من كتاب الكامل
تأليف الشيخ الإمام أبي القاسم يوسف بن علي ابن جبارة المغربي الْهُذَلِيّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله ﷿: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) حفظه من الزيادة والنقصان في التحريف والتبديل، ولو كان كذلك لما خص بستة ألاف وستمائة وست وستون، ولجاز الزيادة عليها أو النقصان منها أو ذكر بعض أهل العلم كيف ومن أهل البيت الحسن، والحسين، وجعفر بن محمد وغيرهم، وابن عباس بحر القرآن وترجمانه، ولم يأت عن هؤلاء الأكابر وهم فحول الأمة وعلماؤها شيء يخالف ما رويناه أو يزيد على ما نقلنا فكيف يرَ كتم أمر أربع مائة آية وعشر آيات أو ثلاثين آية دل على أن الزيادة على ما روينا محال، ومن زاد فيه أو نقص منه على ما روينا فقد كفر باللَّه العظيم وخرق الإجماع ولا حكم للاشتغال بكلام أهل البدع وإيراده.
رجعنا إلى بيان خلاف ما ذكره الزَّعْفَرَانِيّ قلنا: ويدل على أن العدد علم ما روت أم سلمة أن رسول اللَّه - ﷺ - قرأ الفاتحة ووقف على الآي، وروى مثل ذلك عن أبيٍّ. وقال أَبُو عَمْرٍو: الوقف على الآية سنة يدل عليه أنه نهى عن خلط آية بآية عذاب، ولا يعلم ذلك إلا لسماع ومعرفة في العدد يدل على أن القراء اختلفوا في ضم الميمات عند أواخر الآي فقد جاء عن أَبِي عَمْرٍو وضمها في آخر الآي على عدد البصري طريق عبد الوارث حتى ضم (فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ)، ولم يضم (رَأَيْتَهُمْ
[ ١ / ١٠٥ ]
ضَلُّوا)، (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)، وجاء هكذا عن أهل الكوفة على عددهم فضموا هاتين ولم يضموها (فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ) في طريق قُتَيْبَة، ونصير والشيرازي،
[ ١ / ١٠٦ ]
وفورك، وعدي وابن وردة، وهكذا المثلثي عن نافع طريق الواسطي لم يعد (إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا)، واختلف عنه في قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) فقال: إن عددت عدد أبي جعفر لم أضم وإن عددت عدد إسماعيل ضممت، وهكذا حكم أحمد بن صالح عن قَالُون، وهكذا الوليد بن مسلم عن دمشقي طريق الْكَارَزِينِيّ،
[ ١ / ١٠٧ ]
فإذا أدى إلى هذا الاختلاف فلابد من معرفته يدل عليه أن اللَّه تعالى أنزل هذا القرآن على نبيه نجومًا متفرقة على قدر الأحكام فمن نجم فيه آية وأخر اثنان وثلاث وأكثر من ذلك حتى إن جبريل كان يقول لرسول اللَّه - ﷺ - اجعلْ هذه الآية في - السورة الفلانية أو في موضع الفلاني، وأمر رسول اللَّه - ﷺ - الصحابة بذلك حتى إن كان بين نزول آخر سورة وأولها سنة فنزلت (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ) ثم بعد سنة نزلت (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى) فنسخ بعض ما في الأولى بالثانية، وأيضًا أنه لو لم يعرف العدد لما علم الناسخ والمنسوخ ألا ترى أنهم قالوا: نسخت آية القتال مائة وأربعة وعشرين آية، ومن جحد علم العدد فقد جحد علم الحروف والكلمات والأعشار والأخماس والسور ألا ترى أنهم قالوا: اتفقوا على آية مائة وأربعة عشرة سورة، وتركوا قول من قال، وثلاثة عشر وقول أبي التوبة، وابن مسعود في المعوذتين وبعض أهل العلم في (أَلَم نَشرَح)، (والضحى)، و(أَلَم تَرَ كيفَ) و(لِإِيلَافِ) وحتى جعلوها سورتين، وليس ذلك إلا بالعدد إلى أن قالوا: نصف القرآن ألف آية وكذا وكذا وفرقوا بين آية اللطيفة والطويلة ولو لم تعرف الآية لما علم به الإعجاز ألا ترى أن الإجماع انعقد أن الصلاة لا تصح بنصف آية ولا حكم لمن قال تصح الصلاة من غير قراءة القرآن؛ إذ خلافه لا يعد خلافًا فإنهم اختلفوا في الآية القصيرة والطويلة بعد اختلافهم في أنها لا تصح إلا بفاتحة الكتاب أو هل تصح حتى إن بعض العلماء قال: لابد من ثلاث آيات وقال بعضهم: لابد من تسع آيات، وقال بعضهم: يجزئ آية إذا لم يكن هناك عذر مع هذا الاختلاف.
