اعلم أن التجويد مبني على ما روي عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ﵁ لما سُئل عن قوله: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا)، قال: الترتيل: معرفة الوقوف وتجويد الحروف، فأما الوقوف فسنفرد له كتابًا فأما تجويد الحروف فمعرفة ألفاظها، وقراءتها، وأصولها، وفروعها، وحدود ها، وحقوقها وقطعها، ووصلها، ومدها، وحدرها، وتحقيقها، وترسيلها، وترتيلها، ومذاهب القراء، وهو حلية التلاوة وزينة القراءة ومحل البيان، فترتيب الحروف مراتبها وردها إلى مخارجها وأصولها، وإلحاقها بنظائرها، وأشكالها، وأشياعها، ولطف النطق بها وتمكينها، والتمكين إنما يثبت في كلمة فيها ألف ساكن مثل " قال " و" كان " " باع "، أو ياء ساكن مثل: " ذئب " و" بئر " و" يلبس "، أو واو ساكن مثل: (يُؤمِن) و(مأكول) هذا أو لم يأت بعد حروف المد واللين همزة فإن أتى فلابد من المد إن كان فى كلمة فبالإجماع مثل: " قائلين "، و(خائفين) إلا ما حكينا عن الْبَلْخِيّ واختلاف أصحاب حَمْزَة خصوصا إذا كانت الهمزة مفتوحة مثل: " جاء " و" ثم " وإن كان من كلمتين وسيأتي نحو (فِي أَنفُسهِم)، ولابد من بيان المبين مثل حروف الحلق عن النون مثل " ينأون "، (وَيَنْهَونَ)، و(عليمًا. حكِيمًا)، (وَالمنخَنِقَةُ)، و(فَسَينغِضُونَ)، و(عَذَابا عَظِيمًا) إلا ما ذكرنا من الخلاف وبيان هذه الأشياء يحتاج إلى ذكر الألفاظ ومعرفة المعاني ولا يحكمه إلا اللسان وهكذا أضدادها لا تظهر بل تغن أو تدغم نحو (مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا)، وأخواتها، وأما ما حكي عن الْمُسَيَّبِيّ من إظهار التنوين عند هذه النظائر فغير موافق العربية، ولعله أراد مع الغنة فلم يفهم عنه، ولا يمطط القارئ، ولا يتكئ على الهمزة، ولا يلكز، ولا يثبت، ولا يتنطع، وليخرج الهمزة من مخرجها سلسة، وليحذر أن يجعلها بدلا من الهاء أو الهاء بدلًا منها إلا في مواضعها التي أبدلت، ولينعنعنَّ العين، ويتنحنح الحاء، ويسهل الغين، ويخرج الخاء من أعلى الحلق على ما نبين، ولا يجعلن القاف بينهما وبين الكاف، وليصفها بخلاف الإعراب، ولينزل الكاف قليلًا عنها، وليخرج السين والجيم محرشتين، ولا يبالغ في التفشي، ولا يجعل الجيم كالكاف، ولا الدال
[ ١ / ٩٣ ]
كالتاء نحو: (فِي الْمَساجد)، وأخواتها ولا يدغم الميم في سائر الحروف إلا عند أختها إذا لم يضم نحو (كنتم مؤمِنين)، ولا يدغم الدال في النون في (قَدْ نَعلَمُ) إلا ما قدمنا، وليأت بالغنة بين النون والميم نحو (مِن مَّا)، وليبين اللام من النون من (قُلنَا) و(أنزَلنا) من غير أن يحركها ولا يبالغن في المضعف نحو: " مُدَّ " و" رُدَّ " و" شُدَّ " و(الدوَاب) و(صَواف)، ولا يجمع بين ساكنين في المضاعف نحو (وَلَا الضَّالِّينَ)، ولا يبالغ في تشديد الياء والراء فيصيرهما جيمًا أو كافًا أو طاء نحو: (إِيَّاكَ) و(الرَّحْمَن)، (وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ) ونحوه، وليبين تشديدها عند أختها، ولا يدغمها