قال أبو جعفر: أكثر من عمل كتابًا في التمام يقلل التمام في هذه السورة فلم يذكر نافع منها إلا خمسة مواضع ولم يذكر أحمد بن جعفر فيها إلا موضعا واحدًا، قال أبو جعفر وما علمت أن يعقوب ذكر منها إلا موضعًا واحدًا، فأما أبو حاتم فحكى أن بعض المفسرين ذكر أنه ليس فيها تمام وغلطه في ذلك وذكر أن الغلط إنما وقع في ذلك لقصر آياتها، قال أبو جعفر: وسنذكر من ذلك ما فيه الكفاية إن شاء الله تعالى.
﴿ألر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين﴾ تمام عند أبي حاتم ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ قطع كاف ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل﴾ تمام عند أبي حاتم وخولف في ذلك لأن بعده تهديدًا متصلا بما قبله، والتمام ﴿فسوف يعلمون﴾ وكذا ﴿إلا ولها كتاب معلوم﴾ عند نافع تم ﴿ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون﴾ قطع كاف ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾ ليس بتمام.
[١/ ٣٥٣]
[ ٣٥٣ ]
قال أبو حاتم ﴿إن كنت من الصادقين﴾ انقضى الكلام فقال جل وعز ﴿ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذًا منظرين﴾ قطع تام ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ فيه قولان: فأهل التفسير على أن المعنى إنا نحن نزلنا القرآن وإنا للقرآن لراعون حتى لا يزاد التفسير فيه ولا ينقص منه فالوقف على هذا ﴿وإنا له لحافظون﴾ وحكى العباس بن الفضل أن الضمير في (إنا له) يعود على النبي ﷺ فعلى هذا القول يكون الوقف الكافي (إنا نحن نزلنا الذكر) إلا أنه قول شاذ وفيه أيضًا أنه لم يتقدم ذكر النبي ﷺ فيعود عليه الضمير.
﴿ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين﴾ قطع صالح وكذا ﴿إلا كانوا به يستهزءون﴾ والتمام عند نافع ﴿لا يؤمنون به﴾ وكذا قال أحمد بن جعفر ﴿وقد خلت سنة الأولين﴾ قطع كاف ﴿فظلوا فيه يعرجون﴾ ليس بكاف لأنه لم يأت جواب (لو) والتمام ﴿بل نحن قوم مسحورون﴾، ﴿وزيناها للناظرين﴾ ليس بتمام لأن
[١/ ٣٥٤]
[ ٣٥٤ ]
﴿وحفظناها﴾ معطوف وكذا ﴿من كل شيطان رجيم﴾ لأن بعده استثناء.
عن نافع ﴿إلا من استرق السمع﴾ تم ﴿فأتبعه شهاب مبين﴾ قطع كاف، ﴿وأنبتنا فيها من كل شيء موزون﴾ ليس بتمام لأن ﴿وجعلنا﴾ معطوف على وأنبتنا قال يعقوب: ومن الوقف ﴿وجعلنا لكم فيها معايش﴾ وهذا الكافي من الوقف قال أبو جعفر: هذا غلط لأن (ومن) لا تخلوا من إحدى جهتين، إما أن تكون في موضع نصب معطوفة على معايش أي وجعلنا لكم من لستم له برازقين من العبيد والإماء فلا يكفي الوقوف على ما قبلها، أو تكون في موضع خفض عطفًا على الكاف والميم وإن كان هذا بعيدًا وقد أجازه جماعة من النحويين كما قرأ حمزة ﴿تساءلون به والأرحام﴾ وكما قال:
هلا سألت بذي الجماجم عنهم = وأبي نعيم ذي اللواء المخرق
وقال الآخر:
تعلق في مثل السواري سيوفنا = وما بينها والكعب عوط نقانف
وقال الآخر:
[١/ ٣٥٥]
[ ٣٥٥ ]
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا = فاذهب فما بك والأيام من عجب
قال أبو جعفر: القول كما قال الأخفش وأبو حاتم إن التمام ﴿ومن لستم له برازقين﴾ ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه﴾ قطع صالح والتمام رأس الآية وكذا الآيات التي بعدها إلى ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ إلى ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ فإنه تمام على ما روينا عن نافع وتابعه على ذلك العباس بن الفضل وخولفا في ذلك لأن ﴿إخوانا﴾ منصوب على الحال مما قبله وسيبويه ربما سمى الحال خبرًا لما فيها من الفائدة والتمام ﴿وما هم منها بمخرجين﴾.