واتفقوا على أن أقل من آية لا يجزئ فلو أن العدد معتبر لما علم ذلك والإعجاز لا يقع بدون آية حتى أن الجنب والحائض أن يقول (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، و(بِسْمِ اللَّهِ)، وإن قيل: إنهما آية يجب أن لا يريدا القرآن بقوله، ولكن لو قال هذا القدر لم يخرج،
[ ١ / ١٠٨ ]
وعلم أن العدد علم وكيف يقول قائلهم هذا، والعرب في أشعارهم جعلوا مصراعًا وقافية ووزنًا وشبه ذلك وقالوا في الأبيات مثلها الفواصل في السور حتى إن الآي سميت فواصل، وإن كانت الآية الجماعة والعلامة فإن آخرها فاصل، يعني: أنه يفصل الكلام الأول من الآخر، فإذا كان هذا كذلك علم أن العدد علم يحتاج إليه ويا عجباه ممن يعول الوقف والابتداء علم العدد ليمر بعلم، والوقف والابتداء محدث لعلم المعاني والعدد كان في زمن أصحابه وبه نزل القرآن حتى قال رسول اللَّه - ﷺ -: سورة هي ثلاثون آية تجادل عن صاحبها يوم القيامة " (١)، وقيل: في القبر لكن الاختلاف فيه كالاختلاف في القرآن، والتفاسير وغيرهما دل على أن منكره مبطل وهو في قوله جاهل ذكرت هذا الفصل على الاختصار ليجتنب قول هذا المبطل.
والآن فنشرع في بيان العدد آياته واختلافه فنقول: إن عدد أهل المدينة الأول يوافق عدد أهل الكوفة وهو عدد أبي جعفر، وقيل: أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ، وليمر لأحد علم إلا الرواية، وعدد أهل المدينة الأخير؛ عدد إسماعيل، وقيل عدد نافع، حدثنا بالعددين أبو عبد اللَّه محمد بن موسى بن الحسن الشيرازي القاضي قال: حدثنا الحسن بن أحمد الأهوازي قال: حدثنا الحسن بن إبراهيم الأصبهاني قال: حدثنا محمد بن أحمد بن أيوب بْن الصَّلْتِ قال: حدثنا أبو سليمان سالم بن هارون المؤدب عن عيسى بن مينا قَالُون قال ابْن شَنَبُوذَ: وحدثنا عباس بن محمد عن الدُّورِيّ عن إسماعيل عن نافع، وأبي جعفر عن ابن عباس عن أبي عن رسول اللَّه - ﷺ -، وعدد أهل مكة يرويه ابن أبي بزة حدثنا به الشيرازي عن الأهوازي عن الأصبهاني حدثنا محمد بن أيوب بْن الصَّلْتِ عن أبي ربيعة عن البزي عن عكرمة بن سليمان عن القسط عن كثير عن مجاهد، وأما عدد أهل الشام قحدثنا به الشيرازي عن الأهوازي عن الأصبهاني عن الحسن بن العباس الرَّازِيّ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٠٠)، والترمذي (٢٨٩١)، وابن ماجه (٣٧٨٦)، وأحمد (٧٩٦٢) وغيرهم، وتصرف المؤلف في لفظ الحديث كما هو الغالب منه ﵀.
[ ١ / ١٠٩ ]
ومحمد بن الجهم السمري عن الحلواني عن هشام عن أيوب عن يحيى عن ابن عامر عن المغيرة عن عثمان ﵁، وأما عدد أهل حمص فوصل إلينا من طريق ابْن شَنَبُوذَ عن بن عن ابن خالد عن يزيد بن قطيب وهو شاذ، لكنا نبين الجمع إن شاء اللَّه ﷿، وأما عدد أهل البصرة فحدثنا أبو محمد عبد اللَّه بن محمد بن الذراع عن محمد بن جعفر التميمي عن عبد اللَّه بن باذان عن أيوب بن المتوكل عن يَعْقُوب عن سلام عن الْمُعَلَّى بن عيسى، وهارون بن موسى الأعور، وعَاصِم بن الْحَجَّاج الْجَحْدَرَيّ عن أبي العالية عن عمر ﵁، ما عدد أهل الكوفة، فحدثنا به الطَّيْرَائِيِّ عن الحسن بن أبي عمر النَّقَّاش الأصفر عن إدريس بن عبد الكريم عن خلف عن الكسائي
[ ١ / ١١٠ ]
عن زائدة عن الْأَعْمَش عن عَاصِم عن أبي عبد الرحمن عن علي ﵁، ولنا في العدد طرق اختصرنا على ما ذكرنا خوف التطويل، ونبين الاختلاف في كل سورة إن شاء اللَّه ﷿ والعدد ليس يجيء على قياس واحد لكن نذكره على حسب ما ذكروه ونذكر الأوطان والمكي والمدني، وما نزل مرتين، وما نزل بالمدينة وحكمه مكة، وما نزل بمكة وحكمه بالمدينة على ترتيب مصحف عثمان ﵁.
فمن ذلك: