«٩٧» اعلم أن التقاء الساكنين يجري في الكلام على تسعة أقسام، وما علمت أن أحدا جمع هذه الأقسام، ولا فسرها.
«٩٨» الأول: أن تحرّك الساكن الأول بالكسر لا غير، في كلمة أو في كلمتين، نحو: «قم الليل، وكم المال، ونحو: اضرب، واصنع» في الابتداء، ألف الوصل، كسرت لسكونها وسكون ما بعدها عند بعض النحويين (^٢)، فإن كان الثاني، مما بعدها، مضموما ضممتها، كراهة للخروج من كسر إلى ضم في كلمة، وكذلك إذا كان الثاني، ممّا بعد الساكن الثاني من كلمتين مضموما، جاز الضم في الأول، وهو ما ذكرنا نحو: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ «الأنعام ١٠» وممّا كسر الأول فيه لالتقاء الساكنين قولهم: «يومئذ، وحينئذ». وقد مضى تفسيره لأن الذال انكسرت لسكونها وسكون (^٣) التنوين، الذي دخل بعدها، عوضا من
_________________
(١) ب: «وقد ذكرت» ورجحت ما في: ص.
(٢) هم أهل الكوفة انظر إيضاح الوقف والابتداء ١٥٣ وما بعدها.
(٣) ب: «أو سكون» ورجحت ما في: ص.
[ ١ / ٢٧٦ ]
القصة المحذوفة، على ما فسّرنا. وقد تقدّم القول في العلة، في اختيار الكسر في الأسماء، لالتقاء الساكنين وفي الأفعال (^١).
«٩٩» الثاني: أن تحرك الساكن الثاني لالتقاء الساكنين، بكسر أو ضم أو فتح، فالكسر هو الأصل، نحو: «هؤلاء، وجير» والفتح لاستثقال الكسر بعد ياء، نحو: «أين، وكيف»، والضم، نحو: «حيث، وقبل، وبعد» وإنما وجب ذلك، لأن هذه غايات الكلام، لأن الحرف وقع بعدها، فصار غاية الكلام. فلمّا احتيج إلى حركتها، لالتقاء الساكنين حرّكت بغاية الحركات، وهي الضمّ. وقيل: حركت بالضم، ليدل ذلك على أنها حرّكت بحركة ليست بأصل فيها، لأنها تفتح وتكسر للإعراب، تقول: حيث قبلك ومن [حيث] (^٢) قبلك، فحركت بالضم، ليعلم أنه ليس بإعراب فيها. وقيل حرّكت «حيث» بالضمّ، لأن الياء أصلها واو، وأصلها «حوث» (^٣)، فحرّكت بالضم، لتدلّ الضمة على الواو المنقلبة إلى الياء (^٤). وقيل: حرّكت بالضم لقوتها، لأنها تدل على مكانين، تقول: زيد حيث عمرو قائم، فدلّت على مكان ل «زيد» ومكان ل «عمرو»، فلمّا تضمنت مكانين، كل واحد منهما رفع اسما، قويت فأعطيت أقوى (^٥) الحركات وهي الضم. ولو ظهر ما حذف بعدها لم تكن إلا منصوبة.
«١٠٠» الثالث: أن تحذف الساكن الأول من كلمتين، إذا كان (^٦) حرف مدّ ولين، فتحذفه لالتقاء الساكنين، ويبقى ما قبله من الحركة، يدل عليه، وذلك قولك: يقي الرجل وقوا الرجل، وذا (^٧) المال، وإنما وجب الحذف لأن
_________________
(١) راجع «باب علل الروم والإشمام» المتقدم.
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) وهي لغة طيء انظر مغني اللبيب ١٣١
(٤) قوله: «لأن الياء .. الى الياء» سقط من: ص.
(٥) ص: «أثقل» وهو بمعناه.
(٦) ب: «كان الأول» ووجهه إسقاط لفظ «الأول» كما في: ص.
(٧) ب: «وما» ورجحت ما في: ص.
[ ١ / ٢٧٧ ]
حرف المد واللين، إذا كان منفصلا لا يحرك، ولو حرك لانقلب همزة، فتتغير (^١) الكلمة فلمّا لم يكن سبيل إلى الحركة رجع إلى الحذف، وسهل الحذف، لأن الحركة، التي كانت قبل المحذوف، تدل عليه، لأن الفتحة تدل على الألف، والضمّة تدل على الواو، والكسرة تدل على الياء. ولو انفتح ما قبل الواو والياء لم يحذف الأول لالتقاء الساكنين، وكنت تحرّكه بالكسر لالتقاء الساكنين، نحو:
﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ «هود ١١٤»، و﴿بَيْنَ يَدَيِ اللهِ﴾ «الحجرات ١» و(ألو ﴿اِسْتَقامُوا﴾ «الجن ١٦» وإنما امتنع الحذف، لأنك لو حذفت لم يبق ما يدل على المحذوف، لأن الذي يبقى هو فتحة، والفتحة لا تدل على الياء، ولا على الواو، فلم يكن بدّ من الحركة.
«١٠١» الرابع: أن تحذف الساكن الأول من كلمة، نحو تثنية (^٢) «ذواتا» (^٣) تدخل ألف التثنية فتجتمع ألفان: الألف الأصلية وألف التثنية، فتحذف الأولى لالتقاء الساكنين، وكانت أولى بالحذف من الثانية، لأن الثانية تدل على التثنية والإعراب، فلو حذفت لم يبق دليل على «ذينك»، ولم تجز الحركة في الأول ولا في الثاني، لأنه يلزم قلب الألف همزة، فتتغير الكلمة، ومثله الحذف في تثنية «ذواتا» المنصوبين والمخفوضين.
«١٠٢» الخامس: أن تحذف الساكن الثاني من كلمة، على مذهب سيبويه، وذلك في: مقول، ومخوف، أصله: مقوول، ومخووف، فنقلت حركة الواو الأولى على الخاء والقاف، فاجتمع واوان ساكنتان، فحذفت الثانية لالتقاء الساكنين، لأنها زائدة، والأولى أصلية. ومذهب الأخفش في هذا أن المحذوفة هي الأولى، فهو على مذهب الأخفش من القسم الرابع، وعلى هذا اختلفا في المحذوف من «مخيط، ومكيل» أصله: مخيوط، ومكيول، ثم ألقيت حركة الياء على
_________________
(١) ب: «فتغير» ورجحت ما في: ص.
(٢) لفظ «تثنية» سقط من: ص.
(٣) منه حرف مرفوع في سورة الرحمن (آ ٤٨)، وحرف منصوب في سورة سبأ (آ ١٦).
[ ١ / ٢٧٨ ]
ما قبلها. فسيبويه يقول: المحذوف هي الواو الزائدة، وكسرت الخاء والكاف، لتصحّ الياء. والأخفش يقول: إنما حذفت الياء والواو الأصليتان، وانقلبت الواو ياء، لانكسار (^١) ما قبلها، لأنه انكسر، قبل حذف الياء، لتصحّ الياء (^٢).
«١٠٣» السادس: أن يمدّ الساكن الأول، لتقوم المدّة مقام الحركة، فتحول بين الساكنين، ويتوصّل بالمد، إلى النطق بالساكن الثاني، وقد تقدّم ذكر هذا في أبواب المد، وذلك نحو: «دابة، وصاخة» ونحوه. فإن كان [الساكن] (^٣) الثاني غير مشدّد ففي (^٤) جوازه الاختلاف، على ما تقدّم ذكره، والقراءة قد ثبتت بذلك في «محياي، واللائي»، وجوازه هو مذهب أبي عمرو ويونس والكوفيين (^٥).
«١٠٤» السابع: أن تبدل من الساكن الأول همزة، وهو قليل وذلك إذا كان الأول حرف مد ولين، والثاني مشددا نحو: «دأبّة، وصأخّة» وقد قرئ: ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ بالهمز (^٦)، وهي لغة قليلة.
«١٠٥» الثامن: أن يثبت الساكنان جميعا، ولا يغيّر واحد منهما، كان في ذلك حرف مدّ ولين أو لم يكن، وذلك في الوقف خاصة نحو: «والفجر، والعصر، وعمرو، وبكر» وذلك في كل كلمة قبل آخرها ساكن، إذا وقفت بالإسكان أو بالإشمام.
_________________
(١) ص: «والأخفش يقول المحذوف الياء والواو الزائدة لانكسار».
(٢) كتاب سيبويه ٢/ ٤٤١
(٣) تكملة موضحة من: ص.
(٤) ب: «في» وصوابه من: ص.
(٥) يونس بن حبيب البصري، أستاذ سيبويه، وحكي عنه في كتابه، أخذ عن أبي العلاء بن عمرو وسمع من العرب، وأخذ عنه الكسائي والفرّاء (ت ١٨٣ هـ)، ترجم في مراتب النحويين ٢١، ونزهة الألباء ٤٩. ويعني بالكوفيين رؤوسهم ومن انتسبت إليهم آراؤهم منهم: الفراء والكسائي وثعلب وابن الأنباري. راجع «باب المد علله وأصوله» الفقرة «١٨».
(٦) هي قراءة شاذة تنسب إلى أيوب السختياني انظر المحتسب ١/ ٤٦
[ ١ / ٢٧٩ ]
«١٠٦» التاسع: أن تلقى حركة الحرف على ساكن قبله، فيجتمع ساكنان في المعنى، وذلك في الوقف خاصة نحو الوقف على: «بكر، وعمرو» المرفوعين أو المخفوضين، تلقى حركة الآخر على ما قبله، ثم يسكن الآخر، والذي قبله ساكن في الأصل، وحركته عارضة، فتصير إلى الجمع بين ساكنين في المعنى لا في اللفظ، فإن كان الساكن الذي قبل الآخر ياء أو واوا لم يجز أن تلقى عليهما الحركة نحو: «عود، وقيل» ونحوه (^١).
