿فاحذروه﴾ قطع صالح والتمام ﴿واعلموا أن الله غفور رحيم﴾ ثم الوقف، ﴿وعلى المقتر قدره﴾ قطع صالح ﴿حقًا على المحسنين﴾ قطع حسن ثم الوقف ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ والتمام ﴿إن الله بما تعملون بصير﴾.
﴿والصلاة الوسطى﴾ وقف حسن، وكذا ﴿وقوموا لله قانتين﴾ وكذا ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾ والتمام ﴿كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾، ﴿والذين يتوفون منكم﴾ قطع كاف على مذهب سيبويه لأنه يقدر مثل هذا ﴿وما يتلى عليكم﴾ - هذا مثل ﴿السارق والسارقة﴾ - وعلى قول غيره ليس بقطع كاف لأنه إذا رفعه بالابتداء احتاج
[١/ ١٠٥]
[ ١٠٥ ]
إلى الخبر فمن رفعه بالابتداء كان وقفه ﴿غير إخراج﴾ وبعده ﴿من معروف﴾ والتمام ﴿والله عزيز حكيم﴾ ﴿حقًا على المتقين﴾ قطع حسن والتمام ﴿لعلكم تعقلون﴾.
﴿ثم أحياهم﴾ قطع صالح ثم الوقف ﴿لا يشكرون﴾ ﴿واعلموا أن الله سميع عليم﴾ قطع حسن، وكذا ﴿فيضاعفه له أضعافًا كثيرة﴾ والتمام ﴿وإليه ترجعون﴾.
﴿إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله﴾ قطع صالح، ﴿قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا﴾ مثله، وقال أبو حاتم: ﴿وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾ وقال غيره هو تمام والقول كما قال أبو حاتم لأن القصة لم تتم وفي الكلام حذف يدل على سياقه والتقدير فدعا نبيهم ربه جل وعز ﴿أن يبعث لهم ملكًا يقاتلون معه في سبيل الله﴾ فدعا فبعث الله ﷿ لهم ملكًا وكتب عليهم القتال
[١/ ١٠٦]
[ ١٠٦ ]
معه ﴿فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم﴾ قطع صالح، وكذا ﴿والله عليم بالظالمين﴾.
وعن نافع ﴿لم يؤت سعة من المال﴾ تمام، وأبو حاتم يذهب إلى أنه كاف وكذا عنده ﴿في العلم والجسم﴾ وكذا ﴿والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم﴾ قطع صالح، قال أبو حاتم ومن الكافي ﴿تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾ قطع حسن، قال أحمد بن موسى ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾ تمام وأبو حاتم يذهب إلى أنه كاف، وكذا ﴿إلا قليلا منهم﴾.
وعن نافع مع ﴿قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ تمام ﴿بإذن الله﴾ قطع صالح ﴿والله مع الصابرين﴾ مثله وكذا ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾ قال عباس بن الفضل ﴿فهزموهم بإذن الله﴾ وقف، وقال أبو حاتم ﴿وعلمه مما يشاء﴾ تمام ﴿ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾ قطع حسن، وكذا ﴿وإنك لمن المرسلين﴾.
قال يعقوب: ومن الوقف قول الله ﷿ ﴿منهم من كلم الله﴾ ثم قدره تقديرين: أحدهما: ورفع الله بعضهم درجات،
[١/ ١٠٧]
[ ١٠٧ ]
فعلى هذا يجوز الوقف على (منهم من كلم الله) والتقدير الآخر أن يكون (رفع) معطوفًا على (كلم) ويدخل في الصلة ويكون الوقف ﴿ورفع بعضهم درجات﴾ وبعده ﴿بروح القدس﴾ والتمام ﴿يفعل ما يريد﴾ ﴿ولا خلة ولا شفاعة﴾ قطع صالح والتمام ﴿هم الظالمون﴾.
وفي آية الكرسي وقوف كافية مفهومة ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ وقف كاف وكذا ﴿ولا نوم﴾ وكذا ﴿وما في الأرض﴾ وكذا ﴿إلا بإذنه﴾ وكذا ﴿وما خلفهم﴾ وكذا ﴿إلا بما شاء﴾ وكذا ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾ والتمام ﴿وهو العلي العظيم﴾.
