قال الأخفش سعيد ﴿براءة من الله ورسوله﴾ التمام فيه إلى ﴿الذين عاهدتم من المشركين﴾ قال أبو جعفر: وهذا خطأ على قول الفراء، وكذا الوقف (على) ﴿واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾ لأنه زعم أن ﴿وأذان من الله﴾ تابع لقوله ﴿براءة﴾ ﴿إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ قيل: هذا وقف كاف على قراءة الحسن، لأنه قرأ (إن) بكسر الهمزة، قال يعقوب: ومن الوقف ﴿أن الله بريء من المشركين﴾ تمام الكلام، ثم قال الله جل وعز ﴿ورسوله﴾ أي ورسوله بريء منهم، قال أبو جعفر: وإذا جعلت (ورسوله) مرفوعًا بالابتداء على ما قال أحمد بن موسى، صلح الوقف على ما قبله، وإن جعلته معطوفًا على الموضع لم تقف على ما قبله، وكذا إن نصبت على قراءة ابن أبي إسحاق: والوقف عند نافع والأخفش ﴿إن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ ﴿واعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ قطع كاف على قول بعض العلماء، فأما ﴿وبشر الذين كفروا بعذاب أليم﴾ فليس بكاف عند أحد علمته، لأن بعده استثناء، ومن الناس من يقول: ليس من
[١/ ٢٨٢]
[ ٢٨٢ ]
أول السورة إلى هاهنا تمام، لأن الاستثناء مما قبله لأن المعنى: برئ الله ورسوله من المشركين ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدا﴾ ويجعل البراءة إنما هي من الذين نقضوا العهد وظاهروا المشركين، وكان محمد بن جرير يذهب إلى هذا، والتمام ﴿إن الله يحب المتقين﴾، ﴿واقعدوا لهم كل مرصد﴾ قطع كاف، والتمام ﴿إن الله غفور رحيم﴾ ﴿ثم أبلغه مأمنه﴾ قطع كاف، والتمام ﴿ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ قطع كاف، والتمام ﴿إن الله يحب المتقين﴾ والتمام بعده عند الأخفش ﴿لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة﴾ ﴿وأكثرهم فاسقون﴾ قطع تام ﴿فصدوا عن سبيله﴾ قطع كاف، والتمام ﴿إنهم ساء ما كانوا يعملون﴾ ﴿وأولئك هم المعتدون﴾ قطع تام، وكذا ﴿فإخوانكم في الدين﴾ ثم الوقوف على رؤوس الآيات حسن إلى ﴿وهم بدءوكم أول مرة﴾ فإنه تمام عند
[١/ ٢٨٣]
[ ٢٨٣ ]
الأخفش والوقوف عند أبي حاتم ﴿أتخشونهم﴾ وخولف في هذا لأن ﴿فالله أحق أن تخشوه﴾ متعلق بما قبله، والتمام ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ قال يعقوب: ومن الوقف ﴿ويذهب غيظ قلوبهم﴾ ثم قال الله جل وعز ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ قرأ ابن أبي إسحاق (ويتوب الله) بالنصب، فعلى هذه القراءة لا تقف على ما قبله، لأنه منصوب على الظرف أو على إضمار (أن) والتمام ﴿والله عليم حكيم﴾، قال أبو عبد الله ﴿ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة﴾ تم الكلام، قال أبو جعفر: ثم الوقوف على رؤوس الآيات إلى ﴿وجاهد في سبيل الله﴾ فإنه قطع صالح، ﴿ولا يستوون عند الله﴾ قطع كاف، والتمام ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾، ﴿أعظم درجة عند الله﴾ قطع كاف والتمام ﴿وأولئك هم الفائزون﴾، ﴿وجنات لهم فيها نعيم مقيم﴾ ليس بوقف كاف لأن ﴿خالدين﴾ منصوب على
[١/ ٢٨٤]
[ ٢٨٤ ]