*** «١٠٧» قوله: «ليس البرّ» قرأه حمزة وحفص بالنصب، وقرأه الباقون بالرفع (^٢).
«١٠٨» ووجه القراءة بالنصب أن «ليس» من أخوات «كان» يقع بعدها المعرفتان، فتجعل أيهما شئت الاسم والآخر الخبر، فلمّا وقع بعد «ليس» «البر»، وهو معرفة، و«أن تولوا» معرفة، لأنه مصدر بمعنى (^٣) التولية، جعل «البر» الخبر، فنصبه، وجعل «أن تولوا» الاسم فقدّر رفعه، وكان المصدر أولى بأن يكون اسما لأنه لا يتنكر، و«البر» قد يتنكر، ف «أن» والفعل أقوى في التعريف. وأيضا فإن «أن» وصلتها تشبه المضمر، لأنها لا توصف كما لا يوصف المضمر. ومن الأصول أنه إذا اجتمع مع «ليس» وأخواتها مضمر ومظهر، فالمضمر هو الاسم، لأنه أعرف، فلمّا كانت (^٤) «أن» وصلتها كالمضمر، كانت أولى أن تكون هي اسم «ليس»، وقوي ذلك، لأن «أن» وصلتها في تقدير الإضافة إلى المضمر، لأن معناها «توليتكم»، والمضاف إلى المضمر أعرف ممّا فيه الألف واللام، والأعرف أولى أن يكون هو الاسم ل «كان» وأخواتها، لأنه هو المخبر عنه، ولا يخبر إلا (^٥)
_________________
(١) كتاب سيبويه ٢/ ٣٤٠
(٢) التبصرة ٥٤ /أ، والتيسير ٧٩، والنشر ٢/ ٢١٨
(٣) ب: «المعنى» وتصويبه من: ص.
(٤) ب: «كان» ورجحت ما في: ص.
(٥) لفظ «إلا» سقط من: ص.
[ ١ / ٢٨٠ ]
عن الأعرف دون الأنكر، ألا ترى أن النكرات لا يخبر عنها. وأيضا فإن «البر» تعريفه ضعيف، لأنه يدل على الجنس، ليس يدل على شخص بعينه، وتعريف الجنس ضعيف، لأنه كالنكرة، فصار «أن» والفعل أقوى من «البر» في التعريف بكثير، فوجب أن يكون الأعرف هو الاسم، وهو «أن» وما بعدها، ووجب نصب البر على الخبر.
«١٠٩» ووجه القراءة بالرفع أن اسم «ليس» كالفعل، ورتبة الفاعل أن يلي الفعل، فلمّا ولي «البر» «ليس» رفع. ولو نصب «البر» لوجب أن يكون الكلام غير رتبته، وأن ينوى ب «البر» التأخير، فيكون الكلام على رتبته، التي أتت به التلاوة، أولى من أن يحدث فيه ما يحتاج معه إلى التقديم والتأخير. ويقوي رفعه (^١) رفع «البر» الثاني، الذي معه الباء إجماعا في قوله:
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا﴾ «١٨٩» ولا يجوز فيه إلا رفع «البر»، فحمل الأول على الثاني أولى من مخالفته له، ويقوي رفع «البر» أيضا أن في مصحف ابن مسعود: «ليس البر بأن تولوا» بزيادة باء، وهذا لا يكون معه إلا رفع «البر»، وهو الاختيار، لإجماع القراء عليه، ولأنه رتبة الكلام، وبه قرأ الحسن والأعرج، ويقوي ذلك أن (^٢) في مصحف أبيّ: «ليس البر بأن تولوا» كمصحف ابن مسعود. والرفع في «البر» اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وغيرهما، وبه قرأ الحسن والأعرج وشيبة ومسلم بن جندب وابن أبي إسحاق وعيسى وابن محيصن وشبل وغيرهم. والنصب قوي في «البر» من باب التعريف، فالقراءتان حسنتان (^٣).
_________________
(١) قوله «رفعه» سقط من: ص.
(٢) قوله: «ان في مصحف … ذلك ان» سقط من: ص.
(٣) الحجة في القراءات السبع ٦٩، وزاد المسير ١/ ١٧٨، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٠٧، وتفسير النسفي ١/ ٩٠، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١١ /ب، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٢١ /أ.
[ ١ / ٢٨١ ]
«١١٠» قوله: «موص» قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بفتح الواو مشدّدا، حملوه على «وصّى به» وعلى «توصية» ف «موص» اسم فاعل من «وصّى» ومن «توصية». وقد تقدّم ذكر هذا في ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ﴾ (^١) وقرأ الباقون: «(موص)» بإسكان الواو مخفّفا، حملوه على «أوصى» وعلى «يوصي» و«يوصون» فهو اسم فاعل من «أوصى يوصي» لكن في التشديد معنى التكرير والتكثير. والقراءتان متكافئتان حسنتان، [لكل] (^٢) واحدة منهما شاهد، قد أجمع عليه، وكان التخفيف أحبّ إليّ، لأن أكثر القراء عليه، ولأنه أخفّ على القارئ (^٣).
«١١١» قوله: ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ قرأ نافع وابن ذكوان «فدية طعام» بالإضافة، وقرأ الباقون بالتنوين في «فدية»، وبرفع «الطعام»، وقرأ نافع وابن عامر «مساكين» بالجمع، وقرأ الباقون بالتوحيد منوّنا مخفوضا (^٤) بالإضافة (^٥).
«١١٢» ووجه القراءة بالإضافة أنه سمّى الطعام الذي يفدى به الصيام فدية، ثم أضافه إلى طعام، وهو بعضه، فهو من باب إضافة بعض إلى كل، مثل هذا: خاتم حديد، وثوب خزّ، مع ما أن الإضافة أخف من غير أن ينقص المعنى.
«١١٣» ووجه القراءة بغير إضافة أنه سمى الشيء الذي يفدى به الصيام فدية، ثم أبدل الطعام منها، بدل الشيء من الشيء، وهو هو، فبيّن الله به (^٦) من أي نوع هي، أبا لطعام أو غيره (^٧)، وهو الاختيار لأن المعنى عليه.
_________________
(١) راجع الفقرة «٧٣» من هذه السورة.
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) التبصرة ٥٤ /ب، وزاد المسير ١/ ١٨٣، وتفسير النسفي ١/ ٩٣، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٢ /أ.
(٤) ب، ص: «منون مخفوض» فصوبته.
(٥) زاد المسير ١/ ١٨٦، وتفسير ابن كثير ١/ ٢١٥
(٦) ص: «فبين الفدية».
(٧) لفظ «أو غيره» سقط من: ص.
[ ١ / ٢٨٢ ]
ولأن أكثر القراء عليه، ورفع «الفدية» في القراءتين بالابتداء، والخبر محذوف تقديره: فعليه فدية، ونحوه.
«١١٤» ووجه قراءة من جمع «مساكين» أنه ردّه [على ما قبله لأن] (^١) ما قبله جمعا في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ فكل واحد من هذا يلزمه إذا أفطر طعام مسكين، فالذي يلزم جميعهم، إذا أفطروا، إطعام مساكين كثيرة، على كل واحد عن كل يوم أفطره مسكين. فالجمع أولى به لهذا المعنى، وبالجمع قرأ ابن عمر ومجاهد.
«١١٥» ووجه قراءة من وحّد فقرأ «مسكين» أن الواحد النكرة يدلّ على الجمع، فاستغنى به عن لفظ الجمع. وأيضا فإنه ردّه على الفدية، فوحّد، كما وحّدت الفدية، ومعناها فديات كثيرة تجتمع عن كل واحد. فلمّا وحّدت الفدية وحّد المسكين. وأيضا فإنه بيّن بتوحيد مسكين ما يلزم عن كل يوم واحد أفطر، فيكون قد بيّن به ما على من أفطر يوما. وأيضا فإن التوحيد يفيد الحكم الذي على كل من أفطر يوما. وإذا قرأ بالجمع لم يقع فيه بيان، ما يلزم عن كل يوم أفطره الواحد. وإنما الجمع مبهم، أخبر فيه أن على الجماعة، إذا أفطروا، طعام مساكين، فلا يدري ما على كل واحد أفطر يوما، من لفظ الجمع. فالتوحيد فيه بيان ذلك، وبه قرأ ابن عباس، وهو الاختيار لأن أكثر القراء عليه.
«١١٦» قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ قرأه أبو بكر مشدّدا مفتوح الكاف، وقرأ الباقون مخفّفا، ساكن الكاف، وهما لغتان، يقال: أكملت العدد وكمّلته، ويقوي التخفيف إجماعهم على قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ «المائدة ٣»، ويقوي التشديد أن فيه معنى التأكيد والتكرير، وبه قرأ الحسن وأبو عبد الرحمن وأبو رجاء وابن أبي إسحاق والجحدري وغيرهم. والتخفيف أولى لخفته، ولأنه إجماع من القراء، ولإجماعهم على «اليوم أكملت»، وهو الاختيار، وبه
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص.
[ ١ / ٢٨٣ ]
قرأ ابن مسعود والأعرج وابن وثّاب وطلحة بن مصرّف وعيسى والأعمش وغيرهم (^١).
«١١٧» قوله: «البيوت، والغيوب، والجيوب، الشيوخ، والعيون» (^٢) قرأ ذلك ورش وحفص وأبو عمرو بالضمّ في أوائلها، وقرأ قالون وهشام بكسر الباء من «البيوت»، وضمّ باقيها، وقرأ حمزة بالكسر في أوائلها كلها، ومثله أبو بكر غير أنه ضمّ الجيم من «الجيوب» وحدها. وقرأ ابن كثير وابن ذكوان والكسائي بضمّ الغين من «الغيوب» وكسر باقيها.
«١١٨» ووجه القراءة فيهن بالضمّ أنه أتى بهن على الأصل، ولم يسأل عن الياء وضمّتها، وباب «فعل» في الجمع الكثير «فعول»، ولمّا كان هذا النوع، لا يجوز فيه إلا الضمّ إذا لم يكن الثاني ياء نحو: «كعوب، ودهور» أجرى ما ثانيه ياء على ذلك، لأنه أصله، ولئلا يختلف.
«١١٩» ووجه القراءة بالكسر أن الكسرة مع الياء أخفّ من الضمة معها، فاستثقل ضمة بعدها ياء مضمومة، والضمة مع (^٣) ياء ثقيلة، فاجتمع حركتان ثقيلتان، وحرف ثقيل، عليه حركة، ثقيلة في جمع، والجمع ثقيل، فكسر الأول لخفّته مع الياء، ولتقرّب الحركة من الحرف الذي بعدها، فقد قالوا: شهد، ولعب، فكسروا الأول لكسر الثاني، وهو من حروف الحلق للتقريب، وقالوه أيضا في الاسم فقالوا: سعيد ورغيف وشهيد، فكسروا الأول للثاني، إذ هو حرف حلق (^٤) للتقريب من حركته. كذلك كسروا أوائل هذه الجموع للتقريب من الثاني، وقوي ذلك فيه، وليس بحرف حلق، لأنه جمع، ولأنه حرف ثقيل عليه
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ٧٠، وزاد المسير ١/ ١٨٨.