فيها، وكذلك التخفيف بين أختها، ولا يدغمها فيها نحو (خِزْيِ يَوْمِئِذٍ)، ولا يرقق المفخم نحو (أَظلَمَ) و(الطلاق) و(الصلاة)، ولا يفخم المرقق نحو ْ (شَاَءَ)، (وَيَغْفِر لكم)، ولينظر إلى ما قبل اسم اللَّه، فإن كان كسرة نحو (بِسْمِ اللَّهِ)، (بِاللَّهِ)، و(فِي اللَّهِ)، و(عن اللَّه) رقق، وتفخيمه لحن وإن انفتح ما قبله أو انضم فخم كي لا يشبه اللات نحو (قُل هُوَ اللَّهُ) و(من اللَّهُ) و(أَمَرَ اللَّهُ) إلا ما حكى ابْن مِقْسَمٍ عن أهل البصرة في ترقيقه، وهكذا تفخم الراء المتوسطة إذا لم تكن مما يمال نحو (الخيرات)، و(حيرَانَ) إلا ما يحكى عن ورش من طريق الأزرق، وهكذا كله مضى في الخلاف، وحكى عن الأهوازي
[ ١ / ٩٤ ]
زيادة تغلظ في (أَظلَمَ) و(الطلاق) و(صلصال)، وحكى الْخَبَّازِيّ عن البخاري تغليظ (ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ)، وليس بمختار وليميز السين عند الحروف المطبقة نحو (القسط) و(بِالْقِسْطَاسِ) على من قرأ بالسين ويرفع الصاد إلى الحنك قليلًا لئلا يشبه السين نحو (وَاصْطَبِرْ) ويظهر الراء الساكنة (مُزْدَجَرٌ) و(تَزْدَرِي)، وليبين الباء في الظاء " بظنين " صوت نحو (أَوَعَظْتَ) ومن الضاد نحو (أَعْرَضْتُمْ) إلا ما روينا عن نصير وعباس، وليبرز التاء من الطاء في اللفظ نحو (بَسَطت) و(فَرَضْتُ)، (أَحَطتُ)، والضاد من الطاء نحو: (اضْطُرَّ)، وينعم العين والغين كما قال الخاقاني:
[ ١ / ٩٥ ]
وأنعم بيان العين والهاء كلما درست وكن في الدرس معتدل الأمر
ورقق بيان الراء واللام ينذرب لسانك حتى تنظم القول كالدر
ولا يكرر الراء المشددة، ولا يلكزن الهمزة الساكنة حتى تصير متحركة، ولا يلطف المتحركة حتى تصير ساكنة، وليشبع لفظه بالذال والتاء، ويتغنن بالتنوين والنون، ويظهر الثاء ولا يشبهها بالفاء، وليبين السين عند التاء في مثل (نَسْتَعِينُ)، والواو عند أختها إذا لم تدغم فيها نحو (اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ)، وإن جاء حرف من حروف الحلق عند نظيره مثل (زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ) و(الْمَسِيحُ عِيسَى)، (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ)، فليبين الأول من الثاني كيلا يندغما، والأصل أن يتفقد الإنسان لفظه ويعتبر النظم، والترتيل، والتحقيق، والحدر، والترتيل القراءة بتفكر، والتحقيق: إعطاء الحروف حقوقها من غير زيادة، ولا نقصان، ولا تكلف، ولا إتعاب نفس برفع صوت، ولا مبالغة في النفس، فينقطع إذا خلط، ولا يخلط آية رحمة بآية عذاب إذا لم يكن موضع الوقف، والحدر: أن يقرأ بغير تفكر في المعاني، ولا يمضغ، ولا يزيد، ولا ينقص ولكن صوته على وتيرة واحدة، ويجتهد في مخارج الحروف، وذلك بعد أن يعرف مخارجها على اختلاف أقاويل العرب، ويعلم مجهورها من مهموسها، وزائدها من أصليها ومبدلها مما لا يثبت ومطبقها من المنخفض منها ونطعها من لثويها وذلقها من أسليها وشجريها من شفوها وحلقيها من حنكيها، وأشباه ذلك مما فيه طول.