الحال، أو يكون نعتًا لـ (جنات) فلا ينبغي أن يوقف على (مقيم) ولكن يصلح الوقوف على ﴿خالدين فيها أبدا﴾ والتمام ﴿إن الله عنده أجر عظيم﴾، ﴿إن استحبوا الكفر على الإيمان﴾ قطع صالح، والتمام ﴿ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون﴾ قال الأخفش ﴿قل إن كان آباؤكم﴾ التمام فيه ﴿فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾ لأن هذا جواب ﴿إن كان﴾ وهذا مجازاة ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ قطع تام، تم القطع على رؤوس الآيات حسن إلى ﴿بعد عامهم هذا﴾ فإنه تمام عند أحمد بن موسى ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ قطع كاف، والتمام ﴿إن الله عليم حكيم﴾ وكذا ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، والتمام عند نافع ﴿يضاهئون قول الذين كفروا من قبل﴾ وعند غيره ﴿أنى يؤفكون﴾ قال أبو عبيد الله ﴿والمسيح ابن مريم﴾ تمام الكلام، ثم القطع على رؤوس
[١/ ٢٨٥]
[ ٢٨٥ ]
الآيات حسن إلى ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾ فإنه تمام عند أحمد بن موسى.
﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ ليس بتمام لأن المعنى: بعذاب أليم في ذلك اليوم، والتمام ﴿فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ والقطع الكافي عند أبي حاتم ﴿ذلك الدين القيم﴾ وعند نافع والأخفش ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ قال أبو جعفر: الضمير الذي في (فيهن) اختلف العلماء فيه، فمن جعله يعود على الاثنى عشر وقف على (ذلك الدين القيم) في مذهب يعقوب، ومن جعله يعود على الأربعة وقف على (فيهن أنفسكم) وممن قال: هو يعود على الاثنى عشر ابن عباس ومقاتل بن حبان والضحاك، كما حدثنا بكر بن سهل حدثنا عبد الله بن صالح: حدثن يمعاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) قال في كلهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرمًا، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم، وفي رواية حماد بن سلمة عن علي بن يزيد عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) في الكل، وكذا روى جويبر عن الضحاك، وقال مقاتل بن حبان: منهن أربعة حرم: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) قال في الاثنى عشر، وروى سعيد بن جبير عن قتاده: إن الظلم في الأربعة الحرم أعظم خطيئة ووزرًا منه فيما
[١/ ٢٨٦]
[ ٢٨٦ ]
سواهن، وكان محمد بن جرير يختار هذا القول، أن يكون الضمير يعود على الحرم لقوله جل وعز (فيهن) ولو كان للاثنى عشر لكان (فيها)، كما قال جل وعز ﴿منها﴾ قال أبو جعفر: والذي قاله حسن لأنها اللغة الفصيحة، ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾ قطع تام، ﴿فيحلوا ما حرم الله﴾ قطع كاف عند أبي حاتم ﴿زين لهم سوء أعمالهم﴾ قطع صالح، والتمام ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ قطع كاف، والتمام ﴿إلا قليل﴾ ﴿ولا تضروه شيئا﴾ قطع كاف، والتمام ﴿والله على كل شيء قدير﴾ ﴿إن الله معنا﴾ قطع كاف، ﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى﴾ قطع تام على قراءة العامة لأنهم يقرأون ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ وقرأ علقمة والحسن ويعقوب (وكلمة الله هي العليا) بالنصب، فعلى هذه القراءة الوقف على هي (العليا)، وزعم أبو حاتم: أن القراءة بالرفع حسن لأنك لو قلت: وجعل الله كلمة الله هي العليا ولم تكن في حسن (وجعل الله كلمته هي العليا)، ولذلك قرأت العامة بالرفع، وكذا كان مذهبه كمذهب أهل العلم: إن اجتماع العامة هو الحق، وإن في خلافه الطعن،