(٢) الأحرف سوى أولها في سورة المائدة (آ ١٠٩)، والنور (آ ٣١)، وغافر (آ ٦٧) والحجر (آ ٤٥).
(٣) ب: «على» وتصويبه من: ص.
(٤) قوله: «للتقريب وقالوه … حلق» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
[ ١ / ٢٨٤ ]
حركة ثقيلة، والكسر للإتباع كثير في الكلام، قالوا: قسي، وعصي، وعتي، وصلي، وبكي، وهو كثير. فأما من ضمّ بعضا وكسر بعضا، فإنه جمع بين لغتين، مع روايته ذلك عن أئمته، والضمّ هو الاختيار، لأنه الأصل، ولأن الكسر تغيير عن الأصل، والضمّ هو اختيار أبي حاتم. قال أبو حاتم: لا يجوز غير الضمّ ولا يكسر الأول للياء، لأن الياء متحركة مضمومة، وليس في الكلام «فعيل» (^١) فكيف تروم ما لا يكون في الكلام. قال أبو محمد: الكسر لغة مشهورة في هذا الجمع، والكسرة عارضة، فلا يعتدّ بوزنه، والضمّ هو الأصل (^٢).
«١٢٠» قوله: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ﴾، ﴿حَتّى يُقاتِلُوكُمْ﴾، ﴿فَإِنْ قاتَلُوكُمْ﴾ قرأه حمزة والكسائي الثلاثة بغير ألف، وقرأ ذلك الباقون بألف.
«١٢١» ووجه القراءة بالألف أنه جعل من القتال، لإجماعهم على قوله:
﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ «البقرة ١٩٣» فهذا نص على الأمر بالقتل، وبالألف قرأ الحسن وأبو عبد الرحمن وشبية وحميد وغيرهم.
«١٢٢» ووجه القراءة بغير ألف أنه جعله من القتل، لإجماعهم على قوله عقيب ذلك: (فاقتلوهم)، وقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، والقراءتان متداخلتان حسنتان، لأن من قاتل قتل، ومن قتل فبعد قتال قتل، ومعنى «حتى يقاتلوكم، فإن قاتلوكم» أي: يقتلون بعضكم فإن قتلوا بعضكم، والاختيار القراءة بالألف، لأن عليه الجماعة، وعليه قراءة العامة، وهو اختيار أبي حاتم وغيره (^٣).
«١٢٣» قوله: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ (^٤) قرأهما ابن كثير وأبو عمرو بالتنوين والرفع، وقرأ الباقون بالفتح من غير تنوين.
_________________
(١) ب: «فعول» وتصويبه من: ص.
(٢) التيسير ٨٠، وتفسير النسفي ١/ ٩٧، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٢ /ب، وكتاب سيبويه ٢/ ٣٠٥، ٣١٠
(٣) زاد المسير ١/ ٢٠٠، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٧٧، وتفسير النسفي ١/ ٩٩
(٤) وسيأتي ذكره في السورة نفسها، الفقرة، «١٦٣ - ١٦٥»، وفي سورة إبراهيم، الفقرة «٣»، وسورة الطور، الفقرة «٤».
[ ١ / ٢٨٥ ]
«١٢٤» ووجه القراءة بالرفع والتنوين أن «لا» بمعنى «ليس» فارتفع الاسم بعدها، لأنه اسمها، والخبر محذوف، تقديره: فليس رفث ولا فسوق في الحج، ودلّ عليه «في الحج» الثاني الظاهر، وهو خبر «ولا جدال»، ويجوز أن ترفع «رفث وفسوق» بالابتداء، و«لا» للنفي، فالخبر محذوف أيضا، ولا يحسن أن يكون «في الحج» الظاهر خبرا عن الأسماء الثلاثة، لأن خبر «ليس» منصوب، وخبر «جدال» مرفوع، لأن «ولا جدال» اسم واحد، في موضع رفع بالابتداء، ولا يعمل عاملان في اسم واحد، ولو رفع «ولا جدال» ونوّن مثل ما قبله لكان «في الحج» الظاهر خبرا عن الثلاثة الأسماء، لأن الأسماء الثلاثة، كل واحد مع «لا» في موضع رفع بالابتداء والعطف، ومنعه الأخفش لأنه يرى ارتفاع الخبر بعد «لا» الثانية، وبالرفع قرأ مجاهد وابن محيصن.
«١٢٥» ووجه القراءة بالفتح، من غير تنوين، أنه أتى ب «لا» للنفي، لتدلّ على النفي العام، فنفى جميع الرفث وجميع الفسوق كما تقول: لا رجل في الدار، فتنفي جميع الرجال، ولا يكون ذلك إذا رفع ما بعد «لا» لأنها تصير «لا» بمعنى «ليس»، ولا تنفي إلا الواحد، والمقصود في الآية نفي جميع الرفث والفسوق، فكان الفتح أولى به لتضمنه لعموم الرفث كله، والفسوق كله، لأنه لم يرخّص في ضرب من الرفث ولا في ضرب من الفسوق، كما لم يرخّص في ضرب من الجدال، ولا يدل على هذا المعنى إلا الفتح، لأنه للنفي العام، وإجماع القراء على فتح «ولا جدال» يقوي فتح ما قبله، ليكون الكلام على نظام واحد، في عموم المنفي كله، في الأسماء الثلاثة، في موضع رفع، كل واحد مع «لا».
وقوله «في الحج» خبر عن جميعها، والفتح وجه القراءة لعمومه، ولإجماع أكثر القراء عليه، ولاتفاق أول الكلام مع آخره، وبه قرأ الأعرج وشيبة والأعمش وأبو رجاء والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى (^١).
_________________
(١) زاد المسير ١/ ٢١٠، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٣٦، والنشر ٢/ ٢٠٤، وتفسير النسفي ١/ ١٠١، وإيضاح الوقف والابتداء ٥٤٥، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٢٣ /أ.
[ ١ / ٢٨٦ ]
«١٢٦» قوله: (في السّلم) (^١) قرأه الحرميان والكسائي بفتح السين، وهي لغة في «السلم» الذي هو الاسلام، قال أبو عبيدة والأخفش: «السلم» بالكسر الإسلام. ويجوز أن يكون «السّلم» بالفتح اسما بمعنى المصدر، الذي هو الإسلام كالعطاء والنباب، بمعنى: الإعطاء والإنبات. ويجوز أن يكون الفتح في «السلم» بمعنى الصلح، وهو يريد الإسلام، لأن من دخل في الإسلام فقد دخل في الصلح. فالمعنى: ادخلوا في الصلح الذي هو الإسلام. وقرأ الباقون بكسر السين. فأما من كسر السين فهو واقع على الإسلام، وهو المعروف في اللغة «السلم» بالكسر الإسلام، فحضّوا على الدخول في الإسلام، ولم يحضّوا على الدخول في الصلح، وبقياهم على كفرهم، وكلا القراءتين حسن، وبالكسر قرأ الحسن ومجاهد وعكرمة (^٢) وقتادة وابن أبي إسحاق وابن وثّاب وعيسى والأعمش والجحدري، وبالفتح قرأ الأعرج وشبية وشبل (^٣). وروى عبد الرحمن بن أبزى (^٤) أن النبي ﵇ قرأ: «السلم» في البقرة والأنفال و«الذين كفروا» (^٥) بالفتح في الثلاثة (^٦).
_________________
(١) سيأتي ذكره في سورة محمد ﷺ، الفقرة «٨».
(٢) عكرمة مولى ابن عباس أبو عبد الله، المفسر، رويت عنه الحروف، وروى عن مولاه وأبي هريرة وابن عمر، عرض عليه علباء بن أحمد وأبو عمرو بن العلاء، وروي عنه، واعتمده البخاري وأخرج له مسلم، (ت ١٠٧ هـ)، ترجم في الجرح والتعديل ٢/ ٧/٣، وطبقات القراء ١/ ٥١٥
(٣) الحجة في القراءات السبع ٧٢، وزاد المسير ١/ ٢٢٤، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٧ وتفسير النسفي ١/ ١٠٤، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٣ /ب، وأدب الكاتب ٤٢٤
(٤) هو مولى نافع بن عبد الحارث، كوفي، روى أحاديث عن عمر بن الخطاب وأبيّ بن كعب ووردت عنه الرواية في الحروف، (ت بعد ٧٠ هـ)، ترجم في طبقات ابن سعد ٥/ ٤٦٢، وطبقات القراء ١/ ٣٦١
(٥) يعني بقوله «والذين كفروا» سورة محمد ﷺ إذ تبدأ السورة بهذا القول، والحرفان هما (آ ٦١، ٣٥).
(٦) تفسير الطبري ٤/ ٢٥٢
[ ١ / ٢٨٧ ]
«١٢٧» قوله: (مرضات) (^١) أمالها الكسائي وحده، وفتح الباقون.
ووقف عليها حمزة بالتاء، ووقف الباقون بالهاء. وفي ذلك اختلاف. وقد ذكرنا علة الإمالة (^٢) فيه، وأن الألف وقعت رابعة، فلم يمنعها من الإمالة كونها من الواو، لأن ذوات الواو إذا صرن إلى الرباعي حسن فيهن الإمالة نحو: «أزكى، وادّعى» (^٣)، ولم تمنعها الضاد من الإمالة كما لم تمنع الإمالة في (^٤) «خاف، وضاق، وطاب» (^٥) مع حرف الاستعلاء. فأما من فتح فعلى الأصل قرأ، مع قوة حرف الاستعلاء، في المنع من الإمالة في غير هذا، مع أن الجماعة عليه. فأما من وقف بالتاء فإنه أتى به على لغة من قال في الوقف: طلحت، بالتاء. وحكاه سيبويه، وحسن ذلك لمّا كان الاسم مضافا، والمضاف والمضاف إليه كاسم واحد. فكأن التاء متوسطة فوقف بالتاء، كما يفعل في الوصل، ليعلم أن التاء متوسطة، وأن المضاف إليه متوسط بالمضاف. فأما من وقف بالهاء فإنه أتى به على الأصل، في كل هاء تأنيث، ولأنه إذا وقف بالتاء، على هاء التأنيث، لم يكن فرق بين التاء الأصلية التي لا تدلّ على تأنيث، ولا يوقف عليها إلا بالتاء، نحو تاء: صوت، وحوت، وبين التاء الزائدة التي للتأنيث. والمصاحف الأمهات قد اختلفت في هذا ونظائره، فمنها ما كتبت فيه بالتاء، ومنها ما كتبت فيه بالهاء. فما كتبت بالتاء فعلى لفظ الوصل، ونية الوصل. وما كتبت بالهاء فعلى نية الوقف (^٦).
