قال أبو جعفر: أول ما فيها من الوقف عند أبي حاتم ﴿وبث منهما رجالا كثيرًا ونساء﴾، قال يعقوب: ومن الوقف ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به﴾ هذا الكافي من الوقف، وروى عن الحسن تساءلون به تمام وهو قول الأخفش قال: تساءلون به هذا التمام تم قال ﴿والأرحام﴾ أي وعليكم الأرحام فصلوها، وخالفهم أبو حاتم فقال: الوقف (تساءلون به والأرحام) على قراءة من قرأ بالنصب أو الخفض ﴿كان عليكم رقيقا﴾ قطع حسن، ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ عن نافع قال أحمد بن موسى ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبًا كبيرا﴾ قطع حسن.
قال الأخفش ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ هذا التمام عن نافع ﴿وآتوا النساء صدقاتهن حلة﴾ تم، ﴿هنيئًا مريئا﴾ قطع حسن، وكذا ﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾ قال الأخفش ﴿وبدارا﴾ هذا التمام لأن المعنى يبادرون أو يكبروا، قال أبو جعفر: ولو كان كما قال لم يكن فيه الواو وقول الأخفش حسن،
[١/ ١٥٩]
[ ١٥٩ ]
قال أحمد بن جعفر ﴿ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾ تم، وقال غيره هذا كاف والتمام ﴿وكفى بالله حسيبا﴾.
﴿مما ترك الوالدان والأقربون﴾ قطع صالح عن نافع قال ﴿مفروضا﴾ تم قال ﴿فارزقوهم منه﴾ تم وتابعه على ذلك أحمد بن جعفر: وقال غيرهما التمام ﴿قولوا لهم قولا معروفا﴾ وكذا ﴿قولا سديدا﴾ وكذا ﴿وسيصلون سعيرا﴾ ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ قطع صالح وكذا ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ وكذا ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ وكذا ﴿لأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾ وكذا ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ وكذا ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾.
ومذهب أبي حاتم أنه لا يتم الكلام حتى يقرأ ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ لأن هذا الفرض كله إنما يكون بعد الوصية والدين، (أباؤكم) مرفوع بالابتداء (وأبناؤكم) معطوف عليه وخبر الابتداء ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾ كما روى عن ابن عباس لا تدرون أيهما أرفع درجة لأن الآباء
[١/ ١٦٠]
[ ١٦٠ ]
يشفعون في الأبناء والأبناء في الآباء إذا كان بعضهم أعلى درجة من بعض رفع الأسفل إلى الأعلى لتقر به عينه ﴿فريضة من الله﴾ منصوب لأن المعنى يوصيكم يفرض لكم ويجوز أن يكون منصوبًا بمعنى: فلأمه السدس وهذا يوجب أنه لا يتم الكلام على ما قبله ﴿إن الله كان عليما حكيما﴾ التمام أي علمتم بمصالحكم في أموركم وما تستحق الأقرباء منها حليم في قسمته وجميع أفعاله.
﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد﴾ قطع صالح وليس بتمام، والتمام عند أبي حاتم ﴿من بعد وصية توصون بها أو دين﴾، ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس﴾، قال أحمد بن جعفر: تم لأنه شرط معه جوابه وخولف في هذا لأنه إنما يكون بعد الوصية والدين فلا يتم الكلام إلا بذكر الوصية والدين.
﴿غير مضار﴾ وقف عند أبي حاتم وغلط في هذا لأن (وصية) منصوبة بما قبلها فلا يتم الكلام على ما قبلها ﴿والله عليم حليم﴾ قطع حسن لأن المعنى: والله عليم بما يستحقون من المواريث حليم لم يعجل عليكم بالعقوبة حين ورثتم الرجال دون النساء فقلتم لا يورث إلا من قاتل بالسيف أو طاعن بالرمح.
﴿تلك حدود الله﴾ وقف على قول أبي حاتم وليس بتمام على قول محمد بن جرير لأنه ذهب إلى أن المعنى: تلك حدود طاعة الله في المواريث أي الفرق بينهما وبين معاصيه، ﴿وذلك الفوز
[١/ ١٦١]
[ ١٦١ ]
العظيم﴾ قطع تام، وكذا ﴿وله عذاب مهين﴾ وكذا ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا فأعرضوا عنهما﴾ قطع حسن وكذا ﴿إن الله كان توابًا رحيما﴾ وكذا ﴿فأولئك يتوب الله عليهم﴾ وكذا ﴿وكان الله عليمًا حكيما﴾.
قال الأخفش ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾ التمام فيه ﴿قال إني تبت الآن﴾ وتابعه على هذا أحمد بن جعفر قال أبو جعفر: وهذا غلط بين لأن ﴿ولا الذين يموتون﴾ معطوف على ما قبله فلا يتم الكلام حتى يأتي بالمعطوف ولا سيما في المخفوض لأن التقدير في العربية: وليست التوبة للذين يعملون السيئات ولا الذين يموتون وهم كفار، والتمام ﴿أولئك أعتدنا لهم عذابًا أليما﴾.
﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ هذا التمام عند الأخفش وهو أحد قولي الفراء على أن يجعل ﴿ولا تعضلوهن﴾ نهيًا والقول الآخر أن يكون كرهًا تمامًا إذا جعلت (ولا تعضلوهن) في موضع نصب عطفا على (ترثوا) فيكون التقدير ولا أن تعضلوهن وكذا هو في بعض القراءات والتمام ﴿ويجعل الله فيه خيرًا كثيرا﴾ ﴿أتأخذونه بهتانًا وإثمًا
[١/ ١٦٢]
[ ١٦٢ ]
مبينا﴾ قطع كاف والتمام ﴿وأخذن منكم ميثاقًا غليظا﴾ وكذا ﴿وساء سبيلا﴾.
﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ ليس بتمام لأن ما بعده معطوف عليه ولكنه وقف مفهوم المعنى وكذا ما بعده، قال الأخفش: التمام فيه ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ والتمام عند غيره ﴿كتاب الله عليكم﴾.
قال أبو جعفر: يصح قول الأخفش إن نصبت (كتاب الله) على الإغراء أي الزموا كتاب الله وإن جعلته مصدرًا وهو قول سيبويه لم يتم الكلام على ما قبله لأن ما قبله هو العامل فيه في المعنى لأن معنى (حرمت عليكم أمهاتكم) كتب الله جل وعز ذلك عليكم ولكن يكون قطعًا صالحًا وإن نصبت (كتاب الله) على القطع وهو قول الكوفيين أي كتابًا من الله لم تقف على ما قبله، ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ ليس بقطع كاف لأن إن بدل من ما وقد يكون بمعنى لأن ﴿محصنين غير مسافحين﴾ قطع صالح، ﴿فأتوهن أجورهن فريضة﴾ قطع حسن والتمام ﴿إن الله كان عليما حكيما﴾.