واعلم أن حروف المعجم تسعة وعشرون حرفًا في قول البصريين وقال غيرهم: ثمان وعشرون، ولا خلاف في اللام ألف أنه مركب، والخلاف في الهمزة والألف، فقال الكوفيون: الهمزة والألف واحد لاتفاقهما في الصورة، وقال غيرهم: بل هما حرفان إذ الهمزة تكون ساكنة ومتحرك ومخرجها متحقق والألف لا يكون إلا ساكنًا إذ هو والواو
[ ١ / ٩٦ ]
الساكنة والياء الساكنة جوفيان هوائيان لكن لقبت بذلك لامتداد الصوت بها وخروجها من جوف الفم وقيل لأنها تخرج من جميع الفم فلم تخصص بمخرج والألف لا يكون إلا حرف مد ولين معتل إذا ثبت هذا فأعلاها في التحقيق قرأ حَمْزَة والأعشى وورش يقال كأن القارئ إذا قرأ على حَمْزَة كأنه يستشعر السكينة وكأن على رأسه الطيار يزن الحروف وزنًا واحدًا لا بالتحقيق العظيم ولا بالحدر المخل، وأما أهل مكة وأهل بصرة فتمكين من غير إفراط ولا إخلال وقد ذكرنا ترتيبهم في المد ولهذا لم نذكر المد والتشديد ها هنا إذ بيناه على عشرة أوجه هناك والتشديد أما للتضعيف أو للتعريف أو للرسم، أما التضعيف كـ " دابة " وشابه، وأما التعريف كـ: الرجل، والشمس، وأما الرسم كالمدغمين ولا يشدد التنوين عند الإدغام والإظهار وليأت بطنين الطاء وكشكشة الشين وعنعنة العين وقعقعة القاف وقلقلة اللام وحديد الحاء ولكل حرف صفة قدمناها فليتأمل الناظر فيها إما مستبصرا أو متعلمًا.
والمخارج تسعة حلقية وهي ستة أقصاها مخرج الهمزة وهي من الصدر ثم الهاء أعلاها قليلًا ثم الحاء والعين من وسط الحلق ثم الغين والخاء من أعلا الحلق والغين من الغلصمة أقرب منها إلى الحلق والحنكية وهي القاف والكاف فالقاف من الغار الأعلى والقاف أنزل منها قليلًا للفم ثم الشجرية وهي الضاد والجيم والشين، وقيل: الياء المتحركة وهي من وسط الفم ثم الأسلية وهي السين والصاد والزاي من أسلة اللسان وهي مستدقه وحدته وهي الصفيرية، وقيل لها أيضا: لثوية ولكن الأول أصح ثم اللثوية وهي الظاء والثاء والذال، واللثة لحم الأسنان التي انفردت فيه دون اللحم الذي بين الأسنان لأن ذلك العمور واحدهما عَمْرٌ، تم النطعية وهي الدال والطاء والتاء من الحنك ثم الذولقية الراء واللام والنون من ذلق اللسان وهي حافاتة إلا أن النون أدخل قليلًا إلى الخيشوم واللام دونها إلى الفم والراء دون اللام ثم الشفوية ويقال الشفهية وهي ثلاثة وفي الرابع اختلاف الميم أعلى الشفة والباء دونها إلى بطن الشفة، والفاء أنزل من الباء والواو المتحركة هي التي اختلف فيها ثم الهوائية والجوفية وقد تقدمت، وقد ذكر الخليل ستة عشر مخرجًا وهي هذه التي ذكرنا إلا أنه فصل قليلًا فيها على ما ترتيب إذا ثبت هذا فالمطقة أربعة الصاد والضاد والطاء والظاء ومعنى الإطباق أن يطبق اللسان على الحنك