_________________
(١) تقدّم هذا الحرف في «أقسام علل الإمالة»، الفقرة «١٧».
(٢) ب: «الاختلاف» وتصويبه من: ص.
(٣) تقدّم ذكر هذين الحرفين في «باب علل إمالة ما قبل هاء التأنيث» الفقرة «٣».
(٤) ب: «من»، ورجحت ما في: ص.
(٥) تقدّم ذكر هذه الأحرف وأمثالها في «أقسام علل الإمالة» الفقرة «٩».
(٦) التبصرة ٥٥ /أ، والتيسير ٦٠، والنشر ٢/ ١٢٧، وإيضاح الوقف والابتداء ٢٨٨، وكتاب سيبويه ٢/ ٣٣٧، والمقنع ٨١، والحجة في القراءات السبع ٧١، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٣ /أ.
[ ١ / ٢٨٨ ]
«١٢٨» قوله: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ قرأه (^١) ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء وكسر الجيم، حيث وقع، بنوا الفعل للفاعل، لأنه المقصود، ويقوي ذلك إجماعهم على: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ «الشورى ٥٣» وقوله: ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ «المائدة ٤٨» فبنى الفعل للفاعل، فحمل هذا على ذلك. وقرأ الباقون بضمّ التاء وفتح الجيم، بنوا الفعل للمفعول، ويقوي ذلك إجماعهم على قوله:
﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ﴾ «الأنعام ٦٢» و﴿لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي﴾ «الكهف ٣٦» فبني الفعل للمفعول، وهو إجماع، فألحق هذا به، لأنه مثله، فالقراءتان حسنتان بمعنى، والأصل أن يبنى الفعل للفاعل، لأنه محدثه بقدرة الله جل ذكره، وبناؤه للمفعول توسّع وفرع (^٢).
«١٢٩» قوله: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ قرأه نافع بالرفع، وقرأه الباقون بالنصب. ووجه القراءة بالرفع أن الفعل دالّ على الحال، التي كان عليها الرسول، ولا تعمل «حتى» في حال. فلمّا كان ما بعدها للحال لم تعمل فيه. والتقدير:
وزلزلوا فيما مضى حتى إن الرسول يقول: متى نصر الله، فحكى الحال، التي عليها الرسول قبل، كما حكيت الحال في قوله: ﴿هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ «القصص ١٥» وفي قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ «الكهف ١٨» فإنما حكى حالا كانوا عليها ليست (^٣) حالا هم الآن عليها، فكذلك «حتى يقول الرسول» حكى حالا كان عليها الرسول فيما مضى. والرفع بعد حتى على وجهين: أحدهما أن يكون السبب الذي أدى الفعل، الذي قبل «حتى» قد مضى، والفعل المسبب لم يمض، ولم ينقطع، نحو قولك: مرض حتى لا يرجونه، أي:
_________________
(١) ص: «قرأ»، وسيأتي ذكر هذا الحرف في السورة نفسها، الفقرة «٢٠٢»، وسورة المؤمنين، الفقرة «٢٣»، وسورة القصص، الفقرة «١٠».
(٢) النشر ٢/ ٣٠١، وتفسير النسفي ١/ ١٠٥، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٣ /ب.
(٣) ب: «ليس» ورجحت ما في: ص.
[ ١ / ٢٨٩ ]
مرض فيما مضى حتى هو الآن لا يرجى فيحيى، الجال التي هم عليها الآن، فيرفع، ولا تحمل الآية على هذا المعنى، لأنها لحال قد مضى، فحكي، والوجه الآخر أن يكون الفعلان جميعا قد مضيا، نحو قولك: سرت حتى أدخلها، أي: سرت فدخلت، فالدخول متصل بالسير. وقد مضيا، فحكيت الحال التي كانت، لأن ما مضى لا يكون حالا، إلا على الحكاية. فعلى هذا تحمل الآية (^١) في الرفع، لا على الوجه الأول من وجهي الرفع. و«حتى» (^٢) هذه التي يرتفع الفعل بعدها ليست العاطفة، ولا الجارة، إنما هي التي تدخل على الجمل، فلا تعمل، وتدخل على الابتداء والخبر. فإذا كان ما بعد «حتى» محكيا دالا على حال، قد انقضت، أو على حال في الوقت لم ينقض، فلا سبيل إلى النصب بها، لأنها لا تنصب إلا غير حال، تنصبه بمعنى «كي» أو بمعنى «إلى أن».
«١٣٠» ووجه القراءة بالنصب أن «حتى» جعلت غاية للزلزلة، فنصبت بمعنى «إلى أن»، والتقدير: وزلزلوا إلى أن قال الرسول، فجعل «قول الرسول» غاية لخوف أصحابه، أي: لم يزالوا خائفين إلى أن قال الرسول، فالفعلان قد مضيا جميعا، وينصب ب «حتى» في الكلام بمعنى «كي» كقولك: أسلمت حتى أدخل الجنة، أي: كي أدخل الجنة. فالإسلام كان والدخول لم يكن. وهي إذا نصبت الأفعال الجارة في الأسماء، إذا كانت بمعنى «إلى أن»، أو تكون هي العاطفة في الأسماء، إذا نصبت بمعنى «كي»، فإذا ارتفع الفعل بعد «حتى» على معنى حال مضت محكية، فالفعل لما مضى، وإذا ارتفع على معنى حال، لم تنقض، فالفعل للحال. وإذا انتصب على معنى «إلى أن» فالفعل ماض. وإذا انتصب على معنى «كي» فالفعل مستقبل، فافهم هذا فإنه مشكل، وعليه مدار أحكام «حتى»، وبالرفع قرأ الأعرج ومجاهد
_________________
(١) ب: «الحكاية» وتصويبه من: ص.
(٢) ب: «وعلى» وتصويبه من: ص.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وابن محيصن وشبية، وبالنصب قرأ الحسن وأبو جعفر، وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم، وهو الاختيار، لأن عليه جماعة القراء (^١).
«١٣١» قوله: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ قرأه (^٢) حمزة والكسائي بالثاء، جعلاه من الكثرة حملا على المعنى، وذلك أن الخمر تحدث، مع شربها، آثام كثيرة من لغط وتخليط، وسبّ وأيمان، وعداوة وخيانة، وتفريط في الفرائض، وفي ذكر (^٣) الله وفي غير ذلك، فوجب أن توصف بالكثرة. وقد قال بعد ذلك «ومنافع للناس» فجمع المنافع. وكذلك يجب أن تكون الآثام جمعا. والجمع يوصف بالكثرة. وأيضا فإن وصف الإثم بالكثرة أبلغ، من وصفه بالكبر. وقد قال الله جلّ ذكره: ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ «الفرقان ١٤» وقال: ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ «الأحزاب ٤١»، فأما قوله ﴿وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ﴾ «البقرة ٢١٩» فأتى بالباء، فإنما ذلك (^٤)، لأن الإثم الثاني واحد، والأول بمعنى الآثام، فحسن في الأول الكثرة لكثرته، ولم يحسن في الثاني الكثرة لقلته في المعنى. وأيضا فإنه إجماع، ويدلّ على أن الأول بمعنى الجمع قوله: (ومنافع) فعطف عليه بجمع، فهو مثله، ولمعنى الكثرة مزية على معنى الكبر، لأن الكثرة تستوعب معنى العظم ومعنى الكثرة، ولا يستوعب العظم معنى الكثرة، لأن الإثم يكون عظيما، ولا يكون كثيرا إلا وهو عظيم. وتقول: كل كثير كبير، ولا تقول: كل كبير كثير. فالقراءة بالثاء أعمّ، لتضمّنها معنى الكثرة والكبر. وقرأ الباقون بالباء، من الكبر، على معنى العظم، أي: فيهما إثم عظيم. ويقوي ذلك إجماعهم على قوله: ﴿وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ بالباء، من العظم. وقد أجمعوا على أن شرب الخمر من الكبائر، فوجب أن يوصف إثمه بالكبر. وقد وصف الله الشرك بالعظم فقال:
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ «لقمان ١٣» فكذلك ينبغي أن يوصف ما قرب من
_________________
(١) زاد المسير ١/ ٢٣٢، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٥١، وتفسير النسفي ١/ ١٠٧، وكتاب سيبويه ١/ ٤٨٣، ومغني اللبيب ١٢٤، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٢٣ /ب.
(٢) ب: «قرأ» ورجحت ما في: ص.
(٣) ب: ذكره. وتصويبه من: ص.
(٤) قوله: «فإنما ذلك» سقط من: ص.
[ ١ / ٢٩١ ]
الشرك بالعظم، وهو شرب الخمر، لأنهما كبائر، والعظم والكبر سواء. ولمّا قالوا فيما هو دون الكبائر صغائر، وصغير وصغيرة وجب أن يقال في الكبائر كثير، لأن الكثير مقابل للقليل، والكبير مقابل للصغير. وقد وصف الله الإثم بالعظم في قوله: ﴿فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ «النساء ٤٨»، والكبر مقابل للعظم في المعنى. قال أبو محمد: القراءتان حسنتان متداخلتان، لأن القراءة بالثاء مراد بها العظم، ولا شك أن ما عظم فقد كثر، وقد كبر، والباء أحبّ إلي، لأن الجماعة عليه، ولقوله: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ «النساء ٢» والحوب الإثم (^١)، فوصفه بالكبر. وقال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ «البقرة ٢١٧» والفتنة هنا الكفر والكفر يشتمل على كل الآثام. وقد وصفه بالكبر (^٢)، وهو اختيار أبي حاتم وأبي طاهر وأبي عبيد، وبه قرأ الحسن وأبو رجاء والأعرج وأبو جعفر وشيبة ومجاهد وقتادة وابن أبي إسحاق، وعليه العامة.
«١٣٢» قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ قرأه أبو عمرو بالرفع، ونصب الباقون.
«١٣٣» ووجه القراءة بالرفع أنه جعل «ما» و«ذا» اسمين، «ذا» بمعنى «الذي» و«ما» استفهام، تقديره: أي شيء الذي تنفقونه. ف «ما» مبتدأ و«الذي» خبره، فيجب أن يكون الجواب مرفوعا أيضا، من ابتداء وخبر، تقديره: الذي تنفقونه العفو. فيكون الجواب في الإعراب كالسؤال في الإعراب، والهاء محذوفة، من الصلة، في الجواب، أي: تنفقونه كذلك، هي مقدّرة محذوفة من الصلة (^٣)، وهو مثل قوله: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ «النحل ٢٤» تقديره: أي شيء الذي أنزله ربكم قالوا الذي أنزله أساطير الأولين. فأتى الجواب على نحو السؤال في الإعراب والإضمار،
_________________
(١) تفسير غريب القرآن ١١٨
(٢) زاد المسير ١/ ٢٤٠ وتفسير ابن كثير ١/ ٢٥٥، وتفسير النسفي ١/ ١٠٩
(٣) قوله: «أي تنفقونه .. من الصلة» سقط من: ص.