[١/ ٢٨٧]
[ ٢٨٧ ]
﴿والله عزيز حكيم﴾ على القراءتين جميعًا، ثم القطع على رؤوس الآيات حسن إلى ﴿عفا الله عنك﴾، فإنه قطع كاف على قول من قال: هو افتتاح كلام كما تقول: الله أعزك الله أليس قد كان كذا، والتمام ﴿وتعلم الكاذبين﴾ ﴿أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم﴾ قطع كاف، ثم القطع على رؤوس الآيات حسن إلى قوله ﴿وفيكم سماعون لهم﴾ فإنهم قطع كاف، ثم القطع على رؤوس الآيات حسن إلى ﴿ولا تفتني﴾ فإنه قطع كاف، ثم قال الله جل وعز ﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾ أي في التخلف عن النبي ﷺ ثم القطع على رؤوس الآيات حسن إلى ﴿هو مولانا﴾ والتمام ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ ثم القطع على رؤوس الآيات حسن إلى ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم﴾ فإن أبا حاتم زعم أن هذا كاف، وخولف في ذلك لأن أهل التأويل منهم ابن عباس يقولون: المعنى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، فإن أبا حاتم زعم أن هذا في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، قال أبو جعفر: فالقطع على هذا ﴿في الحياة الدنيا﴾ كاف، وقد يجوز ما قال أبو حاتم أن يكون المعنى: إنما يريد الله ليعذبهم
[١/ ٢٨٨]
[ ٢٨٨ ]
بأموالهم في الحياة الدنيا، لأنهم ينفقونها فيما لا يجري عليهم، وأمر الله جل وعز غالب فهم متعذبون بها ثم القطع على رؤوس الآيات حسن إلى ﴿سيؤتينا الله من فضله ورسوله﴾ فإنه قطع صالح، والتمام ﴿إنا إلى الله راغبون﴾ ﴿وفي سبيل الله وابن السبيل﴾ قطع صالح ﴿فريضة من الله﴾ كاف، والتمام ﴿والله عليم حكيم﴾ ﴿ويقولون هو أذن﴾ قطع كاف، ومن قرأ ﴿قل أذن خير لكم﴾ كذا هذا وقفه الكافي، ومن قرأ (قل أذن خير لكم) كان وقفه، ﴿ورحمة للذين آمنوا منكم﴾ لأن (ورحمة) معطوف على (أذن)، وكذا من قرأ (أذن خير لكم) وقرأ (ورحمة) بالخفض، لأنه يعطف (ورحمة) على (خير) والمعنى عند الفراء: أنا نقول ما شئنا ثم نأتي فنعتذر إليه، فيقبل منا، فقال الله جل وعز (قل أذن خير لكم) أي إن كان الأمر على ما تقولون فهو خير لكم، فليس الأمر على ما تقولون ولكنه يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين إنما يصدق المؤمنين ﴿ورحمة للذين آمنوا منكم﴾ قطع كاف، والتمام ﴿والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾ ثم القطع على رؤوس الآيات إلى ﴿إنما كنا نخوض ونلعب﴾ فإنه قطع كاف، قال الله جل وعز ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم
[١/ ٢٨٩]
[ ٢٨٩ ]
تستهزئون﴾، ﴿لا تعتذروا﴾ قال أبو عبد الله: قال قوم: الوقف (لا تعتذروا)، وقال نصير: الوقف على رأس الآية أحب إلي، قال أبو جعفر: والأمر قال لأن الابتداء ليس بحسن، ﴿إن المنافقين هم الفاسقون﴾ قطع كاف، ﴿خالدين فيها هي حسبهم﴾ قطع تام على ما روينا عن نافع، ﴿ولهم عذاب مقيم﴾ قطع كاف إن قطعت الكاف مما قبلها، ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ قطع تام، ﴿قوم نوح وعاد وثمود﴾ ليس بتمام ولا كاف لأن ما بعده معطوف عليه، وهو ﴿وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات﴾ والتمام ﴿فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ وكذا ﴿أولئك سيرحمهم الله﴾ وكذا ﴿إن الله عزيز حكيم﴾ قال يعقوب: ومن الوقف قوله جل وعز ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن﴾ فهذا تام من الوقف ثم قال الله جل وعز ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ تمام، وقال غيره:
