«١٦» قرأ حمزة بوقفة خفيفة على الياء من «شيء» حيث وقع على أي حال كان من الإعراب، يقف ثم يهمز. وقرأ الباقون بغير وقف، غير أن ورشا بمدّ الياء، على ما ذكرنا عنه في أبواب المد. وعلة الوقف على الياء، وتركه كالعلة في الوقف على لام التعريف، والاختيار ترك الوقف للعلّة التي تقدّمت (^٢).
«١٧» قوله: «وهي، وهو، وفهي، ولهي، وثمّ هو» (^٣)، قرأ ذلك أبو عمرو والكسائي وقالون بإسكان الهاء، حيث وقع، إذا كان قبل الهاء واو أو فاء أو لام أو ثم، وقرأ الباقون بضم الهاء من «هو» وكسرها من «هي»، غير أن أبا عمرو ضمّ الهاء في «ثم هو» كالباقين (^٤).
وعلة من أسكن الهاء أنها، لمّا اتصلت بما قبلها من واو أو فاء أو لام، وكانت لا تنفصل منها، صارت كلمة واحدة، فخفّف الكلمة، فأسكن الوسط وشبّهها بتخفيف العرب لعضد وعجز، فهو كلفظ «عضد» فخفّف كما يخفّف «عضدا»، وهي لغة مشهورة مستعملة، يقولون: عضد وعجز، فيسكنون استخفافا. وأيضا فإن الهاء، لمّا توسّطت مضمومة، بين واوين، وبين واو وياء، ثقل ذلك، وصار كأنه ثلاث ضمات في «وهو»، وكسرتان وضمّة في «هي»، فأسكن الهاء لذلك استخفافا (^٥).
_________________
(١) الحرف في سورة البقرة (آ ٢٠).
(٢) التبصرة ٥٠ /أ، والتيسير ٦٢، والنشر ١/ ٤١٣، والحجة ١/ ٢٩٥، والحجة في القراءات السبع ٤٨
(٣) هذه الأحرف على تريبها في سورة الحج (آ ٤٨)، البقرة (آ ٢٩)، الفرقان (آ ٥)، العنكبوت (آ ٦٤)، القصص (آ ٦١). وسيأتي ذكر ثانيها في سورة الحج، الفقرة «٤ - ٦».
(٤) التبصرة ٥٠ /أ - ب، والتيسير ٧٢، والنشر ٢/ ٢٠٢
(٥) كتاب سيبويه ٢/ ٣٠٨
[ ١ / ٢٣٤ ]
«١٨» وعلة من حرك الهاء أنه أبقاها على أصلها قبل دخول الحرف [عليها] (^١) لأنه عارض، لا يلزمها في كل موضع. وأيضا فإن الهاء في تقدير الابتداء بها، لأن الحرف الذي (^٢) قبلها زائد، والابتداء فيها لا يجوز إلا مع حركتها، فحملها على حكم الابتداء [بها] (^٣) وحكم لها، مع هذه الحروف على حالها، عند عدمهن. فأما اختصاص أبي عمرو بالضمّ مع «ثم هو»، وبالإسكان مع الواو، والفاء واللام، فإنه لمّا رأى الواو والفاء واللام لا يوقف عليهن، ولا ينفصلن من الهاء، أجرى (^٤) الهاء مجرى الضاد من «عضد» إذ لا ينفصل من العين، فأسكن.
ولمّا رأى «ثم» تنفصل، ويوقف عليها، ويبتدأ بها، أجرى الهاء مجراها في الابتداء فضمّها. فأما من أسكن مع «ثم» فإنه، لمّا كانت كلها حروف عطف، حملها محملا واحدا (^٥). والاختيار في ذلك حركة الهاء في جميعها، لأنه الأصل، ولأن ما قبل الهاء زائد، ولأن الهاء في نية الابتداء بها، ولأن عليه جماعة القراء، والإسكان لغة مشهورة حسنة.
«١٩» قوله: (فأزلّهما) قرأ حمزة بألف مخففة، وقرأه الباقون بغير ألف مشدّدا (^٦).
وعلة من قرأ بالألف أنه جعله من الزوال، وهو التنحية، واتبع في ذلك مطابقة معنى ما قبله على الضد، وذلك أنه قال تعالى ذكره لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ «٣٥» فأمرهما بالثبات في الجنة، وضد الثبات الزوال. فسعى
_________________
(١) تكملة موضحة من: ص.
(٢) ب: «التي» وتصويبه من: ص.
(٣) تكملة موافقة من: ص.
(٤) ب: «جرى» وتصويبه من: ص.
(٥) التبصرة ٥٠ /أ - ب، والتيسير ٧٢، والنشر ٢/ ٢٠٢، والحجة ١/ ٣٠٨، والحجة في القراءات السبع ٥٠، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٧ /أ، وكتاب سيبويه ٢/ ٣٠٨
(٦) التبصرة ٥٠ /ب، والتيسير ٧٣، والنشر ٢/ ٢٠٣
[ ١ / ٢٣٥ ]
إبليس اللعين فأزالهما بالمعصية عن المكان الذي أمرهما الله بالثبات فيه مع الطاعة، فكان الزوال به أليق، لما ذكرنا. وأيضا فإنه مطابق لما بعده في المعنى لأن بعده ﴿فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ والخروج عن المكان هو الزوال عنه. فلفظ الخروج عن الجنة يدل على الزوال عنها، وبذلك قرأ الحسن والأعرج وطلحة (^١).
«٢٠» وعلة من قرأ بغير ألف الإجماع في قولهم: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ «آل عمران ١٥٥» أي: أكسبهم الزلة، فليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان. إنما قدرته على إدخال الإنسان في الزلل، فيكون ذلك سببا إلى زواله من مكان إلى مكان بذنبه، ويقوي ذلك أنه قال في موضع آخر: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ﴾ «الأعراف ٢٠»، والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزّلل بالمعصية، وليست الوسوسة بإزالة منه لهما من مكان إلى مكان. إنما هي تزيين فعل المعصية، وهي الزلة لا الزوال. وأيضا فإنه قد يحتمل أن يكون معنى «فأزلّهما» من: زلّ عن المكان، إذا تنحى عنه، فيكون في المعنى كقراءة من قرأ بألف من الزوال، والاختيار القراءة بغير ألف، لما ذكرنا من العلة، ولأنه قد يكون بمعنى «فأزالهما» فيتفق معنى القراءتين، ولأنه إجماع من القراء غير حمزة، ولأنه مروي عن ابن عباس، وبه قرأ أبو جعفر يزيد وشيبة، وأبو عبد الرحمن السّلمي وقتادة ومجاهد وابن أبي إسحاق، وهي قراءة أهل المدينة، وأهل مكة، وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد. قال أبو عبيد من قرأ بغير ألف ذهب إلى الزلل في الدين كقوله: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ «النحل ٩٤» ومن خفّف أراد إزالتهما عن موضعهما (^٢).
«٢١» قوله: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ قرأه ابن كثير بنصب
_________________
(١) تفسير ابن كثير ١/ ٨٠.
(٢) الحجة في القراءات السبع ٥١، وزاد المسير ١/ ٦٧، وتفسير ابن كثير ١/ ٨٠، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٦ /أ، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٥ /أ.
[ ١ / ٢٣٦ ]
«آدم» ورفع «كلمات»، وقرأه الباقون برفع آدم، ونصب «الكلمات» والتاء مكسورة في حال النصب، على سنن العربية (^١).
وعلة من نصب «آدم» ورفع «الكلمات» أنه جعل «الكلمات» استنقذت «آدم» بتوفيق الله له، لقوله إياها، والدّعاء بها، فتاب الله عليه.
وأيضا فإنه لمّا كان الله، جلّ ذكره، من أجل الكلمات تاب الله عليه، بتوفيقه إياه لقوله لها (^٢)، كانت هي التي أنقذته، ويسرت له التوبة من الله، فهي الفاعلة، وهو المستنفذ بها، وكان الأصل أن يقال على هذه القراءة: فتلقّت آدم من ربه كلمات لكن لمّا كان (^٣) بعد ما بين المؤنث وفعله حسن حذف علامة التأنيث، وهو أصل يجري في كل القرآن، إذا جاء فعل المؤنث بغير علامة. وقيل: إنما ذكّر، لأنه محمول على المعنى، لأن الكلام والكلمات واحد، فحمل على الكلام فذكّر. وقيل: ذكّر لأن تأنيث الكلمات غير حقيقي، إذ لا ذكر لها من لفظها، وبذلك قرأ ابن عباس ومجاهد وأهل مكة (^٤).
«٢٢» وعلة من قرأ برفع «آدم» ونصب «الكلمات» أنه جعل «آدم» هو الذي تلقّى الكلمات، لأنه هو الذي قبلها ودعا بها، وعمل بها، فتاب الله عليه. فهو الفاعل لقبوله الكلمات، فالمعنى على ذلك، وهو الخطاب، وفي تقديم «آدم» على الكلمات تقوية أنه الفاعل. وقد قال أبو عبيد في معنى «فتلقى آدم من ربه كلمات» معناه: قبلها، فإذا كان آدم قابلا فالكلام مقبول، فهو المفعول وآدم الفاعل، وعليها الجماعة، وهي قراءة الحسن والأعرج وشيبة وأهل المدينة وعيسى بن عمر والأعمش، وهي قراءة العامة، وهي اختيار أبي
_________________
(١) التبصرة ٥٠ /ب، والتيسير ٧٣، والنشر ٢/ ٢٠٣
(٢) ب: «لقولها» ورجحت ما في: ص.
(٣) لفظ «كان» سقط من: ص.
(٤) تفسير النسفي ١/ ٤٣
[ ١ / ٢٣٧ ]
عبيد وغيره (^١).
«٢٣» قوله: (ولا يقبل) قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالتاء، وقرأه الباقون بالياء (^٢).
وعلة من قرأه بالتاء انه أتّث لتأنيث لفظ الشفاعة، فهو ظاهر التلاوة، وبه قرأ الأعرج وابن محيصن وأهل مكة، وهو الأصل.
«٢٤» وعلة من قرأه بالياء أنه ذكّر لأربع علل: الأولى أنه [لمّا] (^٣) فرّق بين المؤنث وفعله، قام التفريق مقام التأنيث، وحسن التذكير. والثانية أنه لمّا كان تأنيث الشفاعة غير حقيقي، إذ لا ذكر لها من لفظها ذكّر، لأن التذكير هو الأصل، والتأنيث داخل [عليه] (^٣) أبدا. والثالثة أنه لمّا كان الشفاعة والشفيع بمعنى واحد، حمل التذكير على الشفيع. والرابعة أن ابن مسعود وابن عباس قالا: إذا اختلفتم في الياء والتاء فاجعلوها ياء (^٤). وذكر أبو عبيد عن ابن مسعود أنه قال: ذكّروا القرآن، وإذا اختلفتم في الياء والتاء فاجعلوها ياء (^٥)، فإنه (^٦) أكثر ما جاء في القرآن من هذا النوع أتى مذكرا بإجماع من القراء. قال الله جلّ ذكره ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ «آل عمران ١٣» وقال:
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ٥١، وزاد المسير ١/ ٦٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٨١، وتفسير النسفي ١/ ٤٣، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٦ /أ، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٥ /أ.
(٢) سيأتي نظير لهذا الحرف في سورة الأنعام، الفقرة «٣ - ٦»، وانظر التيسير ٧٣، وتفسير النسفي ١/ ٤٧، والنشر ٢/ ٢٠٤
(٣) تكملة لازمة من: ص.
(٤) لم أقف على هذا الأثر في ما رجعت إليه من مصادر.
(٥) لم أقف على هذا الأثر في ما عدت إليه من مصادر غير ما ذكره ابن الأثير قوله: «القرآن ذكر فذكّروه» أي أنه جليل خطير فأجلوه انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ١٦٣
(٦) ص: «وأيضا فإنه».
[ ١ / ٢٣٨ ]
(قد ﴿جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ «الأنعام ١٥٣» وقال: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ «هود ٦٧» وقال: ﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ﴾ «القلم ٤٩» وهو كثير، أتى على التذكير إجماع، فكان حمل هذا على ما أجمعوا عليه أولى. ويقوى التذكير إجماع القراء على تذكير الفعل مع ملاصقته للمؤنث في قوله: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ «يوسف ٣٠» وقوله: ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ﴾ «الأعراف ٨٧» فإذا جاء التذكير بغير حائل فهو مع الحائل أجود وأقوى، والاختيار الياء، لما ذكرنا من العلة، ولأن به قرأ أكثر القراء (^١)، وذلك حجة. وكلّ ما وقع مثل هذا في التأنيث والتذكير أقول: علته كعلة (ولا يقبل)، فيستغنى عن إعادة هذه العلل وتكريرها، فاعلم ذلك.
