حامل القرآن والعالم والمتعلم
اعلم أن فضائل أهل القرآن لا تحصى، وكما فضله على سائر الكلام، فضل على سائر الأمم، ومنحهم ما نالوا به الفخر في الدنيا والآخرة والدخر في العقبى، فمن ذلك ما قال رسول اللَّه - ﷺ -: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. قال أبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ: هذا الذي أقعدني هذا المقعد وكان يعلم القرآن بالكوفة وهو معلم الحسن والحسين، وقال رسول اللَّه - ﷺ - إن للَّه أهلين قيل: ومن هم يا رسول اللَّه؟، قال: أهل القرآن هم أهل اللَّه وخاصته، وقال: أشراف أمتي حملة القرآن، وهذا الخبر يمنع أن يشارك غير حملة القرآن أهل القرآن لأنه قال: أشراف أمتي، ولو كان المقصود به جميع الأمة لما كان لقوله: أشراف أمتي معنىً، وكان يجب أن يقول أمتي أو المؤمنون أو المسلمون أو أهل العلم فلمَّا خص أهل القرآن دل على المقصود به من حمل القرآن فقط يدل عليه قوله ﷿ (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) الآية فجعل الظالم والسابق والمقتصد من أهل الجنة حيث قال (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) الآية قالت عائشة - ﵂ -: دخلوها ورب الكعبة الظالم، والمقتصد، والسابق، ولو كان المقصود به جميع الأمة لما تحتمت عليهم بالدخول يدل عليه أني ما وجدت مقرئًا إلا ولم تساعده الدنيا؛ لأن النبي - ﷺ - حكي عن اللَّه تعالى قال في بعض الأخبار: (لو كانت الدنيا تزن عند اللَّه جناح بعوضة لما سقى الكافر منها شربة ماء)، ولما قال أهل القرآن خاصته
[ ١ / ٣٣ ]
والدنيا لا تزن عنده جناح بعوضة دل على أنه لا يجمع بين أهله وبين من يبغضه، ولما اختص الفقر بهم إلا الشواذ دل على أن الخبر مخصوص لهم يؤيده قوله: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ).
وقال: (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، يؤيده ما نرويه بعد هذا من الأخبار، وقال - ﷺ -: " أكرموا حملة القرآن فإنهم أوغلوا في علم الله إلا أنه لا يوحى إليهم "، وقال: حملة القرآن المخصوصون برحمة اللَّه الملبسون نور اللَّه المعلمون كلام اللَّه من والاهم والى اللَّه ومن عاداهم عادى اللَّه، ولقارئ آية من كتاب اللَّه أفضل مما دون العرش إلى أصل النجوم، ويدفع عن قارئ القرآن بلوى الآخرة، ثم قال: يا حملة القرآن أهل السماء يسمونكم أحباء اللَّه فاستحبوا اللَّه بتوقير كتاب الله يزدكم حبًّا ويحببكم إلى عباده، وعن أبي هريرة ﵁، قال: بعث رسول اللَّه - ﷺ - سرية فاستقروا القرآن على أسنانهم ففضلهم شاب بسورة البقرة، وقال له رسول اللَّه - ﷺ -: أنت أمير القوم، قال: فغضب شيخ في القوم، فقال: يا رسول اللَّه أتؤمره وأنا أكبر منه؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: إنه أكثركم قرآنا قال: فقال الشيخ: واللَّه ما يمنعني أن أتعلم القرآن إلا أني أخشى أن لا أقوم به، فقال رسول اللَّه - ﷺ - تعلموا القرآن، فإنما مثل حامل القرآن كحامل جراب مسك إن فتحه فتحه طيبًا وإن وعاه وعاه طيبًا، وقال ﵇: ليس أجد أولى
[ ١ / ٣٤ ]
