«٤٥» قرأ أبو بكر وأبو عمرو وحمزة: (﴿نُؤْتِهِ مِنْها﴾ بإسكان الهاء في السبعة (^٢)، وقرأ ذلك قالون بكسر الهاء، من غير ياء، وقرأ الباقون بصلة الهاء بياء في الوصل (^٣).
«٤٦» وحجة القراءة بالإسكان أن هذه الأفعال قد حذفت الياء، التي قبل الهاء فيها للجزم، وصارت الهاء في موضع لام الفعل، فحلّت محلّها فأسكنت، كما تسكن لام الفعل للجزم، ألا ترى أنهم قد قالوا: لم يقر فلان القرآن، فحذفوا حركة الهمزة للجزم، فأبدلوا من الهمزة الساكنة ألفا، لانفتاح ما قبلها، ثم حذفوا أيضا الألف للجزم، كذلك حذفوا الياء قبل الهاء للجزم، وأسكنوا الهاء للجزم، إذ حلّت محلّ الفعل، وليست هذه العلة بالقوية.
«٤٧» وفيه علة أخرى، وذلك أن من العرب من يسكّن هاء الكناية إذا تحرك ما قبلها، فيقولون: ضربته ضربا شديدا، يحذفون صلتها، ويسكنونها (^٤) كما يفعلون بميم الجمع في «أنتم، وعليكم» يحذفون صلتها، ويسكّنونها، وهو الأكثر في الميم. فالهاء إضمار، والميم إضمار، فجريا مجرى واحدا، في جواز الإنكار وحذف الصلة، وهو في الميم كثير، وعليه جماعة القراء في الميم. وقد
_________________
(١) تقدم الكلام على وصل الهاء في «باب علل هاء الكناية»، وسيأتي الكلام عليه في سورة الزلزلة.
(٢) الأحرف على ترتيبها هي في سورة آل عمران (آ ٧٥، ١٤٥)، وفي النساء (آ ١١٥) وفي الشورى (آ ٢٠).
(٣) التبصرة ٥٩ /ب - ٦٠ /أ، والنشر ١/ ٣٠٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٩ /أ - ب، وكتاب سيبويه ٢/ ٣٤٩
(٤) ب: «ويسكنون» والتوجيه من: ص.
[ ١ / ٣٤٩ ]
كان يجب أن يكون الحذف مع الهاء أقوى منه مع الميم، لأن صلة الميم من الأسماء بمضمر (^١)، وصلة الهاء إنما هي تقوية. فإذا حسن حذف ما هو أصل، فحذف ما هو غير أصل أقوى، لكن ترك الحذف في الهاء هو المستعمل الفاشي، وذلك لضعف الهاء وخفائها، لأنهم زادوا على الهاء حرفا للتقوية، وهي متحركة. فإذا حذفوا الحرف، وحذفوا الحركة عظم الضعف وتأكد، وهذا الوجه، في إسكان هذه الهاء، أقوى من الأول على ضعفه أيضا.
«٤٨» ووجه القراءة بالكسر، من غير ياء، أنه أجري على أصله، قبل الجزم. وذلك أن أصله كله أن يكون بياء، قبل الهاء، وهي لام الفعل، وبياء بعدها، بدلا من واو دخلت للتقوية، نحو: نؤتيهي ونصليهي. فلمّا كانت الهاء حرف، لم تحجز بين الياءين الساكنتين، فحذفت الثانية لالتقاء الساكنين وبقيت الهاء مكسورة، ثم حذفت [الياء] (^٢) التي قبل الهاء للجزم، فبقيت الهاء مكسورة على ما كانت عليه قبل الحذف، وهذه علة حسنة لا داخلة فيها.
«٤٩» وحجة من وصل الهاء بياء أنه أتى بالهاء، مع تقويتها على الأصل.
وأيضا فإنه لمّا زالت الياء، التي قبل الهاء، التي من أجلها تحذف الياء التي بعد الهاء عند سيبويه، أبقى الياء التي بعد الهاء، إذ لا علة في اللفظ، توجب حذفها، وهذا هو الاختيار، لأن عليه أكثر القراء، وهو الأصل، وإذ لا علة في اللفظ، توجب حذف الياء التي بعد الهاء.
«٥٠» قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ﴾ قرأه عاصم وحمزة وابن عامر بالنصب، ورفع الباقون.
«٥١» وحجة من نصبه أنه عطفه على ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾ «٧٩». ففي «يأمركم» ضمير «بشر» المتقدّم الذكر، والمراد به النبي ﵇.
_________________
(١) ص: «أصل من الاسم المضمر».
(٢) تكملة مناسبة من: ص.
[ ١ / ٣٥٠ ]
وذلك أن اليهود قالت للنبي: أتريد يا محمد أن تتّخذك ربّا. فأنزل الله جلّ ذكره: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ﴾ - ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا﴾.
«٥٢» وحجة من رفع أنه قطعه ممّا قبله، ففيه ضمير اسم الله جلّ ذكره، والمعنى: أنه ابتدأ الكلام فقال: ولا يأمركم الله أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، ردا لقولهم للنبي: أتريد أن تتخذك ربّا. ويقوّي الرفع على القطع أن في حرف عبد الله: «ولن يأمركم» فهذا يدلّ على الاستئناف. والضمير أيضا لله جلّ ذكره في «يأمركم» (^١).
«٥٣» قوله: ﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر بضم التاء، وكسر اللام، مشدّدا من التعليم، وقرأ الباقون بفتح التاء [واللام مفتوحة] (^٢) مخففا من العلم.
«٥٤» وحجة من شدّد أن التعليم إنما هو من (^٣) العلم، لأن كل معلم عالم بما يعلم، وليس كل عالم بشيء معلما. فالتشديد يدلّ على العلم والتعليم.
والتخفيف إنما يدلّ على العلم فقط. فالتعليم (^٤) أبلغ وأمدح.
«٥٥» وحجة من خفّف أنه حمله على ما بعده، من قوله: (تدرسون) مخفّفا، ولم يقل «تدرّسون»، وكل من درس علم، وليس كل من درس علّم (^٥). فحمل الفعلين على معنى واحد أليق، وأحسن في المطابقة والمجانسة (^٦).
«٥٦» قوله: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ قرأه حمزة بكسر اللام، وفتح الباقون، وقرأ نافع «آتيناكم» بلفظ الجمع، وقرأ الباقون بلفظ التوحيد.
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ٨٧، وزاد المسير ١/ ٤١٤، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٧٧، وتفسير النسفي ١/ ١٦٤، وكتاب سيبويه ١/ ٥٠٣، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٣٧ /أ.
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) ص: «أبلغ من العلم».
(٤) ب: «فالعلم» وما في: «ص» وجهه.
(٥) ب: «وليس كل من علم درس» ووجهه ما في: ص.
(٦) التبصرة ٦٠ /أ، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٩ /ب، وتفسير النسفي ١/ ١٦٦
[ ١ / ٣٥١ ]
«٥٧» وحجة من كسر اللام أنه جعلها لام جر، وعلّق اللام بالأخذ، أي:
أخذ الله الميثاق لهذا الأمر، لأن من أوتي الحكمة يؤخذ عليه الميثاق، لما أوتوه من الحكمة، لأنهم الخيار من الناس، و«ما» بمعنى الذي.