«٢٥» قوله: ﴿وَإِذْ واعَدْنا﴾ قرأ أبو عمرو بغير ألف، ومثله في الأعراف وطه، وقرأه الباقون بألف بعد الواو (^٢).
«٢٦» وعلة من قرأ بغير ألف إجماعهم على قوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ﴾ «طه ٨٦» ولم يقل «يواعدكم» فالوعد من الله، جلّ وعزّ، وعده لموسى. وأيضا فإن المفاعلة أكثر ما تكون من اثنين بين البشر، والوعد من الله وحده كان لموسى، فهو منفرد بالوعد والوعيد، وعلى ذلك جاء القرآن، قال تعالى ذكره: ﴿وَعَدَكُمْ﴾ «إبراهيم ٢٢»، و﴿إِذْ يَعِدُكُمُ﴾ «الأنفال ٧» و﴿النّارُ وَعَدَهَا﴾ «الحج ٧٢» و﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ﴾ «طه ٨٦». وأيضا فإن ظاهر اللفظ، فيه وعد من الله لموسى، وليس فيه وعد من موسى، فوجب حمله على الواحد بظاهر النص، لأن الفعل مضاف إلى الله وحده، وهو اختيار أبي عبيد، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمر، وبه قرأ قتادة وابن أبي إسحاق. قال أبو حاتم: قراءة العامّة عندنا «وعدنا» بغير ألف. وقال: إن المواعدة أكثر ما تكون بين المخلوقين والمتكافئين، كل واحد يعد صاحبه.
_________________
(١) ص: «قرأ الحرميان وعاصم وابن عباس».
(٢) سيأتي ذكر هذا الحرف في سورتي الأعراف وطه وفي هذه، الفقرة «١٨» انظر التبصرة ٥٠ /ب، والتيسير ٧٣، والنشر ٢/ ٢٠٤
[ ١ / ٢٣٩ ]
«٢٧» وعلة من قرأ بألف أنه جعل المواعدة من الله ومن موسى، وعد الله موسى لقاءه على الطّور ليكلّمه ويناجيه، ووعد موسى الله المسير لما أمره به. والمواعدة أصلها من اثنين، وكذلك هي في المعنى، ويجوز أن تكون المواعدة من الله جلّ ذكره وحده. فقد تأتي المفاعلة من واحد في كلام العرب. قالوا:
طارقت النّعل، وداويت العليل، وعاقبت اللّص، والفعل من واحد. فيكون لفظ المواعدة من الله خاصة لموسى كمعنى «وعدنا». فتكون القراءاتان بمعنى واحد، وليس يبعد أن تكون المواعدة في هذا من اثنين، فيصحّ «واعدنا»، لأن موسى لا بدّ أن يكون منه وعد لإتيانه ما أمر به، فيكون من باب «واعدنا»، أو يكون موسى كان منه قبول الوعد والتّحري لإنجازه (^١)، والوفاء به، فيقوم ذلك منه مقام الوعد، ويجري منه قبول إلى معنى المفاعلة، فتلزم القراءة بالألف في الوجهين جميعا. وقد قال الله: ﴿وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ «البقرة ٢٣٥» فأتى بالمواعدة، لأن التواعد كان من الخاطب ومن المخطوبة، والاختيار «واعدنا» بالألف لأنه بمعنى «وعدنا» في أحد معنييه، ولأنه لا بدّ لموسى من وعد أو قبول، يقوم مقام الوعد، فتصحّ المفاعلة على الوجهين جميعا، ولأنه عليه أكثر القراء، وهو اختيار أبي طاهر (^٢).
«٢٨» قوله: (ينصركم، وبارئكم) وشبهه، قرأه أبو عمرو في رواية الرّقيّين عنه بإسكان الراء والهمزة في «بارئكم» و«يأمرهم» و«يشعركم» و«ينصركم» (^٣) و«بارئكم» على ما ذكرنا في الكتاب الأول. وقرأ في رواية العراقيين عنه باختلاس حركة الراء والهمزة في ذلك. واختيار اليزيدي (^٤)
_________________
(١) ب: «ولإنجازه» وبطرح الوجه كما في: ص.
(٢) الحجة في القراءات السبع ٥٣، وزاد المسير ١/ ٧٩، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٦ /ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٥ /ب.
(٣) الأحرف، غير حرف سورة البقرة، على ترتيبها في سورة البقرة (آ ٦٧)، الأنعام (آ ١٠٩)، آل عمران (آ ١٦٠).
(٤) اسمه يحيى بن المبارك أبو محمد، وعرف بهذه النسبة لصحبته يزيد بن -
[ ١ / ٢٤٠ ]
الإشباع كالباقين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو في رواية الرّقيين عنه (أرني، وأرنا) (^١) بإسكان الراء. وقرأ أبو عمرو في رواية العراقيين عنه بالاختلاس (^٢).
وقرأ ابن عامر وأبو بكر بإسكان الراء في السجدة في قوله: ﴿أَرِنَا الَّذَيْنِ﴾ «٢٩» خاصة. وقرأ الباقون بحركة تامة في ذلك كله (^٣).
«٢٩» وعلة من أسكن أنه شبّه حركة الإعراب بحركة البناء، فأسكن حركة الإعراب استخفافا، لتوالي الحركات. تقول العرب: «أراك منتفخا» بسكون الفاء، استخفافا لتوالي الحركات، وأنشدوا:
وبات منتصبا وما تكردسا (^٤) …
فأسكن الصاد لتوالي الحركات، فشبّه حركات الإعراب بحركات البناء، فأسكنها وهو ضعيف مكروه (^٥).
«٣٠» وعلة من اختلس الحركة أنها لغة للعرب في الضمّات والكسرات تخفيفا، لا ينقص ذلك الوزن، ولا يتغيّر المعرب. ولمّا كان تمام الحركة مستثقلا، لتوالي الحركات وكثرتها، والإسكان بعيدا، لأنه يغير الإعراب عن جهته فتوسّط الأمرين، فاختلس الحركة، فلم يخلّ بالكلمة من جهة الإعراب، ولا ثقّلها من جهة توالي الحركات، فتوسّط الأمرين.
_________________
(١) =منصور خال المهدي، أخذ القراءة عرضا عن أبي عمرو وخلفه بها، وأخذ عن حمزة، وروى عنه أولاده، وأبو عمر الدّوري وأبو شعيب السوسي وأبو حمدون وسواهم، (ت ٢٠٢ هـ)، ترجم في نزهة الألباء ٨١، وطبقات القراء ٢/ ٣٧٥
(٢) الحرفان في سورة البقرة (آ ١٢٨، ٢٦٠)
(٣) النشر ٢/ ٢٠٦
(٤) التبصرة ٥٠ /ب - ٥١ /أ، والتيسير ٧٣، ٧٦، والنشر ٢/ ٢٠٤
(٥) الشاهد للعجاج انظر ديوانه ١٣٠، ومجموع أشعار العرب ٢/ ٣٢، واللسان «كردس»، والحجة في علل القراءات السبع ١/ ٣٠٩
(٦) كتاب سيبويه ٢/ ٣٠٨
[ ١ / ٢٤١ ]
«٣١» وعلة من أتمّ الحركة، لم يسكن، ولا اختلس أنه أتى بالكلمة على أصلها، وأعطاها حقها من الحركات، كما يفعل بسائر الكلام، ولم يستثقل توالي الحركات، لأنها في تقدير كلمتين، المضمر كلمة، وما قبله كلمة، ولأن حذف الإعراب إنما (^١) يجوز في الشعر، ولا يحمل القرآن على ما يجوز في الشعر، وأيضا فإنه فرّق بين حركة الإعراب، التي تدل على معنى، وبين حركة البناء، التي لا تدل على معنى في أكثر الكلام، وأنه فرّق أيضا بين حركة البناء، التي لا تتغير عن حالها، وبين حركة الإعراب، التي تتغير، وتنتقل عن حالها، فألزم حركة الإعراب ترك التغييرين، إذ هي تتغير، فلم يجز أن يلحقها تغيير آخر، وجوز ذلك في حركة البناء، إذ لا تتغير. وأجاز أن تغيّر بالإسكان استخفافا. وأيضا فإن عليه الجماعة. والإسكان في «أرنا» و«أرني» أخفّ من (^٢) الإسكان في «يأمركم، وبارئكم» وشبهه لأن تلك حركة بناء، لا تتغير. وهذه حركة إعراب تتغير، وتنتقل، وإسكان حرف الإعراب بعيد ضعيف. وإسكان حركة البناء، إذا استثقلت، مستعمل كثير، لأن قولك: «أرني» بمنزلة «كتفي»، و«أرنا» بمنزلة «كتفا». والعرب تسكن الثاني من هذا استخفافا، فحمل «أرني، أرنا» على ذلك، لأن الكسرة في كل ذلك بناء. والاختيار تمام الحركات، لأنه الأصل، وعليه جماعة القراء، وهو اختيار اليزيدي، ولأن الإسكان إخلال بالكلام، وتغيير للإعراب، والاختلاس فيه تكلّف وتعمّد ومؤونة، وهو خارج عن الأصول، قليل العمل به، قليل الرواية [له] (^٣). وقد اختار أبو أيّوب (^٤) إشباع الحركة في «أرنا»، وهو الأصل والاختيار (^٥).
_________________
(١) ب: «أيضا» وتصويبه من: ص.
(٢) ص: «ليس من».
(٣) تكملة مناسبة من: ص.
(٤) هو سليمان بن أيوب الخيّاط، أحد العراقيين الرواة عن اليزيدي، وتقدّمت ترجمته.
(٥) الحجة في القراءات السبع ٥٤، وزاد المسير ١/ ٨٢، المختار في معاني -
[ ١ / ٢٤٢ ]
«٣٢» قوله: «(يغفر لكم)» قرأه نافع بالياء، وقرأه ابن عامر بالتاء، وقرأه الباقون بالنون، وأدغم أبو عمرو في رواية الرقيين عنه، الراء في اللام، وأظهرها الباقون (^١).
«٣٣» ووجه القراءة (^٢) بالنون أنه مردود على ما قبله، وهو قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾، فجرى «نغفر» على الإخبار عن الله، جلّ ذكره، كما أتى «قلنا» على الإخبار. فالتقدير: وقلنا ادخلوا الباب سجدا نغفر لكم.
«٣٤» ووجه القراءة بالتاء أنه أنّث، لتأنيث لفظ «الخطايا»، لأنها جمع «خطية» على التكسير.
«٣٥» ووجه القراءة بالياء أنه ذكّر، لمّا حال بين المؤنث وفعله، والعلل المذكورة في «ولا يقبل» تحسن في هذا على قراءة من قرأ بالياء، وحسن فيه الياء والتاء، وإن كان قبله إخبار عن الله، جلّ ذكره، في قوله: (وإذ قلنا) لأنه قد علم أن ذنوب الخاطئين لا يغفرها إلا الله، فاستغني عن النون، وردّ الفعل إلى الخطايا المغفورة. فأما من أدغم الراء (^٣) في اللام فقد ذكرنا، أنه قبيح لزوال تكرير الراء، ولأن الحرف ينتقل في الإدغام إلى أضعف من حاله قبل الإدغام، وذلك مرفوض قبيح، والإظهار هو الأصل، وعليه الجماعة، فهو أبقى لقوة الحذف (^٤).
«٣٦» قوله: (النبي، والنبوة، والأنبياء، والنبيين) (^٥) قرأه نافع وحده
_________________
(١) = قراءات أهل الأمصار ٧ /أ، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٦ /أ، وكتاب سيبويه ٢/ ٣٥٦
(٢) ومذهب أبي عمرو في إدغام مثل هذه الراء عام في كل راء، انظر التبصرة ٥١ /أ، والتيسير ٧٣، ١١٤، والنشر ٢/ ٢٠٧
(٣) ب: «وحجة القراء» وتوجيهه من: ص.
(٤) ص: «فأما ادغام الراء».
(٥) الحجة في القراءات السبع ٥٥، وزاد المسير ١/ ٨٥، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٧ /أ، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٦ /ب.