[ ١ / ٢٩٢ ]
لكن حذف الابتداء، لصلته من الجواب، لدلالة الأول عليه. وكذلك هو في الآية مع «العفو».
«١٣٤» ووجه القراءة بالنصب أن تكون «ما» و«ذا» اسما واحدا في موضع نصب ب «ينفقون»، فيجب أن يكون الجواب أيضا منصوبا، كما تقول:
ما أنفقت؟ فتقول: درهما، أي: أنفقت درهما، ولا هاء محذوفة مع النصب، ولا ابتداء مضمر مع النصب. إنما تضمر فعلا، تنصب به «العفو»، يدل عليه الأول، تقديره: يسألونك: أي شيء ينفقون، قل ينفقون العفو. ومثله قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا﴾ «النحل ٣٠» ف «ما» و«ذا» اسم واحد، في موضع نصب ب «أنزل» و«خيرا» جواب منصوب كالسؤال تقديره: قالوا: أنزل خيرا. والاختيار النصب للإجماع عليه، والقراءتان متقاربتان، لأن كل واحدة محمولة على إعراب السؤال (^١).
«١٣٥» قوله: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ قرأه الحرميان وأبو عمرو وابن عامر وحفص مضموم الهاء، مخفّفا، على معنى ارتفاع الدم وانقطاعه، ولكن لم تتمّ الفائدة إلا بقوله: ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: بالماء، فأتوهن، فبهذا تمّت الفائدة والحكم، لأن الكلام متصل بعضه ببعض، فلا يحسن أن يكون «يطهرن» مخفّفا، تتمّ عليها الفائدة والحكم، لأنه يوجب إتيان المرأة، إذا انقطع عنها الدم، وإن لم تتطهر بالماء، ويكون قوله: ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ لا فائدة له، إذ الوطء قد يتمّ بزوال (^٢) الدم، فلا بد من اتصال، فإذا تطهّرن بما قبله، وبه يتمّ الحكم، والفائدة في أن لا توطأ الحائض إلا بانقطاع الدم، والتطهير بالماء. فلو حمل الأول على التشديد، وفتح الهاء محمل الثاني، للزم أن توطأ الحائض، إذا تطهرت، وإن لم ينقطع عنها الدم. ففي التخفيف بيان الشرطين اللذين، مع وجودهما،
_________________
(١) تفسير الطبري ٤/ ٢٩٢، ومعاني القرآن ١/ ٣٩، وإيضاح الوقف والابتداء ٣٢٤، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٥٦، وتفسير النسفي ١/ ١١٠، ومغني اللبيب ٣٠٠، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٢٤ /ب.
(٢) قوله: «الدم وإن لم … يزوال» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
[ ١ / ٢٩٣ ]
توطأ الحائض، وهما: انقطاع الدم، والتطهر (^١) بالماء. وليس مع التشديد للطاء فيها دليل على أن انقطاع الدم شرط للوطء. فالقراءة بالتخفيف فيها بيان الحكم وفائدته. وهو الاختيار لأن فيها بيان إباحة الوطء بعد انقطاع الدم والتطهير بالماء.
وقرأ الباقون بفتح الهاء مشددا، على معنى التطهير بالماء دليله إجماعهم على التشديد في قوله: ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ فحمل الأول على الثاني، وأيضا فإن التخفيف، في الأول، يوهم جواز إتيان الحائض، إذا ارتفع عنها الدم، وإن لم تطهر بالماء [فكأن التشديد فيه رفع التوهم، أو هي في حكم الحائض ما لم تطهر] (^٢)، وهي ممنوعة من الصلاة ما لم تتطهّر، ولزوجها مراجعتها ما لم تطهر بالماء. وإن كان الدم قد انقطع، وهذا قول عمر وعبادة بن الصّامت (^٣) وأبي الدّرداء. وقال الشعبي: روي ذلك عن ثلاثة عشر من الصحابة منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس، فإذا كان حكم انقطاع الدم، من غير غسل، حكم ثبوته، ووجب (^٤) أن يؤثر التشديد، ليفيد الخروج عن حكم الحائض في جواز الوطء، وإباحة الصلاة ومنع الرجعة. ويدل على قوة التشديد أن في حرف أبيّ وابن مسعود «حتى يتطهّرن» بياء وتاء. وهذا يدلّ على التطهّر بالماء، ويدل على إدغام التاء في الطاء (^٥). قال أبو محمد: ولولا اتفاق الحرميين، وابن عامر وأبي عمرو وحفص على التخفيف، لكان التشديد مختارا أيضا، لما ذكرنا من العلة.
«١٣٦» قوله: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا﴾ قرأ حمزة بضم الياء، وفتحها الباقون.
_________________
(١) ب: «والتطهير» ووجهه من: ص.
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) عبادة بن الصامت، صحابي جليل، واحد النقباء ليلة العقبة، وأعيان البدريين (ت ٣٤ هـ)، ترجم في طبقات ابن سعد ٣/ ٥٤٦، ٦٢١، والجرح والتعديل ١/ ٩٥/٣.
(٤) ب: «وجب» وتوجيهه من: ص.
(٥) الحجة في القراءات السبع ٧٣، وزاد المسير ١/ ٢٤٨، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٥٩، وتفسير النسفي ١/ ١١١، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٤ /أ.
[ ١ / ٢٩٤ ]
«١٣٧» وحجة قراءة حمزة بضم الياء أنه بنى الفعل للمفعول، والضمير في «يخافا» مرفوع لم يسمّ فاعله، يرجع للزوجين، والفاعل محذوف [وهو] (^١) الولاة والحكام (^٢) والخوف بمعنى اليقين. وقيل: بمعنى «الظن»، وقد ألزم من قرأ بضم الياء أن يقرأ: فإن خيفا، وهذا لا يلزم، لأن من قرأ بفتح الياء يلزمه أيضا، أن يقرأ: فإن خافا، ولكنه في القراءتين جميعا حسن من باب الخروج من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة كقوله: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ «يونس ٢٢» وكقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثم قال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهو كثير.
«١٣٨» ووجه القراءة بفتح الياء أنه حمل على ظاهر الخطاب، يراد به الزوجان، إذا خاف كل واحد منهما ألا يقيما حدود الله حلّ الاقتداء، فهما الفاعلان، و«أن» في القراءة الأولى مقدّر معها حذف حرف الجر، لأن الفعل قد تعدّى إلى مفعوله، وأقيم مقام الفاعل ف «أن» في موضع جر، بإضمار حرف الجر، على قول الخليل (^٣) والكسائي، ولكثرة حذفه مع «أن» فكأنه ملفوظ به، فحسن عندهما عمله، وهو محذوف، ولا يقاس عليه، و«أن» عند غيرهما من الكوفيين في موضع نصب لحذف حرف الجر. فأما من قرأ بفتح الياء ف «أن» في موضع نصب بالفعل، لأنه لم يتعدّ إلى مفعول، وهو يقتضي التعدي إلى مفعول، فتعدّى إلى «أن»، فهي في موضع نصب به (^٤)، والاختيار ما عليه الجماعة من فتح الياء.
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص.
(٢) ب: «والحكم» ورجحت ما في: ص.
(٣) الخليل بن أحمد الفراهيدي، الإمام، النحوي، صاحب العروض والعربية، (ت ١٧٧ هـ)، ترجم في الجرح والتعديل ٢/ ٣٨٠/١، ومراتب النحويين ٢٧.
(٤) الحجة في القراءات السبع ٧٣، وزاد المسير ١/ ٢٦٥، وتفسير النسفي ١/ ١١٥، وكتاب سيبويه ١/ ٥٥٦، ومغني اللبيب ٣١، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٢٥ /أ.
[ ١ / ٢٩٥ ]
«١٣٩» قوله: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالرفع وفتحه الباقون.
«١٤٠» ووجه القراءة بالرفع أنه جعله نفيا لا نهيا، وأنه أتبعه ما قبله من قوله: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها﴾، وأيضا فإن النفي خبر، والخبر قد يأتي في موضع الأمر، نحو قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ «البقرة ٢٢٨» وقوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ «الصف ١١» فكذلك هذا أتى بلفظ الخبر، ومعناه النهي، فذلك شائع في كلام العرب.
«١٤١» ووجه القراءة بالفتح أنه جعله نهيا على ظاهر الخطاب، فهو مجزوم، لكن تفتح الراء لالتقاء الساكنين، لسكونها وسكون أول المشدّد، وخصّها بالفتح دون الكسر، لتكون حركتها موافقة لما قبلها، وهو الألف، ويقوي حمله على النهي أن بعده أمرا، في قوله: ﴿وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ﴾ و«والدة» يحتمل أن تكون فاعلة و«تضارّ» بمعنى يفاعل، أي: لا تضار والدة بولدها، فتطلب عليه ما ليس لها، وتمتنع من رضاع ولدها مضارّة ويحتمل أن تكون مفعولة لم يسمّ فاعلها، وتضارّ بمعنى تفاعل على معنى:
لا تضار والدة بولدها، فتمتنع من ولدها في الرضاع، وهي تأخذ مثل ما تأخذ غيرها، ولا تمنع من نفقته، وعلى ذلك يحمل: ولا مولود بولده، ويحتمل الوجهين جميعا (^١).
«١٤٢» قوله: ﴿ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قرأه ابن كثير بغير مدّ، من باب المجيء، إذ لم يظهر في الكلام مفعولان، فيحمل على باب الإعطاء، لأن «أتى» (^٢) من باب المجيء مقصور، يتعدّى إلى مفعول، بحرف وبغير حرف [جر] (^٣) ومن
_________________
(١) زاد المسير ١/ ٢٧٢، والتيسير ٨١، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٨٤، وتفسير النسفي ١/ ١١٨، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٢٥ /ب.
(٢) ب: «التي» وتصويبه من: ص.
(٣) تكملة موضحة من: ص.