﴿الغفور الرحيم﴾ ليس بتمام لأن بعده ﴿وأن﴾ معطوفة على ما قبلها ﴿هو العذاب الأليم﴾ قطع صالح ليس بتمام لأن الظاهر في ﴿ونبئهم﴾ إنه معطوف على (نبئ) تم القطع على رؤوس الآيات حسن إلى ﴿قالوا إنا أرسلنا إلى قوم
[١/ ٣٥٦]
[ ٣٥٦ ]
مجرمين﴾ فإنه ليس بتمام لأن بعده استثناء وكذا ﴿إنا لمنجوهم أجمعين﴾ ثم القطع على رؤوس الآيات حسن إلى ﴿وما بينهما إلا بالحق﴾ فإنه تمام على ما رويناه عن نافع ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ قطع تام وكذا ﴿إن ربك هو الخلاق العليم﴾.
﴿والقرآن العظيم﴾ وقف عند أبي حاتم وكذا عنده ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم﴾ وخولف في هذا لأن بعده نهيًا معطوفًا على النهي الذي قبله فالوقف ﴿ولا تحزن عليهم﴾ ﴿للمؤمنين﴾ ليس بتمام لأن ﴿وقل﴾ معطوف على ﴿واخفض﴾ ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾ ليس بتمام ولا كاف ويبين هذا التفسير.
فعن ابن عباس والحسن ومجاهد أن المقتسمين هم اليهود والنصارى آمنوا ببعض القرآن وكفروا ببعض ومذهب الفراء أن المقتسمين عظماء كفار قريش اقتسموا على طرق مكة يصدون الناس عن النبي ﷺ فمنهم من يقول الذي جاء به سحر ومنهم من
[١/ ٣٥٧]
[ ٣٥٧ ]
يقول هو أساطير الأولين ومنهم من يقول هو كهانة فأنزل الله جل وعز لهم خزي وأنزل ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾ ﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾ إني أنذرتكم كما نزل على المقتسمين فالتقدير على هذا أنذركم عذابًا مثل العذاب الذي نزل على المقتسمين فعلى هذا (وقل إني أنا النذير المبين) ليس بوقف.
وسمى السدي هؤلاء المقتسمين الذين كثر أذاهم للنبي ﷺ فعجل الله لهم العقوبة وحذر قريشا مثل ما نزل بهم قال هم: الأسود بن عبد يغوت والأسود بن المطلب والعاص بن وائل والحارث بن قيس بن العياطل والوليد بن المغيرة، والتقدير على قول ابن عباس والحسن ومجاهد ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم﴾ ﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾ وليس هذا بتمام أيضًا لأن (الذين) من نعت المقتسمين والتمام عند أبي حاتم ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ وهو كاف عند غيره لأن بعده تهديدًا لهم ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ قطع كاف وكذا ﴿وأعرض عن المشركين﴾ وزعم العباس بن الفضل أن الوقف الكافي ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ قال أبو جعفر: وهذا غلط لأن الذين نعت للمستهزئين والتمام عند أبي حاتم
[١/ ٣٥٨]
[ ٣٥٨ ]
﴿الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر﴾ وخولف في هذا لأن بعده تهديدًا لهم، والتمام ﴿فسوف يعلمون﴾ ثم آخر السورة.
[١/ ٣٥٩]
[ ٣٥٩ ]