(٦) الأحرف، غير حرف سورة البقرة، في سورة البقرة (آ ٢٤٦)، آل عمران (آ ٧٩)، البقرة (آ ٩١)
[ ١ / ٢٤٣ ]
بالهمز، وقرأ الباقون بغير همز، إلاّ في موضعين في سورة الأحزاب (^١)، فإن قالون لا يهمزهما (^٢) ويشدّد الياء على أصله في الهمزتين المكسورتين، وتسهيله للأولى منها، فهذه همزة قبلها ياء زائدة، زيدت للمدّ، فحكمها أن تبدل منها ياء، وتدغم فيها الياء الزائدة، التي قبلها، على الأصول المتقدمة في تخفيف الهمزة (^٣).
«٣٧» وحجة من همز أنه أتى به على الأصل، لأنه من النبأ الذي هو الخبر، لأن النبي مخبر عن الله، جلّ ذكره، فهي تبنى على «فعيل» بمعنى «فاعل»، أي: منبيء عن الله، أي مخبر عنه بالوحي، الذي يأتيه من الله.
فأصله بالهمز، فأتى به على أصله، ومعناه من الله. قال سيبويه: وكلّ يقول تنبأ مسيلمة (^٤)، فيهمزون (^٥). وأجمعوا على الهمزة في «النبآء» جمع «نبيء»، فدلّ ذلك على أنه من «النباء»، وليس من النباوة، التي هي الرفعة. وأيضا فإن وقوع اسم الأخبار عن الرسول أولى من وقوع اسم الرفعة، لأنه للإخبار عن الله أرسل. فأما من ترك همزه فإنه أجراه على التخفيف، لكثرة دوره واستعماله، فأبدل من الهمزة حرفا من جنس ما قبلها، وأدغم ما قبلها في البدل، فقال: «النبي، والنبوة». ولمّا أتى الجمع المكسّر، ولم يكن قبل الهمزة حرف زائد، وجب أن يجري على الأصول في التخفيف، فأبدل منها ياء مفتوحة، لانكسار ما قبلها.
وذلك «الأنبياء»، فهو مثل قوله: «من الشّهداين تضل» في قراءة الحرميين
_________________
(١) هما الحرفان (آ ٥٠، ٥٣).
(٢) ب: «يهمزها» وتصويبه من: ص.
(٣) التبصرة ٥١ /أ، والتيسير ٧٣، والنشر ١/ ٤٠٠، ٢/ ٢٠٧
(٤) أحد من كان في وفد بني حنيفة على رسول الله ﷺ، وإذ عاد ارتدّ وتنبّأ، حتى قتله سيف الله خالد بن الوليد، انظر الاشتقاق ١٤٤، ٢٢٣، ٤٥٧، وجوامع السيرة ١١، ٨٥، ١٦٦، ٢٥٩، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١.
(٥) كتاب سيبويه ٢/ ١٤٥
[ ١ / ٢٤٤ ]
وأبي عمرو (^١). فأما الهمزة الثانية التي بعد الألف فهي همزة ثابتة، بدل من ياء «فعيل» ك «صديق وأصدقاء» فلا اختلاف في همزه إلا لحمزة وهشام فإنهما إذا وقفا يبدلان من الهمزة ألفا، لأنهما يقفان بالسكون، ثم يحذفان إحدى (^٢) الألفين لاجتماعهما، على ما قدّمنا من الاختلاف في ذلك (^٣). وتمدّ إن قدّرت الألف الثانية هي المحذوفة، ولا تمد إن قدّرت الأولى هي المحذوفة. وكان الأصل أن يجعلاها في التخفيف بين الهمزة والواو، في حال روم الحركة، إذا كانت الهمزة مضمومة، وبين الهمزة والياء، إذا كانت الهمزة مكسورة، لكن يؤدي ذلك إلى مخالفة الخط، فيرجع إلى السكون والبدل. وقد بيّنا هذا فيما تقدّم، وزدناه بيانا في هذا الموضع. فأما إذا كانت الهمزة مفتوحة فبالإسكان تقف، ثم تبدل من الهمزة ألفا، على ما ذكرنا، لأن الفتح خفيف، فترك الرّوم فيه القراء. وترك الهمز، في هذا الباب كله، أحب إليّ لأنه أخفّ، ولإجماع القراء عليه، ولما روي عن النبي ﵇ من كراهة همز «النبي» (^٤)، وهو اختيار أبي عبيد. ويجوز أن يكون من لم يهمز جعله من «النباوة»، وهي الارتفاع، فيكون لا أصل له في الهمز (^٥).
«٣٨» قوله: (والصابئين، والصابئون) (^٦) قرأه نافع بغير همز، وهمزه الباقون (^٧).
_________________
(١) الحرف في سورة البقرة (آ ٢٨٢) انظر التيسير ٣٢
(٢) ب: «أحد» وتصويبه من: ص.
(٣) التيسير ٣٨
(٤) ب: «همزة النبيين» ووجهه كما في: ص. وأما الأثر المروي في ذلك فهو: «يا نبيء الله، قال: لست بنبيء الله، ولكني نبي الله» وراويه هو حمران بن أعين الكوفي ذكره الذهبي وذكر أن ابن معين قال فيه: ليس بشيء، وأن أبا حاتم قال: شيخ، وأن أبا داود قال: رافضي. والنسائي: ليس بثقة. انظر ميزان الاعتدال ١/ ٦٠٤، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٥/ ٣، «وفيه شرح».
(٥) الحجة في القراءات السبع ٥٧، وزاد المسير ١/ ٩٠، والمختار في معانى قراءات أهل الأمصار ٧ /ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٧ /أ.
(٦) الحرف الثاني في سورة المائدة (آ ٦٩).
(٧) التبصرة ٥١ /أ، والتيسير ٧٤، والنشر ١/ ٣٩١
[ ١ / ٢٤٥ ]
«٣٩» فمن همز جعله من «صبأ الرجل في دينه» (^١) إذا خرج منه وتركه. ومنه قولهم: صبأ ناب الصبي، إذا طلع. وصبأت النجوم إذا ظهرت. فالصابيء التارك لدينه، الخارج منه. فلام الفعل همزة. فكذلك يجب أن تكون في الصابئين.
«٤٠» فأما من لم يهمز فهو على أحد وجهين، إما أن يكون خفّف الهمزة على البدل، فأبدل منها ياء مضمومة، أو واوا مضمومة، في الرفع، فلمّا انضمت الياء إلى الواو ألقى الحركة على الياء، استثقالا للضمّ على حرف (^٢) علة، فاجتمع حرفان ساكنان، فحذف الأول لالتقاء الساكنين، وهذا الحذف، والاعتلال كالحذف، والاعتلال في «العاصين والعاصون» فقسه عليه. وكذلك أبدل منها ياء، في النصب، مكسورة، ثم حذف الكسرة، لاجتماع ياءين الأولى مكسورة، فاجتمع له ياءان ساكنتان (^٣)، فحذف إحداهما لالتقاء الساكنين، فقال:
«الصابين». والبدل في مثل هذا، للهمزة في التخفيف، مذهب (^٤) الأخفش وأبي (^٥) زيد (^٦). فأما سيبويه فلا يجيز البدل في المتحركة ألبتة، إلا إذا كانت مفتوحة وقبلها ضمة أو كسرة. وقد ذكرنا ذلك وبيّناه، فإن وقع في شعر أجازه سيبويه (^٧).
_________________
(١) تفسير غريب القرآن ٥٢، والقاموس المحيط «صبأ».
(٢) ص: «للضم على الباء فقال الصابون وكان أصله الصابيون لكن لما أبدل من الهمزة ياء مضمومة وألقى حركتها على حرف».
(٣) ب: «ساكنان» ورجحت ما في: ص.
(٤) ب: «فهو مذهب» ورجحت طرح الضمير كما في: ص.
(٥) ب: «وأبو» ورجحت ما في: ص.
(٦) اسمه سعيد بن أوس الأنصاري، عالم بالنحو واللغة، أخذ عن أبي عمرو، وعنه أبو عبيد وأبو حاتم وسواهما، وكان سيبويه يصفه بالثقة، (ت ٢١٥) هـ، ترجم في أنباه الرواة ٢/ ٣، ونزهة الالباء ١٢٥، وطبقات القراء ١/ ٣٠٥
(٧) كتاب سيبويه ٢/ ١٩٠
[ ١ / ٢٤٦ ]
والوجه الثاني أن يكون من «صبا، يصبو» إذا فعل ما لا يجب له فعله، كما يفعل الصبي، فيكون في الاعتلال، قد حذف لامه في الجمع، وهي واو مضمومة في الرفع، وواو مكسورة في الخفض والنصب، فجرى الاعتلال على إلقاء حركة الواو على الياء، وحذف الواو الأولى لسكونها وسكون واو الجمع أو يائه بعدها، فهي في الاعتلال مثل اعتلال قولك: رأيت الغازين، وهؤلاء الغازون، فقسه عليه (^١).
«٤١» قوله: (هزوا، وكفوا، وجزءا) (^٢) قرأ حمزة بإسكان الزاي والفاء، وضمّها الباقون، وكلهم همز إلا حفصا، فإنه أبدل من الهمزة واوا مفتوحة، على أصل التخفيف، لأنها همزة مفتوحة، قبلها ضمة (^٣)، فهي تجري على البدل كقوله: «السفهاء لا» في قراءة الحرميين وأبي عمرو (^٤)، كذلك يفعل حمزة، إذا وقف كأنه يعمل الضمة التي كانت على الزاي والفاء في الأصل، وكان يجب عليه، على أصل التخفيف، لو تابع لفظه، أن يلقي حركة الهمزة على الساكن الذي قبلها، كما يفعل في «جزءا» فقال في الوقف «جزا»، فكان يجب أن يقول: «كفا، وهزا» لكنه رفض ذلك، لئلا يخالف الخط، فأعمل الضمة الأصلية، التي كانت على الزاي والفاء في الهمزة، فأبدل منها واوا مفتوحة، ليوافق الخط، ثم يأتي بالألف، التي هي عوض من التنوين، بعد ذلك.
وكل القراء أسكن الزاي من «جزءا» إلا أبا بكر فإنه ضمّها. فأما «جزء» المرفوع (^٥) فأبو بكر يضم الزاي وحده، وكلّهم همزه إلا حمزه وهشاما إذا وقفا،
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ٥٧، وزاد المسير ١/ ٦١، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٧ /ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٧ /أ.
(٢) والحرفان الآخران أولهما في سورة الإخلاص (آ ٤) والثاني في البقرة (آ ٢٦٠) وتقدّم ذكر هذه الأحرف في الصفحتين ٨٥، ١١٦
(٣) التبصرة ٥١ /أ، والتيسير ٧٤، والنشر ١/ ٣٨٩
(٤) الحرف في سورة البقرة (آ ١٣) انظر التيسير ٣٣
(٥) الحرف في سورة الحجر (آ ٤٤).
[ ١ / ٢٤٧ ]
فإنهما يلقيان حركة الهمزة على الزاي، ويقفان بالروم لتلك الحركة، أو بالإشمام (^١). فمن ضمّ الزاي والفاء أتى بهما على الأصل. ومن أسكنهما فعلى الاستخفاف، وهي لغة للعرب، حكى الأخفش عن عيسى بن عمر أن كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، ففيه لغتان: التثقيل والتخفيف نحو: «اليسر، والعسر، والهزؤ» ومثله ما كان من المجموع على «فعل» لك فيه التخفيف والتثقيل أيضا. وقد تقدّم ذكر علل تخفيف الهمزة وأحكامه، لكن لتخفيف الهمزة في: «هزوا وكفوا» مزية على ما تقدّم، وذلك لما فيه من الثقل، لهمزة وضمتان في الأصل (^٢).
«٤٢» قوله: ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ قرأه (^٣) ابن كثير بالياء ردّه على قوله تعالى: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ «٧١». ورده أيضا على ما بعده من قوله: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، وقوله (يحرفون) وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ «٧٥» فلمّا أتى ما قبله وما بعده، على لفظ الغيبة، أجراه على ذلك، ولم يجره على قوله: (أفتطعمون)، لأنه خطاب للمؤمنين، و«يعلمون» يراد به اليهود، وقرأه (^٣) الباقون بالتاء، ردوه على الخطاب، الذي قبله، في قوله:
﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ «٧٣» وقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ «٧٤» فجرى آخر الكلام على أوله، بالخطاب كله لليهود، وهو الاختيار، لأن عليه الجماعة، وهو اختيار أبي عبيد (^٤).
_________________
(١) التيسير ٣٨، والنشر ٢/ ٢٠٨
(٢) الحجة في القراءات السبع ٥٨، وزاد المسير ١/ ٩٧، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٧ /ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٧ /أ، وكتاب سيبويه ٢/ ٣٠٩
(٣) ب: «قرأ» ورجحت ما في: ص.