[ ١ / ٢٩٦ ]
باب الإعطاء يمدّ فيتعدّى إلى مفعولين، فلمّا لم يكن في الكلام إلا مفعول واحد بحرف جر، فحمل على باب المجيء، وقوّى ذلك إتيان الباء بعده في «بالمعروف»، وباب المجيء يتعدّى إلى مفعول بحرف جر (^١) وبغير حرف كما قال تعالى:
﴿أَتَيْنا بِها﴾ «الأنبياء ٤٧» وقال: ﴿فَأَتاهُمُ اللهُ﴾ «الحشر ٢». فأما «ما» فيحسن أن تكون مع الفعل مصدرا بمعنى «الإتيان» في قراءة من قصر «آتيتم»، و«الإتيان» بمعنى «التأتي»، ويكون في قراءة من مدّ «آتيتم» مع الفعل بمعنى «الإيتاء»، لأنه رباعي، و«الإيتاء» بمعنى [المأتي، ويجوز أن تكون «ما» بمعنى] (^٢) الذي في القراءتين، فتقدّر «هاء» محذوفة من «آتيتم»، وتكون الهاء هي المفعول ل «آتيتم» لمن قصر، تعدى إليه بغير حرف، وتكون هي المفعول الأول، لمن مدّ «آتيتم»، والثاني محذوف، كما تقول: أعطيت زيدا، ولا تذكر العطية، وقرأ الباقون ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ «النساء ٢٤» يعني الرضاعة. وقال: ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ ٣ أُجُورَهُنَّ﴾ «المائدة ٥» فهو إجماع، فحمل هذا عليه، وهو الاختيار لإجماع القراء عليه. وكون «ما» بمعنى «الذي» أحسن، والهاء محذوفة، وهي المفعول ل «آتيتم» اقتصر فيه على مفعول واحد (^٤).
«١٤٣» قوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ (^٥) قرأه حمزة والكسائي بضمّ التاء، وبألف بعد الميم، ويمدّ ان، وقرأ الباقون بفتح التاء، وبغير ألف، حيث وقع.
_________________
(١) قوله: «حرف جر ومن باب .. بحرف جر» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) قوله: «فآتوهن أجورهن … إذا آتيتموهن» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
(٤) زاد المسير ١/ ٢٧٤، والنشر ٢/ ٢٢٠، وتفسير النسفي ١/ ١١٩
(٥) سيأتي ذكر هذا الحرف في سورة الأحزاب، الفقرة «٢٠».
[ ١ / ٢٩٧ ]
«١٤٤» وحجة من قرأ بألف أنه جعل الفعل لاثنين، لأن كل واحد من الزوجين يمسّ الآخر بالوطء أو بالمباشرة، فبابه المفاعلة، ويجوز أن يكون «فاعل» ك «فعل» في هذا فتكون القراءتان بمعنى، والمسّ من الزوج خاصة، لأنه الواطيء والمباشر، كما قالوا: داويت العليل وعاقبت اللص، وجاز أن يقع «فعل» و«فاعل» بمعنى، كما جاء «فعل واستفعل» قالوا: قرأ واستقرأ، وعلا قرنه واستعلاه، وعجبت واستعجبت بمعنى (^١). ويدلّ على قوة القراءة بالألف أنهم أجمعوا على قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ «المجادلة ٣» فوقع الفعل لهما كذلك، هذا لمّا كان من كل واحد من الزوجين مماسّة للآخر عند الوطء، حمل على باب المفاعلة.
«١٤٥» وحجة من قرأ بغير ألف أن المسّ هنا يراد به الوطء، أو المباشرة، والواطيء الرجل (^٢) دون المرأة، فهو فعل واحد، فبابه «فعل» لا «فاعل». وأيضا فقد أجمعوا على ترك الألف، في قوله تعالى مخبرا عن قول مريم ﵂: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ «آل عمران ٤٧» ولم يقل:
يماسسني، فدلّ ذلك على أن الفعل للزوج وحده الواطيء، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه من القراء، ولأنه أصح في المعنى المقصود إليه (^٣).
«١٤٦» قوله: (قدره، وقدره) قرأهما ابن ذكوان وحفص وحمزة والكسائي بفتح الدال، وأسكنها الباقون، وهما لغتان (^٤). قال الأخفش:
القدر والقدر، وهم يختصمون في القدر والقدر، ودليل الفتح إجماعهم على الفتح في قوله: ﴿فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ «الرعد ١٧» و﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ «القمر ٤٩»، ودليل الإسكان إجماعهم على الإسكان في قوله:
_________________
(١) كتاب سيبويه ٢/ ٢٨٥
(٢) ص: «هو الرجل».
(٣) الحجة في القراءات السبع ٧٤، وزاد المسير ١/ ٢٧٩، وتفسير النسفي ١/ ١٢٠، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٤ /ب.
(٤) القاموس المحيط «قدر».
[ ١ / ٢٩٨ ]
﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ «الأنعام ٩١» و﴿لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ «الطلاق ٣» و﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ «القدر ١»، فالقراءتان متساويتان. وقد قيل: إن القدر، بالإسكان، مصدر مثل الوسع، والقدر الاسم مثل العدّ والعدد، والمدّ والمدد.
وقيل: إن القدر، بالفتح، هو أن تقدر الشيء فتقول: ثوبي على قدر ثوبك، أي مثله.
«١٤٧» قوله: (وصية) قرأها الحرميان وأبو بكر والكسائي بالرفع، ونصبها الباقون.
«١٤٨» وحجة من قرأ بالنصب أنه حمله على معنى الأمر بالإيصاء لمن ذكر، وهو منسوخ (^١)، فإذا حمل على الأمر، والأمر يحتاج إلى الفعل، فاضمر الفعل فنصب «وصية»، والتقدير: فليوصوا وصية. فالنصب يدلّ على معنى الأمر.
«١٤٩» وحجة من رفعه أنه حمله على الابتداء، وجعل «لأزواجهم» الخبر، وحسن الابتداء بنكرة، لأنه موضع تخصيض، كما حسن «سلام عليك» رفع بالابتداء. ومثله: خير بين يديك. ويجوز أن ترفع «الوصية» بالابتداء، والخبر محذوف، ويكون «لأزواجهم» صفة للوصية، فيحسن الابتداء بنكرة، إذ هي موصوفة، والنكرات إذا وصفت حسن الابتداء بها، لما فيها من الفائدة، تقديره: فعليهم وصية لأزواجهم. وقد أجمعوا على الرفع في قوله تعالى:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ «يوسف ١٨» وعلى قوله: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ﴾ «البقرة ١٩٦» وعلى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ «النساء ٩٢». فكل هذا رفع بالابتداء، على تقدير حذف الخبر، ويقوّي الرفع [أيضا] (^٢) أنها في قراءة أبي «فمتاع لأزواجهم» وفي حرف ابن مسعود «الوصية لأزواجهم»، فهذا يقوّي الرفع، والرفع هو الاختيار لما ذكرنا ولأن عليه الحرميين وأبا بكر (^٣) وغيرهم، وهي قراءة
_________________
(١) هذا قول الأكثرين على ما يذكر ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٩٦
(٢) تكملة موافقة من: ص.
(٣) ب: «وعاصما» وتصويبه من: ص، والتبصرة
[ ١ / ٢٩٩ ]
علي بن أبي طالب وقتادة ومجاهد وأصحاب ابن مسعود والأعرج وغيرهم (^١).
«١٥٠» قوله: (فيضاعفه) (^٢) قرأ ابن كثير وابن عامر بغير ألف مشدّدا، حيث وقع، ومثله «يضاعف، ومضاعفة»، وقرأ الباقون بالألف مخفّفا، وقرأ ابن عامر وعاصم بالنصب، ههنا، وفي الحديد، ورفعهما الباقون.
«١٥١» وحجة من شدّد، وحذف الألف، أنه حمله على الكثير، لأن «فعلت» مشدّد العين بابه تكثير الفعل، وتقول «غلّقت الأبواب»، إذا فعلت ذلك شيئا بعد شيء، و«غلقت (^٣) الأبواب»، إذا فعلت ذلك مرة واحدة، وكذلك «فتّحت وفتحت».
«١٥٢» وحجة من خفّف، وأثبت الألف، أن أبا عمرو حكى أن «ضاعفت» أكثر من «ضعّفت» لأن «ضعّفت» معناه مرتان (^٤). وحكى أن العرب تقول: ضعّفت درهمك، أي جعلته درهمين، وتقول: ضاعفته أي جعلته أكثر من درهمين، والله يعطي بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ف «ضاعفت» أولى به لكثر المضاعفة (^٥).
«١٥٣» وحجة من نصب أنه (^٦) حمل الكلام على المعنى، فجعله جوابا للشرط (^٧)، لأن معنى «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ»
_________________
(١) تفسير الطبري ٥/ ٢٥١، ومعاني القرآن ١/ ١٥٦، وشواذ القراءات ١٥، وزاد المسير ١/ ٢٨٥، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٩٧، وتفسير النسفي ١/ ١٢٢، وإيضاح الوقف والابتداء ٥٥٣، وكتاب سيبويه ١/ ١٨٩
(٢) سيذكر هذا الحرف في سورة الحديد، الفقرة «٤ - ٥»، وسورة المنافقين، الفقرة «٣»، وسورة عبس، الفقرة «٣».
(٣) ب: «أغلقت» والتوجيه على ضعف هذه اللغة من: ص.
(٤) ب، ص: «مرتين» فصوبته.
(٥) كتاب سيبويه ٢/ ٢٨٢، والقاموس المحيط «ضعف».
(٦) ب: «أن» وتصويبه من: ص.
(٧) ب: «جواب للشرط»، ص، «جواب الشرط» ورأيت ما أثبته.
[ ١ / ٣٠٠ ]
أن يكون قرض تبعه أضعاف، فحمل «فيضاعفه» على المصدر، فعطف على «القرض»، و«القرض» اسم، فأضمر «أن» ليكون مع «فيضاعفه» مصدرا، فتعطف مصدرا على مصدر (^١)، كأنك قلت: إن حدث قرض فأضعاف يتبعه. ويقبح أن يحمل النصب على جواب الاستفهام بالفاء، لأن القرض غير مستفهم عنه، إنما وقع الاستفهام عن صاحب القرض، ألا ترى أنك إذا قلت:
أتقرضني فأشكرك، نصبت الجواب، لأن الاستفهام عن القرض وقع، ولو قلت:
أزيد يقرضني فأشكره، لم تنصب الجواب، لأن الاستفهام إنما هو عن زيد، لا عن القرض، ولهذا المعنى أجاز سيبويه الرفع في الفعل بعد حتى في قولك: أيهم سار حتى يدخلها، لأن السير متيقن غير مستفهم عنه. إنما الاستفهام عن الفاعل، ولم تجعله بمنزلة قولك: أسرت حتى تدخلها، في أن الرفع لا يجوز في الفعل، لأنك في هذا لم تثبت سيرا، فصار بمنزلة قولك: ما سرت حتى أدخلها. وقد أجاز قوم نصبه على جواب الاستفهام حملا على المعنى، لأن قولك: من ذا الذي يقرض الله، وكذلك: إذا قلت أزيد يقرضني، معناه: أيقرضني زيد، فحمل على المعنى، فنصب على جواب الاستفهام وفيه بعد (^٢).
