وأما علوم القرآن التي كان مكي مضطلعا بها فكثيرة، أو أنها جميع علوم القرآن، لم يفته منها شيء. وكلامي على ذلك مقترن بما اطلعت عليه بنفسي من
_________________
(١) جذوة المقتبس ٣٢٩
(٢) نزهة الألباء ٣٤٧
(٣) الصلة ٥٩٧
(٤) بغية الملتمس ٤٦٩
(٥) معجم الأدباء ١٩/ ١٦٧
(٦) معرفة القراء الكبار ٣١٩، وسير أعلام النبلاء ١١/ ١٣١ /ب
(٧) النجوم الزاهرة ٥/ ٤١
[ المقدمة / ١٥ ]
كتبه، سواء التي تمكنت من الحصول عليها، وهي مخطوطة رهن خزائن التراث هنا وهناك، والتي أتيح لي الاطلاع عليها.
فقد كان له في التفسير كتاب ضخم، تيسّر لي الاطلاع على ثلثه الأول، فوجدته متميزا من دون أغلب التفاسير المعتدة بأن مكيا قد رسم خطة تأليفه، وأحكم بناءه بما يتجنب فيه كل ما رأى من الذين تقدموه وقعوا في الغلط فيه من حيث حشد الأسانيد، أو متفرق المتشابه والمتماثل، أو إعادة المكرور، أو الإغراق في جانب، والاختصار في آخر، وغير ذلك مما حرص مكي على اجتنابه. وحسب هذا التفسير ما نقله المقّري من قول المجتهد الإمام ابن حزم فيه: «وأما القرآن فمن أجلّ ما صنّف في تفسيره كتاب الهداية إلى بلوغ النهاية» (^١).
وأما في وجوه القراءات رواية واحتجاجا وتعليلا فهو إمام حجة مقدم. إذ أن أكثر مؤلفاته إنما هي في علم القراءة ووجوهها، أو ما يتصل بها. وأحسب أن نفرا من المؤلفين في القراءة من نحو كتاب التبصرة وسواه من كتب مكي إنما كان متأسيا به مقتفيا أثره متبعا له. ومكي مؤلف حصيف، كان كثيرا ما ينتفع من أغلاط غيره فيجتنبها، ويقصد إلى إفادة القارئ والدارس في كل ما يكتب، فهو يقول في خطة تأليفه كتاب التبصرة: «أخليت هذا الكتاب من كثرة العلل، وجعلته مجردا من الحجة، وربما يسّرت إلى اليسار من ذلك لعلة توجبه، وضرورة تدعو إليه، وقللت فيه الروايات الشاذة، وأضربت عن التكرار، ليقرب حفظه على من أراد ذلك» (^٢). ويقول في موضع آخر: «ولولا ما فرّق في الكتب مما نحن جامعوه، وما عدم فيه القول مما نحن قائلوه، وما صعب مأخذه على الطلاب مما نحن مقربوه، وما طوّل فيه الكلام لغير كثير فائدة لما نحن موجزوه ومبينوه، لكان لنا عما قصدنا إليه شغل، وفيما قد ألّفه من تقدمنا من السلف الصالح ﵃ كفاية ومقنع، ونحن معترفون لهم بالفضل والتقدم لهم في العلم، رحمة الله عليهم أجمعين» (^٢).
_________________
(١) نفح الطيب ٤/ ١٧١
(٢) التبصرة ٣ /أ
[ المقدمة / ١٦ ]
وهذا النص يقطع بأستاذية مكي في هذا العلم، وسعة اطلاعه على ما تقدم في التأليف فيه، ونظرته الممحصة لكل ذلك.
ومثل ذلك هجاء المصاحف ورسمها، وفي ثبت كتبه ما يجزئ عن الكلام عليه، كما أن في تأليفه كتابه «الكشف» الذي له هذه المقدمة ما لا خفاء معه في قيام مكي بهذا الفن.
وأما تجويده القراءة وفنه في أدائها فلا شك أنه متقدم فيه قيّم به، وله كتاب في هذا الفن، قال في مقدمته: «وما علمت أن أحدا من المتقدمين سبقني إلى تأليف مثل هذا الكتاب ولا إلى جمع مثل ما جمعت فيه من صفات الحروف وألقابها ومعانيها، ولا إلى ما أتبعت فيه كل حرف منها من ألفاظ كتاب الله ﷾، والتنبيه على تجويد لفظه والتحفظ به عند تلاوته» (^١). وله فيه غير هذا الكتاب أيضا.
ومما ينعقد على القيام به به كثير من العلوم القرآنية كالرواية ومعرفة المناسبة والنزول، العلم بناسخ القرآن ومنسوخه، وله فيه كتابان.
وقام أيضا بعلم الغريب في القرآن. ولا بد له من أن يكون متمكنا من اللغة ونصوصها عارفا لمدلولاتها وتصاريف صيغها حتى يقوم بهذا العلم، وله فيه كتاب خصّه به، ولكن له كتبا أخرى لم يكن ليتسنى له تأليفها من غير أن يكون مضطلعا بالغريب ومقتضى علمه.
وفي استدراكه على ابن مسرّة، فيما ألّفه في القراءات الشاذة وإصلاحه له ما أغفله، ما يقطع على تمكنه من العلم بشاذ القراءة، ويكشف عن قدرته فيه.
وكان مكي أستاذا رائدا بتأليفه في مشكل الإعراب حتى إنه حمل غيره من الأئمة من بعده على التأليف فيه، بل إن له في هذا العلم ما يتصل بمسائله الأمات وأصوله الكبرى (^٢).
_________________
(١) الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة ٢ /أ.
(٢) معجم البلدان ١٩/ ١٧١، وانباه الرواة ٣/ ٣١٨، ووفيات الأعيان ٤/ ٣٦٣
[ المقدمة / ١٧ ]
وأما في علم الوقف والابتداء فله كتب شتى، منها ما قصره، على بعض مواضع ملبسة، ومنها ما تناول فيه بعض الألفاظ الدائرة في كتاب الله ﷿، ومنها ما بحث فيه أصول هذا العلم، فبيّنها وعرّفها، ثم جاء بالتطبيق عليها كفعل نفر من أئمة هذا الفن منهم ابن الأنباري وأبو جعفر النحاس.