قال أحمد بن جعفر ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ ها هنا تمام
[١/ ١٦٣]
[ ١٦٣ ]
الكلام ﴿والله أعلم بإيمانكم﴾ وقف على قول أبي حاتم ذكره في غير هذا الموضع وعلى قول أحمد بن يحيى الوقف بعضكم من بعض ﴿ولا متخذات أخدان﴾ قطع كاف وكذا ﴿ذلك لمن خشى العنت منكم﴾ والتمام ﴿والله غفور رحيم﴾ وكذا ﴿والله عليم حكيم﴾ وكذا ﴿ميلا عظيما﴾ وكذا ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ ﴿عن تراض منكم﴾ قطع حسن وكذا ﴿إن الله كان بكم رحيما﴾ والتمام ﴿وكان ذلك على الله يسيرا﴾ وكذا ﴿وندخلكم مدخلا كريما﴾، ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ قطع كاف، وكذا ﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا﴾ وكذا ﴿وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾ والتمام ﴿إن الله كان بكل شيء عليما﴾ وكذا ﴿إن الله كان على كل شيء شهيدا﴾ قال يعقوب ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ هذا الوقف الكافي، وقال الأخفش: التمام فيه ﴿بما حفظ الله فلا تبغوا عليهن
[١/ ١٦٤]
[ ١٦٤ ]
سبيلا﴾ قطع حسن، وكذا ﴿إن الله كان عليًا كبيرا﴾ وكذا ﴿يوفق الله بينهما﴾ والتمام ﴿عليمًا خبيرا﴾.
قال الأخفش ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ فالتمام فيه ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ لأنه جل وعز أمرهم بهذه الخصال كلها ولم يأمر بواحد دون واحد، ﴿إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا﴾ ليس بتمام إن جعلت ﴿الذين يبخلون﴾ بدلا من وإن جعلت الذين مرفوعا بالابتداء كان ما قبله تمامًا وإن رفعت الذين بالابتداء وجعلت خبره ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ أي لا يظلمهم، ابتدأت الذين ولم يتم الكلام حتى يأتي الخبر وللأخفش فيه قول حسن لم يذكره في الإعراب جعل الذين في موضع رفع بالابتداء وجعل خبره محذوفًا لعلم السامع أي الذين يبخلون أولئك قرناؤهم الشيطان ودل على هذا الحذف ﴿ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا﴾ وهذا التمام عنده، ولا يتم الكلام على ما قبله ﴿وكان الله بهم عليما﴾ قطع حسن والتمام ﴿ويؤت من لدنه أجرًا عظيما﴾.
﴿فكيف إذا جئتنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على
[١/ ١٦٥]
[ ١٦٥ ]
هؤلاء شهيدا﴾ قطع تام، لأن التقدير كيف يكون حالهم إذا كان هذا ﴿يومئذ يود الذين كفروا﴾ فالتمام ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾.
قال أحمد بن جعفر ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾ هذا التمام، والمعنى: ولا تقربوا موضع الصلاة أي المساجد جنبًا إلا عابري سبيل إلا أن تمروا ولا تقعدوا، قال أبو جعفر: والوقف عند أبي حاتم ﴿حتى تغتسلوا﴾ وهو مذهب محمد بن جرير قال: المعنى لا تقربوا مواضع الصلاة جنبًا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل.
﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ قطع حسن، والتمام ﴿إن الله كان عفوًا غفورًا﴾ ﴿والله أعلم بأعدائكم﴾ قطع كاف ﴿وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا﴾ ليس بقطع كاف لأن المعنى نصيرًا من الذين هادوا إلا على حيلة بعيدة يكون المعنى: من الذين هادوا قوم يحرفون، ويكون منقطعًا مما قبله ﴿وراعنا ليًا بألسنتهم وطعنًا في الدين﴾ قطع كاف، وكذا الكافي ﴿خيرًا لهم وأقوم﴾ والتمام ﴿فلا يؤمنون إلا قليلا﴾ وكذا ﴿وكان أمر الله مفعولا﴾، ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن
[١/ ١٦٦]
[ ١٦٦ ]
يشاء﴾ قطع كاف والتمام ﴿فقد افترى إثمًا عظيما﴾ قال الأخفش ﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم﴾ هاهنا تم الكلام، وقال غيره: ليس هذا بتمام لأن ما بعده متصل به يدل على ذلك التفسير.
قال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان من أولادهم يصلون بهم وهم اليهود ويقولون هؤلاء أزكيا لا ذنوب لهم، ولذلك نحن ما عملناه بنهار غفر لنا بالليل فأنزل الله جل وعز (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم) وما بعده قال أبو جعفر: وهذا من أحسن ما قيل في الآية لأن فيها يزكيهم أنفسهم، وقد روى عن ابن مسعود قال: يزكي بعضهم بعضا وهذا جائز في اللغة مثل ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضًا، قال الله جل وعز ﴿الله يزكي من يشاء﴾ أي ليست التزكية إليكم لأنكم مفترون والله جل وعز يزكي من يشاء بالتطهير والعصمة، فبعض الكلام متعلق ببعض وكذا ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾ قطع كاف وليس بتمام لأن بعده (انظر كيف يفترون على الله الكذب) أي في تزكيتهم أنفسهم، وقولهم ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ والتمام ﴿وكفى به إثمًا مبينا﴾.
[١/ ١٦٧]
[ ١٦٧ ]
﴿ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾، ﴿أولئك الذين لعنهم الله﴾ قطع كاف وكذا ﴿ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا﴾، وكذا ﴿فإذا لا يؤتون الناس نقيرا﴾ وكذا ﴿وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه﴾ قطع كاف، والتمام ﴿وكفى بجهنم سعيرا﴾، وكذا ﴿وإن الله كان عزيزًا حكيما﴾، وكذا ﴿وندخلهم ظلا ظليلا﴾.