«٥٨» وحجة من فتح اللام أنه جعل اللام لام الابتداء [وما بمعنى الابتداء وجعل اللام] (^١) جوابا لما هو في في معنى القسم، لأن أخذ الميثاق بالأيمان يكون، فهو في معنى القسم. فاللام جوابه، كما تقول: والله لزيد خير من عمرو، وخبر الابتداء «لتؤمنن به»، والعائد على «ما» هاء محذوفة من «آتيتكم»، أي: آتيتكموه. أي: أخذ الله الميثاق على النبيين للذي آتيتكموه، من كتاب وحكمة. ويجوز أن تكون «ما في هذه القراءة للشرط، فتكون في موضع نصب ب «آتيتكم»، و«جاءكم» في موضع جزم عطف على «آتيتكم». وتكون اللام لام التوطئة للقسم. ويجوز حذفها وإثباتها، كما قال: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا﴾ «المائدة ٧٣» و﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ﴾ «الأحزاب ٦٠» وتأتي لام القسم بعدها أبدا، فإنما هي تنبّه أن جواب القسم قوله: (لتؤمنّن به).
وقد فسّرت هذه المسألة في «تفسير مشكل الإعراب» بأشبع من هذا. وفتح اللام هو الاختيار، لأن عليه الجماعة. وكذلك «آتيتكم» بلفظ التوحيد، لأن عليه الجماعة.
«٥٩» وحجة من قرأ: «(آتيتكم)» على لفظ التوحيد أن قبله اسم الله جل ذكره بلفظ التوحيد. وكذلك إذا أظهر اسم الله لم يأت إلا بلفظ التوحيد، لأنه واحد، لا إله غيره، فلمّا كان قبله لفظ التوحيد أتى الفعل على ذلك بالمضمر، عقيب الظاهر، يأتي مثله في توحيده وجمعه.
«٦٠» وحجة من قرأ بلفظ الجمع أنه حمله على معنى التعظيم والتفخيم وله نظائر في القرآن، نحو قوله: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ «الإسراء ٢»، و﴿آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ﴾ «ص ٢٠»، و﴿آتَيْناهُمَا الْكِتابَ﴾ «الصافات ١١٧»،
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص.
[ ١ / ٣٥٢ ]
«٦١» قوله: (يبغون، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ قرأ أبو عمرو وحفص «يبغون» بالياء، وقرأ حفص وحده «يرجعون» بالياء، وقرأهما الباقون بالتاء.
«٦٢» وحجة من قرأ بالتاء أنه أجراه على الخطاب لهم، أمر الله نبيّه أن يقول لهم: أفغير دين الله تبغون أيها الكافرون، وإليه ترجعون، لأنهم كانوا ينكرون البعث، وينتحلون غير دين الله، فخوطبوا بذلك على لسان النبي ﵇.
ويؤكد القراءة بالتاء في ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ «الأنعام ٦٠»، فالتاء كالكاف، ولذلك عدل أبو عمرو إلى التاء في «ترجعون»، وخالف فيها «يبغون».
«٦٣» وحجة من قرأ بالياء أنه جعله إخبارا عن غيّب، لأنهم لم يكونوا بالحضرة. وأيضا فإن قبله ذكر غيّب، في قوله: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ «٨٢» وقوله: ﴿فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ﴾ فجرى الكلام الذي بعده على أوله في الغيبة (^١)، وفي الكلام على القراءتين معنى التهديد (^٢) والوعيد (^٣).
«٦٤» قوله: ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي بكسر الحاء وقرأ الباقون بالفتح، وهما مصدران ل [حجّ يحج] (^٤)، حكى سيبويه، حجّ حجا بالكسر ك: ذكر ذكرا، ويقال: حج حجا. والفتح أصل المصدر. وقيل:
_________________
(١) ب: «الغيب» وتوجيهه من: ص.
(٢) ب: «الفرد» وتصويبه من: ص.
(٣) الحجة في القراءات السبع ٨٨، وزاد المسير ١/ ٤١٦، وتفسير النسفي ١/ ٦٧
(٤) تكملة موضحة من: ص.
[ ١ / ٣٥٣ ]
الفتح المصدر، والكسر الاسم. قال أبو زيد: الحجة السنة، والحجج السنون.
قال الله: ﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ «القصص ٢٧»، وقيل: هما لغتان بمعنى (^١).
«٦٥» قوله: ﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ قرأهما حفص وحمزة والكسائي بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. والمشهور عن أبي عمرو التاء.
«٦٦» وحجة من قرأهما بالتاء أنه ردّه على الخطاب الذي قبله في قوله:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ «١١٠» - وما تفعلوا من خير، وأيضا فقد أجمعوا على الخطاب في قوله:
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ «الإسراء ٧» وعلى قوله: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ «البقرة ٢٧٢»، وعلى قوله: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ «البقرة ١٩٧» وهو كثير، أتى على الخطاب، فجرى هذا على ذلك.
«٦٧» وحجة من قرأ بالياء أنه ردّه على لفظ الغيبة، الذي هو أقرب إليه من لفظ الخطاب، وهو (^٢) قوله: (و﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ﴿. يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ «١٣، ١٤» - وما يفعلوا، فذلك كلّه لفظ غيبة متصل به، ليس بينهما حائل، فذلك أولى به من الخطاب، الذي بعد عنه. وأيضا فقد قال ابن مسعود وابن عباس: إذا اختلفتم في الياء والتاء فاقرؤوا بالياء، ولولا أن (^٣) الجماعة على التاء، لكان (^٤) الاختيار الياء، لصحة معناه، ولقربه من لفظ الغيبة، واتصاله بألفاظ كلّها للغائب (^٥).
_________________
(١) التيسير ٩٠، وزاد المسير ١/ ٤٢٧، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٠ /أ، وتفسير النسفي ١/ ١٧٢، والقاموس المحيط «حج».
(٢) لفظ «وهو» سقط من: ص.
(٣) ب: «لان» وصوبته من: ص.
(٤) ب: «لكن» وتصويبه من: ص.
(٥) زاد المسير ١/ ٤٤٤، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٩٧، وتفسير النسفي ١/ ١٧٧
[ ١ / ٣٥٤ ]
«٦٨» قوله: ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر بفتح الياء والتشديد، وضمّ الضاد والراء، وقرأ الباقون بفتح الياء، وكسر الضاد، والتخفيف، والجزم، وهما لغتان: ضرّه يضرّه، وضاره يضيره. وقال الله جل ذكره: ﴿قالُوا لا ضَيْرَ﴾ «الشعراء ٥٠» فهذا من: ضاره يضيره. وقال:
﴿ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ «يونس ١٨» فهذا من: ضره يضره. والتشديد كثير في الاستعمال والقراءة، والجزم على جواب الشرط، والضمّ على إتباع الضمّ الضم، وهو مجزوم أيضا. حكى النحويون: لم أردها، بضمّ الدال، وهو مجزوم، لكنه أتبع حركته الدال، لمّا احتاج إلى تحريكها، حركة ما قبلها، وهو الراء، كذلك فعل في الراء لمّا احتاج إلى تحريكها، أتبعها ما قبلها، وهو حركة الضاد. وقد قيل: إن ضمة الراء، في قراءة من شدّد، إعراب، والفعل مرفوع على إضمار الفاء، وذلك قليل في الكلام. والاختيار التخفيف، لخفته وأنها لغة موازية للتشديد، لأن أهل الحرمين عليه مع أبي عمرو (^١).
«٦٩» قوله: (منزلين) شدّده ابن عامر، وقرأه الباقون بالتخفيف.
وهما لغتان. من شدّده جعله من «نزّل» ومن خفّفه جعله من «أنزل». وفي التشديد معنى التكرير، والتخفيف الاختيار لأن الجماعة عليه (^٢).
«٧٠» قوله: (مسوّمين) قرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو، وفتح الباقون.