[ ١ / ٩٧ ]
الأعلى والمستعلية سبعة هذه الأربعة والخاء والغين والقاف وهي موانع الإمالة زاد بعضهم العين والحاء على ما في الإمالة، ومعنى الاستعلاء إنها أخذت عوالي الحنك والشديد ثمانية يجمعها: " أجدك طبقت "، ومعنى الشديد أن لا ينطق اللسان بالصوت فيها وحروف التفشي السين والشين والصاد وربما يرخى اللسان بالتاء فتفتشى، والمهموسة عشر يجمعها: " ستشحثك خصفه " ومعنى المهموسة: امتداد الصوت بها، والمجهورة تسعة عشر يجمعها: " ضعطني المقاظ بجزع درود "، ومعنى المجهورة: أن الصوت لا يمتد بها، والزوائد عشرة يجمعها: " سألتمونيها ". قال المبرد: قلت للمازني: أخبرني الزوائد فأنشدني:
هويت السمان فشيبني وما كنت قدمنا هوت السمانا
فقال المبرد: أجبني يا شيخ فقال: أجبتك مرتين، وإن شيت اليوم تنساه، ومن الزوائد الهمزة التي تزاد في أفعل وغيره واللام للتعريف وغيره، والياء في فعيل والواو في فعول دخول، والألف الساكنة في فاعل، والميم في زرتم وأنتم، والتاء في تفعل، والنون في نفعل وغيرهما والسين في استفعل والهاء في هذا وغيره، وحروف البدل اثنا عشر الهمزة تبدل من الهاء وغيرها والواو تبدل من الباء وغيرها والتاء تبدل منها الطاء وغيرها نحو: (مُزْدَجَرٌ) و" مصطبر " و(مُدَّكِرٍ) وغيرهما والهاء تبدل من العين وغيرها والعين منها في معهم وحتى قال شاعرهم:
فنفسي منهم وهواي معهم وإن كانت زيادتهم لمامًا
وقرأ رجل بين يدي عمر عتَّى في حتَّى فقال من أقرأك هذا؟ قال: ابن مسعود، فكتب إليه: لا تقرئ الناس بلغة هذيل وأقرأهم بلغة قريش، وتبدل الزاء من الصاد والسين في الزراط وغيره وهكذا كل سين أتى بعدها حرف من حروف الاستعلاء كالصقر، وصلقوكم قرأ أبو المليح الهذيلي " صلقوكم " بالصاد قال جرير: سقفنا أرضهم بالخيل حتى جعلناها أذل من الزراط، والنون تبدل من الألف (لَنَسْفَعًا)، (وَلَيَكُونًا) وغيرهما، وهذه ثلاثة عشر مع الألف، وقد جاء في الشذوذ القاف من الكاف قال شاعرهم: وغارة ذات قيروان كان إسرابها الرعال.
[ ١ / ٩٨ ]
والأصل فيه كاروان بالفارسية وهكذا في الباء من الفاء في قولهم: وقد جعلوني فيشكاها، يعني: بشكاها بالفارسية، وهكذا الكاف قول شاعرهم: فرد مانيا وتركا كالبصل.