«١٥٤» وحجة من رفعه أنه قطعه ممّا قبله، ولم يدخله في صلة «الذي»، في قولك: من ذا الذي يقرض الله فالله يضاعفه له. ويجوز أن يرفع على العطف على ما في الصلة على «يقرض»، على تقدير: من ذا الذي يقرض الله فيضاعف الله له، كأنه قال: ومن ذا الذي يضاعف له، أي: من الذي يستحق الإضعاف في الأجر على قرضه الله، أي على صدقته. والرفع هو الاختيار لقوته في المعنى، ولأن الجماعة عليه ولما (^٣) ذكرنا من حجته (^٤).
_________________
(١) قوله: «له أن يكون .. مصدر» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
(٢) كتاب سيبويه ١/ ٤٨٥
(٣) ب: «لما» وتصويبه من: ص.
(٤) التبصرة ٥٥ /ب، والحجة في القراءات السبع ٧٥، وزاد المسير ١/ ٢٩٠، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٩٩، وتفسير النسفي ١/ ١٢٣، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٢٦ /أ.
[ ١ / ٣٠١ ]
«١٥٥» قوله: (يبسط) و(وبسطة) في الأعراف «٦٩» قرأهما هشام وقنبل وأبو عمرو وحمزة بالسين فيهما، وقرأهما الباقون بالصاد غير أن حفصا، روي عنه الوجهان: السين والصاد، وكلهم قرأ: «(بسطة)» في البقرة بالسين، غير أن الكسائي ونافعا، من رواية ابن المسيّبي، روى عنهما الصاد فيه (^١)، وبالسين قرأت لهما وللجماعة.
«١٥٦» وحجة من قرأ بالسين أنه الأصل، والدليل على أن السين هي الأصل أنه لا بد أن تكون السين هي الأصل أو الصاد هي الأصل. فلو كانت الصاد هي الأصل ما (^٢) جاز أن تردّ إلى السين، إذ لا علة توجب ذلك، وإذ لا ينقل الحرف إلى أضعف منه، والصاد أقوى بكثير لإطباقها واستعلائها، فإذا لم يجز أن تردّ الصاد إلى السين، وجاز ردّ السين إلى الصاد، علم أن السين هي الأصل، والصاد داخلة عليها لعلة.
«١٥٧» وحجة من قرأ بالصاد أن السين حرف مستفل (^٣)، غير مطبق، فلمّا وقعت بعده الطاء، وهي مطبقة مستعلية، صعب أن يخرج اللافظ من تسفّل إلى تصعّد، وذلك صعب، ولو كان فيه خروج من تصعّد إلى تسفّل لحسن، ولم يصعب، نحو: «طسم، وقسوة» (^٤) فهذا لا تبدل السين فيه صادا، كما تبدل، إذا كانت الطاء بعدها (^٥)، والقاف بعد صاد، وهذا في الحكم بمنزلة الذين أمالوا الحروف ليقرّبوها لكسرة أو لياء. ومن قرأ بالسين فهو بمنزلة الذين لم يميلوا، وتركوا الحروف على حالها مفتوحة، فقربت السين من الطاء، فأبدل منها حرف يؤاخي السين في المخرج والصفير، ويؤاخي الطاء في الإطباق والاستعلاء،
_________________
(١) التبصرة ٥٥ /ب، والنشر ٢/ ٢٢٢
(٢) لفظ «ما» سقط من: ص.
(٣) لفظ «مستغل» سقط من: ص.
(٤) الحرف الأول في سورة الشعراء (آ ١)، والثاني في البقرة (آ ٧٤).
(٥) ب: «بعد»، ص: «بعده» ورأيت ما أثبته.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وهو الصاد، فكأن السين التي هي الأصل لم تزل، إذ قد خلفها حرف (^١) من مخرجها، ومن صنفها في الصفير، فعمل اللسان بذلك عملا واحدا، متصعّدا، منطبقا بالحرفين معا، والصاد هو الاختيار، للمطابقة في اللفظ والمجانسة بين الحرفين، ولأن عليه خط المصحف (^٢)، ولأن عليه أكثر القراء (^٣). وقال أبو حاتم:
هما لغتان، فكيف قرأت فأنت مصيب، واختار في ذلك أن يتبع خط المصحف.
«١٥٨» قوله: (عسيتم) (^٤) قرأه نافع بكسر السين، وفتحها الباقون، والكسر لغة في «عسى» إذا اتصل بمضمر خاصة. وقد حكي في اسم الفاعل «عسي» فهذا يدل على كسر السين في الماضي (^٥). والفتح في السين هي اللغة الفاشية، وعليها أجمع القراء ونافع معهم، إذا لم يتصل الفعل بمضمر. وأيضا فإن مساواة الفعل، مع المضمر والمظهر، أولى من المخالفة بينهما، لأن المضمر عقيب المظهر، فواجب أن يكون مثله. وهو الاختيار لإجماع القراء عليه مع المضمر والمظهر. وإنما خالفهم نافع وحده مع المضمر (^٦). وقد قال أبو حاتم: ليس للكسر وجه، وبه قرأ الحسن وطلحة.
«١٥٩» قوله (غرفة) قرأه الكوفيون وابن عامر بضم الغين وفتحه (^٧) الباقون.
_________________
(١) لفظ «حرف» سقط من: ص.
(٢) قوله: «ولأن عليه خط المصحف» سقط من: ص.
(٣) زاد المسير ١/ ٢٩١، وتفسير النسفي ١/ ١٢٤، والقاموس المحيط «بسط».
(٤) سيأتي ذكر هذا الحرف في سورة محمد ﷺ، الفقرة «٤».
(٥) كتاب سيبويه ١/ ٥٥٨، وأدب الكاتب ٢٠٦، والقاموس المحيط «عسى».
(٦) زاد المسير ١/ ٢٩٢، ومغني اللبيب ١٥٣
(٧) ب: «وفتح» ورجحت ما في: ص.
[ ١ / ٣٠٣ ]
«١٦٠» وحجة من ضمّ أنه جعله اسم الماء المغترف، فعدّى الفعل إليه، لأنه مفعول به، كأنه قال: إلا من اغترف ماء على قدر مثل ملء اليد، ويقوي الضمّ أن بعده: (فشربوا منه)، والشرب هو الشيء المعروف، وهو الغرفة بالضم اسم للماء المغترف، وبالضم قرأ عثمان بن عفان والحسن والنّخعي وغيرهم.
«١٦١» وحجة من فتح أنه جعله مصدرا، فهو نصب على المصدر، والمفعول به محذوف، تقديره: إلا من اغترف ماء غرفة، أي مرة واحدة. وبعض النحويين من البغداديين والكوفيين يجيزون أن يكون من ضمّ جعله كالمصدر، ولأنهم يعملون الاسم عمل المصدر، فيجيزون: عجبت من دهنك لحيتك، ومن عطائك الدراهم. والمصدر الذي يعمل هو الدهن والإعطاء (^١). فعلى هذا المذهب تكون القراءتان بمعنى، يراد بهما المصدر على معنى مرة واحدة (^٢). والفتح هو الاختيار، وبه قرأ ابن عباس وأبان بن عثمان (^٣) ومجاهد والأعرج وغيرهم.
«١٦٢» قوله: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ﴾ قرأه نافع بألف وكسر الدال، وقرأه الباقون بفتح الدال، من غير ألف، ساكن الفاء، ومثله في الحج (^٤).
«١٦٣» وحجة من قرأ بالألف أنه جعله مصدرا ل «فاعل» كالقتال.
والمفاعلة قد تأتي من واحد ك «عاقبت اللص» (^٥). ويجوز أن يكون مصدرا
_________________
(١) الحجة في علل القراءات السبع ١/ ١٣٥
(٢) زاد المسير ١/ ٢٩٨، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٥ /أ، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٠٢، وتفسير النسفي ١/ ١٢٥
(٣) أبان بن عثمان بن عفان، أبو سعيد، له رواية عن أبيه وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد، وعنه ابنه عبد الرحمن وعمر بن عبد العزيز والزهري، من فقهاء المدينة ثقة، من كبار التابعين (ت ١٠٥ هـ) ترجم في جمهرة أنساب العرب ٨٥، وتهذيب التهذيب ١/ ٩٧
(٤) سيأتي في سورته، الفقرة «١٣ - ١٤»
(٥) كتاب سيبويه ٢/ ٢٧٨، ٢٨٤
[ ١ / ٣٠٤ ]
ل «فعل» كقولهم: آب إيابا، ولقيته لقاء. ومثله: كتبت كتابا، ومنه: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ «النساء ٢٤» فيكون على هذا «دفاع ودفع» بمعنى، مصدران لدفع.
«١٦٤» وحجة من قرأ بغير ألف أن المفاعلة التي من اثنين، لا معنى لها في هذا الموضع، لأن الله هو الدافع عن المؤمنين وغيرهم، ما يضرّهم، ولا يدافعه أحد فيما يدفع، فحمله على «دفع» أولى، لأنه مصدره، الذي لا يصرف عنه إلى غيره إلا بدليل ورواية. والاختيار دفع بغير ألف لأنه تعالى منفرد بالدفع ولإجماع القراء عليه. وقد كان أبو عمرو يرى «دفاع» غلطا يوهم فيه باب المفاعلة من اثنين، وهو وهم من أبي عمرو عند أبي حاتم (^١).
«١٦٥» قوله: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ﴾ قرأ ذلك ابن كثير وأبو عمرو بالفتح، من غير تنوين. وقرأ الباقون بالرفع والتنوين، ومثله:
﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ في إبراهيم «٣١» و﴿لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ في الطور «٢٣» (^٢).
«١٦٦» وحجة من فتح [أنه] (^٣) أراد النفي العام المستغرق لجميع الوجوه من ذلك الصنف (^٤)، فبنى «لا» مع ما بعدها على الفتح، وكأنه جواب لمن قال: هل فيه من بيع، هل فيها من لغو، فسأل سؤالا عاما، وغيّر الاسم بدخول «من» عليه، فأجيب جوابا عاما بالنفي، وغيّر الاسم بالبناء، و«لا» مع الاسم المبني معها في موضع رفع بالابتداء والخبر «فيه».