قال الأخفش ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ التمام فيه ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ هاهنا تمام الكلام لأنهم أمروا بهذا كله، وقال غيره: ليس هذا التمام ولكنه قطع كاف لأن ما بعده متصل بما قبله لأن الله جل وعز أمر السلاطين أن يؤدوا إلى الناس الأمانات في قسمتهم وفي أمورهم وأخبر جل وعز أن ذلك (نعما يعظكم به) ثم أمر الناس بالسمع والطاعة لهم فيما كان لله جل وعز طاعة للمسلمين مصلحة، فقال جل وعز ﴿إن الله نعما يعظكم به﴾ قطع كاف ﴿إن الله كان سميعًا بصيرا﴾ قطع حسن.
[١/ ١٦٨]
[ ١٦٨ ]
قال الأخفش ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ التمام فيه ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ وقال غيره (وأولي الأمر منكم) وقف مفهوم وإن كان أهل التفسير قد اختلفوا في معناه فقال ابن عباس: أولوا الأمر منكم أولوا العلم والفقه في دين الله وقال مجاهد: أولوا الأمر أصحاب رسول الله ﷺ، وقال عكرمة: أولوا الأمر أبو بكر وعمر وقال أبو هريرة: أولي الأمر الأمراء وكان محمد بن جرير يميل إلى هذا القول لأن سياق الكلام يدل عليه إن كان الله جل وعز أمر الولاة أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وأمر الرعية أن يسمعوا ويطيعوا فيما كان لله جل وعز طاعة وللمسلمين فيه مصلحة وقد علم أن المعنى أطيعوا أولي الأمر فيما كان لله جل وعز فيه طاعة وقد بين الله جل وعز ذلك على لسان رسوله ﷺ إن طاعتهم لا تكون في معصية.
قال محمد بن جرير: والدليل على صحة هذا أن علي بن مسلم الطوسي حدثنا عن ابن أبي فديك حدثني عبد الله بن محمد بن عروة عن هشام بن عروة عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سيليكم من بعدي ولاة سيليكم البر ببره والفاجر بفجوره فاسمعوا لهم وأطيعوا فيما وافق الحق وصلوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساؤوا فلكم وعليهم» قال: فتبين بهذا أن الطاعة لله جل وعز ولرسوله ﷺ ولولاة الأمر فيما وافق الحق ﴿ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ قطع تام، ﴿ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا
[١/ ١٦٩]
[ ١٦٩ ]
بعيدا﴾ قطع صالح، كذا ﴿يصدون عنك صدودا﴾، ﴿فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقا﴾ عن نافع قال: تم، وقال غيره: الوقف الحسن فيه ﴿وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾ وكذا ﴿إلا ليطاع بإذن الله﴾ وكذا ﴿لوجدوا الله توابا رحيما﴾ على قول بعض أهل التمام واحتج بحديث الزبير لأنه يدل أن قوله جل وعز ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ منقطع بما قبله.
قال أبو جعفر: كذا حدثنا إبراهيم بن شريك حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب أو عروة حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله ﷺ في شراج الحرة التي يسقونها النخل، فقال له الأنصاري سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ للزبير: إسق يا زبير ثم سرح الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري وقال: ألأن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: إسق يا زبير ثم احبس الماء حتى تبلغ الجدر، قال
[١/ ١٧٠]
[ ١٧٠ ]
الزبير: فأحسب أن هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ قال أبو جعفر: وفي غير هذا من رواية غير الليث أن رسول الله ﷺ إنما سأل أول شيء الزبير من غير حكم أن يخلي الماء إلى جاره فلما لم يرض الجار حكم رسول الله ﷺ بالعدل لأنه ليس على الزبير أن يسوق الماء على أرضه إلى غيره، فعلى هذا الحديث قد تم الكلام قبل الآية، وعلى قول مجاهد لم يتم لأنه ذكر أن هذا كله نزل في اليهود، وكان محمد بن جرير يختار هذا القول لأنه من كلام واحد وإنما يخرج الشيء من كلام إلى كلام بتوقيف أو بحجة قاطعة، وحديث الزبير صحيح الإسناد ومستقيم الطريق إلا أن فيه أحسب ﴿ويسلموا تسليما﴾ قطع حسن.
قال يعقوب: قوله جل وعز ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه﴾ قال فهذا الوقف الكافي وزعم أنه يرفع ﴿إلا قليل منهم﴾ على لغة من قال - أكلوني البراغيث - وقال ومنهم من يقول المعنى ما فعله إلا قليل منهم، قال ما فعلوه بمعنى وما فعله قال ومنهم من يقول هو مثل قول الشاعر:
في ليلة لا نرى بها أحدا = يحكى علينا إلا كواكبها
قال أبو جعفر: هذا كله تخليط لا يجوز الوقف على ما فعلوه كما لا
[١/ ١٧١]
[ ١٧١ ]
يجوز الوقف على قوله جل وعز ﴿فلبت فيهم ألف سنة﴾ وتشبيهه إياه بقولهم أكلوني البراغيث خطأ لأن هذا لغة شاذة قليلة لا تحمل عليها كلام الله جل وعز.
قال سيبويه: وأعلم أن من العرب من يقول ضربوني قومك وضرباني أخواك شبهوا هذا بالتاء التي تظهر في: قالت فلانة، كأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامة كما جعلوا للمؤنث قال وهي قليلة.
قال أبو جعفر: وقوله: ما فعلوه بمعنى: ما فعله، كلام غير محصل ولا يجوز مثله وأما البيت الذي أنشده سيبويه وهو لعدي بن زيد، وليس مثل الآية لأن الاختيار في إلا كواكبها النصب لولا أنه في الشعر على البدل من أحد، والاختيار في الآية الرفع عن رؤساء النحويين قال سيبويه حدثني يونس عن أبي عمرو قال: الوجه ما جاءني القوم إلا عبد الله قال أبو جعفر: وقد قرأ ابن عامر وعيسى (وما فعلوه إلا قليلا منهم) فتركا الوجه والذي عليه أكثر المصاحف والقول أن الوقف الكافي (ما فعلوه إلا قليل منهم) وليس بتمام ﴿ولهديناهم صراطا مستقيما﴾ قطع حسن وكذا ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ والتمام ﴿وكفى بالله عليما﴾.
قال الأخفش: وأما قوله جل وعز ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا
[١/ ١٧٢]
[ ١٧٢ ]
حذركم﴾ فالتمام ﴿أو انفروا جميعا﴾ لأنه هاهنا تم الكلام.