«٧١» وحجة من كسر الواو أنه أضاف الفعل إلى الملائكة، فأخبر عنهم أنهم سوّموا الخيل. والسومة العلامة تكون في الشيء بلون يخالف لونه ليعرف بها، ويقوّي ذلك أنه روي أن النبي ﵇ قال يوم بدر: «سوّموا فإن
_________________
(١) زاد المسير ١/ ٤٤٨، وتفسير النسفي ١/ ١٧٨، وأدب الكاتب ٣٧٠، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٣٩ /ب، والقاموس المحيط «ضر».
(٢) ص: «لأن عليه الجماعة»، وانظر الحجة في القراءات السبع ٨٩، وزاد المسير ١/ ٤٥١، وتفسير النسفي ١/ ١٨٠، والنشر ٢/ ٢٣٤
[ ١ / ٣٥٥ ]
الملائكة قد سوّمت» (^١) فأضاف الفعل إلى الملائكة، فدلّ ذلك على وجوب كسر الواو في «مسوّمين».
«٧٢» وحجة من فتح الواو أنه أضاف التسويم إلى غيرهم، على معنى أن غيرهم من الملائكة سوّمهم. ويجوز أن يكون معنى مسوّمين من قولك:
سوّمت الخيل، أي أرسلتها ومنه السائمة. فالمعنى: بألف من الملائكة مرسلين.
والاختيار الفتح، لأن الجماعة عليه. وقد اختار قوم الكسر للحديث المذكور (^٢).
«٧٣» قوله: ﴿وَسارِعُوا﴾ قرأه نافع وابن عامر بغير واو، على الاستئناف والقطع، وكذا هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام بغير واو، وهو مع الاستئناف ملتبس بما قبله، لأن الضمائر غير مختلفة والمأمورين غير مختلفين. وقرأ الباقون بالواو، على العطف على ما قبله، من قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ «١٣٢» - وسارعوا، وهو عطف جملة على جملة، وكذلك هي في مصاحف أهل الكوفة، وأهل البصرة بالواو (^٣).
«٧٤» قوله: (قرح) قرأ حمزة وأبو بكر والكسائي بضم القاف، على أنها ألم الجراحات، وقرأ الباقون بالفتح، على أنها الجراحات بعينها وأكثر الناس على أن القراءتين بمعنى الجراحات بلغتين ك: الضعف والضعف، والكره والكره. وقال الأخفش: هما مصدران ل «قرح قرحا وقرحا» (^٤).
_________________
(١) راجع تفسير الطبري ٧/ ١٨٦، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ١/ ٤٥٢، وذكر ابن كثير حديثا بمعناه ١/ ٤٠٢، ومؤلف المختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٠ /أ.
(٢) التبصرة ٦٠ /ب، وتفسير غريب القرآن ١٠٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٠٢، والقاموس المحيط «سوم».
(٣) كان يجب أن يضيف إلى هذه المصاحف مصاحف أهل مكة أيضا، انظر فضائل القرآن لأبي عبيد ٩١ /ب، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٠ /ب، وزاد المسير ١/ ٤٥٩، وتفسير النسفي ١/ ١٨٢.
(٤) زاد المسير ١/ ٤٦٦، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٠٨، وتفسير النسفي ١/ ١٨٤، وتفسير غريب القرآن ١١٢، والقاموس المحيط «قرح».
[ ١ / ٣٥٦ ]
«٧٥» قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ (^١) قرأه ابن كثير بهمزة مكسورة، بين النون والألف، من غير ياء على وزن «وكاعن»، ولا بدّ من المد، وقرأ الباقون بهمزة مفتوحة بعد الكاف، وبياء مشددة مكسورة على وزن «كعين».
«٧٦» ووجه قراءة ابن كثير فيه إشكال، وذلك أن الأصل فيه «كأي» بكاف دخلت على «أي»، لكن كثر استعمالها بمعنى «كم» التي للتكثير، فجعلت كلمة واحدة، فوقع فيها من القلب ما يقع في الكلمة الواحدة، فقلبت الياء المشددة المكسورة في موضع الهمزة، وردّت الهمزة في موضع الياء، فصارت «كيئن» مثل «كيعن»، فحذفت الياء الثانية استخفافا، كما حذفت في «كينونة» وأصله «كيّنونة» فصارت بعد الحذف «كيين» على وزن «فيعل» فأبدلت من الياء الساكنة ألف، كما أبدلوا في «آية» وأصلها عند جماعة [النحويين] (^٢) «أيّة» وهو مذهب سيبويه، وكما قالوا: طائي، والأصل «طييّ» بياءين مشددتين، لأنه ينسب إلى «طيّ»، لكن أبدلوا من الياء الأولى الساكنة ألفا، فوقعت الياء الثانية بعد ألف زائدة، فأبدلوا منها همزة، كما فعلوا ب «سقاء وكساء» بل الهمزة فيهما، وفي نحوهما، بدل من ياء، لوقوعها بعد ألف زائدة، فصار بعد القلب والبدل «كأين» ك «فاعل» من الكون، وأصل النون تنوين، دخل على «أي»، لكن لما دخله القلب والبدل، وجعل كلمة واحدة بمعنى «كم»، صار التنوين كالنون الأصلية، كما قالوا: لدن غدوة، فنصبوا، جعلوا النون كالتنوين، الذي لا يكون مع إثباته الخفض. فالوجه أن يوقف (^٣) عليه بالنون (^٤)، لما ذكرنا، ولأنها نون في المصحف. وقد حكي عن الخليل أنه قال في قراءة ابن كثير: إن الأصل كأيّ، ثم قدّمت إحدى الياءين في موضع
_________________
(١) سيأتي ذكره في سورة الحج، الفقرة «١٦»، وسورة محمد ﷺ، الفقرة «٤».
(٢) تكملة موضحة من: ص.
(٣) ب: «يقف» وتوجيهه من: ص.
(٤) ب: «بالتنوين» ورجحت ما في: ص.
[ ١ / ٣٥٧ ]
الهمزة، فتحركت بالفتح، كما كانت حركة الهمزة فقلبت ألفا، وصارت الهمزة ساكنة كما كانت الياء ساكنة (^١)، فاجتمع ساكنان الألف والهمزة، فكسرت الهمزة لالتقاء الساكنين، وبقيت إحدى الياءين متطرّفة، فزالت حركتها، كما تذهب من «قاض» في الرفع والخفض، فتبقى الياء ساكنة، والتنوين ساكن، فتحذف الياء لالتقاء الساكنين، فتصير ك «فاعل» من: جاء وشاء تقول: جاء وشاء في الرفع والخفض ك «قاض وعال»، ويجب على هذا القول أن يوقف عليه بغير نون. وقد روي ذلك عن أبي عمرو، والعمل على الوقف عليه بالنون، في جميع القراءات، اتباعا لخط المصحف. وقد قيل: قراءة ابن كثير محمولة على أنه فاعل من «الكون»، وهو بعيد في المعنى، لأنه لا يدلّ على «كم». وأيضا فإن بعده «من» لازمة له، و«من» لا تصحب «كأن» ولا تلزمها. وأيضا فإنه، لو كان فاعلا من الكون، لأعرب، ولم يبن على السكون.
«٧٧» ووجه القراءة بتشديد الياء، وتقديم الهمزة، أنها «أيّ» دخلت عليها كاف التشبيه، وكثر استعمالها بمعنى «كم»، فجعلت كلمة واحدة، وجعل التنوين نونا أصلية، فوقف عليها بالنون. وقد كان قياسا أن يوقف بغير نون، كما يوقف على «أي» حيث وقعت. و«كأين» في القراءتين في موضع رفع بالابتداء، و«قتل معه ربّيون» [الخبر إلا أن تجعل «قتل معه ربيون»] (^٢) صفة ل «نبي»، فتضمر خبرا ل «كاين»، وتقديره: وكاين من نبي هذه صفته في الدنيا أو مضى، ونحو ذلك من الإضمار، وليس للتشبيه (^٣) في الآية ل «كاين» معنى، لأن الكاف قد جعلت مع أيّ كلمة واحدة، ونقلت عن معنى التشبيه إلى معنى «كم» التي للتكثير ولزمتها «من» (^٤).