(٤) التبصرة ٥١ /أ، والتيسير ٧٤، والنشر ٢/ ٢١٠، والحجة في القراءات السبع ٥٩، وزاد المسير ١/ ١٠٢، وتفسير ابن كثير ١/ ١١٣، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٧ /ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٨ /ب.
[ ١ / ٢٤٨ ]
«٤٣» قوله: (خطيئته) قرأه نافع بالجمع، حمله على معنى الإحاطة، والإحاطة إنما تكون بكثرة المحيط، فحمله على معنى الكبائر، والسيئة الشرك.
فالمعنى: بلى من كسب شركا وأحاطت بن كبائره فأحبطت أعماله، فأولئك أصحاب النار، والهاء في «خطيآته» بمعنى الجمع، تعود على «من»، و«من» للجماعة، يدل على ذلك قوله: ﴿فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾. وقرأ الباقون بالتوحيد على [أن] (^١) تأويل الخطيئة الشرك، فوحّدوه على هذا المعنى، وتكون السيئة الذنوب، وهي بمعنى السيئات، ويجوز أن تكون الخطيئة في معنى الجمع، لكن وحّدت، كما وحّدت السيئة، وهي بمعنى الجمع، فتكون كالقراءة بالجمع في المعنى، وحسن انفراد لفظ الخطيئة، وهي بمعنى الجمع، لإضافتها إلى مفرد في اللفظ بمعنى الجمع. وقد يجوز أن يكون لفظ الخطيئة مفردا، يراد به الكثرة، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ «إبراهيم ٣٤» أي: نعم الله، لأن المعدود لا يكون إلا كثيرا، فتكون «الخطيئة» الكبائر و«السيئة» الذنوب (^٢).
«٤٤» قوله: ﴿لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ قرأه ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء، ردّوه إلى لفظ الغيبة الذي قبله، في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ﴾، وقرأه الباقون بالتاء حملوه على الخطاب (^٣)، وعلى ما بعده من الخطاب في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وقوله: (و﴿مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ﴾ «٨٥» ووقوع الأمر بعده، يدلّ على قوة الخطاب، وذلك قوله:
﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ فجرى صدر الكلام في ذلك على حكم آخره. وأيضا فإن نظائر هذا المعنى أتى على لفظ المخاطبة في
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص.
(٢) التبصرة ٥١ /ب، والتيسير ٧٤، والنشر ٢/ ٢١٠، والحجة في القراءات السبع ٥٩، وزاد المسير ١/ ١٠٨، وتفسير ابن كثير ١/ ١١٩، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٨ /أوالكشف في نكت المعاني والإعراب ٨ /ب.
(٣) ص: «لفظ الخطاب»، انظر تفسير مشكل إعراب القرآن ١٥ /ب.
[ ١ / ٢٤٩ ]
القرآن، قال الله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ﴾ «آل عمران ٨١» وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ «آل عمران ١٨٧»، والقراءة بالتاء أحبّ إليّ لما ذكرنا. وقد ذكرنا وجه رفع هذا الفعل في كتاب «مشكل الإعراب» (^١).
«٤٥» قوله: (حسنا) قرأه (^٢) حمزة والكسائي بفتح الحاء والسين، جعلاه صفة لمصدر محذوف، تقديره: وقولوا للناس قولا حسنا، وقرأه الباقون بضم الحاء وإسكان السين على أنها لغة في «الحسن». يقال: الحسن والحسن، والبخل والبخل، والرشد والرشد. فهو كالأول، وتقديره:
وقولوا للناس قولا حسنا. ويجوز أن يكون «الحسن» مصدرا كالكفر والشكر، فيلزم تقدير حذف مضاف، تقديره: وقولوا للناس قولا ذا حسن، ويؤول في المعنى إلى حسن (^٣).
«٤٦» قوله: ﴿تَظاهَرُونَ﴾ (^٤) قرأه الكوفيون مخفّفا، ومثله في التحريم:
﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ «التحريم ٤»، وشدّدهما الباقون.
«٤٧» وعلة ذلك لمن خفّف، أن الأصل «تتظاهرون» بتاءين، فاستثقل التكرير في فعل، والفعل ثقيل، في الجمع (^٥)، والجمع ثقيل، فحذف إحدى التاءين استخفافا، وكأنه استثقل الإدغام، لأن الحرف باق بدله مع الإدغام، والمحذوف هي التاء الثانية عند سيبويه، لأن بها يقع التكرير والاستثقال، لأن التاء الأولى تدل
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ٦٠، وتفسير النسفي ٥٩، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٩ /أ.
(٢) ص: «قرأ» وسيأتي ذكر الحرف في سورة الأحقاف، الفقرة «٢ - ٣».
(٣) الحجة في القراءات السبع ٦٠، وتفسير النسفي ٥٩، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٩ /أ.
(٤) ستأتي له نظائر في هذه السورة، الفقرة «١٨٣ - ١٨٦»، وسورة النساء، الفقرة «١» والأنعام، الفقرة «٨٦» والفرقان، الفقرة «٥» والأحزاب الفقرة «٣».
(٥) ب: «وفي الجمع»، ص: «وفي جمع»، وبطرح الواو قبل الجار صوابه
[ ١ / ٢٥٠ ]
على الاستثقال، ولو حذفت لذهبت الدلالة، والتاء الأولى هي المحذوفة عند الكوفيين لزيادتها.
«٤٨» وعلة من شدّد أنه كره الحذف. فأدغم التاء الثانية في الظاء، فزال لفظ التكرير، وحسن، الإدغام لأنك تبدل من التاء في الإدغام حرفا أقوى من التاء، وهو الظاء (^١).
«٤٩» قوله: ﴿أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ قرأ حمزة «أسرى» على وزن «فعلى»، وقرأ الباقون «أسارى» على وزن «فعالى»، وقرأ نافع وعاصم والكسائي «تفادوهم» بضم التاء وبالألف، وقرأ الباقون «تفدوهم» بفتح التاء [وإسكان الفاء] (^٢) من غير ألف.
«٥٠» وعلة من قرأ «أسرى»، على «فعلى»، أنه جمع أسير ك «جريح، وقتيل» بمعنى مأسور ومجروح ومقتول. فلمّا كان «جريح وقتيل» يجمعان على «فعلى»، ولا يجمعان على «فعالى»، فعل ب «أسير» ذلك، فهو أصله، وبه قرأ الحسن وابن وثّاب وابن أبي إسحاق والنّخعي (^٣) وطلحة وعيسى والأعمش.
«٥١» وحجة من قرأ «أسارى» على [وزن] (^٤) «فعالى» أنه شبّهه ب «كسالى»، وذلك أن الأسير، لمّا كان محبوسا عن كثير من تصرّفه، صار كالكسلان، الذي حبسه الكسل عن كثير من تصرفه، فلمّا اشتبها في هذا المعنى حملا في الجمع على بناء واحد، فجمع «كسلان» على «كسلى» وهو باب
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ٦٠، وزاد المسير ١/ ١١١، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٩ /ب، وكتاب سيبويه ٢/ ٤٩٣، ٥١٣
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس، أبو عمران، الإمام الكوفي، قرأ على الأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس، وعليه الأعمش وطلحة بن مصرّف، (ت ٩٦ هـ)، ترجم في طبقات ابن سعد ٦/ ٢٧٠، والجرح والتعديل ١/ ١٤٤/١
(٤) تكملة موافقة من: ص.
[ ١ / ٢٥١ ]
أسير، وجمع «أسير» على «أسارى»، وهو باب «كسلان». فكل واحد محمول على الآخر.
«٥٢» وعلة من قرأ «تفادوهم» بألف وضمّ التاء أنه بناه على أصل المفاعلة من اثنين لأن كل واحد من (^١) الفريقين يدفع من عنده من الأساري ويأخذ من عند الآخرين من الأسرى فكل واحد مفاد فاعل، والفاعلان بابهما المفاعلة.
وأيضا فإن المفاعلة قد تكون من واحد، فيكون [معناه] (^٣) معنى قراءة من قرأ بغير ألف، فيتفق معنى القراءتين. فأما من قرأه بفتح التاء، من غير ألف، فإنه بناه على أن أحد الفريقين يفدي أصحابه من الفريق الآخر، بمال أو غيره، من عرض. وكذلك العادة في المغلوب، هو يفدي ما أخذ له الغالب. فالفعل من واحد، إذ لا يكون كل واحد من الفريقين غالبا، وإنما تحمل المفاعلة على القراءة بالألف أن لكل (^٣) واحد من الفريقين أسيرا فيفادي كل واحد [منهما] (^٢) ويدفع ما عنده من الأسرى بما عند الفريق الآخر من الأسرى. ويجوز أن يكون تقاتلا فغلب أحدهما الآخر، وأسر الغالب، ثم تقاتلا فغلب المغلوب وأسر، ثم تفادوا. وإنما أسروا أسرى هؤلاء وأسرى هؤلاء. والاختيار «أسارى» على «فعالى» و«تفدوهم» بغير ألف لما ذكرنا من العلة، ولأن القراءتين قد ترجعان إلى معنى، ولأن أكثر القراء على ذلك. وبذلك قرأ مجاهد وابن محيصن والأعرج وشبل، وبه قرأ قتادة وأبو عبد الرحمن وغيرهم. وكان أبو عمرو يقول: الأسرى الذين جاؤوا مستأمنين، والأسارى الذين في الوثاق والسجون أخذوا قسرا (^٤).
«٥٣» قوله: (تعملون. أولئك) قرأه الحرميان وأبو بكر بالياء،
_________________
(١) ص: «منهما من».
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) ب: «كل» وتصويبه من: ص.
(٤) الحجة في القراءات السبع ٦١. وتفسير النسفي ١/ ٦٠
[ ١ / ٢٥٢ ]
ردّوه على قوله: ﴿يُرَدُّونَ﴾ وعلى قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ﴾، وقوله: (عنهم) (ولاهم) فلمّا أتى كلّه بلفظ الغائب، حمل صدر الكلام عليه، وقرأ الباقون بالتاء، حملوه على ما تقدّم من الخطاب في قوله: ﴿يَأْتُوكُمْ أُسارى﴾ و﴿مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ وقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، وقوله: ﴿فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ﴾، فلمّا تكرّر الخطاب حمل عليه، وهو الاختيار لكثرة ما قبله من الخطاب، ولأن أكثر القراء عليه (^١).
«٥٤» قوله: ﴿الْقُدُسِ﴾ (^٢)، هذا الكلام وقع بعد قصة «يعملون» قرأه ابن كثير بالإسكان حيث وقع، على الاستخفاف لتوالي ضمتين، وهي لغة، تقول العرب، الحلم والحلم، والطنب والطنب، والقدس والقدس.
وقرأه الباقون بالضمّ على الأصل، وهو الاختيار، لإجماع القراء عليه، ولقلة حروف الكلمة وخفّتها، وبذلك قرأ الحسن ومجاهد وابن أبي إسحاق ويحيى وطلحة والأعمش، وهو اختيار أبي حاتم وغيره (^٣).
«٥٥» قوله: (ينزل، وننزل) (^٤) قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف حيث وقع، إذا كان رباعيا جعلاه مستقبلا من «أنزل»، وذلك في القرآن كثير بإجماع نحو: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ «آل عمران ٤» و﴿أَنْزَلَ التَّوْراةَ﴾ «آل عمران ٣» و﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ «الكهف ١» و﴿بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ﴾ «الإسراء ١٠٥» وخالف ابن كثير في موضعين في سبحان فشدّدهما (^٥)، جعلهما من «نزّل» وهما قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ «الإسراء ٨٢» و﴿حَتّى﴾
_________________
(١) النشر ٢/ ٢١٢
(٢) سيأتي هذا الحرف في أول سورة النحل، وجاء بعد هذا الحرف في «ب» مايلي: «هذا الكلام وقع بعد قصة يعملون».
(٣) تقدّمت هذه الفقرة عن الفقرة المتقدمة في «ب» وحقها أن تليها كما في: ص، انظر النشر ٢/ ٢٠٨، وزاد المسير ١/ ١١٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٨ /ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ١٠ /أ.
(٤) الحرف الآخر في سورة الحجر (آ ٨)، وسيأتي في سورة الشورى الفقرة «٢».
(٥) ب: «فشدد» وتصويبه من: ص.