قال الأخفش ﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾ هذا التمام ﴿يا ليتي كنت معهم﴾ ليس بقطع كاف لأن ﴿فأفوز﴾ جواب التمني، ومن قرأ فأفوز بالرفع فعطفه على كنت وجعل كنت بمعنى أكون لم يقف على ﴿كنت معهم﴾ ومن رفع فأفوز جعله مستأنفًا جاز له الوقف على كنت معهم، ﴿فوزًا عظيما﴾ قطع حسن، ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة﴾ عن نافع قال: تم، وقال غيره هو قطع حسن وكذا ﴿فسوف نؤتيه أجرًا عظيما﴾ والتمام ﴿واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرا﴾.
﴿والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت﴾ قطع صالح، وكذا ﴿فقاتلوا أولياء الشيطان﴾ والتمام ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾، ﴿أو أشد خشية﴾ عن نافع: تام وكذا عنده ﴿قل متاع الدنيا قليل ولا تظلمون فتيلا﴾ قطع حسن، ﴿ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ مثله وكذا ﴿قل كل من
[١/ ١٧٣]
[ ١٧٣ ]
عند الله﴾، وكذا (لا يكادون يفقهون حديثا)، ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ قطع حسن وفي قراءة عبد الله فمن نفسك وأنا كتبتها عليك، قراءة على التفسير، قال أبو عبد الله المقرئ ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ تام ﴿فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾ قطع حسن، وكذا ﴿فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا﴾، ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ قطع حسن على قول من قال ولو كان من يطلع عليه النبي من أسرارهم وتبييتهم ﴿من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا﴾، كان هذا وقفه الكافي ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به﴾ يعرف التمام في هذه الآية من التفسير فلأهل التفسير فيها أربعة أقوال:
فقول ابن عباس أذاعوا به إلا قليلا منهم وهو مذهب ابن يزيد وبه قال الأخفش وأبو حاتم وأبو عبيده وقال قتاده: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا ومذهب الضحاك أن المعنى ﴿لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾ قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ هموا بأمورهم إلا طائفة منهم، والقول الرابع أن معنى إلا قليلا منهم كلهم فعلى القول الأول لا يتم الكلام على
[١/ ١٧٤]
[ ١٧٤ ]
(أذاعوا) كان على لعلمه الذين يستنبطونه منهم حتى ذاع إلا قليلا، وعلى القول الثاني يقف على (أذاعوا به) ولا يقف على (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) وعلى القول الثالث والرابع يقف على أذاعوا به وعلى يستنبطونه منهم، والقول الأول أولاها بالصواب وهو مذهب محمد بن جرير لأن المراد إذا ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم فبينه رسول الله ﷺ وبينه أولوا الأمر علمه الجماعة ولم يكن في الاستثناء من المستنبطين معنى، وأما قول من قال الاستثناء مما يليه فبعيد لأنه لولا فضل الله ورحمته لاتبع الجماعة الشيطان، قال الكسائي: أذاعوا به وأذاعوه واحد، قال محمد بن جرير: أذاعوا به أي الأمر قال: لعلمه الذين يستنبطونه منهم أي من أولي الأمر.
﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين﴾ قطع حسن والتمام ﴿والله أشد بأسًا وأشد تنكيلا﴾، ﴿ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها﴾ قطع حسن والتمام ﴿وكان الله على كل شيء مقيتا﴾ ﴿وإذا حييتم بتحية﴾ لا اختلاف فيه يعني به السلام والقطع الحسن ﴿فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ واختلف أهل التفسير في معناه.
قال الحسن: فحيوا بأحسن منها المسلمين أو ردوها على الكفار،
[١/ ١٧٥]
[ ١٧٥ ]
ومذهب غيره أنه عام على ظاهر الآية إلا أن الله جل وعز بين على لسان رسوله ﷺ أنه لا يجوز أن يقال لأهل الكتاب إلا وعليكم فقط وأنه لا يجوز أن يبدأوا بالسلام والتمام ﴿إن الله كان على كل شيء حسيبا﴾.
﴿ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه﴾ قطع حسن، والتمام ﴿ومن أصدق من الله حديثا﴾ والقطع الحسن بعده ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا﴾ وكذا ﴿فلن تجد له سبيلا﴾ وكذا ﴿فتكونون سواء﴾ فأما ﴿فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم﴾ فليس بقطع كاف، وكذا ﴿ولا تتخذوا منهم وليًا ولا نصيرا﴾ لأن بعده استثناء وهو ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ وقد زعم أبو عبيده أن معنى يصلون أي يتصلون أي ينسبون وأنشد الأعشى:
إذا اتصلت قالت أبكر بن وائل = وبكر سبتها والأنوف رواغم
قال غيره: إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق فيكونون معهم ويكون حكمهم حكمهم فلا تقاتلوهم، قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بالصواب والقول الأول غلط قبيح وقد قاتل النبي صلى
[١/ ١٧٦]
[ ١٧٦ ]
الله عليه وسلم وأصحابه من بينهم وبينهم الأنساب.
﴿أو جاءوكم﴾ قطع كاف على قول محمد بن يزيد لأنه زعم أن معنى (حصرت صدورهم) الدعاء وكذا على قول من قال هو خبر بعد خبر ومن قدره بمعنى قد حصرت أو جعل الماضي بمعنى المستقبل أو جعله نعتًا لقوم لم يقف على جاءوكم قال محمد بن يزيد: والقراءة الصحيحة الحسنة ﴿أو جاءوكم حصرت صدورهم﴾ وخالف محمد بن يزيد أهل العلم في هذا لأن هذه القراءة مخالفة للمصحف الذي نقلته الجماعة الذين لا يجوز تمليهم الغلط وهي قراءة شاذة إنما رويت عن الحسن البصري.
﴿ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم﴾ قطع صالح ﴿فما جعل الله لكم عليهم سبيلا﴾ قطع حسن، وكذا ﴿أركسوا فيها﴾ والتمام ﴿وأولئك جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا﴾، ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ هذا تمام عند أبي عبيده وجعل إلا بمعنى الواو وخالفه أئمة النحو ولم يجيزوا إلا بمعنى الواو وأيضًا فإن الخطأ لا يخطر والمعنى عند الخليل وسيبويه والفراء لكن إن قتله خطأ فعليه هذا.
قال الأخفش (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) التمام ﴿فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾ والتمام عند نافع ﴿إلا أن يصدقوا وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾
[١/ ١٧٧]
[ ١٧٧ ]
قطع كاف وكذا ﴿وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ قطع صالح، والقطع الحسن ﴿توبة من الله﴾ والتمام ﴿وكان الله عليمًا حكيمًا﴾، ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاءه جهنم خالدا فيها﴾ ليس بقطع كاف لأن التقدير: جزاه الله جهنم وغضب عليه، فعطف وغضب على المعنى، والتمام ﴿وأوعد له عذابًا عظيما﴾.