بالجدة من حامل القرآن يعِزِّ القرآن في جوفه، وقال: من قرأ القرآن فاستظهره وحفظه أدخله اللَّه الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار، وقال: من قرأ ثلث القرآن أعطي من ثلث النبوة، ومن قرأ ثلثي القرآن أعطي من ثلثي النبوة، ومن قرأ القرآن كله أعطي النبوة كلها، ويقال له يوم القيامة اقرأ وارق بكل آية درجة حتى ينجز ما معه من القرآن، وقال ﵇: الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ ويتتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران، وقال: قال اللَّه ﷿: من شغله قراءة القرآن عن مسألتي ودعائي أعطيته ثواب الشاكرين، وقال: القرآن غنى لا فقر معه ولا غنى دونه، وقال: ما تعلم رجل مسن للقرآن فأكره نفسه عليه وثقل عليه إلا كتب الله له به أجرين ولا تعلم أعلى من حديث السن خلطه اللَّه بلحمه ودمه حتى كتبه اللَّه رفيق السفر، وعن ابن عباس قال: افتخرت السماء على الأرض، فقالت السماء: أنا أفضل فيَّ العرش، وفي الكرسي، وفي جنات المأوى، وجنة عدن، وفي الشمس، وفيَّ القمر، والنجوم، وفيَّ أرزاق الخلق، وفيَّ الرحمة، فقالت الأرض وتركت وتقول فيَّ الأنبياء وفيَّ بيت اللَّه فقالت: بلى، ولكن للبيت يتقلب أضلاع حملة القرآن في
[ ١ / ٣٥ ]
بطني، فقال تعالى: صدقت يا أرض فكان افتخارها أن قال لها الرب صدقت، وعن الْأَعْمَش عن حيثمة قال: مرت بعيسى ابن مريم امرأة فقالت طوبى لحجر حملك ولثدي رضعت منه. فقال: طوبى لمن قرأ القرآن ثم عمل به. وقال رجاء بن حيوة جئت أنا وأبي حيوة إلى معاذ بن جبل فقال: من هذا؟ فقلت: ابني، قال: علمته القرآن، قال: فقلت: لا، فقال: من تعلم القرآن توج والديه بحلتين يوم القيامة لم يرى الراؤون مثلها ثم ضرب على كتفه، وقال: يا بني إن استطعت أن تلبس والديك حلتين يوم القيامة فافعل، وقال ﵇: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها. ومن قرأ حرفًا فله عشر حسنات، ومن قرأ في المصحف فله ألف ألف حسنة، ومن قرأ القرآن نظرًا فله بكل حرف ثلاثون حسنة. وفزع رسول اللَّه - ﷺ - يوم حنين إلى أهل القرآن لتعظيمهم
[ ١ / ٣٦ ]
لما انهزم المسلمون، فقال: يا أهل سورة البقرة ويا أهل القرآن فكروا ورجعوا وانهزم المشركون، فقال: لا يعذب اللَّه تعالى قلبًا أسكنه القرآن، وروى أنه قال إذا انشق يوم القيامة القبر عن حامل القرآن آتاه اللَّه القرآن في صورة رجل شاحب اللون، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني أنا القرآن الذي أظمأت نهارك وأسهرت ليلك فما يزال به حتى تأتي به عرصات القيامة فيشفع له ويدخله الجنة بغير حساب وقال - ﷺ -: من استجمع القرآن فكأنما أخرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه، وقال: كل عالم من أمتي كنبي من الأنبياء في بني إسرائيل، والعالم على الحقيقة من علم القرآن، لأن كل علم يرجع إليه ومأخذه منه، والقرآن أصل وجميع العلوم فرع منه؛ إذ الفقه ما اقترن بالأحكام منه، والكلام ما اقترن بالعقليات منه والتذكير ما أخذ من ثلثه وقصصه وتفاسيره ولهذا ما فرطنا في الكتاب من شيء حتى إن العزائم والأحراز والنجوم والحساب والفرائض والأحجام منه فهو منبعها علمها من علمها وجهلها من جهلها يحققه أن عمر بن الخطاب ﵁ لم يفرض لأحدٍ من أهل العلم شيئًا إلا لأهل القرآن حتى جعل لأُبي بن كعب في إحدى الروايتين خمسًا وسبعين دينارًا في كل شهر، وفي رواية أخرى: مائتي دينار في كل سنة، ولما توفى أُبي قال عمر: مات اليوم سيد المسلمين، ولا يمكن اسقصاء فضائل القرآن وأهله إلا بأعمار ومدة طويلة، لكن العمر قصير والوقت سيف والطالب قليل والراغب غير موجود فنقتصر على القليل تنبيهًا على الكثير إذ لم نضع هذا الكتاب للتطويل ألا ترى أنا لم نذكر فيه العلل والشرح والشواذ وإنما جعلناه ليستبصر به المتعلم ويستذكر به العالم.
[ ١ / ٣٧ ]