[١/ ٢٩٠]
[ ٢٩٠ ]
التمام ﴿ذلك هو الفوز العظيم﴾، ﴿جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ قطع كاف، وكذا ﴿ومأواهم جهنم﴾ والتمام ﴿وبئس المصير﴾ ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ قطع كاف وكذا ﴿إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾ وكذا ﴿يك خيرًا لهم﴾ والتمام ﴿وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير﴾ ثم القطع على رؤوس الآيات حسن إلى ﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم﴾ فإن أبا حاتم يذهب: إلى أنه وقف كاف، وغيره يذهب: إلى أن الوقف الكافي عنده ﴿إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا﴾ لأن المعنى: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا، ثم القطع على رؤوس الآيات حسن إلى ﴿مع الخوالف﴾ فإنه قطع كاف، ثم القطع على رؤوس الآيات حسن إلى ﴿ليؤذن لهم﴾ فإنه فيما روينا عن نافع أنه قال: تم، قال غيره: ليس بتمام لأن ﴿وقعد﴾ معطوف على ﴿وجاء﴾ والقطع الكافي ﴿وقعد الذين كذبوا الله ورسوله﴾ والتمام ﴿سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾، قال أحمد بن موسى ﴿إذا نصحوا لله
[١/ ٢٩١]
[ ٢٩١ ]
ورسوله﴾ تمام، وقال غيره: التمام ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ وكذا ﴿والله غفور رحيم﴾ وكذا ﴿ألا يجدوا ما ينفقون﴾ ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ قطع كاف، ﴿وسيرى الله عملكم ورسوله﴾ قطع صالح، ثم القطع على رؤوس الآيات حسن إلى ﴿عليهم دائرة السوء﴾ فإنه قطع كاف، والتمام ﴿والله سميع عليم﴾ ﴿ألا إنها قربة لهم﴾ قطع كاف، وكذا ﴿سيدخلهم الله في رحمته﴾ والتمام ﴿إن الله غفور رحيم﴾ ﴿خالدين فيها أبدا﴾ قطع كاف والتمام ﴿ذلك الفوز العظيم﴾، ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون﴾ قطع كاف إن جعلت التقدير: ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق، وإن جعلت التقدير: وممن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على النفاق ويكون ﴿مردوا﴾ نعتًا لـ (منافقين) لم يحسن الوقوف على ﴿منافقون﴾، وكان الوقف الكافي ﴿ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾، ثم يبتدئ ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ قال ابن عباس: هم سبعة تخلفوا عن الخروج مع النبي ﷺ إلى تبوك، فندموا وربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد
[١/ ٢٩٢]
[ ٢٩٢ ]
