من ذلك أن مالك بن أنس قال: قراءة نافع السنة أو ربما قال قرأتنا سنة.
قال الأصمعي: مررت بالمدينة رأس مائة ونافع رأس في القراءة، قال نافع: قرأت على سبعين من التابعين أو اثني وسبعين فنظرت ما اجتمع عليه اثنان أخذته وما شذ فيه واحد تركته حتى ألفت هذه القراءات، وروي أن هارون الرشيد لما قدم المدينة شهر رمضان سأل نافعًا أن يصلي به التراويح وله بكل ليلة مائة دينار، فأراد نافع أن يفعل لكن قال له حتى أشاور مالك، فأتاه وشاوره، فقال له: اللَّه يعطيك المائة من فضله قال: لأنك إمام فربما يجري على لسانك شيء؛ لأن القرآن معجز وأنت محترم فلا تعاود في ذلك لاعتماد الناس عليك فتشير به الركبان فتسقط فأبى أن يصلي، فقال له هارون: لك المائة كل ليلة على مشورة مالك بن أنس، قال ورش: كان من هيبة نافع كان
[ ١ / ٤٢ ]
قارئ إذا قرأ عليه لم يملك نفسه، ولهذا ما كان يزيد أحدًا على عشر فترأس نافع في القراءة في زمن شيبة وأبي جعفر.
قال الليث بن سعد: قدمت المدينة ونافع إمام الناس في القراءة لا ينازع، قال أبو عَاصِم النبيل: أقدم نافعًا على غيره؛ لأنه إمام دار الهجرة، والمدينة منزل الوحي أخذ الأصاغر عن الأكابر قرن عن قرن وهذا مثل ما صنع مالك بابن يوسف في قصة الصاع والمد والوقف ولها قصة فيها طول يذكرها الفقهاء نبهنا عليها، والكتاب لم يوضع للقصص، ولما سلموا لنافع وجب التسليم له وتقديمه على غيره.
قال قَالُون: ما قرأ نافع آية ولا أقرأها إلا على طهارة ناهيك من كان إمام مسجد رسول اللَّه - ﷺ - والمهاجرين والأنصار متوافرون، ولما قال نافع: السنة الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم لم يعد مالك أن سلم اللفظ، وقال: كل علم يسأل عنه أهله، وقال نافع:
[ ١ / ٤٣ ]
واللَّه ما قرأت حرفا إلا بأثر، قال نافع: جلست إلى نافع مولى عبد اللَّه بن عمر واقتبست منه العلم ومالك من الصبيان، قال مالك: ما عُرف فضل شيبة، وأبي جعفر إلا بنافع لأن مادة قراءته منهما، قال الليث: كان نافع إمام الناس لا ينازع وشيبة حي قال ابن وهب قراءة أهل المدينة السنة قيل: قراءة نافع، قال: نعم وكيف أنت برجل قرأ عليه مالك.
قال ابن أبي أويس: قال لي مالك: قرأت على نافع قال أبو دحية: خرجت
[ ١ / ٤٤ ]
بكتاب الليث بن سعد إلى نافع فوجدته يقرئ الناس بجميع القراءات فقلت: سبحان اللَّه يا نافع أتقرئ الناس بجميع القراءات؟ فقال: أو أحرم نفسي الثواب أنا اقرئ الناس بجميع القراءات حتى إذ جاء من يطلب حرفي قرأته به. قال الأعشى: قال ورش: كان نافع يسهل القراءة لمن قرأ عليه إلا أن يقول له رجل أريد قرأتك أخذه بالنبر في مواضعه وإتمام الميمات، يعني: الضم، وهذا يوحي إلى أن اختياره ذلك ويومئ إلى أن أحدًا من القراء لم يختر إلا بعد تتبع جميع القراءات قال أبو قرة موسى بن طارق: لما قرأت على نافع فسمعته يقول: أخذ على سبعون من التابعين، وإنما قُدِّمَ نافع على أبي جعفر وجعل من السبعة مع كون أبي جعفر إمامًا؛ لأن أبا جعفر لم يقرأ إلا على ثلاثة أو
[ ١ / ٤٥ ]
أربعة كعبد الله بن عياش، وابن عباس، وأبي هريرة، ونافع قرأ عليه وعلى غيره حتى إنه ترك من قراءة أبي جعفر سبعين حرفًا وانتهت إليه قراءات المهاجرين والأنصار فاختار منها ولم يختر أبو جعفر بل قرأه على ما أقرئ ولم يميز حتى أنه قرأ يومًا (لَنُحَرِّقَنَّهُ)، فقالوا: ممن أخذت هذا؟ قال: من الْحَجَّاج وهو خطيب على المنبر، فعلموا أنه غفل في ذلك وأوصى نافع بنيه حين حضرته الوفاة بالقرآن، فقال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وكان نافع من سبي ْأصبهان من محلة يقال لها سبيلان وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو رويم، وقيل: أبو بكر، وقيل: أبو الحسن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني مولى جعونة بن شعوب الليثي حليف حَمْزَة بن عبد المطلب توفى سنة تسع وتسعين ومائة وكان معمرًا أخذ على الناس القراءة سنة خمس وتسعين فأقرأ خمسًا وسبعين سنة في مسجد المدينة.
يتلوه في الجزء الثاني: وفضائل نافع لا تحصى كثرة، وصلى الله على محمد خير خلقه وآله.
* * *
[ ١ / ٤٦ ]