_________________
(١) قوله: «كما كانت الياء ساكنة» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) ص: «في التشبيه».
(٤) معاني القرآن ١/ ٢٢٧، وإيضاح الوقف والابتداء ٥٨٥، وتفسير غريب القرآن ١١٣، وزاد المسير ١/ ٤٧١، وتفسير ابن كثير ١/ ٤١٠، وتفسير النسفي ١/ ١٨٦، ومغني اللبيب ١٨٦، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٤٠ /ب.
[ ١ / ٣٥٨ ]
«٧٨» قوله: (قاتل معه) قرأه الكوفيون وابن عامر بألف، من القتال، وقرأه الباقون «قتل»، من القتل.
«٧٩» ووجه القراءة بالألف أنه يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون قد أسند الفعل الذي هو القتال إلى النبي ﵇، ويكون «معه ربيون» ابتداء وخبرا، وترفع «ربيون» بالظرف، والجملة صفة ل «نبي» في الموضعين. ويجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من المضمر في «قاتل»، والهاء في «معه» تعود على ذلك المضمر، وإذا جعلته صفة ل «نبي» كانت تعود على «نبي»، ودلّ المعنى على أن «الربيين» قاتلوا أيضا مع (^١) قتال النبي، وحسن ذلك لما روي عن الحسن وغيره أنه قال: ما قتل نبي قطّ في قتال. وكان إضافة القتال إليه أولى من إضافة القتل إليه.
«٨٠» والوجه الثاني أن يكون قد أسند الفعل إلى «الربيين» دون النبي، فأخبر عنهم بالقتال دون النبي، فيكون «قاتل معه ربيون» صفة ل «نبي» و«ربيون» مرفوعون بفعلهم.
«٨١» ووجه القراءة بغير ألف أنه يحتمل أيضا وجهين: أحدهما أن يكون فعلا، وما بعده صفة للنبي، والفعل مسند إلى النبي بدلالة قوله:
﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ﴾ «١٤٤» فأخبر أن النبي قد يقتل، وقد قال تعالى:
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ «البقرة ٦١»، وقال: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ﴾ «البقرة ٩١»، وهذا من قتل النبي في غير قتال، فحمل ذلك على هذا المعنى، أنه قتل في غير قتال. وسياق الكلام في قوله: ﴿فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، وقوله: «وَثَبِّتْ أَقْدامَنا» «١٤٧» يدلّ على أن القتل والقتال كان في الحرب في سبيل الله.
«٨٢» والوجه الثاني أن «قتل» وما بعده صفة أيضا للنبي (^٢)، والفعل مسند إلى «ربيين»، فهم في هذا الوجه مرفوعون ب «قتل»، على المفعول،
_________________
(١) لفظ «مع» سقط من: ص.
(٢) قوله: «والفعل مسند .. أيضا للنبي» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
[ ١ / ٣٥٩ ]
الذي لم يسمّ فاعله. وعلى الوجه الأول مرفوعون بالابتداء و«معه» الخبر، أو مرفوعون بالظرف. والجملة في الوجهين صفة ل «نبي»، وهذا الوجه يقوّيه قول الحسن المذكور عنه. ويجوز، على الوجه الأول، أن يكون «معه ربيون» في موضع الحال من المضمر في «قتل»، فتكون الهاء في «معه»، تعود على الضمير في «قتل»، ويعود إذا كان «معه ربيون» صفة ل «نبي» على «نبي» (^١).
«٨٣» قوله: ﴿الرُّعْبَ﴾ قرأه ابن عامر والكسائي بضمّ العين، حيث وقع، وأسكن الباقون، وهما لغتان فاشيتان ك «السحت والسحت» (^٢).
«٨٤» قوله: ﴿يَغْشى طائِفَةً﴾ قرأه (^٣) حمزة والكسائي بالتاء والإمالة، ردّاه على تأنيث «الأمنة» لأن من أجلها تغشوا، فهي المقصودة بالغشيان لهم، لأن الناعس لا يغشاه النعاس إلا ومعه أمنة. وقد تحدث الأمنة ولا نعاس معها، فالأمنة أولى بإضافة الفعل إليها. وقد قدّمنا علة الإمالة، وقرأ الباقون بالياء والفتح، حملوه على تذكير النعاس، لأنه هو الذي غشيهم، ودليله قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ «الأنفال ١١» فأضاف الفعل إلى النعاس، وكان النعاس أولى بذلك، لأنه أقرب إلى الفعل. وأيضا فإن المستعمل في الكلام أن يقال: غشيني النعاس إذا نعس، ولا يقال غشيتني الأمنة. وأيضا فإن النعاس بدل من الأمنة، فكأن الأمنة محذوفة من الكلام، لقيام المبدل منها مقامها، وهو الاختيار، لما ذكرنا من العلة، ولأن الجماعة على الياء (^٤).
_________________
(١) تفسير الطبري ٧/ ٢٦٤، وتفسير القرطبي ٤/ ٢٢٩، وإيضاح الوقف والابتداء ٣٨٢، ٥٨٥، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢١ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٤١ /أ.
(٢) التيسير ٩١، والنشر ٢/ ٢٠٨، والحجة في القراءات السبع ٩٠، وزاد المسير ١/ ٤٧٤، وتفسير النسفي ١/ ١٨٧.
(٣) ص: «قرأ».
(٤) زاد المسير ١/ ٤٨٠، وتفسير ابن كثير ١/ ٤١٨، وتفسير النسفي ١/ ١٨٩
[ ١ / ٣٦٠ ]
«٨٥» قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ﴾ قرأ أبو عمرو «كله» بالرفع على الابتداء، و«لله» الخبر، والجملة خبر «إن»، وحسن أن يكون «كل» ابتداء، وهي ممّا يؤكد بها، لأنها أدخل في الأسماء منها في التأكيد، إذ تقع فاعلة ومفعولة ومجرورة، كسائر الأسماء، ولا يكون شيء من ذلك في «أجمعين»، تقول: كلهم أتاني، ورأيت كل القوم، ومررت بكل أصحابك.
ولا يجوز ذلك في «أجمعين»، فحسن أن تقع مبتدأة، وقرأ الباقون بالنصب، على التأكيد للأمر. ويجوز عند الأخفش أن يكون «كله» بدلا من الأمر، و«الله» الخبر في الوجهين، والنصب الاختيار، للإجماع عليه، ولصحة وجهه، ولأن التأكيد أصل «كل» لأنها للإحاطة (^١).
«٨٦» قوله: ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قرأه ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة الذي قبله، في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقوله: ﴿وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ﴾، وقوله: ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾، وقرأ الباقون بالتاء، ردّوه على الخطاب الذي قبله، في قوله: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فالضمير في «تعملون» للمؤمنين، وهو في القراءة بالياء للكفار، والقراءتان متعادلتان والتاء أحب إليّ لأن الأكثر عليه (^٢).
«٨٧» قوله: (متّم، ومتنا) (^٣) قرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بكسر الميم، حيث وقع، وقرأ الباقون بضم الميم، غير أن حفصا ضمّ الميم في هذه السورة خاصة.
«٨٨» وحجة من ضمّ [الميم] (^٤) أن المستعمل الفاشي في هذا الفعل
_________________
(١) زاد المسير ١/ ٤٨١، ومغني اللبيب ١٩٥، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٤٢ /أ.
