ولهذا فإنني رأيت اختيار هذا العنوان أبحث تحته هذه الظاهرة في منهج مكي في تأليف الكشف بنحو خاص وفي تأليفه وخطته فيه بنحو عام. وإنني ههنا أعيد بعضا من كلام مكي نفسه على تأليفه وخطته فيه. ففي كتاب «التبصرة» يقول:
«جمعت في هذا الكتاب من أصول ما فرّق في الكتب، وقربت البعيد فهمه على الطالب، واعتمدت على حذف التطويل والإتيان بتمام المعاني مع الاختصار، ليكون تبصرة للطالب وتذكرة للعالم .. أخليت هذا الكتاب من كثرة العلل، وجعلته مجردا من الحجة، وربما يسرت إلى اليسار من ذلك لعلة توجبه وضرورة تدعو إليه، وقللت فيه الروايات الشاذة وأضربت عن التكرار ليقرب حفظه على من أراد ذلك ولولا ما فرق في الكتب مما نحن جامعوه، وما عدم فيه القول مما نحن قائلوه، وما صعب مأخذه على الطالب مما نحن مقربوه، وما طوّل فيه الكلام لغير كثير فائدة لما نحن موجزوه ومبينوه، لكان لنا عما قصدنا إليه شغل، وفيما قد ألفه من تقدمنا من السلف الصالح ﵃ كفاية ومقنع .. فيجب أن تعلم أيها الناظر في هذا الكتاب أني ربما قدمت المتأخر من الحروف المختلف فيها لتصنيفه إلى نظائره فيكون
_________________
(١) الكشف ٢ /أ.
[ المقدمة / ٣٠ ]
ذلك أسهل للحفظ وأقرب للمتعلم ثم لا نعيده في موضعه استغناء بذكره متقدما وسأنبه على ما أمكنني منه مما نقلته من سورة إلى سورة أني قد ذكرته في موضع كذا» (^١).
ويقول في «باب ما جرى في التسهيل على غير قياس»: «أعلم أني إن ما أذكره في هذا الباب نبذ مما روي في القرآن خاصة عن القراء لتقف عليه، وأدع ما لم يكن في القرآن» (^٢).
ويقول في «اختلافهم في النون الساكنة والتنوين وإظهار الغنة»: «اعلم أن هذا الباب كثير الاضطراب، وأنا أذكر لك ما قرأت به لتقف عليه إن شاء الله» (^٣).
ويقول في مقدمة كتاب آخر: «هذا كتاب جمعت فيه تفسير المشكل من غريب القرآن، على الإيجاز والاختصار مع البيان» (^٤).
وأبلغ مما تقدّم في ظاهرة التأليف عند مكي قوله في مقدمة كتاب ثالث:
«ولقد تصورت في نفسي تأليف هذا الكتاب وترتيبه من سنة تسعين وثلاث مائة، وأخذت في نفسي ما يخطر ببالي منه في ذلك الوقت ثم تركته إذ لم أجد معينا فيه من مؤلف سبقني بمثله قبلي، ثم قوى الله ﷾ النية وجدد البصيرة في إتمامه بعد نحو من ثلاثين سنة فسهل جلّ ذكره أمره ويسر جمعه وأعان على تأليفه» (^٥).
ويجب أن نذكر أن ما تقدم نقله من نصوص في الخطة التأليفية سواء في «التبصرة» أو سواه من كتبه التي استفدنا من نصوصها إنما هي كتب بينها وبين كتاب الكشف بضع عشرات من السنين، ومن ثم فإننا زاعمون أن الخطة التأليفية على هذا النحو الذي دلّلنا عليه وأكّدناه إنما كانت سمة في شخص مكي ظهرت في كتبه، ولذا فإن كتاب الكشف قمين بأن يتسم بها وتظهر عليه. ومن ذلك كلامه فيه
_________________
(١) التبصرة ٢ /ب - ٣ /أ.
(٢) التبصرة ٣١ /أ.
(٣) التبصرة ٣٧ /ب.
(٤) تفسير المشكل من غريب القرآن ٢ /أ.
(٥) الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة ٣ /أ.
[ المقدمة / ٣١ ]
على خطة تأليفه بعد أن ذكر كتاب التبصرة قوله: «كنت قد ألفت بالمشرق كتابا مختصرا في القراءات السبع في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وسميته كتاب التبصرة، وفيما اختلف فيه القراء السبعة المشهورون، وأضربت فيه عن الحجج والعلل ومقاييس النحو في القراءات واللغات طلبا للتسهيل وحرصا على التخفيف، ووعدت في صدره أني سأؤلف كتابا في علل القراءات التي ذكرتها في ذلك الكتاب كتاب التبصرة» (^١). وقد ذكر هذا في كتاب التبصرة قوله: «قويت نيتي في كتاب قد علقت أكثره أعمله لنفسي تذكرة إن شاء الله، أذكر فيه كشف وجوه القراءات واختيار العلماء في ذلك ومن قرأ بكل حرف من الصدر الأول وأقاويل النحويين وأهل اللغة لا أخرج فيه عن شرح ما ذكرته في هذا الكتاب من الاختلاف أسميه كتاب الكشف عن وجوه القراءات» (^٢). لكنه وضّح خطة تأليف كتاب الكشف أكثر بقوله: «وهأنذا حين أبدأ بذلك أذكر علل ما في أبواب الأصول دون أن أعيد ذكر ما في كل باب من الاختلاف إذ ذاك منصوص في الكتاب الذي هذا شرحه وأرتب الكلام في علل الأصول على السؤال والجواب ثم إذا صرنا إلى فرش الحروف ذكرنا كل حرف، ومن قرأ به وعلته وحجة كل فريق، ثم أذكر اختياري في كل حرف وأنبه على علة اختياري لذلك كما فعل من تقدمنا من أئمة المقرئين» (^١).
ووصف هذا الكتاب وكتاب التبصرة فقال: «فهذا الكتاب كتاب فهم وعلم ودراية والكتاب الأول كتاب نقل ورواية» (^٣).
فالتأليف عنده تنظيم للمادة، وحصر للمتشابهات والنظائر وعناية تامة بمعالجة المسائل مجموعة، ونفي للاضطراب في البحث، وتخيّر لما يجب أن يكون، وتبويب لموضوعات البحث والمسائل، واجتناب للاستطراد، وتبيين لفوائد عرضت الإشارة إليها قبل ثم ذكرت في موضعها، وسوى ذلك مما تبيّناه في النصوص التي تقدم نقلها، وما يمكن أن تنبيّنه أيضا لدى مقارنة كتاب «الكشف» بغيره من كتب الفن.
_________________
(١) الكشف ٢ /أ.
(٢) التبصرة ٢ /ب.
(٣) الكشف ٢ /ب.
[ المقدمة / ٣٢ ]