[ ١ / ٢٥٣ ]
﴿تُنَزِّلَ عَلَيْنا﴾ «الإسراء ٩٣» وكذلك المشدد في الحجر في قوله: ﴿وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ﴾ «٢١»، وإنما خصّ هذين الموضعين، ليبيّن بالتشديد معنى التكرير في النزول، لأن التشديد يدل على التكرير. فلمّا كان القرآن ينزل شيئا (^١) بعد شيء شدّد، ليدل على هذا المعنى، إذ لو خفّف لجاز أن ينزل مرة واحدة على النبي ﵇. ولم يكن كذلك، وشدّد ﴿وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ﴾ ليدل على نزول المطر شيئا (^٢) بعد شيء، إذ لو خفّف لجاز أن ينزل المطر مرة واحدة، وليس [الأمر] (^٣) كذلك. والتشديد للتكرير في الفعل، فهو يدل على هذه المعاني.
وخالف أيضا أبو عمرو في موضعين، فشدّد قوله في الأنعام: ﴿قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ﴾ «٣٧» فشدّده حملا على صدر الكلام لأن قبله: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾، ومستقبل «نزّل» «ينزّل»، فحمله على ما قبله، وأجراه عليه، وعلى لفظه. والموضع الثاني في الحجر: ﴿وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ﴾ «٢١»، وقد مضت علته (^٤). وقرأ الباقون بالتشديد في ذلك كله، حملوه على «نزّل» والتشديد أبلغ، لأنه يدل على تكرير الفعل غير أن حمزة والكسائي خفّفا موضعين في لقمان: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ «٢٤» وفي الشورى: ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ «٢٨» جعلاه من «أنزل»، وحملاه على قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ﴾ «الرعد ١٧»، وكلّه في نزول القطر (٥).
«٥٦» قوله: (جبريل) قرأه ابن كثير بفتح الجيم، وبياء بعد الراء، مع كسرها من غير همز، ومثله أبو بكر، غير أنه همز همزة مكسورة بعد الراء، وفتح الراء. ومثله حمزة والكسائي، غير أنهما زادا ياء بعد الهمزة، وقرأ الباقون
_________________
(١) ب: «شيء». وتصويبه من: ص.
(٢) تكملة موضحة من: ص.
(٣) انظر كلامه على علة الحرف (آ ١٠) في هذه السورة. الفقرة «٤ - ٦»، وكذلك نظيره في سورة الأنعام، الفقرة «١٥ - ١٦».
(٤) التيسير ٧٥، والحجة في القراءات السبع ٦٢، وزاد المسير ١/ ١١٤، والكشف في نكت المعاني والإعراب ١١ /ب.
[ ١ / ٢٥٤ ]
«جبريل» بكسر الجيم والراء، وبياء بعد الراء من غير همز، وهذه كلها لغات فيه. و«جبريل» اسم أعجمي، فمن كسر الجيم أتى به على مثال كلام العرب، فهو ك «قنديل ومنديل». ومن فتح أتى به على خلاف كلام العرب، ليعلم أنه ليس من كلام العرب، وأنه أعجمي. وكذلك فعل من همز. ومن أثبت ياء بعد الهمزة أتى به على خلاف كلام العرب، ليعلم أنه أعجمي، ليس من أبنية كلام العرب، وفيه لغات غير هذا (^١).
«٥٧» قوله: (ميكال) قرأه (^٢) أبو عمرو وحفص «ميكال» على وزن «مفعال»، ومثلهما نافع، غير أنه زاد همزة مكسورة بين الألف واللام، ومثله قرأ الباقون، غير أنهم زادوا ياء بعد الهمزة، وهذه القراءات لغات في هذا الاسم، وهو اسم أعجمي، غير أن من قرأه، على وزن «مفعال»، أتى به على وزن أبنية العرب، فهو مثل «مفتاح». ومن قرأه بغير ذلك أتى به على غير أبنية العرب، ليعلم أنه أعجمي، خارج عن أبنية العرب. وقولنا في قراءة أبي عمرو وحفص أنه «مفعال» تمثيل، لأنه ليس بقوي، وإلا فلا يجوز أن يكون «مفعالا»، لأنه رباعي إذ الهمزة المحذوفة يعتدّ بها، وبنات الأربعة لا يلحقها الزيادة في أولها، إلا في الأشياء الجارية على أفعالها، نحو: «مكرم، ومحسن» وليس «ميكال» من هذا الصنف، ولا يجوز أن يكون «فيعالا»، لأن هذا الوزن قد اختصّت به المصادر (^٣) نحو: «القيتال، والحيقال» (^٤)، وليس «ميكال» بمصدر،
_________________
(١) التبصرة ٥٢ /أ. وذكر ابن الجوزي أن في «جبريل» إحدى عشرة لغة وعدّدها انظر زاد المسير ١/ ١١٧ - ١١٩، والكشف في نكت المعاني والإعراب ١١ /ب.
(٢) ب: «قرأ» ورجحت ما في: ص.
(٣) كتاب سيبويه ٢/ ٢٩١
(٤) ذكر الطبري أن «ميكال» هي لغة أهل الحجاز. وقراءة عامة قراة أهل المدينة والبصرة. وأن «ميكائيل» على مثال «ميكاعيل» هي لغة تميم وقيس وبعض نجد وقراءة عامة أهل الكوفة، انظر تفسيره ٢/ ٣٨٨، وذكر ابن منظور قوله: «وفي الصحاح حوقل حوقلة وحيقالا إذا كبر وفتر عن الجماع «انظر اللسان» «حقل».
[ ١ / ٢٥٥ ]
ولا يجوز إن يكون «فعلالا»، لأن الهمزة مقدّرة فيه. فإنما هو اسم أعجمي ك «إبراهيم، وإسماعيل» (^١).
«٥٨» قوله: ﴿وَلكِنَّ الشَّياطِينَ﴾ ونظائره (^٢)، قرأ نافع وابن عامر:
﴿لكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾، و﴿لكِنَّ اللهَ رَمى﴾ في الأنفال «١٧» بتخفيف النون وكسرها ورفع ما بعدها، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿وَلكِنَّ النّاسَ﴾ في يونس «٤٤» بتخفيف النون وكسرها، ورفع «الناس»، وقرأ الباقون بتشديد النون في الأربعة وفتحها، ونصب ما بعدها (^٤).
«٥٩» وحجة من خفّف النون، ورفع ما بعد «لكن»، أن «لكن» حرف إذا شدّدت نونه كانت من أخوات «إنّ» تنصب الاسم وترفع الخبر، إذا كان «هو» الاسم (^٥)، وإذا خفّفت نونه كان حرف عطف، لا عمل له، وربما أتى خفيفا كأن يرتفع ما بعده بالابتداء والخبر، ويجوز أن تعمل «أن» مخفّفة، كما يعمل الفعل محذوفا نحو: لم يك زيد قائما. ولا يحسن أن تعمل «لكن» مخففة لاختلاف مواقعها، إذ لم تلزم موضعا واحدا، بل تكون عاطفة، وتكون للاستدراك، مخفّفة ومشددة، وتعمل عمل «إن» إذا شددت. فلمّا لم تلزم ولم تعمل مخففة رجع الكلام بعدها إلى أصله، وهو الابتداء والخبر، لأن «إن» وأخواتها إنما يدخلن على الابتداء والخبر. وأيضا فإنها، لمّا غيرت بالتخفيف، وكانت تحدث في الكلام معنى الاستدراك فارقت «أن» الخفيفة،
_________________
(١) زاد المسير ١/ ١١٧، وتفسير ابن كثير ١/ ١٣٠، وتفسير النسفي ١/ ٦٤
(٢) ونظيره في سورة يونس، الفقرة «١٨».
(٣) ب: «موضعين» وب «ال» كما في «ص» أصوب.
(٤) زاد المسير ١/ ١٢٢، والنشر ٢/ ٢١٢
(٥) يعني أن اسمها ضمير مستتر تقديره «هو».
[ ١ / ٢٥٦ ]
لأنها لا تحدث في الكلام معنى غير التأكيد، فلم تعمل عمل «أن» الخفيفة.
«٦٠» وحجة من شدّد النون ونصب بها [ما] بعد «لكن»، أنه أجرى الكلام على أصله، فأعمل «لكن» لأنها من أخوات «إن»، فشدّدها على أصلها، وحاول في ذلك معنى التأكيد، الذي فيه معنى الاستدراك.
«٦١» قوله: ﴿ما نَنْسَخْ﴾ قرأه ابن عامر بضمّ النون الأولى، وكسر السين، جعله رباعيا من «أنسخت الكتاب» على معنى: وجدته منسوخا، مثل:
أحمدت الرجل، وجدته محمودا، وأبخلت الرجل، وجدته بخيلا، ولا يجوز أن يكون «أنسخت» بمعنى «نسخت»، إذ لم يسمع ذلك، ولا يحسن أن تكون الهمزة للتعدي، لأن المعنى يتغير، ويصير المعنى: ما نسختك يا محمد من آية.
وإنساخه إياها إنزالها عليه، فيصير المعنى: ما ننزل عليك من آية أو ننسخها نأت بخير منها، يؤول المعنى إلى أن كل آية أنزلت أتي بخير منها، فيصير القرآن كله منسوخا، وهذا لا يمكن، لأنه لم ينسخ إلا اليسير من القرآن. فلمّا امتنع أن يكون «أفعل» و«فعل» فيه بمعنى، إذ لم يسمع، وامتنع أن تكون الهمزة للتعدي، لفساد المعنى، لم يبق إلا أن يكون من باب «أحمدته وأبخلته»، وجدته محمودا وبخيلا. فأما من قرأه بفتح النون فهو المعنى الظاهر المستعمل، على معنى ما نرفع من حكم آية، ونبقي تلاوتها، نأت بخير منها لكم أو مثلها،
[ ١ / ٢٥٧ ]
ويحتمل أن يكون المعنى: ما نرفع من حكم آية وتلاوتها أو ننسكها يا محمد، فلا تحفظ تلاوتها، نأت بخير منها، أو مثلها، أي: نأتي بأصلح منها لكم، وأصلح في التعبّد، أو نأت بمثلها في التعبد. وقد بيّنا هذا في كتاب «الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه» بأقسامه ومعانيه. والاختيار فتح النون في «ننسخ» لأنه الأصل، ولأنه ظاهر التلاوة، ولأنه قد أجمع عليه القراء، وهو اختيار أبي عبيد وغيره (^١).
«٦٢» قوله: (أو ننسها) قرأه أبو عمرو وابن كثير بفتح النون الأولى، وفتح السين والهمز (^٢)، جعلاه من التأخير على معنى: أو نؤخر نسخ لفظها نأت بخير منها، فهو من: نسأ الله في أجلك، أي: أخّر فيه (^٣). وتأخير النسخ على وجهين: أحدهما أن يؤخّر التنزيل للآية (^٤)، فلا ينزل من اللوح المحفوظ، والثاني: أن ينزل القرآن، فيتلى، ويعمل به، ثم يؤخّر، فينسخ العمل به دون اللفظ أو ينسخ العمل به واللفظ، أو ينسخ اللفظ ويبقى العمل.
وكل هذا قد فسّر ومثّل وبيّن في كتاب «الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه»، وبه قرأ عمر وابن عباس وعطاء (^٥) ومجاهد وأبيّ بن كعب وعبيد بن عمير (^٦)
_________________
(١) التبصرة ٥٢ /ب، والتيسير ٧٦، والحجة في القراءات السبع ٦٣. وزاد المسير ١/ ١٢٧، وتفسير غريب القرآن ٦٠، وتفسير ابن كثير ١/ ١٤٩، وتفسير النسفي ١/ ٦٧، وإيضاح الوقف والابتداء ٥٢٧
(٢) ص: «الهمزة».
(٣) تفسير غريب القرآن ٦١، والقاموس المحيط «نسا».
(٤) ب: «لذاته» وتصويبه من: ص.