(٢) ص: «إليّ لإجماع أهل الحرمين وعاصم وأبي عمرو عليها»، وانظر الحجة في القراءات السبع ٩١، وزاد المسير ١/ ٤٨٤، وتفسير النسفي ١/ ١٩٠.
(٣) الحرف الثاني في سورة المؤمنون (آ ٨٢)
(٤) تكملة موضحة من: ص.
[ ١ / ٣٦١ ]
«مات يموت» ك: قال يقول، على: فعل يفعل، منقول «فعل» منه إلى «فعل» بضم العين، فضمّت فاء الفعل في الإخبار، لتدل على الواو المحذوفة، كما تقول: قلت وطفت، فإذا كسر لم تدل الكسرة على الواو المحذوفة، فأصله ضمّ أوله في الإخبار، للدلالة على الواو.
«٨٩» وحجة من كسر الميم أنه حمله على لغة أتت فيه على «فعل، يفعل» وذلك قليل في القياس، أتى في المعتل كما أتى في السالم، نحو: فضل يفضل، وهو قليل أيضا في السالم، فلما كان الماضي على «فعل» كسر أوله في الإخبار، لتدل الكسرة على أن العين من الفعل أصلها الكسر، كما كسروا في «كلت»، لتدلّ الكسرة على الياء المحذوفة، ف «مت» بالكسر كثير الاستعمال، شاذ في القياس، و«مت» بالضم كثير الاستعمال، غير شاذّ في القياس، فالضم هو الاختيار، لما ذكرنا، ولأن عليه جماعة من القراء، وقد قيل: [إن] (^١) من كسر الميم أتى به على لغة من قال: مات يمات، مثل: دام يدام، فهو: فعل يفعل ك: خاف يخاف، لغة معروفة، حكاها الكوفيون، فتكسر الميم، لتدل على أن عين الفعل مكسورة، كما كسروا في: خفت، لذلك (^٢).
«٩٠» قوله: ﴿مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ قرأه حفص بالياء، على أنه حمله على لفظ الغيبة، على معنى: لمغفرة من الله لكم ورحمة خير مما يجمع غيركم، ممّن ترك القتال في سبيل الله لجمع الدنيا، ولم يقاتل معكم، وقرأ الباقون بالتاء، ردوه على (^٣) الخطاب الذي قبله، في قوله: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ على معنى: لمغفرة من الله ورحمة خير مما تجمعون من أعراض الدنيا لو بقيتم، والتاء الاختيار، لأن الجماعة على ذلك، ولانتظام آخر الكلام بأوله (^٤).
_________________
(١) تكملة موافقة من: ص.
(٢) التبصرة ٦١ /أ، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢١ /ب، وأدب الكاتب ٣٧٣، والقاموس المحيط «مات».
(٣) ب: «إلى» ورجحت ما في: ص.
(٤) تفسير ابن كثير ١/ ٤١٩
[ ١ / ٣٦٢ ]
«٩١» قوله: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء، وضم الغين، وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الغين.
«٩٢» وحجة من فتح الياء وضمّ الغين أنه نفى الغلول عن النبي، وأضاف الفعل إليه، ونفاه عنه أن يفعله، وقد ثبت أن الغلول وقع من غيره، فلا يحسن أن ينفي الغلول عن غيره، لأنه أمر قد وقع، وإنما ينفي الغلول [عنه] (^١)، وهي الخيانة في المغانم. فالمعنى: ما كان لنبي أن يخان من معه في الغنيمة. وقد نفى ابن عباس القراءة بضم الياء، وقال: كيف لا يكون [له] (^٢) أن يغل، وقد كان جائزا أن يقتل، قال الله: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ﴾ «آل عمران ١١٢» قال: ولكن المنافقين اتهموا النبي في شيء فقد، فأنزل الله: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي:
يخون أمته في المغانم، فنفى عنه الغلول. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﵇ كان يقرأه بفتح الياء. وبه قرأ ابن عباس.
«٩٣» وحجة من ضمّ الياء وفتح العين أنه حمله على النفي عن أصحاب النبي، أن يخونوه في المغانم، وفيه معنى النهي عن فعل ذلك، فدلّ على هذا المعنى قوله: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ فدلّ على أنه [كان في القوم غلول تنزيها للنبي ﷺ وتعظيما له أن يكون أحد من أمته نسب إليه الغلول بل هم المخطئون والمذنبون] (^١)، فالمعنى: ما كان لنبي أن يغان في الغنائم، قال جابر بن عبد الله: أنزلت يوم بدر هذه الآية (^٣). قال: وكان ناس غلوا فأنزلت فيهم، فلم يخونوا بعد، وقيل: إن أصله «يغلل» أي: يخون، أي:
ما كان لنبي أن يخونه أصحابه، لكن حذفت إحدى اللامات استخفافا. فالفعل على هذا منفي (^٤) عن النبي ﵇ كالقراءة بفتح الياء،
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص.
(٢) تكملة موضحة من: ص.
(٣) ب: «الآيات» وتوجيهه من: ص.
(٤) ب: «ناف» وما في «ص» أوضح.
[ ١ / ٣٦٣ ]
ويجوز أن يكون المعنى في هذه القراءة: ما كان لنبي أن ينسب إلى الغلول، أي:
لا يقال له: أغللت، كقولك: أكفرت الرجل، أي: نسبته إلى الكفر، فيكون النفي أيضا عن النبي، لا عن أصحابه، ويجوز أن يكون المعنى: ما كان لنبي أن يوجد غالا، كقولك: أحمدت الرجل، [أي:] (^١) وجدته محمودا، فيكون النفي أيضا عن النبي ﵇. والاختيار ضم الياء، لأن عليه أكثر القراء، ولأن فيه تنزيها للنبي وتعظيما له، أن يكون أحد من أمته نسب إليه الغلول، بل هم المخطئون المذنبون (^٢).
«٩٤» قوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ (^٣) قرأه ابن عامر بالتشديد، على التكثير [لأن المقتولين كثر والتشديد للتكثير] (^٤)، وقرأه الباقون بالتخفيف، لأن التخفيف للتقليل والتكثير، فهو كالتشديد في أحد وجهيه، وهو الاختيار، لإجماع القراء عليه. ومثله في العلة الذي قبله، وهو قوله: ﴿لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ «١٦٨» قرأه هشام بالتشديد، وخفف الباقون (^٥).
«٩٥» قوله (وأنّ الله لا يضيع) قرأه الكسائي بكسر الهمزة، على الابتداء والاستئناف، وهو مع ذلك (^٦) متعلق بالأول، لأنه إذا لم يضعه فهو واصل
_________________
(١) تكملة مناسبة من: ص.
(٢) كل ما جاء من آثار في الكلام على هذه الآية راجعة في تفسير ابن كثير ١/ ٤٢١، وزاد المسير ١/ ٤٨٩، وتفسير غريب القرآن ١١٤، وتفسير النسفي ١/ ١٩١، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٤٢ /أ.
(٣) سيأتي ذكره في سورة الأنعام، الفقرة «٧٩»، وسورة التوبة، الفقرة «٢٨»، وسورة الحج، الفقرة «١٦».
(٤) تكملة لازمة من: ص.
(٥) ص: «وقرأ الباقون بالتخفيف»، انظر الحجة في القراءات السبع ٩٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٢ /أ، وزاد المسير ١/ ٤٩٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٢٦، وتفسير النسفي ١/ ١٩٤، والنشر ٢/ ٢٣٥
(٦) قوله: «مع ذلك» سقط من: ص.
[ ١ / ٣٦٤ ]
أجره إليهم، وقرأ الباقون بالفتح، عطفوه على «بنعمة» أي: يستبشرون بالنعمة والفضل، وبأن الله لا يضيع الأجر. ف «أن» في موضع نصب، بحذف الخافض، أو في موضع خفض على تقدير الخافض محذوفا (^١).
«٩٦» قوله: (يحزن، وليحزن) (^٢) وشبهه، قرأه نافع بضم الياء، وكسر الزاي، حيث وقع، إلا في موضع واحد، فإنه فتح الياء فيه، وضمّ الزاي كالجماعة، وهو قوله: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ «الأنبياء ١٠٣»، وقرأ الباقون بفتح الياء، وضم الزاي في جميع القرآن، وهما لغتان، حكى سيبويه:
أحزنت الرجل، إذا جعلته حزينا، فضمّت الياء في المستقبل، لأنه رباعي. ويقال:
حزن الرجل يحزن، لغة. وحزّن يحزّن لغة. ومنه قوله: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ «البقرة ٣٨»، ويقال: حزّنته، جعلت فيه حزنا، كما تقول: كحّلته، جعلت فيه كحلا. وخصّ نافع الموضع المذكور بفتح الياء للجمع بين اللغتين، والقراءتان متساويتان، وما عليه الجماعة، من فتح الياء، وضمّ الزاي، أحب إليّ، لأنها اللغة الفاشية المستعملة المجمع عليها (^٣).
«٩٧» قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأه حمزة بالتاء، وقرأ الباقون بالياء.
ووجه القراءة بالياء أنه أسند الفعل إلى «الذين كفروا»، فهم الفاعلون، وكان ذلك أولى، لتقدّم ذكرهم قبل الآية. وقوله: ﴿أَنَّما نُمْلِي﴾ يسدّ مسد مفعولي حسب. و«ما» في «إنما» بمعنى «الذي»، والهاء محذوفة من «نملي»، لأنه صلة الذي. ولك أن تجعل «ما» وما بعدها مصدرا، فلا
_________________
(١) ص: «ويجوز أن يكون في موضع خفض على إعمال الخافض محذوفا»، انظر زاد المسير ١/ ٥٠٢
(٢) سيأتي ذكره في سورة الأنعام الفقرة «١٤»، والحرف الآخر في سورة المجادلة (آ ١٠)
(٣) زاد المسير ١/ ٥٠٧، وتفسير النسفي ١/ ١٩٦، والنشر ٢/ ٢٣٦، وكتاب سيبويه ٢/ ٢٧٩، وأدب الكاتب ٣٥٤
[ ١ / ٣٦٥ ]
تقدّر حذف هاء، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أن الذي نملي لهم خير لأنفسهم. وإن شئت كان التقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أن الإملاء خير لهم.
«٩٨» ووجه القراءة بالتاء أنه جعل الفعل خطابا للنبي ﵇، فهو الفاعل، و«الذين كفروا» مفعول أول «يحسب» و«إنما» وما بعدها بدل من «الذين»، في موضع نصب، فيسدّ مسدّ المفعولين، كما يسدّ لو لم يكن بدلا (^١)، و«ما» بمعنى «الذي»، والهاء محذوفة من «نملي»، والتقدير: ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا أن الذي نمليه لهم خير لأنفسهم، فيؤول التقدير: إذا حذف المبدل منه، إلى: ولا تحسبن يا محمد أن الذي نمليه للذين كفروا خير لهم، ولا تحسبن، أن تجعل «ما» والفعل مصدرا، على هذه القراءة، لأن المفعول الثاني، في هذا الباب، هو الأول في المعنى.
والإملاء غير الذين كفروا، إلا أن تقدّر مع المفعول الأول حذف مضاف، هو الإملاء، في المعنى. فيكون التقدير: ولا تحسبن يا محمد شأن الذين كفروا الإملاء هو خير لهم، أو تضمر «حال الذين كفروا»، أو «أمر الذين كفروا»، ونحوه، ممّا يكون الإملاء خيرا لهم فيه. ويجوز، في القراءة بالياء، أن يكون الفعل للنبي كالتاء، على تقدير: ولا يحسبن محمد الذين كفروا أنما نملي لهم، فتكون القراءتان بمعنى واحد (^٢).
«٩٩» قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ قرأه حمزة وحده (^٣) بالتاء كالأول، وقرأ الباقون بالياء كالأول.
«١٠٠» ووجه القراءة بالياء أنه أضيف الفعل إلى ما بعده، وهم «الذين
_________________
(١) ب: «لو ثم يكون بدلا» وتصويبه من: ص.
(٢) التيسير ٩٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٢ /ب. وزاد المسير ١/ ٥٠٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٣٢، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٤٢ /ب.
(٣) لفظ «وحده» سقط من: ص.
[ ١ / ٣٦٦ ]
يبخلون»، فهم الفاعلون، وردّ الفعل على ما قبله من الغيبة، في قوله:
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، والمفعول الأول ل «يحسب» محذوف. والتقدير:
ولا يحسبن الذين يبخلون البخل خيرا لهم، فحذف البخل لدلالة «يبخلون» عليه.
ويجوز أن يكون الفعل للنبي ﵇ على معنى: ولا يحسبن محمد الذين يبخلون، على حذف مضاف أيضا، أي: ولا يحسبن محمد بخل الذين يبخلون هو خير لهم.
«١٠١» ووجه القراءة بالتاء أنه على الخطاب للنبي ﵇، فهو الفاعل، و«الذين يبخلون» مفعول بهم أول، على تقدير حذف مضاف، أي:
بخل الذين، ولا بدّ من الإضمار في القراءتين جميعا، ليكون المفعول الثاني هو الأول في المعنى، لأن «الذين» غير خبر، ولا بدّ من إضمار شيء يكون هو خبرا في المعنى والنفي إنما وقع على أن البخل ليس هو «خيرا» لهم و«خيرا» هو المفعول الثاني، وهو فاصلة لا موضع لها من الإعراب (^١).
«١٠٢» قوله: (و﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ قرأه الكوفيون بالتاء، وقرأ الباقون بالياء.
«١٠٣» وحجة من قرأ بالياء أنه أضاف الفعل إلى «الَّذِينَ يَفْرَحُونَ» ف «الذين» فاعلون، ولم يعدّ «يحسبن» إلى شيء. وقد كره ذلك الأخفش، لأن تعديته أعظم في الفائدة، لكن من قرأ «فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ» إلى مفعولين، فاستغنى بذلك عن تعدّي «ولا يحسبن»، لأن المبدل منه قام مقامه في التعدّي، ولا تمنع الفاء البدل، لأنها زائدة، ولأنها ليست العاطفة، وليست التي تدخل في جواب [الشرط] (^٢)، فهي زائدة. فأما من قرأ الثاني
_________________
(١) كتاب سيبويه ١/ ٤٦٢، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٤٣ /أ.
(٢) تكملة لازمة من: ص.
[ ١ / ٣٦٧ ]
بالتاء والأول بالياء فلا يحسن فيه البدل، لاختلاف فاعلهما، ومجازه أنه لم يعد الفعل الأول إلى شيء، كما تقول: حسبت وعلمت وظننت، فتخبر أنه كان منك حسبان وعلم وظن، ولا تخبر على من وقع ذلك. فالكلام فيه فائدة، وإن لم تعدّه، لكن الفائدة مع التعدّي أعظم وأبين، وحسن ترك تعدّي الأول في هذا، لدلالة تعدي الثاني على ذلك، وهو: (فلا تحسبنهم بمفازة) وكأن مفعولي الأول حذفا لدلالة مفعولي الثاني على ذلك، وتقديره: لا يحسبن الذين يفرحون بما أوتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، بمفازة من العذاب، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب، ثم حذف الأول، لدلالة الثاني عليه (^١).