يعني: كزدنان بالعجمية، وهكذا (مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) وأما بسمير الصاد والسين فجعلها بين بين، وهكذا جعل الميم بين الكاف والجيم نحو كمل في الجمل وهي لغة بعضهم وإياك والكشكشة، والعنعنة، والتمتمة، والفأفأة، واللثعة كسر اللسان فإنها تضر الصلاة إلا أن تكون أصلية لا يمكن الاحتراز منها، وقد روي أن واصل بن عطاء وأيوب بن القرية كانت بهما لثغة فضحك الناس منهما، فأما واصل فاجتهد حتى لم يذكر في مناظرته قط راء، وأما أيوب فيعجب منه الْحَجَّاج يومًا، وقال له: اقرأ سورة براءة لكثرة رائها فعلم أنه أرد امتحانه فقال له: بشرط أن لا أقرأ القرآن خوفا من أن تقتله إذا صحف أو غير فأخذ منه الأيمان فقرأ: بيان من اللَّه ونبيه إلى الذين عاهدتم من الفاسقين، فسيحوا في بلاد اللَّه هلالين إلى أن أتم السورة، فتوعده الْحَجَّاج وتهدده، فقال: قد قلت: إني لا أقرأ القرآن، فأما الرخوة فما خلا من الشديدة وهي ما تراخى بها اللسان إذا ثبت هذا فالحروف ضربان: شمسية والقمرية فالشمسية ما لا يظهر فيها لام التعريف وهي التاء كالتمر، والثاء كالثوب، والدال كالدار، والذال كالذهب، والراء كالريحان، والزاي كالزجر، والسين كالسلام، والصاد كالصدق، والشين كالشفة، والضاد كالضرب، والطاء كالطيب، والظاء كالظلم، والنون كالنور، واللام اختلفوا فيه فقيل: شمسي، وقيل: قمري، والصحيح: أنه شمسي كاللبن واللحم هذه أربعة عشر، والقمرية الهمز به كالألم، والباء كالبحر، والجيم كالجمل، والحاء كالحمل، والخاء كالخير، والعين كالعتب، والغين كالغيم، والفاء كالفجر والقاف كالقلم، والكاف كالكلب، والميم كالمسجد، والهاء كالهم، والواو كالودق، والياء كاليم، وقد ذكرنا تركيب اللام ألف، ومعنى القمرية: أن يظهر فيها لام التعريف إذا ثبت هذا فالهمزة على ستة أضرب في المشهور ألف الوصل وهي التي يرتابها ليتوصل إلى النطق بالساكن ولا يثبت في الدرج والتصغير، والأصل أن تكون مكسورة لأنها إنما اجتلبت ليمكن النطق بالساكن والكسرة أخت السكون ألا ترى كيف يحرك الساكن بالكسر لالتقاء الساكنين فهي أختها ولكن
[ ١ / ٩٩ ]
خافوا الثقل على ما نبين فضموها، وألف الوصل يدخل في الكلام في عشرة أسماء اسم واست، وابن وتثنيته، وابنة، وتثنيتها، واثنان، واثنتان، وامرؤ، وتثنيته، وامرأة وتثنيتها، وأيم اللَّه في القسم فمع لام التعريف فيبتدأ بها في هذه الأسماء بالكسر على أصلها إلا في التعريف، وأما في الأفعال فلا ييتدأ بها إلا بالكسر إذا انكسر ثالث الأمر أو ثالث المستقبل أو انفتح أو بالضم إذا انضم ثالث المستقبل أو ثالث الأمر نحو: ضرب يضرب، وحمد يحمد، وكتب يكتب تقول يضرب أحمد اكتب، وهكذا ما كان على فعل يفعل يقول امنع، وهكذا إذا كان في الفعل زوائد مثل استفعل، وافتعل، وانفعل، ولا يعتبر بالزاوئد، وإنما يعتبر بالأصلي، فإن قيل: هلا اعتبر بالأول من يفعل؟ قيل: الأول زائد ولا يعتبر بالزوائد، فإن قيل: فهلا اعتبر بالآخر، فقيل: لا يبقى على إعراب واحد. والثالث باقي على إعراب واحد فاعتبر به، فإن قيل: فهلا فتحتم إذا كان ثالث المستقبل مفتوحًا، قيل: يلتبس بالمخبر عن نفسه مثل أحمد، فإن قيل: يعرف الأمر من الخبر بوقف آخر، قيل: ربما يقف ولا يصل فيلتبس ولم نعتبر بالماضي؛ لأنه مبني واعتبرنا بالمستقبل؛ لأنه يعرف كما في التمكين من الأسماء وغيرها، والثاني: ألف القطع ويثبت في الأسماء والأفعال والتصغير والدرج وياء المستقبل فيه مضمومة نحو: افعل يفعل وهو في الرباعي كالإخراج والإدخال والإعلام وغيره يبتدأ في المصادر بالكسر وفي غيرها بالفتح، الثالث: ما لم يسم فاعله ولا