قال أبو حاتم: ومن الكافي المفهوم ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ وكذا عنده ﴿لا انفصام لها﴾ ومن الكافي عند العباس بن الفضل ﴿إلى النور﴾ وعند أبي حاتم ﴿إلى الظلمات﴾ والتمام ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ ﴿فبهت الذي كفر﴾ قطع صالح.
﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ ليس بتمام ولا كاف لأن ﴿أو كالذي مر على قرية﴾ معطوف على ما قبله وفيه قولان: فمذهب الكسائي والفراءأنه نسق على المعنى لأن المعنى
[١/ ١٠٨]
[ ١٠٨ ]
﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾ هل رأيت الذي حاج إبراهيم في ربه أو كالذي مر على قرية.
والتقدير الآخر أن الكاف زائدة كما قال:
وصاليات ككما يؤثفين =
وعن نافع ﴿ثم بعثه﴾ تمام، قال ﴿لم يتسنه﴾ تمام ﴿ثم نكسوها لحما﴾ قطع حسن وكذا قال ﴿أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾.
قال أحمد بن جعفر قال: ﴿بلى﴾ التمام ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ قطع صالح، ﴿قال فخذ أربعة من الطير﴾ يجوز الوقف عليه على قراءة من قرأ ﴿فصرهن إليك﴾ وهي قراءة أبي عمرو وعاصم وابن كثير والكسائي ونافع، قال أبو عبيده: أي أملهن إليك، وعن عكرمة ضمهن إليك قطعهن وقد حكى أنها لغتان بمعنى وأن معناهما فقطعهن وكان محمد بن جرير يذهب إلى هذا القول لأن أكثر أهل التأويل يفسرون هذا الحرف بمعنى قطعهن منهم مجاهد وقتاده وغيرهما.
والتمام ﴿واعلم أن الله عزيز حكيم﴾، ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل﴾ يجوز الوقف على ﴿والله واسع عليم﴾. ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًا ولا أذى﴾ قال نافع تم وظاهر هذا القول غلط لأن الذين
[١/ ١٠٩]
[ ١٠٩ ]
إذا كان في موضع رفع بالابتداء فلم يأت خبره ومحال أن يتم الكلام وقد نفى خبر الابتداء إلا أن فيه حيلة يجوز أن يكون الذين بدلا من الذين قبله والوقف على ﴿ولا هم يحزنون﴾ أحسن وأولى ﴿قول معروف﴾ وقف كاف إن رفعته على إضمار مبتدأ وعلى إضمار خبر فيكون التقدير الذي يؤمرون به قول معروف أو قول معروف أولى بكم وإن رفعت بالابتداء وعطفت ﴿ومغفرة﴾ عليه لم تقف على معروف وكان المعنى (قول جميل) ودعاء للسائل وتغطية وستر على خلته ﴿خير من صدقة يتبعها أذى﴾، قال نافع: تم ﴿والله غني حليم﴾ الوقف على هذا أحسن لأن المعنى غني عن صدقاتهم وإنما أمركم بها لتغني فقراءكم ويأجركم عليها حليم عن من أذى من إعطاء.
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ قال نافع: تم وخولف في هذا لأن المعنى: لا تبطلوا صدقاتكم بأن تمنوا بها على من أعطيتموه إياها وتؤذوه بالشكوى فتقولوا لم يفعل فيها ما نحب وقد كان يلازم حتى أخذ ونظير هذا من القول فتبطل الصدقة كما يبطل عمل المرائي لأنه لم يخلص لله جل وعز ﴿فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا﴾ قال نافع: تم، وخولف في ذلك لأن بعض الكلام متصل ببعض ويدلك على ذلك التفسير كما حدثنا أحمد بن محمد بن نافع، حدثنا سلمه حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة فتركه صلدًا، قال بقي
[١/ ١١٠]
[ ١١٠ ]
ليس عليه شيء، يقال صلد يصلد صلدًا إذا زال ما عليه وصلدت الأرض إذا لم تنبت وصلد رأسه إذا لم يكن عليه شعر وأنشد الأصمعي:
براق اصلاد الجبين الأجله = لله در الغانيات المده
وبعده ﴿لا يقدرون على شيء مما كسبوا﴾ أي لا يقدرون على ثواب شيء مما عملوه لأنهم لا يخلصون لله جل وعز فبطل، والتمام ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ أي لا يسددهم ولا يوفقهم له جل وعز.