﴿خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم﴾ قطع صالح، ﴿إن الله غفور رحيم﴾ قطع كاف فلما تاب الله جل وعز عليهم قالوا: يا رسول الله خذ أموالنا فتصدق بها، فقال: ما أمرت في أموالكم بشيء فأنزل الله جل وعز ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ قطع كاف والتمام ﴿والله سميع عليم﴾ على قول ابن زيد لأنه قال لما تاب الله جل وعز عليهم قال الذين تخلفوا عن رسول الله: ألم يكن هؤلاء معنا تخلفوا كما تخلفنا، فأنزل الله جل وعز ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم﴾ قطع كاف وكذا ﴿فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ ثم قال جل وعز ﴿وآخرون مرجون لأمر الله﴾ وهم ثلاثة آخرون سوى السبعة على قول ابن عباس: قبلت توبة السبعة لاعترافهم بذنوبهم ومبادرتهم، وخلف الثلاثة عن قبول التوبة، قال الله جل وعز ﴿إما يعذبهم وإما يتوب عليهم﴾ أي: إما يخذلهم حتى لا تتم توبتهم، فيعذبهم، وإما أن يوفقهم فتتم توبتهم، والتمام ﴿والله عليم حكيم﴾ على قراءة من قرأ ﴿الذين﴾ بغير واو ومن قرأ
[١/ ٢٩٣]
[ ٢٩٣ ]
بقراءة الكوفيين (والذين) بمعنى: ومنهم الذين، أو ممن ذكر الذين وسيبويه يقدر مثل هذا: (وفيما نقص عليكم) فيكون (والله عليم حكيم) قطعًا كافيًا على هذه التقديرات ﴿وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ عن نافع: تم، قال أبو جعفر: إن قدرت (الذين) مبتدأ على أن خبره ﴿لا يزال بنيانهم﴾ لم يكن هذا تمامًا ولا كافيًا وكذا إن قدرته على قول الكسائي لأنه يجعل الخبر (لا تقم فيه) أي لا تقم في مسجدهم، وإن جعلت التقدير: ومنهم الذين جاز أن تقف على (وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل) وعلى ﴿والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ وعلى ﴿لا تقم فيه أبدا﴾ كما قال يعقوب: قال (لا تقم فيه أبدا) فهذا التمام من الوقف ثم يقول ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾ قال: فهذا التمام، قال أبو جعفر: فهذا يصح على تقدير منهم الذين وهو حسن لأن الضمير مختلفة، قد حكى يحيى بن أيوب بن بادي قال: سمعت أحمد بن صالح يقول: لا يحل لأحد أن يجترئ على كتاب الله جل وعز على الكلام فيه إلا بعلم ودراية، ألا ترى إلى قوله جل وعز ﴿لا تقم فيه أبدًا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم
[١/ ٢٩٤]
[ ٢٩٤ ]
أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾، كل ضمير فيه مخالف لصاحبه وكيف يتكلم على هذا من غير علم، قال أبو جعفر: والأمر في هذا كما قال (لا تقم فيه أبدًا) وهو مسجد الضرار، قال محمد بن إسحاق: هو مسجد بني عوف عمرو بن عوف (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم، أحق أن تقوم فيه) هو مسجد النبي ﷺ بالمدينة، جاء بذلك التوقيف، قال أبو سعيد الخدري وسهل بن سعد سئل النبي ﷺ عن هذا المسجد فقال: هو مسجدي هذا فيه رجال يحبون أن يتطهروا، مسجد قباء، كذا روى داود بن أبي هند عن شهر بن حوشب (والله يحب المطهرين) قطع تام على ما تقدم، وكذا ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ قطع كاف، والتمام ﴿والله عليم حكيم﴾ قال أحمد بن موسى ﴿في التوراة والإنجيل والقرآن﴾ كاف ﴿ومن أوفى بعهده من الله﴾ قطع كاف، وكذا ﴿بايعتم به﴾ ﴿وذلك هو الفوز العظيم﴾ قطع حسن، والتقدير: هم ﴿التائبون﴾ وعلى قراءة ابن مسعود (التائبين) إن جعلته نصبًا على المدح، كان كالأول، وإن جعلته في موضع خفض نعتًا للمؤمنين لم تقف على ما قبله، وكان الوقف التام ﴿وبشر المؤمنين﴾ ﴿من بعد ما تبين
[١/ ٢٩٥]
[ ٢٩٥ ]
لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ قطع كاف ﴿إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ عند نافع: تم وكذا قال أحمد بن جعفر ﴿تبرأ منه﴾ قطع صالح والتمام ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾ ﴿حتى يبين لهم ما يتقون﴾ قطع كاف وعن نافع: تم ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ قطع حسن وكذا ﴿من ولى ولا نصير﴾، ﴿ثم تاب عليهم﴾ قطع حسن، وكذا ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ والتمام ﴿إن الله هو التواب الرحيم﴾ ثم ابتدأ ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ قطع تام، قال أبو جعفر: حدثنا علي بن الحسن قال: الحسن بن محمد حدثنا يحيى بن عباد وشبابة وعفان، واللفظ ليحيى قالوا: حدثنا شعبة قال: أخبرني عمرو بن مرة عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: لا يحل الكذب في جد ولا هزل واقرأوا إن شئتم (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) قال أحمد بن موسى (ولا يرغبوا بأنفسهم عن
[١/ ٢٩٦]
[ ٢٩٦ ]
نفسه) تمام ﴿إلا كتب لهم به عمل صالح﴾ ليس بتمام ولا كاف، وقد غلط فيه بعض القراء فجعله كافيًا، وكذا ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ وليسا بتمام لأن ﴿ولا ينفقون نفقة﴾ معطوف على (يصيبهم) وكذا ﴿ولا يقطعون واديا﴾ معطوف أيضًا، وزعم أبو حاتم: أن (ألا كتب لهم) وقف، وجعل ﴿ليجزيهم﴾ لام قسم وحذفت منه النون استخفافًا ثم كسرت اللام فأشبهت لام كي فنصب بها، قال أبو جعفر: وهذا كله غلط ليس (إلا كتب لهم) وقفًا لأن اللام متعلقة به، وليست هذه لام قسم، ورأيت أبا الحسن بن كيسان ينكر مثل هذا على أبي حاتم ويخطئه فيه، ولو جاز ما قال أبو حاتم لجاز: والله ليقوم زيد، ولا معنى لحذف النون ولا لكسر اللام، وهذا لا يوجد في كلام العرب أعني: كسر لام القسم وقد شبهه أبو حاتم بقول العرب: أكرم بزيد وأنبل به، أي ما أكرمه وأنبله، لما أشبه الأمر جزموا، قال أبو جعفر: وهذا غلط والفرق بينهما أن هذا موجود في كلام العرب، وكسر لام القسم غير موجود، والوقف ﴿ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾، ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ قطع كاف، والتمام ﴿لعلهم يحذرون﴾ ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾ قطع كاف عند أبي حاتم، ﴿واعلموا أن الله
[١/ ٢٩٧]
[ ٢٩٧ ]
مع المتقين﴾ قطع حسن ﴿زادته هذه إيمانا﴾ قطع كاف، قال أحمد بن موسى ﴿وهم يستبشرون﴾ تمام، ﴿وماتوا وهم كافرون﴾ غير تمام لأن ﴿أو لا﴾ واو عطف دخلت عليها ألف الاستفهام ﴿وهم يذكرون﴾ ليس بتمام، لأن ما بعده معطوف عليه ﴿ثم انصرفوا﴾ قطع كاف عند الفراء لأن المعنى عنده ﴿وإذا ما أنزلت سورة﴾ فيها ذكرهم وعيبهم قال بعضهم لبعض ﴿هل يراكم من أحد﴾ إن أقمتم، فإن قالوا: نعم، قاموا بذلك: ثم انصرفوا والتمام ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾، ﴿حريص عليكم﴾ تمام عند الأخفش وأحمد بن موسى، وليس بتمام عند غيرهما لأن ﴿رؤوف رحيم﴾ نعت لرسول الله ﷺ والحجة للأخفش وأحمد بن موسى أن قوله جل وعز ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم﴾ مخاطبة لأهل مكة وقوله ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ لجميع الناس، فيكون التقدير: وبالمؤمنين رؤوف رحيم أي من أهل مكة وغيرهم، ﴿عليه توكلت﴾ قطع صالح والتمام ﴿وهو رب العرش العظيم﴾.
[١/ ٢٩٨]
[ ٢٩٨ ]