«١» قال أبو محمد: اعلم أن المدّ في فواتح السور إنما يحذف لاجتماع ساكنين لازمين، فحيثما اجتمعا فمدّ لتفصل بين الساكنين بالمد، الذي يقوم مقام حركة، يتوصل بها إلى اللفظ (^١) بالساكن الثاني، فهو مبني على ما قدّمنا من العلل، في المد للمشدد والساكن، يقعان بعد حرف المد واللين، فهو مثله في العلة المتقدمة (^٢)، فتمدّ «قاف، وصاد، وسين، وميم، ونون» لاجتماع الساكنين، وأصل هذه الحروف الوقف عليها لأنها حروف التهجي محكية، غير مخبر عنها بشيء، فالسكون والوقف عليها هو أصلها (^٣)، فإن تحرك الساكن الثاني لعلة أوجبت ذلك، فمن القراء من يترك المد على حاله، كورش خاصة، على الأصل، ولا يعتدّ بالحركة، لأنها عارضة حدثت لعلة الوقف عليها، والسكون هو الأصل، وذلك نحو: ﴿الم، اللهُ﴾ «آل عمران ١، ٢» و﴿الم. أَحَسِبَ النّاسُ﴾ «العنكبوت ١، ٢» في قراءة ورش، لأنه يلقي حركة الهمزة من «أحسب» على الميم، فلما
_________________
(١) ص: «لنطق».
(٢) انظر الفقرة «١٦» من الباب المتقدم.
(٣) معاني القرآن ١/ ٩، ومجاز القرآن ١/ ٧، ٢٨، وتأويل مشكل القرآن ٢٣٠، وتفسير الطبري ١/ ٦٧، ٢٠٨، وإيضاح الوقف والابتداء ٤٧٩، وكتاب سيبويه ٢/ ٣٤، والكشاف ١/ ١٢، والبحر المحيط ١/ ٣٤، والقطع والائتناف ١٢ /أ.
[ ١ / ٦٤ ]
كانت الحركة في الميم، ليست بلازمة، أبقى المد على حاله، لسكون الميم وسكون الياء قبلها، وهو القياس، والاختيار في «الم. أحسب الناس» ومنهم من لا يمدّه، لأن الثاني قد تحرّك، فزال لفظ [الميم] (^١) لالتقاء الساكنين وعليه أكثر القراء في «الم الله»، وهو الاختيار لإجماعهم على ذلك (^٢).
«٢» فإن قيل: فلأيّ علة حركت الميم في «الم الله»، وما الفرق بينه وبين «الم. أحسب الناس»؟
«٣» فالجواب أن في حركة الميم في «الم الله» ثلاثة أقوال: الأول أنها فتحت لسكونها وسكون ما بعدها، وهو اللام المشددة، على نية الوصل بما بعدها، ووجبت الحركة فيها، لأنها ليست من حروف المدّ واللين، التي تمدّ للمشدد، فتقوم المدة مقام الحركة. والقول الثاني أنها فتحت لسكونها وسكون الياء قبلها، على نية وصلها بما بعدها، لا على نية الوقف عليها، فهي في هذا الوجه ك «أين، وكيف». والقول الثالث أنها ألقي عليها حركة الألف من اسم «الله» جل ذكره، على نية الوقف عليها، وقطع ألف اسم «الله» للابتداء بها، وعلى أن الألف من اسم «الله» ألف قطع، على قول ابن كيسان (^٣)، وإنما وصلت عنده لكثرة الاستعمال، وكذا هي عنده (^٤) في كل موضع، أصلها الهمزة والقطع، لكن رفض أصلها، ووصلت بما قبلها لكثرة الاستعمال فهي واللام بعدها بمنزلة «قد». فلما ألقيت حركة الهمزة على الميم تحركت، وصارت بمنزلة «الم.
أحسب الناس» في هذا الوجه على قراءة ورش، فأما الفرق، بين «الم الله» و«الم. أحسب الناس» لورش، فهو ما قدّمنا، من أن حركة الميم في
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص.
(٢) التبصرة ١٨/ ١، والتيسير ٣٥، والنشر ١/ ٣٥٥
(٣) هو محمد بن أحمد بن كيسان أبو الحسن، كان قيّما بمذهب البصريين والكوفيين، أخذ عن المبرد وثعلب، وقال ابن مجاهد: كان انحى منهما، يعني المبرد وثعلبا، (ت ٢٩٩ هـ) ترجم في انباه الرواة ٣/ ٥٧، وبغية الوعاة ١/ ١٨
(٤) ص: «وكذلك القول عنده». الكشف: ٥
[ ١ / ٦٥ ]
«الم الله» تحتمل ثلاثة أوجه على ما ذكرنا، فهي متمكنة في الحركة، و«الم.
أحسب الناس» لا تحتمل حركة الميم في قراءة ورش، إلا وجها واحدا، وهو إلقاء حركة الهمزة عليها، فهي عارضة، فالمد فيه أقوى من المد في «الم الله» وبالمد قراءة ورش (^١) فيهما (^٢).