قال يعقوب: ومن الوقوف التام المكتفي به ﴿فإن لم يصبها وابل فطل﴾ وخولف يعقوب في هذا، وممن خالفه أبو حاتم فجعله وقفًا كافيًا غير تمام والتفسير يدل على ذلك قول الله جل وعز ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتًا من أنفسهم﴾.
فاختلف العلماء في معنى وتثبيتًا من أنفسهم، فقال الحسن ومجاهد أي يثبتون أين يجعلون أموالهم يعني إذا أدوا الزكاة، وحكى محمد بن جرير أن قتاده قال وتثبيتًا أي احتسابًا ورد عليه لأنه لا يعرف تثبيت (في اللغة) إذا احتسب، قال أبو جعفر: وجدنا عن
[١/ ١١١]
[ ١١١ ]
قتادة قد صح غير ما قال، حدثنا أحمد بن محمد بن نافع، حدثنا سلمه حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتاده وتثبيتًا من أنفسهم قال: ثقة من أنفسهم، قال أبو جعفر فأما القول الأول فغلط في اللغة لأنه إنما يقال تثبت تثبتًا كما يقال تكرم تكرمًا وتكلم تكلمًا وربما أشكل مثل هذا على الضعيف في العربية وتوهم أنه مثل وتبتل إليه تبتيلا ومثل قول الشاعر:
فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا = ورضت فذلت صعبة أي إذلال
وخير الأمر ما استقبلت منه = وليس بأن تتبعه اتباعا
ولم تقل تتبعًا فهذا ليس مثل الآية لأن الفعل إذا أظهر حمل المصدر على المعنى، وقوله جل وعز تثبيتًا لم يظهر فيه الفعل وأحسن ما قيل فيه قول الشعبي والسدي وهو مذهب قتادة كما قرئ على إبراهيم بن موسى الجوزي عن يعقوب الدورقي عن وكيع وعن سفيان عن أبي موسى عن الشعبي: وتثبيتًا من أنفسهم تصديقًا، قال تم وتيقننا، قال أبو جعفر: يقال ثبت فلانًا تثبيتًا إذا قويت عزمه وحقيقة المعنى أن أنفسهم تثبتهم على إخلاص الصدقة.
﴿كمثل جنة بربوة﴾ أي مرتفعة وإذا كانت مرتفعة كانت خشنة وإذا خشنت جاد ثمرها كما قال:
ما روضة من رياض الحزن معشبة = خضراء جار عليها مسيل هطل وابل
[١/ ١١٢]
[ ١١٢ ]
فوصف بأنها من رياض الحزن أي الخشونة ﴿أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين﴾ والأكل ما يؤكل والأكل المصدر فإن لم يصبها وابل فطل قال يعقوب: أي فهو طل أو أصابها طل، قال محمد بن يزيد، أي فطل أي فالطل يكفيها ﴿والله بما تعملون بصير﴾ أي بما تعملون من ابتغاء مرضاته وغير ذلك بصير وهذا التمام ﴿فاحترقت﴾ قال أبو حاتم: كاف.
وقال: عباس بن الفضل ﴿لعلكم تتفكرون﴾ وقف تام ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ قال نافع: وخولف في هذا لأن ما بعده متصل به، قال ابن يزيد: الخبيث الحرام، قال أبو جعفر: وقد جاء التوقيف بما لا يجوز أن يقال في الآية غيره قال عبيدة سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنهعن قول الله جل وعز ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ قال: كانوا يصرمون النخل فيعزلون الجيد فإذا جاء المساكين أعطوهم الزكاة من الرديء فأنزل الله عزل وجل ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ وبعده ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ يقال أغمض في الشيء وغمض إذا تجافى وأخذه على استحياء وعن ابن عباس (إلا أن تغمضوا فيه) إلا أن تنقضوا، قال ابن يزيد: إلا أن تأخذوا الحرام وتعلموا أنكم آثمون، ﴿واعلموا أن الله غني حميد﴾ قال نافع تم ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه
[١/ ١١٣]
[ ١١٣ ]
وفضلا﴾ قال نافع: تم.
﴿والله واسع عليم﴾ وقف حسن ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا﴾ هذا قطع كاف عند أبي حاتم وزعم العباس بن الفضل أنه تمام، والصواب ما قاله أبو حاتم على اختلاف الناس في معنى الحكمة.