«١٠٤» وحجة من قرأ بالتاء أنه أضاف الفعل إلى النبي ﵇، فجرى على المخاطبة، و«الذين يفرحون» مفعول أول ل «حسب»، وحذف الثاني، لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾، ويجوز أن يكون المفعول الثاني قوله: «بمفازة من العذاب»، الذي بعد «تحسبنهم» يراد به التقديم، ويكون مفعول «تحسبنهم» محذوفا، لدلالة الأول عليه، كما تقول: ظننت زيدا ذاهبا، وظننت عمرا، ويحسن أن يكون «تحسبنهم»، في قراءة من قرأه بالتاء، بدلا من «لا تحسبن»، في قراءة من قرأه بالتاء، لاتفاق الفاعلين، والفاء زائدة على ما ذكرنا، فإذا حسن البدل فمفعولا «تحسبنهم» هما مفعولا «لا تحسبن» لأن المبدل منه كأنه لم يذكر. فأما من قرأ «لا تحسبن» بالتاء قرأ «فلا يحسبنهم» بالياء، فلا يحسن فيه البدل، لاختلاف الفاعلين، ولكن لا بدّ من حذف مفعولي «لا يحسبن»، لدلالة مفعولي «فلا تحسبنهم» على ذلك. ويكون «بمفازة من العذاب» هو المفعول الثاني، لقوله: «(لا يحسبن الذين يفرحون)» ويكون المفعول الثاني لقوله:
«(فلا تحسبنهم)» محذوفا، لدلالة الأول عليه.
_________________
(١) كتاب سيبويه ١/ ٤٥١
[ ١ / ٣٦٨ ]
«١٠٥» قوله: (حتى يميز، وليميز) قرأه حمزة والكسائي بضم الياء (^١) والتشديد هنا وفي الأنفال (^٢)، وقرأ الباقون بفتح الياء، والتخفيف فيهما، وهما لغتان، يقال: ماز يميز، مثل كال يكيل، وميّز يميّز مثل: قتّل يقتّل، وفي التشديد معنى التكثير، يقال: ميّزت الطعام فتميّز، وليس التشديد في هذا لتعدّي الفعل ك «كرم وكرمت»، لأنه لم يتعدّ بالتشديد، لأنك تقول: مزت المتاع، وميّزت المتاع، فلا يحدث التشديد تعدّيا لم يكن في التخفيف. فالقراءتان بمعنى التخفيف أحب إليّ، لأن الجماعة عليه (^٣).
«١٠٦» قوله: ﴿بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالياء، ردّاه على لفظ الغيبة التي قبله، في قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، وقرأ الباقون بالتاء، ردّوه على الخطاب المكرّر الذي قبله، في قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ﴾ «١٧٩» ونوي به التقدّم، ليكون أقرب إليه، والتقدير: فلكم أجر عظيم، والله بما تعملون خبير. والتاء أحب إليّ، لتكرّر لفظ الخطاب الذي قبله، ولأن الجماعة عليه (^٤).
«١٠٧» قوله: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ﴾ قرأه حمزة «سيكتب» بياء مضمومة «قتلهم» بالرفع، و«يقول» بالياء، وقرأ الباقون «سنكتب» بنون مفتوحة، و«قتلهم» بالنصب و«نقول» بالنون.
«١٠٨» وحجة من قرأ بالياء أنه أجراه على لفظ الغيبة، وجعله فعلا لم يسمّ فاعله ف «ما» في موضع رفع، لأنه مفعول لم يسمّ فاعله، فلذلك رفع «وقتلهم» على العطف على «ما»، وعطف «ويقول» على «سيكتب»، فأجري على الغيبة لتقدّم ذكر اسم الله جلّ ذكره، لكنه أجرى الفعل الثاني على
_________________
(١) قوله: «بضم الياء» سقط من: ص.
(٢) وهو المثبت بعد حرف آل عمران، وهو فيها (آ ٣٧).
(٣) التبصرة ٦١ /ب، والحجة في القراءات السبع ٩٣، وزاد المسير ١/ ٥١٠، والقاموس المحيط «ماز».
(٤) زاد المسير ١/ ٥١٤، وتفسير النسفي ١/ ١٩٧
[ ١ / ٣٦٩ ]
ما سمّي فاعله، وخالف به الأول. ولو أجراه على الأول لقال: ويقال ذوقوا. وعلته في إجرائه «سيكتب» على ما لم يسمّ فاعله، ثم ب «يقول» على ما سمّي فاعله، أن الأول وهو «سيكتب» فعل متعد. فلمّا وجد سبيلا إلى مفعول، يقوم مقام الفاعل، وهو ما حمله على ما لم يسمّ فاعله، ولمّا كان «يقول» لا يتعدّى إلى مفعول، وليس معه مفعول، يقوم مقام الفاعل، لم يردّه إلى ما لم يسمّ فاعله، إذ لا مفعول في الكلام، يقوم مقام الفاعل، إلا أن يضمر مصدرا يقوم مقام الفاعل، وذلك تكلّف، وفيه بعد وخروج عن الظاهر.
«١٠٩» وحجة من قرأ بالنون أنه ردّه على الإخبار عن الله جلّ ذكره لما تقدّم في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ﴾، فنصب به، وعطف «وقتلهم» على «ما» فنصبه، وعطف عليه «ونقول»، فجرى كله على الإخبار عن الله جل ذكره، لتقدّم ذكر اسمه جلّ وعزّ، وهو في القرآن كثير، وهو الاختيار، ليرد الكلام على أوله، ولأن الإجماع عليه (^١).
«١١٠» قوله (^٢): ﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ﴾ قرأ ابن عامر «وبالزبر» بزيادة باء، وقرأ هشام «وبالكتاب» بزيادة باء، أعاد الحرف للتأكيد، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام، وقرأهما الباقون بغير باء، لأن حرف العطف أغنى عن إعادة حرف الجر، كما تقول: مررت بزيد وعمرو وخالد، فلا تعيد حرف الجر.
فهو المستعمل، وهو أخصر، وإثبات الحرف (^٣) هو الأصل، إلا أنه ترك استعماله في أكثر القرآن والكلام استخفافا. ولو لزم تكرير العامل لوجب أن يقول: جاءني زيد وجاءني عمرو وجاءني خالد. وهذا ثقيل. فالواو تغني عن تكرير الفعل، كذلك تغني عن تكرير حرف الجر. وأيضا فإنهما بغير باء في مصاحف المدينة ومكة والكوفة والبصرة، وهو الاختيار، لأنه المستعمل، ولأنه أخصر، ولأن حرف العطف
_________________
(١) زاد المسير ١/ ٥١٥، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٣٤
(٢) تأخرت هذه الفقرة عن المتقدمة في: ب، فوجهت ذلك كما في: ص.
(٣) قوله: «كما تقول مررت … الحرف» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
[ ١ / ٣٧٠ ]
يغني عن إعادة حرف الجر (^١).
«١١١» قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ قرأ أبو بكر وأبو عمرو وابن كثير بياء فيهما، حملوه على لفظ الغيبة، لأن المخبر عنه غائب، وردّوه في الغيبة على ما تقدّم من ذكر الغيبة القريبة منه، في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ «١٨٦» وعلى ما أتى بعده من لفظ الغيبة، في قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ فجاء كله بلفظ الغيبة، فحمل ما قبله عليه، لينتظم الكلام على سنن واحد، ويأتلف على طريقة واحدة في الغيبة، وقرأ الباقون بالتاء فيهما، حملوه على الخطاب، كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ﴾ «آل عمران ٨١» فرجع إلى الخطاب. ولو حمل على ما قبله لقال:
آتيتهم، وفي القراءة بالتاء معنى توكيد الأمر لأن التاء للمواجهة، فتقديره: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب، فقال لهم (^٢) لتبيننّه للناس ولا تكتمونه، وهو الاختيار، لما فيه من معنى التأكيد، ولأن أكثر القراء عليه. والقراءة بالياء حسنة قوية مختارة أيضا، لكن نفسي تميل إلى الجماعة، لا سيما إذا كان فيهم أهل المدينة (^٣).