«٣» قال أبو محمد: فالمد في هذا الفصل، في أوائل السور لالتقاء الساكنين مشبع عند القراء كلهم، غير أن ما وقع بعده مشدد أمكن في المد، من الذي ليس بعده مشدد (^٣) نحو: ﴿طسم﴾ «الشعراء ١» في قراءة من أدغم النون في الميم، هو أمكن مدّا من المد في قراءة من أظهر النون (^٤) وكذلك المد في: ﴿كهيعص. ذِكْرُ﴾ «مريم ١، ٢» مد الصاد أشبع على قراءة من أدغم الدال، من هجاء صاد في الذال من «ذكر»، من مدّ من أظهر الذال (^٥).
والعلة في ذلك أن المشدد حرف يقوم مقام حرفين، وفي زنة حرفين، فطال المد قبله باشتغال اللسان بإخراج حرف هو في الأصل حرفان.
وأيضا فإن جواز التقاء الساكنين إنما هو في الأصل للمشدد، وقيس عليه غير المشدد، فالأصل أقوى وأولى بالمد من الفرع، ومن القراء من يسوّي بينه وبين غير المشدد في المد (^٦). وعلته في ذلك أن المد إنما وجب لاجتماع ساكنين،
_________________
(١) ص: «قرأت لورش».
(٢) التبصرة ١٨ /ب، والتيسير ٣٠، والنشر ١/ ٣٥٥
(٣) ص: «الذي لم يقع بعده غير مشدد».
(٤) الذين أدغموا في هذه السورة وفي القصص في الإدراج هم سوى حمزة وأبي جعفر انظر النشر ٢/ ١٨، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٨٠ /أ.
(٥) الذين أدغموا الدال في الذال هم أبو عمرو وحمزة والكسائي، انظر المختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣ /ب، والتيسير ٤٢، والنشر ١/ ٣٥٧، ٢/ ٤
(٦) هو ورش على ما ذكر ابن الجزري من رواية إسماعيل النحاس ومحمد القيرواني عن أصحابهما عن ورش، وكذا الداني جوّد الوجهين. وأما مكي فقد ذكر وجوه ما تقدم، لكنه آثر المد لجميعهم لأنه أقيس، انظر التبصرة ١٨ /ب، والنشر ١/ ٣٥٥، ٣٥٧، وانظر أيضا كتاب سيبويه ٢/ ٥٠٤
[ ١ / ٦٦ ]
فكيفما اجتمعا وجب المد لهما، فالمد يوصل بها إلى النطق بالساكن، كان مشدّدا أو غير مشدد، فذلك سواء.
«٤» قال أبو محمد: وزيادة المد للمشدد أقوى، وذلك أن الذي أجمع على جوازه من التقاء الساكنين هو أن يكون الأول حرف مد ولين، والثاني حرفا مشددا، فهو (^١) الأصل، ثم قيس عليه في الجواز فرع (^٢) الساكن غير المشدد بعد حرف المد واللين. وسيبويه لا يجيزه، وكثير من أصحابه على منع جوازه إلا مع المشدد (^٣)، والمشدد هو الأصل (^٤)، والأصل له مزية على الفرع، والمشبه بالشيء ليس كمثل ذلك الشيء في قوته وتمكنه، فزيادة المد مع المشدد أحسن، لأنه الأصل في جواز التقاء الساكنين، وكلا الوجهين حسن. فأما مدّ «عين» في «كهيعص» وفي «عسق» (^٥) دون مد «ميم» قليلا لانفتاح ما قبل الياء في هجاء «عين» وانكسار ما قبل الياء في هجاء ميم، فحرف المد واللين أمكن في المد من مد حرف اللين، وكلا الوجهين ممدود لالتقاء الساكنين. ولو قال قائل: إني أسوي بينهما في المد لأن في كلتيهما ساكنين، اجتمعا، لكان قياسا، لكن تفضيل مدّ «ميم» على مد «عين» أقوى في النظر، وفي الرواية في ذلك لجميع القراء، وأكثر هذا المد إنما أخذ (^٦) مشافهة، وليس هو كله بمنصوص.
«٥» فأما تفضيل حرف المد واللين في المد على حرف اللين، مع الهمزة، فلا اختلاف فيه نحو: «سوء، وسوءة، وشيء، وسيئت» (^٧) في قراءة ورش،
_________________
(١) ص: «فهذا».
(٢) ب: «وفرع»، ص: «وقوع» وما أثبته وجهه، وانظر مصادر إحالة الفقرة الثانية من الباب نفسه.
(٣) كتاب سيبويه ٢/ ٤٩٤
(٤) ص: «فالمشدد الأصل».
(٥) الحرف الأول في سورة مريم (آ ١)، والثاني في الشورى (آ ٢).
(٦) ص: «أخذ به».
(٧) الحرف الأول والثالث في سورة البقرة (آ ٤٩، ٢٠) والثاني في المائدة (آ ٣١) والرابع في الملك (آ ٢٧)، وسيأتي ذكر هذه الأحرف في «باب تخفيف الهمزة وأحكامه وعلله»، الفقرة «٨».