فحدثنا بكر بن سهل حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح قال معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يؤتي الحكمة من يشاء، قال المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحرامه وحلاله وأمثاله، وقال السدي الحكمة النبوة وقال أبو العاليه: الحكمة خشية الله جل وعز لأن رأس كل شيء خشية الله، وقرأ ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ قال عبد الله بن وهب: سألت مالك بن أنس عن الحكمة، فقال: المعرفة بدين الله والتفقه فيه والاتباع له.
قال أبو جعفر: أصل الحكمة في اللغة إصابة الصواب والامتناع عن اتباع الهوى فهذه الأقوال كلها داخلة فيه ويدلك أن القول كما قال أبو حاتم أن بعده ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ أي يفكر في أمر الحكمة.
[١/ ١١٤]
[ ١١٤ ]
﴿وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه﴾، قال العباس بن الفضل تم، وقال أبو حاتم: هو كاف ويدلك على ما قال أبو حاتم أن بعده ﴿وما للظالمين من أنصار﴾ وما لمن ظلم فكان نذره الشيطان واتبع هواه فما له من ناصر ينصره من عقاب الله جل وعز، قال العباس بن الفضل: والتمام ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ في قراءة من جزم ومن رفع وقف على ﴿فهو خير لكم﴾، وقال أبو جعفر: وفيه قرأت سبع موافقة للمصحف قرأتها الآية وثامنة مخالفة للسواد نذكرهما ونذكر مع كل قراءة التمام فيها إن شاء الله.
قرأ نافع وحمزة والكسائي وابن محيصن وعيسى وطلحه ويروى عن الحسن ومجاهد والأعمش وابن كثير وشبل (ونكفر عنكم) بالنون وإسكان الراء فالوقف على هذه القراءة من سيئاتكم لأن ونكفر معطوف على موضع ألف فلا ينبغي أن يوقف على ما قبله وقرأ قتاده وابن أبي اسحق وأبو عمرو ويروى عن عاصم ونكفر عنكم بالنون وضم الراء فمن جعل ونكفر مستأنفًا على هذه القراءة جاز أن يقطع على (فهو خير لكم) ومن جعله معطوفًا على ما بعد الألف وقف على من سيئاتكم، وروى حسين بن علي الجعفي عن الأعمش ونكفر عنكم بالنون وفتح الراء فعلى قول الكوفيين وهذه القراءة يجب أن يكون الوقف على (فهو خير لكم) لأنهم ينصبون على الصرف من الأول وعلى قول البصريين الوقف على (من سيائتكم) لأنهم يعطفون على الموضع ويضمرون أن فهذه ثلاث قراءات.
[١/ ١١٥]
[ ١١٥ ]
قال خلف بن هشام: حدثنا الخفاف، حدثنا هارون عن حنظلة عن شهر عن ابن عباس أنه قرأ فهو خير لكم ونكفر عنكم من سيئاتكم بمعنى الصدقة، قال أبو جعفر: الوقف على هذه القراءات من سيئاتكم وهكذا الوقف في القراءة الخامسة المروية عن عكرمة ويكفر، وقرأ حميد ويكفر بالياء وإسكان الراء، قال أبو عبيد: رد المعنى إلى الله جل وعز، قال أبو حاتم: المعنى ويكفر الإعطاء والوقف على هذا أيضًا من سيئاتكم لأنه معطوف ونكفر الله أو ويكفر الإيتاء ﴿وتؤتوها﴾ على الإيتاء كما قال:
إذا نهى السفيه جرى إليه = وخالف والسفيه إلى خلاف
وروى حفص عن عاصم (فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم) بالياء وضم الراء وقد روى هذا أيضًا عن الحسن والقطع فيه كما تقدم في ونكفر بالنون وضم الراء وزعم أبو حاتم أن الأعمش قرأ (فهو خير لكم نكفر عنكم من سيئاتكم) بغير واو وبالجزم وجعل للشرط جوابين والقطع على هذه القراءة من سيائتكم أيضًا ﴿والله بما تعملون خبير﴾ قطع تام على تفسير العلماء إلا يزيد بن أبي حبيب وذلك أن من يحفظ عنه العلماء لا اختلاف بينهم إن هذا في الصدقة النافلة وإن أخفاها خير من إظهارها وإن إظهار الفريضة خير من إخفائها.