(٥) عطاء بن يسار أبو محمد الهلالي، مولى ميمونه أم المؤمنين، وردت عنه رواية حروف القرآن، أدرك زمن عثمان، وروى عن مولاته وأبيّ وزيد بن ثابت، وعنه مثل زيد بن أسلم (ت ١٠٢ هـ)، ترجم في طبقات ابن سعد ٥/ ١٧٣، وطبقات القراء ١/ ٥١٧
(٦) عبيد بن عمير، اللّيثي، رويت عنه الحروف، وروى عن عمر وأبيّ، وعنه مجاهد وعطاء، من كبار التابعين، ثقة (ت ٧٤ هـ)، ترجم في طبقات ابن سعد ٥/ ٤٦٣ وطبقات القراء ١/ ٤٩٦
[ ١ / ٢٥٨ ]
والنّخعي وعطاء بن أبي رباح (^١) وابن محيصن. وقرأ الباقون بضم النون الأولى وكسر السين من غير همز، جعلوه من النسيان الذي هو ضد الذكر، على معنى: أو ننسكها يا محمد، فلا تذكرها، فهو من النسيان الذي هو ضد الذكر (^٢)، نقل بالهمز فتعدّى الفعل إلى مفعولين، وهما «النبي» والهاء، لكن اسم النبي مقدر محذوف، ويجوز أن تكون هذه القراءة من الترك لا من النسيان فيكون معنى نفسها بتركها فلا ننسخها على أن يكون باللفظين عمّا في اللوح المحفوظ، فإن كان الإخبار عمّا قد نزل وتلي من القرآن، فلا يصلح لقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها﴾، والأقوى البيّن أن يكون من النسيان الذي هو ضد الذكر، فيكون المعنى إذا رفعنا «آية» ب «نسخ» أو ب «نسيان» نقدّره عليك يا محمد، أتينا بخير منها في الصلاح لكم، أو بمثلها في التعبّد، ويدل على أنه من النسيان قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى. إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ «الأعلى ٦، ٧» فقد أعلمه الله أنه لا ينسى شيئا، ممّا نزل عليه، إلا ما شاء الله أن ينساه، ممّا قدّر أن يبدله بأصلح منه للعباد، أو بمثله، ويدلّ على أنه من النسيان أن الضّحّاك قرأ: «أو تنسها» بتاء مضمومة، وفتح السين، فهو من النسيان لا يجوز غيره. وقد قرأ ابن مسعود:
«ما ننسك من آية أو ننسخها»، فهذا أيضا من النسيان لا غير، وأيضا فإن «تنسى»، الذي بمعنى الترك، لم يستعمل «أفعل» إنما استعمل فيه «فعل»، فكان يجب أن تكون القراءة بفتح النون الأولى والسين، ولم يأت ذلك. والاختيار «ننسها» من النسيان، لصحة المعنى، ولأن جماعة القراء عليه، وبه قرأ ابن المسيّب (^٣) وأبو عبد الرحمن وقتادة والأعرج وأبو جعفر يزيد
_________________
(١) هو من سادة التابعين، روى الحروف عن أبي هريرة، عرض عليه أبو عمرو، (ت ١٠٥ هـ)، ترجم في طبقات خليفة ٧٠٢، وطبقات القراء ١/ ٥١٣
(٢) قوله: «الذي … الذكر» سقط من: ص.
(٣) هو سعيد، أبو محمد، عالم التابعين، قرأ على ابن عباس وأبي هريرة وروى عن عمر وعثمان، وردت عنه رواية الحروف، قرأ عليه عرضا الزهري، (ت ٩٤ هـ)، ترجم في طبقات ابن سعد ٥/ ١١٩، وطبقات القراء ١/ ٣٠٨
[ ١ / ٢٥٩ ]
وشيبة والضحّاك وابن أبي إسحاق وعيسى والأعمش (^١).
«٦٣» قوله (^٢): ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ قرأه ابن عامر بغير واو، جعله مستأنفا غير معطوف على ما قبله. وقد علم أن المخبر عنه بهذا القول هو المخبر عنه، بمنع ذكر الله في المساجد، والسعي في خرابها، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام بغير واو. وقرأ الباقون: «وقالوا» بالواو (^٣) على العطف على ما قبله لأن الذين أخبر الله عنهم، بمنع ذلك في المساجد، والسعي في خرابها، هم الذين قالوا: اتخذ الله ولدا، فوجب عطف آخر الكلام على أوله، لأنه كله إخبار عن النصارى. وكذلك هي (^٤) في جميع المصاحف بالواو إلا في مصحف أهل الشام، وإثبات الواو هو الاختيار، لثباتها في أكثر المصاحف، ولأن الكلام عليه كله قصة واحدة، ولإجماع القراء عليه سوى ابن عامر (^٥).
«٦٤» قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ قرأه ابن عامر بالنصب ومثله في آل عمران ﴿فَيَكُونُ، وَيُعَلِّمُهُ﴾ «٤٧، ٤٨» وفي النحل: ﴿فَيَكُونُ. وَالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ «٤٠، ٤١» وفي مريم: ﴿فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللهَ﴾ «٣٥، ٣٦» وفي ياسين: ﴿فَيَكُونُ. فَسُبْحانَ﴾ «٨٢، ٨٣» وفي المؤمن: ﴿فَيَكُونُ. أَلَمْ تَرَ﴾ «٦٨، ٦٩» (^٦) ووافقه الكسائي على النصب في النحل وياسين، وقرأ ذلك الباقون بالرفع.
_________________
(١) تفسير ابن كثير ١/ ١٥٠، والكشف في نكت المعاني والإعراب ١٢ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٧ /ب.
(٢) ب: «تم الجزء الخامس وهو الربع من كتاب الكشف في القراءات السبع يتلوه إن شاء الله في الربع الثاني قوله: (قالوا اتخذ الله ولدا).
(٣) ب: «الواو» وبالجار وجهه كما في: ص.
(٤) لفظ «هي» سقط من: ص.
(٥) الحجة في القراءات السبع ٦٥، وزاد المسير ١/ ١٣٥، وتفسير ابن كثير ١/ ١٦٠، وتفسير النسفي ١/ ٧١، والكشف في نكت المعاني والإعراب ١٢ /ب، والمصاحف ٤٤، وهجاء مصاحف الأمصار ١٧ /أ، والمقنع ١٠٢
(٦) سيأتي ذكر بعض هذه الأحرف في سورة مريم، الفقرة «١٧» ويس، الفقرة «١٥»، والمؤمن، الفقرة «١١».
[ ١ / ٢٦٠ ]
«٦٥» فوجه النصب مشكل ضعيف، وذلك أنه جعله جوابا بالفاء للفظ «كن»، إذا كان لفظه لفظ الأمر، وإن كان معناه غير الأمر فهو ضعيف، لأن «كن» ليس بأمر، إنما معناه الخبر، إذ ليس ثمّ مأمور، يكون «كن» أمرا له. والمعنى: فإنما يقول له: كن فيكون فهو يكون، ويدلّ على أن «فيكون» ليس بجواب ل «كن» أن الجواب بالفاء، مضارع به الشرط، وإلى معناه يؤول في التقدير، فإذا قلت: اذهب فأكرمك، فمعناه: إن تذهب فأمكرك، ولا يجوز أن تقول: اذهب فتذهب، لأن المعنى يصير: إن تذهب تذهب، وهذا لا معنى له، وكذلك «كن فيكون» يؤول معناه، إذا جعلت «فيكون» جوابا أن تقول له: أن يكون فيكون (^١)، ولا معنى لهذا، لأنه قد اتفق فيه الفاعلان، لأن الضمير الذي في «كن» وفي «يكون» الشيء (^٢) ولو اختلفا لجاز كقولك:
اخرج فأحسن إليك، أي: إن تخرج أحسنت إليك. ولو قلت: قم فتقوم، لم يحسن، إذ لا فائدة فيه، لأن الفاعلين واحد، ويصير التقدير: إن تقم تقم.
فالنصب في هذا على الجواب بعيد في المعنى.
«٦٦» ووجه قراءة من رفع «فيكون» في ذلك أنه جعل «فيكون» منقطعا ممّا قبله مستأنفا، لمّا امتنع أن يكون جوابا في المعنى، رفعه على الابتداء، فتقديره: فهو (^٣) يكون. وهو وجه الكلام، والاختيار، وعليه جماعة القراء وبه يتمّ المعنى. فأما اختصاص الكسائي للنصب في النحل وياسين فهو حسن قوي، لأن فيه «أن يقول» فعطف «فيكون» على «يقول»، ثم (^٤) ينصب «فيكون» على الجواب. إنما نصبه على العطف على «تقول»، وكذلك آخر «يس» فيه «أن يقول»، فعطف على «يقول» (^٥) وهو حسن، لكن الرفع عليه
_________________
(١) ب: «له يكن يكن» ووجهه كما في: ص.
(٢) ب: «الشيء» وتصويبه من: ص.
(٣) ب: «هو» وبالفاء وجهه كما في: ص.
(٤) ب: «لم» وتصويبه من: ص.
(٥) قوله: «الجواب … على يقول». سقط من: ص.
[ ١ / ٢٦١ ]
الجماعة، وهو على الاستئناف والقطع والابتداء كالأول (^١).
«٦٧» قوله: ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ قرأه نافع بفتح التاء والجزم، على النهي من السؤال عن ذلك، وفي النهي معنى التعظيم لما هم فيه من العذاب، أي: لا تسأل يا محمد عنهم، فقد بلغوا غاية العذاب التي ليس بعدها مستزاد. وقد روي أن النبي ﷺ سأل: أي أبويه أحدث موتا ليستغفر له، فنزلت الآية على النهي، عن السؤال، عن أصحاب الجحيم، وروي أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنزل النهي عن السؤال عنهما، فدلّ النهي على صحة الجزم. وبذلك قرأ ابن عباس، وقرأه الباقون بضمّ التاء، والرفع على النفي والعطف على (بشيرا ونذيرا) [فهو في موضع الحال تقديره: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا] (^٢)، وغير سائل عن أصحاب الجحيم. ويجوز أن يرفع على الاستئناف. والرفع هو الاختيار، لأن عليه جماعة القراء، ولأن ابن مسعود قرأه:
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ «البقرة ٢٧٢»، وقوله:
﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ «المائدة ٩٩» ويقوّي الرفع أيضا أنه، لو كان نهيا لكان بالفاء، كما تقول: أعطيتك مالا فلا تسألني غيره. وبالرفع قرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وابن أبي إسحاق والجحدري وعيسى بن عمر وغيرهم (^٥).
_________________
(١) إيضاح الوقف والابتداء ٥٢٩، وزاد المسير ١/ ١٣٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٩ /ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ١٣ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٨ /أ.
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) ص: «أيضا أنه لو كان نهيا لكان بالفاء لأن قبله».
(٤) تكملة مناسبة من: ص.
(٥) الحجة في القراءات السبع ٦٣. وزاد المسير ١/ ١٣٧، وإيضاح الوقف والابتداء ٥٣٠، وتفسير ابن كثير ١/ ١٦٢، وتفسير النسفي ١/ ٧٢
[ ١ / ٢٦٢ ]
«٦٨» قوله: (إبراهيم) قرأه هشام بألف في موضع الياء في ثلاثة وثلاثين موضعا، في البقرة خمسة عشر موضعا، وقد ذكرنا مواضع الباقي منها في الكتاب الأول (^١). وروي عن ابن ذكوان أنه قرأ في البقرة خاصة بألف، وبالوجهين قرأت، وقرأ باقي القراء، في ذلك كله، بالياء، وهو الاختيار، اتباعا للمصحف، ولأن عليه لغة العامة، وعليه الجماعة، والألف لغة شامية قليلة (^٢).
«٦٩»: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ﴾ قرأه نافع وابن عامر بفتح الخاء، على الخبر، عمّن كان قبلنا من المؤمنين، أنهم اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، فهو مردود على ما قبله من الخبر وما بعده، والتقدير: واذكر يا محمد إذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، واذكر إذ اتّخذ الناس من مقام إبراهيم مصلى، واذكر إذ عهدنا إلى إبراهيم.
فكله خبر، فيه معنى التنبيه والتذكير لما كان، فحمل على ما قبله وما بعده، ليتّفق الكلام ويتطابق، ف «إذ» محذوفة مع كل خبر، لدلالة «إذ» الأولى الظاهرة على ذلك. وقرأ باقي القراء بكسر الخاء، على الأمر، بأن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى. وبذلك أتت الروايات عن النبي ﵇ (^٣) وروي أن النبي ﵇ أخذ بيد عمر ﵁، فلمّا أتيا المقام قال عمر: هذا مقام أبينا إبراهيم؟ فقال النبي: نعم. فقال عمر: أفلا نتّخذه مصلى؟ فأنزل الله جلّ ذكره:
«واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلى» على الأمر بذلك، أي افعلوه (^٤) وروى
_________________
(١) يعني كتابه «التبصرة» وقد عددها في الورقة ٥٢ /ب - ٥٣ /أ، وكذلك في التيسير ٧٦ - ٧٧، والنشر ٢/ ٢١٣
(٢) يذكر ابن خالويه في اسم «إبراهيم» أربع لغات، وابن الجوزي ست لغات، انظر إعراب ثلاثين سورة ٤، وزاد المسير ١/ ١٣٩، وانظر أيضا المختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٠ /أ، والكشف في نكت المعاني والإعراب ١٣ /ب.