﴿فتبينوا﴾ قطع حسن والتمام ﴿إن الله كان بما تعملون خبيرا﴾.
قال يعقوب: ومن الوقف ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ فهذا هو الوقف الكافي لأنها هكذا نزلت ونزل بعدها ﴿غير أولي الضرر﴾ فهذا حجة لمن قرأ غير بالنصب ومن رفع فقرأ غير أولي الضرر وهي قراءتنا فوقفه الكافي (الضرر) وكذا إن قرأ بالجر، قال أبو جعفر: هذا كلام غلط كيف يوقف على (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) وبعده (والمجاهدون في سبيل الله) وهل يجوز أن يوقف على ﴿لا يستوي أصحاب النار﴾ حتى يقال ﴿وأصحاب الجنة﴾ وكذا ﴿هل يستوي الأعمى والبصير﴾ وكذا كلام العرب في استوى
[١/ ١٧٨]
[ ١٧٨ ]
وأيضًا فليس الأمر على ما في التنزيل وقد جاء خبر التنزيل بالأسانيد الصحاح كما قرئ على محمد بن عمرو بن خالد عن أبيه قال: حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن البراء قال: كنت عند رسول الله ﷺ، فقال: ادعوا لي زيدًا وقال دعوا لي زيدًا وقال ادع لي زيدًا وقل له يأت معه بالدواه والكتف أو بالدواه واللوح فقال له: أكتب: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله، فقال له ابن أم مكتوم وأنا ضرير فنزلت قبل أن نبرح ﴿غير أولي الضرر﴾.
قال زهير: وحدثني ابن أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد بن ثابت قال: كنت عند رسول الله ﷺ فتغشته، أو قال: تنزلت عليه السكينة، فوقعت فخذي فما وجدت شيئًا قط أثقل من فخذ رسول الله ﷺ فلم سرى عنه قال اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فقال عمرو بن أم مكتوم الأعمى يا رسول الله إن بعيني ضررًا فغشيته السكينة فلما سرى عنه قال اكتب (غير أولي الضرر) قال فما نسيت فلحقها بين صدع في الكتف.
قال أبو جعفر: فقد تبين أن التنزيل هكذا ليس كما قال يعقوب غير أنه وقع إليه حديث على ما قاله كما حدثنا محمد بن إدريس بن إدريس بن أسود حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي حدثنا شعبه عن أبي إسحاق عن البراء قال لما نزلت على النبي ﷺ (لا يستوي القاعدون من المؤمنين)
[١/ ١٧٩]
[ ١٧٩ ]
قال ابن أم مكتوم: أنا رجل ضرير فنزلت (غير أولي الضرر).
قال الأخفش سعيد (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) التمام فيه ﴿والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ لأن المعنى لا يستوي القاعدون والمجاهدون وقال نافع ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾ وقال غيره وهو قطع حسن وكذا ﴿وكلا وعد الله الحسنى أجرًا عظيما﴾ ليس بقطع حسن لأن درجات بدل من أجر ومغفرة ورحمة والتمام ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾.
﴿فتهاجروا فيها﴾ قطع حسن ﴿وساءت مصيرا﴾ ليس بقطع حسن لأن ما بعده استثناء والقطع الحسن بعده ﴿فأولئك عسى الله أن يعفوا عنهم﴾ والتمام ﴿وكان الله عفوا غفورا﴾، ﴿مراغما كثيرا وسعة﴾ قطع حسن والتمام ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾، ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ قطع كاف والتمام ﴿إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا﴾، ﴿وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ قطع حسن وكذا ﴿ميلة واحدة﴾ وكذا ﴿وخذوا حذركم﴾ والتمام ﴿إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا﴾ ﴿فاذكروا
[١/ ١٨٠]
[ ١٨٠ ]
الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾ قطع حسن والتمام ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ وكذا ﴿وكان الله عليما حكيما﴾.
﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس﴾ ليس بقطع حسن لأن التاء متصلة بقوله لتحكم والقطع الحسن (بما أراك الله) وكذا ﴿ولا تكن للخائنين خصيما﴾ وكذا ﴿واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما﴾ وكذا رؤوس الآي إلى قوله جل وعز ﴿وما يضرونك من شيء﴾ وإن نافعًا قال: تم، ﴿وكان فضل الله عليكم عظيما﴾ قطع تام وكذا ﴿فسوف نؤتيه أجرا عظيم﴾ وكذا ﴿وساءت مصيرا ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ قطع صالح، ﴿ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا﴾ قطع حسن، ﴿وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله﴾.
قال نافع: تم وقال غيره (إلا شيطانا مريدا) قطع حسن على أن
[١/ ١٨١]
[ ١٨١ ]
يجعل (لعنه الله) دعاء عليه ﴿فليغيرن خلق الله﴾ قطع حسن ﴿وما يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾ قطع صالح والتمام ﴿أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا﴾.
﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا﴾ قطع صالح وكذا ﴿وعد الله حقا﴾ والتمام ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾ إن جعلت ﴿ليس بأمانيكم﴾ مخاطبة للمسلمين مقطوعًا مما قبله وإن جعلته مخاطبة للكفار الذين تقدم ذكرهم كان ما قبله كافيًا ولم يكن تامًا، وبكلا القولين قد قال أهل التفسير فمن مذهبه إن ليس بأمانيكم مخاطبة للمسلمين مسروق كما قرئ على أحمد بن محمد بن الحجاج بن يحيى بن سليمان حدثنا ابن معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق قال: احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال المسلمون نحن أهدى منكم وقال أهل الكتاب نحن أهدى منكم فقال الله جل وعز ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به﴾ وما بعده فخمهم المسلمون بالآية التي بعده ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن الآية﴾.
[١/ ١٨٢]
[ ١٨٢ ]
ومن قال به مخاطبة للكفار متصل بما قبله مجاهد كما قرى على أحمد بن محمد بن الحجاج عن يحيى بن سليمان حدثنا ابن عليه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قال مشركوا العرب لن نعذب ولن نبعث وقال أهل الكتاب (نحن أبناء الله وأحباؤه)، (وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات) فقال الله ﷿ (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب الآية)، وكان محمد بن جرير يختار هذا القول ليكون الكلام متصلا بعضه ببعض ولا يقطع ما بعده مما قبله إلا بحجة قاطعة المعنى: ليس بأمانيكم يا مشركي العربي حين قلتم لا نعذب ولا نبعث ونحن ننصر على من ناوءنا ويا معشر أهل الكتاب ليس بأمانيكم حين اعتذرتم بحبكم الله ﷿ مع كفركم فقلتم (لن تمسنا النار إلا أياما معدودات) وقلتم (نحن أبناء الله وأحباؤه).