«١١٢» قوله: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء وضم الباء، وقرأ الباقون بالتاء وفتح الباء.
«١١٣» وحجة من قرأ بالتاء وفتح الباء أنه جعل الفعل خطابا للنبي ﵇، لأن القرآن عليه نزل، فهو المخاطب بأكثره، فخوطب بذلك، وعدّى الفعل إلى ضمير «الَّذِينَ يَفْرَحُونَ»، وهم (^٤) المفعول الأول و«بمفازة»
_________________
(١) فضائل القرآن لأبي عبيد ٩٢ /أ، والمقنع ١٠٢، وزاد المسير ١/ ٥١٦، وتفسير النسفي ١/ ١٩٨
(٢) قوله: «فقال لهم» سقط من: ص.
(٣) زاد المسير ١/ ٥٢١، والنشر ٢/ ٢٣٧، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٣٦، وتفسير النسفي ١/ ١٩٩
(٤) ب: «وهما» وتصويبه من: ص.
[ ١ / ٣٧١ ]
الثاني و«تحسبنهم» بدل (^١) من «تحسين» الذي قبله، إذا قرئا جميعا بالتاء والياء، وقد تقدّم ذكر هذا، وتقدّم ذكر فتح السين في «نحسب»، والاختلاف في ذلك.
«١١٤» وحجة من قرأ بالياء، وضمّ الباء أنه أضاف الفعل إلى «الذين يفرحون» لتقدم ذكرهم، وعدّى فعلهم إلى نفسهم، فهم المفعول الأول.
و«بمفازة» المفعول الثاني. و«يحسبنهم» بدل من «يحسبن» إذا قرئا جميعا بالياء. وقد تقدّم ذكر هذا، وحسن تعدّي فعل الفاعل إلى نفسه، كما تقول: ظننتني أخاك، وإنما يجوز هذا في أفعال الظن وأخواته، ولا يجوز في غير ذلك عند البصريين، لو قلت: ضربتني وشتمتني، فتعدل الفعل إلى نفسك، لم يجز، إنما هذا هذا في هذه الأفعال، لأنها داخلة على الابتداء والخبر، كان واخواتها.
ولما كانت «أن» يتصل بها ضمير الفاعل في المعنى، فيتعدّى إليه، جاز ذلك في هذه الأفعال، فجاز: ظننتني كما تقول: إنني، ألا ترى أنك لو أظهرت الضمير في هذه الأفعال لم يجز تعدّي الفعل إلى المفعول، وهو الفاعل، لو قلت: ظن نفسي ذاهبا لم يجز، كما لا يجوز مع «إن» لو قلت: إن نفسي، لم يجز، وإن أنا ذاهب، لم يجز. وضمّت الباء في «تحسبنهم» لتدل على الواو المحذوفة التي للجمع، التي حذفت لسكونها وسكون أول المشدد. وقد أثبتوا الواو مع المشدد في: ﴿أَتُحاجُّونِّي﴾ «الأنعام ٨٠»، وقامت المدّة مقام الحركة. وإنما لم تثبت في «تحسبنهم»، وتمدّ للتشديد، لأنها قد حذفت مع النون الخفيفة، في قولك:
لا تحسبن زيدا قائما، فلمّا حذفت الواو مع الخفيفة، ولم تمدّ (^٢)، كان حذفها مع المشدد لازما، وحسن ذلك، لئلا يختلف الفعل. وإنما لم تحذف الواو في «أتحاجّوني» في قراءة من شدّد، كما حذفت في «تحسبنهم» لأن النون في «أتحاجّوني» أصلها الحركة، والإسكان عارض، دخل للإدغام، وليست
_________________
(١) ب: «بدلا» وتصويبه من: ص.
(٢) ص: «تمد وتثبت».
[ ١ / ٣٧٢ ]
كذلك نون «تحسبنهم»، أصل الأول السكون لا الحركة (^١). والقراءة بالتاء وفتح الباء أحب إلي، لما ذكرت من العلة، ولأن أكثر القراء عليه (^٢).
«١١٥» قوله: ﴿وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ (^٣) قرأه حمزة والكسائي «وقتلوا وقاتلوا» بتقديم المفعول على الفاعل هنا وفي براءة (^٤)، وقرأ الباقون فيهما بتقديم الفاعل على المفعول، وكلّهم خفّف «قتلوا»، إلا ابن كثير وابن عامر فإنهما شدّداه.
«١١٦» وحجة من قدّم المفعول أن الواو لا تعطي ترتيبا، فسواء التقديم والتأخير، والمعنى هو لتقديم الفاعل على المفعول، لأن القتل لا يكون إلا بعد قتال. فالمقتول متأخّر عن القتال، إنما يحدث له القتل بعد القتال، فهو أولى أن يكون متأخرا، لكن الواو لا تعطي رتبة قدّمت المفعول أو أخّرته، فالتقديم هو لمن له المعنى في التقديم. وقد قيل إن معنى تقديم المفعول: وقتل بعضهم وقاتل الباقون، ولم يهنوا بعد قتل أصحابهم، بهذا المعنى يوجب تقديم المفعول، وهذا أبلغ في مدحهم لأنهم لم يهنوا، ولا ارتاعوا لقتل أصحابهم، بل جدّوا في القتال بعد قتل أصحابهم، وهذا مثل قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا﴾ «آل عمران ١٤٦» إذا رفعت «ربيين» ب «قاتل»، أي:
_________________
(١) قوله: «وحسن ذلك .. لا الحركة» سقط من: ص.
(٢) زاد المسير ١/ ٥٢٥، والنشر ٢/ ٢٣٨، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٣٧، وتفسير النسفي ١/ ٢٠٠، وكتاب سيبويه ١/ ٣٠
(٣) تقدم نظيره في هذه السورة الفقرة «٧٨»، وأنظر الفقرة «٩٤» من هذه السورة أيضا.
(٤) الحرف فيها (آ ١١١).
[ ١ / ٣٧٣ ]
فما ضعف من بقي منهم بعد قتل أصحابهم ولا ذلّ ولا وهن (^١)
«١١٧» فيها ست ياءات إضافة: ﴿وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ «٢٠» قرأها نافع وابن عامر وحفص بالفتح.
﴿مِنِّي إِنَّكَ﴾ «٣٥»، ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ «٤١» قرأها نافع وأبو عمرو بالفتح.
﴿إِنِّي أُعِيذُها﴾ «٣٦»، ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى﴾ «٥٢» قرأهما نافع بالفتح.
﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ «٤٩» قرأها الحرميان وأبو عمرو بالفتح.
«١١٨» فيها زائدتان، قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ «٢٠» قرأه نافع وأبو عمرو بياء في الوصل.
قوله: ﴿وَخافُونِ﴾ «١٧٥» قرأه أبو عمرو بياء في الوصل، وقد قدّمنا الحجة في ذلك (^٢).
***
_________________
(١) زاد المسير ١/ ٥٣٠، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٤٢، وتفسير النسفي ١/ ٢٠٢، وراجع مصادر الإحالة الفقرة «٨٢».
(٢) ص: «كل ذلك»، راجع الفقرة «٢١٨» من سورة البقرة، وجاء بآخر هذه السورة في «ب» ما يلي: يتلوه سورة النساء.
[ ١ / ٣٧٤ ]