(٣) يروي مسلم في صحيحه «كتاب الحج - باب حجة النبي ﷺ» بسنده عن جابر بن عبد الله في حديث طويل، ذكر فيها قراءة رسول الله ﷺ بكسر الخاء. وانظر أيضا تفسير ابن كثير ١/ ١٧٠
(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره عن عثمان بن أبي شيبة من طريق أبي ميسرة انظر التفسير ١/ ١٦٩
[ ١ / ٢٦٣ ]
مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر (^١) أن النبي ﵇ أتى مقام إبراهيم، فسبقه إليه عمر، فقال عمر: يا رسول الله، هذا مقام أبيك إبراهيم الذي قال الله:
واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى؟ قال النبي: نعم هذا مقام أبينا إبراهيم الذي قال الله: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، (^٢) فسئل مالك أهكذا قرأ رسول الله ﷺ: واتّخذوا، قال: نعم (^٣). يعني بكسر الخاء، على الأمر.
وروى أبو عبيد عن جابر بن عبد الله أن النبي ﵇ استلم الحجر، ورمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلّى خلفه ركعتين، وقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^٤)، وقال أبو عبيد: فلا أعلمه قرأها في حديثه، إلاّ بكسر الخاء، وكسر الخاء على الأمر هو الاختيار، لما ذكرنا عن النبي ﵇ في ذلك، ولأن عليه جماعة القراء، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وغيرهما، وهي قراءة العامة في أكثر الأمصار. وأسند القراءة بها أبو حاتم إلى النبي ﵇ وإلى عمر. وبذلك قرأ أبو جعفر يزيد وعطاء وابن محيصن وشبل والأعرج وطلحة والأعمش والجحدري وابن وثّاب وأصحاب ابن مسعود (^٥).
_________________
(١) هو جابر بن عبد الله الذى روى مسلم من طريقه غير حديث في حجة النبي ﷺ. مفتي المدينة في زمانه، وآخر من شهد بيعة العقبة، حمل عن رسول الله ﷺ علما كثيرا، وشهد الخندق وبيعة الرضوان، (ت ٧٨ هـ) ترجم في تذكرة الحفاظ ٤٣
(٢) ذكره ابن كثير عن ابن أبي حاتم بالطريق نفسه انظر تفسير ابن كثير ١/ ١٦٩
(٣) ذكره أيضا ابن كثير بالطريق نفسه ثم قال: هكذا وقع في هذه الرواية وهو غريب، وقد روى النّسائي من حديث الوليد بن مسلم نحوه، انظر الإحالة المتقدمة.
(٤) انظر الفقرة نفسها الملاحظة «٣».
(٥) التبصرة ٥٣ /أوالحجة في القراءات السبع ٦٤، وزاد المسير ١/ ١٤٢، وتفسير ابن كثير ١/ ١٦٨، وتفسير النسفي ١/ ٧٤، وإيضاح الوقف والابتداء ٥٣٢، والنشر ٢/ ٢١٤
[ ١ / ٢٦٤ ]
«٧٠» قوله: (فأمتّعه) قرأه ابن عامر مخفّفا، وشدّده الباقون.
«٧١» ووجه التخفيف أنه جعله من «أمتع»، و«أمتع» لغة في «متع»، وكلاهما بمعنى، غير أن التشديد، فيه معنى تكرير الفعل، وبالتخفيف قرأ ابن عباس وابن محيصن وشبل.
«٧٢» فأما من شدّده فإنه حمله على إجماعهم على التشديد في قوله:
﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ﴾ «هود ٦٥» و﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ «الزمر ٨» و﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا﴾ «هود ٣»، وهو كثير في القرآن من «متع»، فحمل هذا عليه، وهو الاختيار، لما فيه من معنى التكرير، ولإجماع القراء عليه، وليلحق بنظائره، ممّا لم يختلف في تشديده مما ذكرنا، وبالتشديد قرأ أبو عبد الرحمن السّلمي والأعرج وأبو جعفر يزيد وشيبة، وبه قرأ أبيّ والحسن ومجاهد وأبو رجاء والجحدري وعيسى بن عمر والأعمش والأعرج، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وعليه قراءة العامة في الأمصار (^١).
«٧٣» قوله: (ووصّى) (^٢) قرأه نافع وابن عامر بهمزة مخفّفا، وشدّد الباقون من غير همز، وهما لغتان: وصّى وأوصى بمعنى واحد. وقوله:
﴿تَوْصِيَةً﴾ «يس ٥٠» يدلّ على «وصّى» مشددا، وكذلك قوله:
﴿وَصّاكُمُ﴾ «الأنعام ١٤٤» وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ «النساء ١١» و﴿يُوصِي بِها﴾ «النساء ١١» و﴿تُوصُونَ﴾ «النساء ١٢» يدل على «أوصى» مخففا، فالقراءتان متوافقتان، غير أن التشديد، فيه معنى تكرير الفعل، فكأنه أبلغ في المعنى، وهو الاختيار، لإجماع أكثر القراء عليه، ولزيادة الفائدة التي فيه، وبالتشديد قرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وشبل، وفي حرف ابن مسعود «فوصّى»
_________________
(١) زاد المسير ١/ ١٤٣، وشذّذ ابن كثير قراءة التخفيف انظر التفسير ١/ ١٧٥
(٢) سيأتي ذكر هذا الحرف في السورة نفسها، الفقرة «١١١».
[ ١ / ٢٦٥ ]
بالفاء (^١) مشدّدا، والتشديد اختيار أبي حاتم، والمصاحف تختلف فيه، فمصاحف أهل المدينة والشام فيها ألف بين الواوين، وسائر مصاحف الأمصار لا ألف فيها بين الواوين (^٢).
«٧٤» قوله: (أم تقولون) قرأه ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بالتاء على المخاطبة، وحسن ذلك لأنه أتبعه ما قبله من الخطاب وما بعده، وذلك قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ «١٣٩» وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾، فأجرى الكلام على نسق واحد في المخاطبة، وقرأه الباقون بالياء على أنه إخبار عن اليهود والنصارى، وهم غيّب، فجرى الكلام على لفظ الغيبة. وأيضا فإن قبله كلاما في معناه بلفظ (^٣) الغيبة وهو قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ «١٣٧» وقوله: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، وقوله: «فإن ﴿تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ﴾، وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ كله بلفظ الغيبة، إخبارا عن اليهود والنصارى، فجرى «أم يقولون» بالياء على ذلك كله، والاختيار الياء، وبه قرأ الحسن وأبو عبد الرحمن وأبو رجاء وقتادة وأبو جعفر يزيد وشيبة، وهو اختيار أبي حاتم (^٤).
«٧٥» قوله: ﴿لَرَؤُفٌ﴾ قرأه الحرميان وحفص وابن عامر بواو بعد الهمزة، وقرأه الباقون بغير واو، وهما لغتان، يأتي اسم الفاعل على «فعول»
_________________
(١) ب: «مسعود بالصاد» وتصويبه من: ص.
(٢) التيسير ٧٧، والنشر ٢/ ٢١٥، والحجة في القراءات السبع ٦٦، والمقنع ١٠٢، ويعدّد ابن الجوزي نظائر لهذا الحرف انظر زاد المسير ١/ ١٤٨، وتفسير ابن كثير ١/ ١٨٥، وتفسير النسفي ١/ ٧٦، والكشف في نكت المعاني والإعراب ١٤ /أ.
(٣) قوله: «الغيبة وأيضا … بلفظ» سقط من «ص» بسبب انتقال النظر.
(٤) التبصرة ٥٣ /ب، وتفسير النسفي ١/ ٧٨
[ ١ / ٢٦٦ ]
وعلى «فعل» لكن باب «فعول» اكثر من باب «فعل» في الاستعمال، يقول:
رجل ضروب وشكور، فهو أكثر من قولك: رجل حذر. والقراءتان متوازنتان، لكن حذف الواو أخفّ في القراءة، وإثباتها أكثر في الاستعمال لنظائره (^١).
«٧٦» قوله: (هو موليّها) قرأه ابن عامر بالألف بعد اللام، وقرأ الباقون بالياء.
«٧٧» ووجه القراءة بالألف أنه جعل الفعل للمفعول، فهو فعل لم يسمّ فاعله، فعدّى الفعل إلى مفعولين: الأول قام مقام الفاعل، مستتر في «موليّها» وهو ضمير «هو»، والثاني الهاء في «موليّها»، تعود على الوجهة، أي:
الله يوليّه إياها، والهاء والألف لوجهة، والتقدير: ولكل فريق وجهة الله موليها إياه. ويجوز أن يكون الضمير المرفوع لكبرائهم وساداتهم، هم يولونهم إياها، كما قال عنهم: ﴿إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا﴾ «الأحزاب ٦٧» وبالألف قرأ ابن عباس وأبو رجاء.
«٧٨» ووجه القراءة بالياء أنه بنى الفعل للفاعل، وهو الله جلّ ذكره، والمفعول الثاني محذوف تقديره: ولكل فريق وجهة الله موليّها إياه. فالقراءتان ترجعان إلى معنى، ودلّ على ذلك قوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ «١٤٤»، ويجوز في هذه القراءة، أن يكون الضمير المرفوع، ويكون التقدير: هو موليّها نفسه، وحسن حذف المفعول الثاني، لتقدّم ذكره في أول الكلام، والاختيار القراءة بالياء لإجماع القراء على ذلك، وعليه قراءة العامة في الأمصار (^٢).
«٧٩» قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ «١٤٤»، ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾ «١٤٥» قرأه ابن
_________________
(١) زاد المسير ١/ ١٥٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٠ /ب.
(٢) الحجة في القراءات السبع ٦٧، وزاد المسير ١/ ١٥٩، وتفسير ابن كثير ١/ ١٩٤، وتفسير النسفي ١/ ٨٢، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٩ /أ.
[ ١ / ٢٦٧ ]
عامر وحمزة والكسائي بالتاء، وقرأه الباقون بالياء.
ووجه القراءة بالتاء، أنه أجراه على المخاطبة التي قبله في قوله: ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ - ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: من توليتكم.
«٨٠» ووجه القراءة بالياء، أنه أجراه على ما قرب منه، من لفظ الغيبة في قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ أي عمّا يعمل الذين أوتوا الكتاب في أمر القبلة. وقراءة أيضا ما بعده في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ «١٤٥» وقوله: ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، وقوله: ﴿وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ - ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ﴾ فكله أتى على لفظ الغيبة، فحمل «يعملون» عليه. والتقدير: وما الله بغافل عما يعملون، ولئن أتيتهم بكل آية ما تبعوا قبلتك، يعني بذلك كله اليهود، وهم غيب. والياء في ذلك كله الاختيار، لتطابق الكلام من قبل ومن بعد، على لفظ الغيبة، ولأن المراد بذلك كله اليهود، وهم غيّب، ولما قدّمنا من اختيار الياء، إذا وقع الاختلاف على الياء والتاء في قول ابن مسعود وابن عباس (^١).
«٨١» قوله: ﴿تَعْمَلُونَ. وَمِنْ حَيْثُ﴾ قرأه أبو عمرو بالياء، وقرأ الباقون بالتاء.
«٨٢» ووجه القراءة بالياء أنه أجراه على لفظ الغيبة والإخبار عن اليهود، الذين يخالفون النبي في القبلة وهم غيّب. فالتقدير: ولّ وجهك يا محمد نحو المسجد الحرام، وما الله بغافل عمّا يعمل من يخالفك من اليهود في القبلة.
«٨٣» ووجه القراءة بالتاء أنه مردود على ما قبله، من الخطاب للنبي ﵇ وأصحابه، في قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾، والمعنى: فولّوا وجوهكم شطر
_________________
(١) راجع الفقرة الرابعة والعشرين من هذه السورة، وانظر الحجة في القراءات السبع ٥٩، وتفسير ابن كثير ١/ ١٩٥، وتفسير النسفي ١/ ٨٣
[ ١ / ٢٦٨ ]
المسجد الحرام، وما الله بغافل عما تعملون، أيها المؤمنون من توليتكم نحو المسجد الحرام. وأيضا فإن بعده مخاطبة أخرى في قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وقوله:
﴿عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، وقوله: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾، وقوله ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، فكله خطاب، فحمل «تعملون» عليه في الخطاب للحمل (^١) على ما قبله وما بعده، من المخاطبة، وهو الاختيار، للإجماع عليه، ولأنه أحسن مطابقة لما قبله وما بعده (^٢).