قال أبو جعفر: ولا أماني أهل الكتاب تمام على قول من جعل من يعمل سوءا يجز به عامًا للمسلمين وأهل الكتاب ومن جعله خاصًا للمشركين جعل ما قبله كافيًا ولم يجعله تمامًا وبكلا القولين قد قال أهل التفسير: فممن قال أنه عام لجميع الناس وأنه كل من يعمل سيئة جوزي بها أبي بن كعب وعائشة، وممن قال هو خاص بالكفار ابن عباس والحسن البصري واحتج الحسن بقول الله جل وعز ﴿وهل نجازي إلا الكفور﴾ وكان محمد بن جرير يختار القول الأول لأن الآية عامة قال الله جل وعز (من يعمل سوءا يجز به) فلم يخص مؤمن دون كافر ولا كافر دون مؤمن ولا يقع التخصيص إلا بتوقيف.
[١/ ١٨٣]
[ ١٨٣ ]
قال أبو جعفر: والذي قاله الحسن وفيه حجة أخرى له أنه قد جاء التوقيف عند رسول الله ﷺ بما يدل على أنه عام كما قرئ على أحمد بن شعيب عن أبي بكر بن علي حدثنا يحيى بن معين حدثنا ابن عيينه عن ابن محيصن عن محمد بن قيس بن مخرمة عن أبي هريرة قال: لما نزلت (من يعمل سوءا يجز به) شق على المسلمين فسألوا رسول الله ﷺ فقال: «سددوا وقاربوا، ففي كل ما يصاب به العبد كفارة حتى النكبة في كل مصيبة تكفر عن العبد، حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها»، قال أبو جعفر: فصح بهذا إن كل من عمل سوءًا من مسلم وكافر جوزي به ثم جاء التوقيف في الصغائر إنها تكفر عمن اجتنب الكبائر وكان العلماء في ذلك على قولين فأكثرهم يقول من اجتنب الكبائر لم يعاقب على الصغائر في الدنيا ولا في الآخرة ومنهم من قال بل يعاقب على الصغائر في الدنيا بما يلحقه من المصائب حتى يلقي الله جل وعز ولا ذنب له، وكان محمد بن جرير يميل إلى هذا القول لعموم الآية وقال: التكفير التغطية عليه في القيامة لا يفضح كما يفضح أصحاب الكبائر، ﴿ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا﴾ قطع تام وكذا ﴿ولا يظلمون نقيرا﴾.
﴿واتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ قطع كاف والتمام ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ ﴿وكان الله بكل شيء
[١/ ١٨٤]
[ ١٨٤ ]
محيطا﴾ قطع تام، ﴿قل الله يفتيكم فيهن﴾ ليس بقطع كاف لأن وما بعده ﴿يتلى عليكم﴾ معطوف على اسم الله جل وعز.
قال الفراء: هو معطوف على الها والنون قال أبو جعفر: وهذا القول لا مجال لأحد القول به لأنه يعطف ظاهرًا على مكنى مخفوض وذلك لحن وفيه ما هو أشد من هذا جاء التوقيف بما روى عن عائشة أن المعنى: قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم من القرآن يفتيكم فيهن ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ ليس بقطع كاف لأن ﴿والمستضعفين﴾ معطوف على ﴿يتامى النساء﴾ وكذا ﴿وأن تقوموا لليتامى بالقسط﴾ قال نافع: تم، وقال غيره قطع حسن والتمام ﴿فإن الله كان به عليما﴾، قال أحمد بن موسى ﴿والصلح خير﴾ تم وقال غيره هو قطع حسن وكذا ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ والتمام ﴿وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾.
﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ تمام عند نافع وهو كاف عند أبي حاتم وكذا عنده ﴿فتذروها كالمعلقة فإن الله كان غفورا رحيما﴾ قطع حسن وليس بتمام وكذا ﴿يغني الله كلا من سعته﴾ والتمام ﴿وكان الله واسعا
[١/ ١٨٥]
[ ١٨٥ ]
حكيما﴾ وكذا ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض﴾ أي ولله ما حوته السموات والأرض فارغبوا إليه في التعويض ممن فارقتموه فإنه يسد الفاقة ويلم الشعث ويغني كلا من سعته يغني الزوج بأن يتزوج غير من طلق أو برزق واسع وكذا المرأة فعلى هذا تم الكلام ثم ابتدأ المخاطبة للذين سعوا في أمر ابن الإبيرق فقال جل وعز ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم﴾ تمام عند نافع وخالفه أهل العربية، قال الأخفش ﴿وإياكم أن اتقوا الله﴾ أي بأن اتقوا الله وقال القتبي ﴿وإياكم أن اتقوا الله﴾ تم.
وقال أبو عبد الله محمد بن عيسى (وإياكم أن اتقوا الله) تم الكلام وقال نصير: أي المعنى: ولقد وصيناهم وإياكم بأن اتقوا الله ﴿فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا﴾ قطع تام وإن كان بعده ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض﴾ ففي كل واحد منهما فائدة، قال جل وعز (فإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض) أي ليس به حاجة إلى أحد وفاقة تضطره إليكم وكفركم عليكم يرجع عقابه وحكمكم فيه حكم اليهود والنصارى حتى كفروا فأذلهم الله جل وعز ومسخ بهم القردة والخنازير لأن له ما في السموات وما في الأرض ولا يتعذر عليه شيء أراده، ﴿وكفى بالله وكيلا﴾ قطع تام.
[١/ ١٨٦]
[ ١٨٦ ]
فإن قيل بما صار الأول (وكان الله غنيا حميدا) ولم يكن (وكفى بالله وكيلا) قيل الأول خاطبهم الله جل وعز به فأخبرهما به لا يحتاج إليهم وأنهم مضطرون إليه فقال (وكان الله غنيا) أي عنكم حميدًا محمودًا إلى خلقه بصنائعه إليهم وليس هذا موضع وكيل لأن الوكيل الحفيظ للشيء المدبر له ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين﴾ قطع صالح والتمام ﴿وكان الله على ذلك قديرا﴾، ﴿فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾ ليس بتمام لأن المعنى وكان الله سميعًا إلى من أظهر الإسلام وأبطن غيره طلب ثواب الدنيا من أحد الغنائم والسلامة بصيرًا ذا بصر لفعله.
﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ قطع صالح وليس بتمام لأنه متعلق بما بعده وعن نافع ﴿والأقربي﴾ ثم قال غيره هو قطع حسن لأن بعض الكلام متعلق ببعض والمعنى أن يكون المشهود عليه غنيًا أو فقيرًا فأقيموا الشهادة عليه لأن الله جل وعز أولى به لأنه إلهه ومدبره، فإن قيل كيف يقيم الشهادة على نفسه وهل يكون شاهدًا على نفسه، فالجواب على هذا أنه جل وعز أمره أن يقر بالحق إذا كان عليه فذلك شهادته على نفسه ﴿فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾ قطع كاف والتمام ﴿فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾.
﴿والكتاب الذي أنزل من قبل﴾ قطع كاف والتمام ﴿فقد ضل
[١/ ١٨٧]
[ ١٨٧ ]
ضلالا بعيدا﴾ وكذا ﴿ولا ليهديهم سبيلا بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما﴾ ليس بتمام لأن ﴿الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ نعت للمنافقين، ﴿فإن العزة لله جميعا﴾ قطع كاف وكذا ﴿إنكم إذا مثلهم في جهنم جميعا﴾ ليس بتمام لأن ﴿الذين يتربصون﴾ نعت والتمام ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ ﴿وهو خادعهم﴾ قطع حسن، ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ كاف إن جعلت (يراءون) مستأنفًا، ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ قطع حسن إن جعلت ﴿مذبذبين﴾ منصوبًا على الذم كما قال:
لعمري وما عمري علي بهين = لقد نطقت بطلا على الأقارع
أقارع عوف ولا أحاول غيرها = وجوه قرود تبتغي من تخادع
وإن نصبت (مذبذبين) على الحال فلا تقف على ما قبله وأصل الذبذبة في الكلام عند العرب الحركة والاضطراب فالمعنى أن المنافقين متحيرون في دينهم على غير صحة فلا هم مع المؤمنين
[١/ ١٨٨]
[ ١٨٨ ]
على علم ولا مع المشركين على جهل.
قال ابن زيد: مذبذبين بين ذلك أي بين الكفر والإسلام، قال مجاهد: لا إلى المؤمنين ولا إلى أهل الكتاب، قال ابن جريح: ولا إلى المشركين ﴿فلن تجد له سبيلا﴾ قطع تام، وكذا ﴿سلطانا مبينا ولن تجد لهم نصير﴾ ليس بتمام لأن ما بعده مستثنى منه ﴿فأولئك مع المؤمنين﴾ قطع حسن لأن المعنى مع المؤمنين في الجنة والله جل وعز أعلم، والتمام ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما﴾ ﴿وكان الله شاكرا عليما﴾ تمام على قراءة من قرأ ﴿إلا من ظلم﴾.
قال يعقوب: ومن الوقف قول الله جل وعز ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول﴾ فهذا وقف كاف، قال أبو جعفر: هذا الوقف ليس بتمام ولا كاف لأن بعده استثناء فلا يتم الكلام قبله ويدلك على ذلك التفسير فمن أحسن ما قيل فيه قول ابن مجاهد أن المعنى لا يحب الله جل وعز أن يجهر أحد بسوء في أحد إلا من ظلم فإن له أن يذكر ما فعل به، وروى عن ابن عباس: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون ظلمه، فالوقف على هذا إلا من ظلم وقف كاف وعلى قراءة من قرأ إلا من ظلم، كذا أيضًا فقيل التقدير: ما يفعل الله بعذابكم إلا من ظلم ﴿وكان
[١/ ١٨٩]
[ ١٨٩ ]
الله سميعًا عليما﴾ قطع حسن وليس بتمام لأن ما بعده متصل به من جهة المعنى.
قال جل وعز ﴿إن تبدوا خيرا﴾ أي قولا جميلا ﴿أو تخفوه﴾ فلا تظهروه ﴿أو تعفو عن سوء﴾ أي عن من ظلم فلا تذكروه بسوء ولا تدعوا عليه، ﴿فإن الله كان عفوا قديرا﴾ أي عن مساويكم بعد قدرته على عقوبتكم، ﴿ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا﴾ لا يجوز القطع عليه لأنه لم يأت خبر إن ﴿أولئك هم الكافرون حقا﴾، قال نافع تم، وقال غيره هو كاف والتمام ﴿واعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾ وكذا ﴿أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما﴾ وكذا ﴿وأخذنا منهم ميثاقا غليظا﴾.
وزعم أبو حاتم أنه لا تمام بعد هذا إلى رأس العشر وهي سبع آيات وإن المعنى (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم) وقد قال غيره خلاف ما قال في التمام فأما في المعنى فقد قال قتاده المعنى (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم) قال أبو جعفر: فهذا أصح ما قيل في الآية ودل على هذا الحذف ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم﴾ وبعض المتقين لقراءة حمزة قال أبو جعفر: ممن قرأنا عليه يقول التمام
[١/ ١٩٠]
[ ١٩٠ ]
﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم﴾ قال لأنهم لم يقروا بأنه رسول الله فيكون متصلا.
وقال نافع ﴿لفي شك منه﴾ تم، قال أحمد بن موسى ﴿وما قتلوه﴾ تمام ثم قال جل وعز ﴿يقينا﴾ ﴿بل رفعه الله إليه﴾ قال أبو جعفر: إن قدر على أن يكون المعنى (بل رفعه الله إليه يقينا) كان خطأ لأنه لا يعمل ما بعد (بل) فيما قبلها لضعف (بل) وإن قدره وما قتلوه فلا هذا قولا يقينًا جازمًا قال وتكون إلها عائدة على عيسى ﷺ إلا أنه قول خارج عن قول أهل التأويل.
وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: وما قتلوه ظنهم يقينًا وقال أبو عبيد: لو كان المعنى وما قتلوا عيسى لكان وما قتلوه فقط، وذكر الفراء: أن المعنى وما قتلوا العلم يقينًا وفيه قول ثالث وهو أن يكون المعنى وما قتلوا الذي شبه لهم يقينًا أنه عيسى بل قتلوه على شك كما قال وهب بن منبه: لما هموا بقتل عيسى ﷺ وكان معه في البيت عشرة قال أيكم ملقا شبهي عليه فيقتل ويدخل الجنة فكلهم بادر فألقى الشبه على العشرة ورفع عيسى ﷺ فلما جاء الذين قصدوا لقتله شبه عليهم فقالوا ليخرج عيسى وإلا قتلناكم كلكم فخرج أحدهم فقتل، قال أبو جعفر: وهذا أبين ما روى في معنى (شبه لهم بل رفعه الله إليه) قطع صالح ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾ قطع حسن ﴿ويوم
[١/ ١٩١]
[ ١٩١ ]
القيامة يكون عليهم شهيدا﴾ مثله ﴿واعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما﴾ قطع تام.
قال يعقوب: ومن الوقف ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾ فهذا الكافي من الوقف، قال الأخفش: هو تمام إلا أن يعقوب قدره بمعنى: ومن المقيمين فيجب أن لا يكون تمامًا وأقبح من هذا عطف ظاهرًا على مضمر وله تقدير آخر يكون عطفًا على ما فإن جعلت والمقيمين منصوبًا على المدح حسن الوقف على ما قبله ﴿والمقيمين الصلاة﴾ تمام على مذهب سيبويه (حيث) قال: وأما ﴿المؤتون الزكاة﴾ فمرفوع بالابتداء.
﴿أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما﴾ تمام ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ عن نافع قال: تم، ﴿وأتينا داود زبورا﴾ ليس بتمام على قول أكثر النحويين لأن (رسلا) معطوف على معنى ما قبله لأن معنى: إنا أوحينا إليك، إنا بعثناك وبعثنا رسلا فإن نصبته بإضمار فعل تفسيره بما بعده حسن الوقف على ما قبله ﴿ورسلا لم نقصصهم عليك﴾ قطع صالح، وكذا ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ إن نصبت
[١/ ١٩٢]
[ ١٩٢ ]
رسلا بإضمار فعل فإن جعلته بدلا من رسل الذي قبله أو منصوبًا على الحال لم يقف على ما قبله ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾ قطع تام لأن لكن إذا كان بعدها جملة صلحت بعد الإيجاب ﴿وكفى بالله شهيدا﴾ تمام وكذا ﴿قد ضلوا ضلالا بعيدا﴾ ﴿ولا ليهيدهم طريقا﴾ ليس بقطع كاف وإن كان رأس آية لأن ﴿إلا طريق جهنم﴾ بدل من الأول والتمام ﴿وكان ذلك على الله يسيرا﴾ ﴿فآمنوا خيرا لكم﴾ قطع صالح والتمام ﴿فإن لله ما في السموات والأرض وكان الله عليما حكيما﴾.
﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ قطع صالح والتمام ﴿إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله﴾ ليس بتمام وإن كان ظاهرًا حسنًا، (وكلمته) معطوف والمعنى: والمسيح كلمته، قال قتاده: كلمته أي قال له كن فكان، وقال غيره: كلمته أي يهتدي به كما يهتدي بكلام الله جل وعز إن قدرت ﴿وروح منه﴾ معطوفًا على المضمر في ألقاها جاز الوقف على وكلمته.
وقد تكلم العلماء في معنى (وروح منه) بخمسة أجوبة:
فأولها قولا ما روى عن أبي بن كعب قال: خلق الله جل وعز أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق فكان روح عيسى فيهم فأرسل الله جل
[١/ ١٩٣]
[ ١٩٣ ]
وعز ذلك الروح إلى مريم فدخل فيها وكان منه عيسى وكلمها من تحتها، وقال غيره وروح منه لما كان جبريل ﷺ هو الذي نفخ فيها بأمر الله كان الروح من الله جل وعز وقيل وروح منه أي حياة وقيل الروح الرحمة كما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قرأ ﴿فأما إن كان من المقربين فروح وريحان﴾ فعيسى روح من الله أي ورحمة لمن أطاعه واهتدى به والقول الخامس أن يكون معطوفًا على المضمر في ألقاها أي وألقاها روح منه وهو جبريل كما قال جل وعز ﴿نزل به الروح الأمين﴾ ﴿فآمنوا بالله ورسله﴾ وقف عند الأخفش.
﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ تمام عند نافع والأخفش وهو قول أحمد بن جعفر وقال نصير: أي ولا تقولوا هم ثلاثة يعني الإلهة ﴿انتهوا خيرًا لكم﴾ قال أبو عبد الله: تم الكلام وكذا قال القتبي قال: ولا يتم الكلام على انتهوا لأنه لم يأمرهم بالانتهاء فقط، قال أبو جعفر: وهذا قول حسن وإنما أمرهم بالانتهاء عن الكفر والدخول في الإيمان والمعنى فأتوا خيرًا لكم هذا مذهب سيبويه قال: لأنك إذا قلت انته فأنت تخرجه من شيء وتدخله في غيره في آخر وأنشد:
فواعديه سر حتى مالك = أو الربا بينهما أسهلا
والمعنى وأتى سهلا، وعن نافع ﴿إنما الله إله واحد سبحانه﴾ تم، وخولف في هذا لأن إن متعلقة بما قبلها والمعنى
[١/ ١٩٤]
[ ١٩٤ ]
سبحانه عن أن يكون له ولد، والتمام ﴿وكفى بالله وكيلا﴾.
قال أحمد بن موسى ﴿ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا﴾ عن نافع تم، وقال غيره هو كاف وكذا ﴿ويزيدهم من فضله﴾ والتمام ﴿ولا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرا﴾ وكذا ﴿وأنزلنا إليكم نورا مبينا﴾ وكذا ﴿ويهديهم إليه صراطا مستقيما﴾ ﴿وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾ قطع صالح وكذا ﴿فلهما الثلثان مما ترك﴾ وكذا ﴿فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾ قال يعقوب ﴿يبين الله لكم﴾ كاف على المعنى، ثم قال ﴿أن تضلوا﴾ فمعناها عندنا لئلا تضلوا.
قال أبو جعفر: في هذا لأن أن متعلقة بما قبلها على قول الجماعة فقول البصريين يبين الله لكم كراهة أن تضلوا مثل ﴿واسأل القرية﴾ وقول الكوفيين يبين الله لكم لئلا تضلوا وقول ثالث أن يكون كما تقول يعجبني أن تقوم قيامك فالمعنى يبين الله لكم الضلالة لئلا تضلوا فالوقف الكافي على هذه الأقوال يبين لكم أن تضلوا والتمام آخر السورة.
[١/ ١٩٥]
[ ١٩٥ ]