قال ابن عباس ﴿إن تبدو الصدقات فنعم ما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ يعني النافلة يقال أن إخفاءها خير من إظهارها بسبعين ضعفًا، قال ويقال إن إظهار الفريضة خير
[١/ ١١٦]
[ ١١٦ ]
من إخفائها بخمسة وعشرين ضعفًا وهذا في جميع الفرائض والنوافل وهذا من أحسن ما قيل في هذا كما روى نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بخمسة وعشرين درجة، قال يزيد بن حبيب: إن تبدوا الصدقات فتعطوها أهل الكتاب من اليهود والنصارى فنعم ما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم، فعلى قول يزيد بن حبيب لا يكون خيرًا تمامًا لأنه يجعل ﴿ليس عليك هداهم﴾ راجعًا إلى أهل الكتاب ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾ قال أبو حاتم: تام ﴿وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾ ليس بقطع كاف لأن بعض الكلام متعلق ببعض.
﴿وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون﴾ ليس بقطع على قول من قال: وما تنفقوا من خير للفقراء ومن جعله بمعنى نفقتكم للفقراء جاز أن يقف على تظلمون ﴿لا يستطيعون ضربًا في الأرض﴾ قال نافع: تم، وخالفه أبو حاتم وغيره وقالوا الوقف ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾ ﴿فإن الله به عليم﴾ قطع تام وكذا ﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.
﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ قال نافع: تم، وخالفه أبو حاتم وغيره فقالوا الوقف ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا﴾،
[١/ ١١٧]
[ ١١٧ ]
وقال أبو جعفر: وهذا قطع حسن لأنه قد انقطع كلامهم كما قرأ الحسن بن عبد الله بن محمد عن يحيى بن عبد الله بن بكير حدثني ابن لهيعه عن عطا بن دينار عن سعيد بن جبير ذلك بأنهم أي ذلك الذي نزل بهم فإنهم قالوا إنما البيع مثل الربا.
قال: كان الرجل يدائن الرجل فإذا حل لصاحبه المال قال أخرني إلى أجل كذا، وأزيدك في مالك كذا، فإذا قيل لهم هذا الربا، قالوا إن زدنا وقت البيع أو وقت الأجل فكله سواء فهذا قولهم إنما البيع مثل الربا فأكذبهم الله جل وعز قال ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ قال أبو جعفر: في هذا أيضًا وقف عند أبي حاتم وكذا ﴿وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ قطع كاف والوقف بعده عند أبي حاتم ﴿ويربى الصدقات﴾ والتمام ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ وبعده ﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.
قال أحمد بن موسى ﴿إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم﴾ تمام، قال الأخفش سعيد ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ تمام ﴿وهم لا يظلمون﴾ قطع تام، وفي آية الذين أكثر من عشرة وقوف كافية منها ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل
[١/ ١١٨]
[ ١١٨ ]
مسمى فاكتبوه﴾ وبعده ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ وبعده ﴿فليكتب﴾ وبعده ﴿ولا يبخس منه شيئًا﴾.
قال يعقوب: ومن الوقف الكافي ﴿أو لا يستطيع أن يمل﴾ قال واكتفاء التمام (أن يمل هو) قال والمعنى: أن يمله وجعل الواو صلة، قال أبو جعفر: هذا القول خطأ وكذا العلة لأنه إذا وقف أن يمل فلم يأت جواب الشرط ولم يأت بقوله هو فأفرد التوكيد أو الفاعل من الفعل ثم اعتل بأن التقدير: أن يمله وهو في المصحف منفصل من يمل ولو كان متصلًا لكان المضمر هو موضع نصب وإذا انفصل كان موضعه رفع ولا يجوز أن يكون الواو صلة وهي مفتوحة والقول كما قال أبو حاتم: إن الوقف ﴿فليملل وليه بالعدل من الشهداء﴾ قطع صالح على قراءة الكوفيين لأنهم لا يقرأون ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ ومن قرأ (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) وقف هاهنا، قال أبو جعفر: فهذه القراءة حسنة المخرج في العربية لأن أذكرته إذا نسى أكثر من ذكرته وأكثر ما يأتي ذكرته إذا أوعظته على أن الفراء قد زعم أن وإن كانت مفتوحة معنى المكسورة وإنها الشرط وإن المعنى إن نسيت ذكرتها أي واستشهدوا كي تذكر
[١/ ١١٩]
[ ١١٩ ]
إحداهما الأخرى إن نسيت فلما قدم فتحها وهذا قول لا يعرج عليه وقد بينت قول سيبويه في الإعراب.
﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ قطع كاف ﴿فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾ مثله وكذا ﴿وأشهدوا إ ذا تبايعتم﴾ ﴿فإنه فسوق بكم﴾ وقف حسن وهو يشبه التمام ﴿والله بكل شيء عليم﴾ قطع حسن والوقف بعد هذا عند أبي حاتم ﴿فرهان مقبوضة﴾ وبعده ﴿وليتق الله ربه﴾ وبعده ﴿فإنه آثم قلبه﴾ والتمام ﴿والله بما تعملون عليم﴾.
قال يعقوب: ومن ﴿يحاسبكم به الله﴾ فهذا الوقف التمام تم، قال جل وعز ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾، قال أبو جعفر: كذا قرأ يعقوب بالرفع وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وعاصم وقراءة نافع وأبي عمرو وعيسى والأعمش وحمزة والكسائي ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ بالجزم فعلى هذه القراءة لا يقف على ﴿يحاسبكم به الله﴾ وكذا على قراءة الأعمش ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ بالنصب لأن الجزم معطوف على اللفظ والنصب معطوف على الموضع كما قال:
[١/ ١٢٠]
[ ١٢٠ ]
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى = مصارع مظلوم مجرا ومسحبا
وتدفن منه الصالحات وأن يسيء = يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
نصب وتدفق لأنه عطفه على معنى لا يزال وعلى معنى يرى أو على مضارع واضمر أن وإن شئت رفعت على الائتناف أو على العطف على لفظ يرى، والتمام ﴿والله على كل شيء قدير﴾.
﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ قال نافع: تم، قال يعقوب: ومن الوقف التام (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) قال ﴿والمؤمنون﴾ رفع بالابتداء لا بفعلهم، وقال الأخفش سعيد: آمن الرسول فالتمام فيه والمؤمنون، قال أبو جعفر: وهذا القول أولى من الأولى، وروى عن ابن مسعود أنه قرأه آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه وآمن المؤمنون، فإن واو العطف توجب أن يكون الثاني داخلا فيما دخل فيه الأول إلا أن يقع حجة بغير ذلك وأيضًا فإن بعده ﴿كل آمن﴾ ولم يقل كلهم فيكون توكيدًا، والوقف بعد هذا عند أبي حاتم ﴿وكتبه ورسله﴾ على قراءة من قرأ لا يفرق بالنون، قال أبو جعفر: وهذه قراءة المدنيين والكوفيين ومن قرأ ﴿لا نفرق﴾ فوقفه عند أبي حاتم ﴿بين أحد من رسله﴾ وهذه قراءة سعيد بن جبير ويحيى بن يعمر وأبي زرعة بن عمرو بن جرير وهو يروى عن ابن عباس والتمام ﴿وإليك المصير﴾، قال الأخفش: وأما قوله جل وعز ﴿لا يكلف الله
[١/ ١٢١]
[ ١٢١ ]
نفسًا إلا وسعها﴾ فالتمام فيه ﴿وعليها ما اكتسبت﴾ وهو مذهب محمد بن جرير لأنه قال التقدير: وقولوا ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ وقف كاف، وكذا ﴿كما حملته على الذين من قبلنا﴾ وكذا ﴿ما لا طاقة لنا به﴾ وكذا ﴿واعف عنا﴾ وكذا ﴿واغفر لنا﴾ وكذا ﴿وارحمنا﴾.
فأما ﴿أنت مولانا﴾ فأصحاب التمام يمنعون من الوقوف عليه ولو كان ﴿فانصرنا﴾ لجاز الوقف عليه عندهم، قال أبو جعفر: والفرق بين الفاء والواو إن في الفاء ظرفًا من معنى المجازاة يقول أنت صاحبي فاكرمني وليس هذا في الواو وقد يؤول في الابتداء بالفاء خلافًا على ما تقدم قول الشافعي إذ قال له علي دينار فدرهم لم يجب له عليه إلا دينار وجاز عنده أن تبتدئ بالفاء وتقطع الكلام مما قبله والقطع التام آخر السورة والله أعلم.
[١/ ١٢٢]
[ ١٢٢ ]