«٨٤» قوله: (لئلا) قرأه ورش بياء مفتوحة، هي بدل من همزة مفتوحة لانكسار ما قبلها، فهي بمنزلة الثانية، في قوله: ﴿مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ﴾ «البقرة ٢٨٢» واعتدّ باللام وبحركتها، فسهّل الهمزة على حكمها، وقرأه الباقون بالهمز على الأصل، لأنها «أن» الناصبة للفعل، دخلت عليها اللام، فهي في تقدير المبتدأ بها، لأن اللام زائدة، وحقّ الهمزة المبتدأ بها التحقيق، فأجروها على التحقيق لذلك وهو الاختيار، لأنه الأصل، ولأن اللام زائدة، ولأنه إجماع من القراء، غير ورش، وغير حمزة، إذا وقف فإنه يبدل من الهمزة ياء مفتوحة كورش، وعنه فيه اختلاف وقد ذكرناه (^٣).
«٨٥» قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء، وتشديد الطاء، والجزم ومثله الثاني في هذه السورة (^٤)، وقرأه (^٥) الباقون بالتاء وتخفيف الطاء، وفتح العين.
«٨٦» ووجه القراءة بالجزم والياء أنه حمل على لفظ الاستقبال في اللفظ والمعنى، وأصله «يتطوع» فجزم بالشرط ب «من»، وأدغمت التاء في الطاء، فشدّدت الطاء لذلك. وحسن الإدغام لنقل التاء إلى القوة، وكان لفظ الاستقبال
_________________
(١) ص: «فحمل ما».
(٢) التيسير ٧٧، وتفسير ابن كثير ١/ ١٩٥، وتفسير النسفي ١/ ٨٣
(٣) راجع «باب علة الاختلاف في الوقف على الهمز» الفقرتين «٧ و٨».
(٤) الحرف فيها هو (آ ١٨٤).
(٥) ب: «وقرأ» ورجّحت ما في: ص.
[ ١ / ٢٦٩ ]
أولى به، لأن الشرط لا يكون إلا بمستقبل، فطابق (^١) بذلك بين اللفظ والمعنى، والتقدير: فمن تطوّع فيما يستقبل خيرا فهو خير له، فإن الله شاكر لفعله، عليم به.
«٨٧» ووجه القراءة، بالتاء وفتح العين، أنه استغنى بحرف الشرط عن لفظ الاستقبال، لأن حرف الشرط يدل على الاستقبال، فأتى بلفظ الماضي، وكان ذلك أخفّ من لفظ المستقبل، الذي تلزمه الزيادة والإدغام والتشديد، والماضي في موضع جزم بالشرط. ويجوز في هذه القراءة أن تكون خبرا غير شرط، و«من» بمعنى الذي. والماضي، لفظه كمعناه، ماض أيضا، والمعنى: فالذي تطوع فيما مضى خيرا فإن الله شاكر لفعله عليم به، و«فهو خير له» أي: مؤخر له، ولا يكون للماضي موضع الإعراب على هذا، والاختيار القراءة بالتاء وفتح العين، لأنها أعم، إذ تحتمل معنيين، ولأن [أهل] (^٢) الحرمين وعاصما عليها، ولخفّتها (^٣)، وهي اختيار أبي حاتم وأبي عبيد (^٤).
«٨٨» قوله: (الرّياح) قرأه حمزة والكسائي بالتوحيد، ومثله في الكهف والجاثية (^٥)، ووافقهما ابن كثير على التوحيد أيضا في الأعراف والنمل وفاطر، والثاني من الرّوم (^٦) وقرأه (^٧) الباقون بالجمع في السبعة، وتفرّد نافع بالجمع في إبراهيم والشورى (^٨)، وتفرّد حمزة بالتوحيد في سورة
_________________
(١) ب: «وطابق» وبالفاء وجهه كما في: ص.
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) ص: «عليهما، ولخفتهما».
(٤) زاد المسير ١/ ١٦٤، وتفسير النسفي ١/ ٨٥، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٩ /ب.
(٥) الحرفان هما (آ ٤٥، ٥)، وسيأتي نظائره في سورة الأعراف، الفقرة «٢٧» وإبراهيم، الفقرة «٣»، والملائكة، الفقرة «١» والشورى، الفقرة «٢».
(٦) الأحرف على ترتيب ذكرها: (آ ٥٧، ٦٣، ٤٨، ٩).
(٧) ب: «وقرأ» ورجحت ما في: ص.
(٨) الحرفان هما (آ ١٨، ٣٣).
[ ١ / ٢٧٠ ]
الحجر (^١)، وتفرّد ابن كثير بالتوحيد في سورة الفرقان (^٢)، فذلك أحد عشر موضعا.
«٨٩» ووجه القراءة بالجمع في «تَصْرِيفِ الرِّياحِ» هو إتيانها من كل جانب، وذلك معنى يدل على اختلاف هبوبها، فهي رياح لا ريح، لأن الريح الواحدة، إنما تأتي من جانب واحد، فكان لفظ الجمع فيها أولى، لتصرّفها من جهات فيكون لفظها مطابقا لمعناها في الجمع. وأيضا فإن هذه المواضع أكثرها لغير العذاب. وقد قال النبي ﵇ حين رأى ريحا هبّت: «اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» (^٣)، فعلم أن الريح بالتوحيد أكثر ما تقع في العذاب والعقوبات، وليست هذه المواضع في ذلك. واعلم أن الرياح بالجمع تأتي في الرحمة، فواجب من الحديث أن يقرأ بالجمع إذ ليست للعقوبات.
«٩» ووجه القراءة بالتوحيد أن الواحد، يدلّ على الجمع، لأنه اسم للجنس (^٤) فهو أخفّ في الاستعمال، مع ثبات معنى الجمع فيه، والاختيار الجمع، لأن عليه الأكثر من القراء، ولأنه أبين في المعنى، لأنه موافق للحديث (^٥).
«٩١» قوله: ﴿وَلَوْ يَرَى﴾ قرأه نافع وابن عامر بالتاء، على المخاطبة للنبي ﵇، لأن عليه نزل القرآن، فهو المخاطب به، وهو الفاعل ل «ترى»، ويقوّي ذلك قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ﴾ «الزمر ٦٠» وقوله: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا﴾ «الأنعام ٢٧» و﴿تَرى إِذْ فَزِعُوا﴾ «سبأ ٥١» و﴿لَوْ تَرى إِذْ﴾
_________________
(١) هو (آ ٢٢).
(٢) هو (آ ٤٨).
(٣) مسند الإمام الشافعي «باب الاستسقاء» ١٧٥، يرويه عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وهو متروك كما في التقريب، وشيخه العلاء بن راشد وهو مجهول كما في تعجيل المنفعة.
(٤) ب: «الجنس» ورجحت ما في: ص.
(٥) التيسير ٧٨، وزاد المسير ١/ ١٦٨، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٠١، وتفسير النسفي ١/ ٨٦
[ ١ / ٢٧١ ]
﴿يَتَوَفَّى﴾ «الأنفال ٥٠» فكله (^١) إجماع على الخطاب للنبي [ﷺ، فجرى هذا على نظائره، الجمع عليها، ومعنى الخطاب للنبي] (^٢) هو التنبيه لغيره، وخطاب الله ﷿ للنبي خطاب للخلق كافة لأنه ﷺ، قد كان عالما بحال، ما يصير إليه الذين ظلموا عند رؤيتهم العذاب. ويجوز أن يكون الخطاب للظالمين. والتقدير: قل يا محمد للظالم: لو ترى الذين ظلموا، فتكون القراءتان بمعنى واحد على هذا التأويل، وقرأ الباقون بالياء، جعلوا الفعل للذين ظلموا، لأنهم لم يعلموا قدر ما يصيرون إليه من العذاب كما علمه النبي والمؤمنون، فهم أولى أن يسند إلى إليهم الفعل، لجهلهم بما يؤول إليه أمرهم، [من] (^٢) أن يسند إلى النبي ﵇، لأنه كان عالما بذلك. وأيضا فقد تقدّم قبله لفظ غيبة، في قوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدادًا﴾ بعد قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ﴾ «١٦١» فهم الظالمون المذكورون بعد «ترى»، فجرى لفظه على الغيبة، لما تقدّم من ذكرهم على لفظ الغيبة أيضا. فإن بعده لفظ خبر عن غيب في قوله: ﴿كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ﴾ «١٦٧». وقوله: «(ولو ترى)»، في قراءة من قرأ بالتاء، يحتمل أن يكون من رؤية البصر، وأن القوة هي (^٣) المفعول، ويحتمل أن يكون من رؤية القلب، فيسدّ ان مسدّ المفعولين. وإذا قرئ بالتاء بعد أن يكون من رؤية البصر، لأن «الذين ظلموا» مفعول «ترى»، لأنه إنما يتعدّى [إلى] (^٢) مفعول واحد، فتبقى «أن» لا عامل فيها، ويبعد أيضا أن يكون من رؤية القلب، لأنه ليس في الكلام مفعول ثان لأنه يتعدّى إلى مفعولين (^٤)
_________________
(١) ب: «وكله» وبالفاء وجهه كما في: ص.
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) ب: «هو» وتصويبه من: ص.
(٤) ب، ص: «مفعولين من رؤية القلب» ولا وجه لعبارة «من رؤية القلب» إلا إذا تقدمتها عبارة: «إذا كان» إيضاحا لنوع الفعل، ورجحت طرحها.
[ ١ / ٢٧٢ ]
الأول «الذين ظلموا» ولا مفعول ثان في الكلام، ولا يحسن أن يكون «أن القوة» المفعول الثاني، لأن الثاني في هذا الباب هو الأول في المعنى لأنه إنما يدخل على الابتداء والخبر. وليس «أن القوة» هي «الذين ظلموا» فلا بد من إضمار فعل يعمل في «أن»، تقديره: لرأيت يا محمد أن القوة، أو لعلمت أن القوة، أو لرأوا أن القوة، أو لعلموا أن القوة، ونحوه، ولا بد أن يقتصر ب «ترى» على رؤية البصر، إذ ليس في الكلام مفعول ثان. فالقراءة بالياء أقوى في المعنى، وفي الإعراب، وفي قلة الإضمار، وعليها أكثر القراء، وعلى الياء حض ابن مسعود وابن عباس، وهو اختيار أبي عبيد، وبه قرأ مجاهد وابن محيصن وابن أبي إسحاق وطلحة وعيسى بن عمر والأعمش (^١).
«٩٢» قوله: (إذ يرون) قرأه ابن عامر بضمّ الياء، على ما لم يسمّ فاعله، فلم يضف الفعل إليهم، كما قال: ﴿كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ﴾ فلم يضف الفعل إليهم (^٢)، وقرأ الباقون بفتح الياء، على أنه أضاف الفعل إلى «الظالمين»، كما قال: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ﴾ «النحل ٨٥»، وقال: ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ﴾ «البقرة ١٦٦» فأضاف الفعل إليهم، فحمل هذا على ذلك، وهو الاختيار، وعليه الجماعة (^٣).
«٩٣» قوله: (خطوات) قرأه ابن عامر والكسائي وحفص وقنبل بضمّ الطاء حملا على [أصل] (^٤) الأسماء، لأن الأسماء يلزمها في الجمع الضم في نحو: «غرفة، وغرفات» فضمّ «خطوات»، على الأصل، وهي لغة أهل
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ٦٨، وزاد المسير ١/ ١٧٠، وإيضاح الوقف والابتداء ٥٣٨، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٠٣، وتفسير النسفي ١/ ٨٧، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١١ /أ، والنشر ٢/ ٢١٦، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٢٠ /أ.
(٢) قوله: «كما قال … إليهم» سقط من: ص.
(٣) التبصرة ٥٤ /أ.
(٤) تكملة لازمة من: ص.
[ ١ / ٢٧٣ ]
الحجاز، وقرأ الباقون بإسكان الطاء تخفيفا، لاجتماع ضمتين وواو، لأنه جمع، ولأنه مؤنث، فاجتمع فيه ثقل الجمع، وثقل التأنيث، وثقل الضّمتين والواو، فحسن فيه التخفيف، وقوي، وأصله الضمّ، ولا يحسن أن يقال: تركت الطاء على سكونها في الواحد، لأن الجمع يلزمه الضم. فإنما هي ضمة أسكنت تخفيفا، لما ذكرنا، لأن الضم، في هذا الباب، للفرق بين الاسم والصفة، فالاسم يلزمه الضم لخفّته، والصفة تسكن لثقلها، وذلك للفرق بينهما، والإسكان أولى لخفته، ولأن عليه أكثر القراء (^١).