[ ١ / ٦٧ ]
وليس «عين» في المد كمد «شيء» في الوقف، لأن «عين» الساكنان فيه لازمان في الوصل والوقف، و«شيء» إنما عرض فيه لاجتماع ساكنين في الوقف، فهو ك «يعلمون» في الوقف وشبهه الذي مدّه غير مشبع، وقد مضى ذكر ذلك وعلته (^١). ف «عين» ألزم في المد من «شيء» في الوقف، في غير قراءة ورش، ألا ترى أنك لا تصل «عين» بما بعدها إلا بالمدّ، وتصل «شيئا» بما بعدها، في غير قراءة ورش، بغير مدّ، فهما مختلفان، فإن وقفت عليهما كان مد «عين» في الوقف كمدّها في الوصل، ويدخل في «شيء» في الوقف من المد مثل ما يكون في «يعلمون» ونجوه في الوقف، غير أن «شيئا» أقل مدا، لأنه ليس فيه حرف مد ولين، إنما فيه حرف لين، وقد بيّنا أن حرف المد واللين، إذ وجب له المد، فهو أمكن في المد من حرف اللين، إذا وجب له المد.
«٦» واعلم أن المد مع الساكن بعد حرف المد واللين، والمشدد بعد حرف المد واللين، أقوى منه مع الهمزة، بعد حرف المد واللين، وعلة ذلك أن حرف المد واللين، إذا وقع بعده ساكن مشدد أو غير مشدد، لا (^٢) بدّ فيه من المد ضرورة، ليصل بالمدة إلى اللفظ بالساكن، والهمزة إذا وقعت بعد حرف المد واللين لك (^٢) أن تدع إشباع المد في الكلام، فتقول: صائم، وقائم، بغير إشباع، قد تثبت الألف والهمزة، ولا تشبع المد، فأما في القرآن فلا بد من إشباع المد اتباعا للرواية، وإلا فترك إشباع المد جائز فيه في الكلام، فما كان المدّ فيه لازما لا بدّ منه، أقوى في المد مما يجوز فيه ترك إشباع المد (^٣).
«٧» واعلم أن كل كلمة مددتها، لهمزة أو ساكن بعد حرف المد واللين، فإنك إذا وقفت عليها مددتها، والعلة التي من أجلها مددت باقية، مددت أيضا كالوصل ك «جاء، وشاء، وقائم، ودابة» (^٤) ونحوه، فإن زالت العلة، التي
_________________
(١) انظر الباب المتقدم الفقرة «١٧» ومصادر إحالة رقم «١».
(٢) الوجه ربط جواب «إذا» بالفاء.
(٣) التبصرة ١٨ /أ - ب، والنشر ١/ ٣٤٤
(٤) أول هذه الأحرف في سورة النساء (آ ٤٣) والثاني والثالث في البقرة (آ ٢٠، ١٦٤) والرابع في آل عمران (آ ٣٩).
[ ١ / ٦٨ ]
مددت من أجلها في الوقف، تركت المد نحو: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ «آل عمران ١٥٤» و﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ «التحريم ٦» وشبهه، إذا وقفت على الكلمة الأولى لم تمدّ، فإن زالت العلة، التي توجب المد في الوصل، مددت على تقدير إثبات تلك العلة، لأن زوالها عارض نحو: «من آمن، والآخرة» (^١) في قراءة ورش.
ونحو: «هؤلاء إن كنتم، وأولياء، وأولئك» (^٢) في قراءة قالون والبزّي يخففان الهمزة الأولى. وقد ذكرنا أن من القراء من لا يمدّ هذا الفصل لقالون والبزي، وعلّلناه فيما تقدّم بزوال لفظ الهمزة (^٣).
«٨» واعلم أنه، إذا زال الحرف الذي يجب (^٤) له المد في الوصل لعلة، تركت المد لزوال الحرف الممدود، فإن وقفت رجع الحرف، ومددت نحو قوله تعالى: ﴿تَبَوَّؤُا الدّارَ﴾ «الحشر ٩» تصل بغير مدّ لزوال الواو، لالتقاء الساكنين، الواو واللام، فإن وقفت مددت لرجوع الواو، وقبلها همزة في قراءة ورش.
_________________
(١) تقدّم ذكر هذين الحرفين في الباب المتقدم أولهما في فقرة «١٠» وثانيهما في فقرة «٧» وسيأتي ذكر الثاني في «باب علل نقل حركة الهمزة على الساكن قبلها لورش» الفقرة «٢»، و«علل الاختلاف في الوقف على الهمز»، الفقرة «٨».
(٢) أول هذه الأحرف وثالثها في سورة البقرة (آ ٣١، ٥) وثانيهما في آل عمران (آ ٢٨) وسيأتي ذكرها جميعا في «باب ذكر جمل من تخفيف الهمز».
(٣) التبصرة ١٨ /ب، والتيسير ٣٣، وإبراز المعاني ١١٥، والنشر ١/ ٣٥١، ٤٠٢
(٤) ب: «لا يجب» ووجهه ما في: ص.
[ ١ / ٦٩ ]