يجيء إلا في الأفعال المتعدية وصلا أو قطعًا نحو: أحكمت، واجتثت، والرابع: المخبر عن نفسه يحسن فيه أنا ولا يجيء إلا في الأفعال فإن كان في الرباعي ضم نحو: أفرغ وإن كان في الثلاثي الفتح نحو اعبد. والخماسي: ألف الأصل يأتي في الأسماء والأفعال والحروف نحو: أتى وأمر وأل وهو فاء من الفعل يثبت في الدرج والتصغير، والسادس: ألف الاستفهام وهو التقريع والتوبيخ للكافر والتقرير للمؤمنين فكل ضرب من الستة يجيء على ضروب، وقد يزيد على ستة أضرب كألف الإمالة، والبدل، والفضل، والتفضيل، والتأنيث، وغير ذلك، وقد بلغه بعضهم إلى ثمانين ألفًا، لكن لو خرجناها لخرج الكتاب عن موضعه، وأما الماءات فعلى وجوه منها ما الاستفهام كقوله (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ) وما التعجب كقوله: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ) وما الذي كقوله: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)
[ ١ / ١٠٠ ]
وما مع الفعل بتأويل المصدر كقوله: (كَمَا أَرْسَلْنَا) هذه كلها أسماء وينطق بها على نمط واحد، وقد قيل: إن الاستفهام يزاد في ترسلها قليلًا وتحريتها وما زائدة كقوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ)، و(عَمَّا قَلِيلٍ) وجحدًا كقوله: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ) (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ)، ويكون بمعنى ليس كقوله: (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)، وهذه كلها حروف يجب على القارئ أن يميز (مَا) النفي من غيرها بزجر قليلا، وأما (مَا) الشرط فليس من هذا القبيل وهكذا المركبة في قوله: لما وبما وهكذا إذا كانت في الحرف نحو: من وإن كانت صفة استوى فيها من يعقل وما لا يعقل نحو: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، وإن كانت أخبارًا فلما يعقل نحو: ما عندك، ومن لم يعقل قال اللَّه تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ)، والباقي تغليبًا لمن يعقل، فأما (مَن) فيأتي للاستفهام كقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)، ويأتي خبرًا وشرطًا: (فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ).
وأما الضروب منها: لام التعريف كالرجل والغلام ولام الجنس كالصلاة والزكاة، ولام العهد واليوم والليلة، ولام الاستغراق كالرجل والنساء ولام التعظيم كاللَّه، ولام الأمر إذا ابتدئ بها كسرت لتعن بحاجتي وإن تقدمتها الواو أو الفاء أو ثم أو جاز الكسر والإسكان على الخلاف (وَلْيَضْرِبْنَ) (فَلْيَمْدُدْ) (ثُمَّ لْيَقْطَعْ)، والإسكان مع الفاء أولى والكسر مع ثم أولى ويستويان مع الواو فقد تجيء مكسورة في الأفعال بمعنى كي والقسم وفي الأسماء بمعنى الملك، والإضافة نحو: ليجري ليعفر لِجَهَنَّمَ المال لزيد، ويقال لها لام العامة والضرورة نحو: (لِجَهَنَّمَ)، (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا)، ويجيء بمعنى التأكيد كقولهم: إنك لكريم وقوله ﷿: (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ)، والأصل أن يفتح وإنما كسرت في الظاهر إذا كانت بمعنى الملك الفرق بينهما وبين لام التأكيد ألا ترى لما لم تؤكد المكنى في قولك: لك ولهم، وإن كان بمعنى الملك فتح، ويكون للقسم والتأكيد وعلامة بالابتداء مثل قوله: " لمسجد "، مفتوحة أبدا، هذا هو الفرق في الحروف على الاختصار لئلا يطول الكتاب، ومن لم يعلم مثل هذا ولم يفهمه لم يجز له أن يقرأ أحدًا من الناس ولا يأخذ على أحد حرفًا ويخدم عليه ذلك في هذه الصناعة هكذا قال المتقدمون كابن مجاهد وغيرهم.
[ ١ / ١٠١ ]