«١٦٧» وحجة من رفع أنه جعل «لا» بمنزلة «ليس» وجعل الجواب
_________________
(١) التيسير ٨٢، وزاد المسير ١/ ٣٠٠، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٠٣، وتفسير النسفي ١/ ١٢٦، وكتاب سيبويه ١/ ٩٥
(٢) وقد تقدّم نظيره في السورة نفسها الفقرة «١٢٣».
(٣) تكملة لازمة من: ص.
(٤) ب: «الوجوه» وتصويبه من: ص.
[ ١ / ٣٠٥ ]
غير عام. وكأنه (^١) جواب من قال: هل فيه بيع، هل فيها لغو، فلم يغير السؤال عن رفعه، فأتى الجواب غير مغير عن رفعه. والمرفوع مبتدأ، أو اسم «ليس»، و«فيه» الخبر، والاختيار الرفع لأن أكثر القراء عليه (^٢).
«١٦٨» قوله: ﴿أَنَا أُحْيِي﴾ «٢٥٨» قرأه نافع بإثبات الألف في الوصل، إذا أتى بعد «أنا» همزة مفتوحة أو مضمومة (^٣)، وذلك اثنا عشر موضعا في القرآن (^٤). وقرأ الباقون بغير ألف، ولا اختلاف في الوقف أنه بالألف، وكلهم حذف الألف، إذا لم يأت بعدها همزة، وكذلك إن أتت بعد «أنا» همزة مكسورة. وقد ذكرنا ما روي عن قالون في إثبات الألف في «أنا» في الوصل مع الهمزة المكسورة، وبالحذف قرأت له (^٥). فأما الوقف، فلا بدّ من الألف لجميعهم في «أنا» على أي حال كانت.
«١٦٩» وحجة من أثبت الألف مع الهمزة المضمومة والمفتوحة، وهو نافع، أنه لمّا تمكن له مدّ الألف للهمزة، كره أن يحذف الألف، ويحذف مدّتها، فأثبتها في الموضع الذي يصحب الألف فيه المدّ، وحذفها في الموضع الذي لا تصحب الألف فيه المدّ نحو: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ «يوسف ١٠٨»، والألف زائدة عند البصريين، والاسم المضمر عندهم الهمزة والنون، وزيدت الألف للتّقوية.
وقيل: زيدت للوقف لتظهر حركة النون. والاسم عند الكوفيين «أنا» بكماله.
_________________
(١) ب: «وكان» وتصويبه من: ص.
(٢) زاد المسير ١/ ٣٠٢، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٠٤، وتفسير النسفي ١/ ١٢٨، والنشر ٢/ ٢٠٤، ومغني اللبيب ٢٣٨، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٢٧ /ب.
(٣) ب: «أو ضمة» وتوجيهه من: ص.
(٤) أظن أنها، سوى حرف سورة البقرة المذكور، هي: الأنعام ١٦٣، الأعراف ١٤٣، يوسف ٤٥، ٦٩، الكهف ٣٤، ٣٩، النمل ٣٩، ٤٠، غافر ٤٢، الزخرف ٨٠، الممتحنة ١.
(٥) الذي روى عن قالون هذا الوجه هو أبو نشيط، انظر التيسير ٨٢، والتبصرة ٥٦ /أ، وهو مروي بطرق أخرى، انظر النشر ٢/ ٢٢٣
[ ١ / ٣٠٦ ]
فنافع في إثبات الألف على قولهم على الأصل. وإنما حذف الألف من حذفها استخفافا، ولأن الفتحة تدلّ عليها، ولا بدّ من إثباتها في الوقف. وقد كان يلزم نافعا إثبات الألف، إذا أتت بعدها همزة مكسورة، كما روي عن قالون، لأنه [موضع] (^١) يمكن فيه المدّ، وتحذف فيه الألف ومدتها. ولكن لما قلّ ذلك في القرآن، فلم يقع منه إلا ثلاثة مواضع، أجراه مجرى ما ليس بعده همزة لقلّته، فحذف الألف في الوصل. وما روي عن قالون، من إثبات الألف، هو جار على العلة في المفتوحة والمضمومة.
«١٧٠» وحجة من حذف الألف في الوصل، في جميع الباب كله، أن (^٢) الألف إنما جيء بها لبيان حركة النون، كهاء السّكت، لأن الاسم، لمّا قلّت حروفه، اختلّ في الوقف، لزوال حركة النون، فجاء بالألف في الوقف، لتبقى حركة النون على حالها، ولا حاجة إلى الألف في الوصل، لأن النون فيه متحركة. والاسم هو الهمزة والنون، والألف زائدة كهاء السّكت (^٣).
«١٧١» قوله: (يتسنّه) ونحوه، قرأه حمزة بحذف الهاء في الوصل «من يتسنه» و«اقتده» في الأنعام و«ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه» و«ما أدراك ماهيه» خمسة مواضع (^٤)، ووافقه الكسائي على الحذف في «يتسنه، واقتده»، وقرأ ذلك الباقون بالهاء في الوصل (^٥)، ولا اختلاف في الوقف في ذلك أنه بالهاء، لثباتها في الخط (^٦).
«١٧٢» وحجة من حذف الهاء في الوصل أن الهاء، إنما جيء بها للوقف، لبيان حركة ما قبلها. ولذلك سميت هاء السّكت، فلمّا كانت، إنما يؤتى بها
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص.
(٢) ص: «جميع ذلك أن».
(٣) قوله: «لثباتها في الخط» سقط من: ص.
(٤) كتاب سيبويه ٢/ ٣٣٥، ومغني اللبيب ٢٧
(٥) سيأتي ذكر هذا في سورة الأنعام، الفقرة «٤٢»، وفي سورة القارعة.
(٦) قوله: «في الوصل» سقط من: ص.
[ ١ / ٣٠٧ ]
في الوقف، لبيان الحركة التي هي في [ياء] (^١) الإضافة، استغنى عنها في الوصل، لأن الحركة في الياء ثابتة، فهي مثل ألف الوصل، التي جيء بها للابتداء. فإذا لم يبتدأ بها، واتصل الكلام، استغني عنها، وهي مثل ألف «أنا» على مذهب البصريين، وهذا المذهب عليه أكثر النحويين.
«١٧٣» وحجة من أثبتها أنه وصل الكلام، ونيته الوقف عليها، لكنه لم يسترح بالوقف عليها، بل وصل، ونيته الوقف، كما يفعل ذلك في القوافي، يوصل البيت بما بعده من الأبيات، ولا تحذف الصلة، التي للوقف، فيقول:
أقلّي اللّوم عاذل والعتابا … وقولي إن أصبت لقد أصابا (^٢)
وأيضا فإن «يتسنه» تحتمل أن تكون الهاء فيه أصلية، وسكونها للجزم، فلا بدّ من إثباتها في الوصل، ولا يجوز حذفها على هذا، وذلك أن «السنه» تستعمل على ضربين: أحدهما أن يراد بها الحول والعام، والثاني يراد بها الجدب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ «الأعراف ١٣٠» أي: بالجدوب، ألا ترى أن بعده: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾، وذلك يكون بالجدب. ومنه قول النبي ﵇، «سنين كسني يوسف» (^٣) فيكون «يتسنّه»، لمن أثبت الهاء في الوصل، مشتقا من «سانهت» ومن «السنة»، وأصلها «سنهه، فيتسنه» يتفعل من «سانهت»، فالهاء لام الفعل، وسكونها للجزم، ولا يجوز حذف الهاء على هذا ألبتة، فيكون المعنى: وانظر إلى طعامك وشرابك لم تذهب طراوته وغضارته بالجدب، والضرب الثاني أن تكون «السنة» بمعنى العام والحول، ويكون المعنى لم يتغير من قولهم: من ماء مسنون، أي متغير، ومن قولهم: سنّ اللحم إذا تغيّر ريحه،
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص.
(٢) البيت لجرير انظر فهرس شواهد سيبويه ٦٧، وكتاب القوافي ١١٣
(٣) صحيح مسلم «كتاب المساجد - باب استحباب القنوت في جميع الصلاة …» ومسند أحمد بن حنبل بسنده من طريق ابن مسعود ١/ ٣٨٠
[ ١ / ٣٠٨ ]
فيكون المعنى، وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتغير (^١) ريحه، فيكون أصل «يتسنه» «يتسنن» على «يتفعل» أيضا، ثم أبدلوا من النون الأخيرة ياء، لاجتماع ثلاث نونات، وقلبت ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، كما قالوا: تقضّيت في تقضّضت، فأبدلوا من الضاد ياء، ومنه قوله: ﴿يَتَمَطّى﴾ «القيامة ٣٣» أصله «يتمطط» ثم أبدلوا من الطاء الأخيرة ياء، لاجتماع ثلاث طاءات، وقلبت ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ «الشمس ١٠» أصله «دسّسها» ثم أبدل من السين الأخيرة ياء لاجتماع ثلاث سينات، وقلبت ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فلمّا أبدلت من النون ياء، وقبلتها ألفا، حذفت الألف للجزم، فبقي «يتسن»، فالفتحة تدل على الألف المحذوفة، فلمّا كان الوقف يذهب بالفتحة، ولا يبقى دليل على الألف، أتى بهاء السّكت، لبيان الفتحة، التي على النون، والاختيار الوقف على الهاء، لأنه أصل العربية، إلا أن تقدّر أن الهاء أصلية في «يتسنه»، فيكون الاختيار إثباتها، لأنها لام الفعل، فتثبت في الوصل والوقف. وقد قيل إنه مشتق من «أسن الماء» إذا تغير، ويلزم من قال هذا أن يقرأ ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ «الحجر ٢٦» وهو قول الشّيباني (^٢) وقال أبو إسحاق (^٣): معنى «مسنون» مصبوب، فلا يحسن أن
_________________
(١) قوله: «ريحه فيكون .. يتغير» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
(٢) هو سعيد بن إياس، أبو عمرو، أدرك زمن النبي ﷺ ولم يره، عرض على ابن مسعود، وعليه يحيى بن وثاب وعاصم بن أبي النجود، وهو عالم باللغة عالم بأيام العرب، (ت ٢٠٦ هـ) ترجم في تاريخ بغداد ٦/ ٣٢٩، وانبأه الرواة ١/ ٢٢١، وطبقات القراء ١/ ٣٠٣
(٣) هو إبراهيم بن يحيى اليزيدي، عالم بالأدب، أخذ عن أبي زيد الأنصاري والأصمعي قرأ على أبيه، وروى القراءة عنه ابنا أخيه العباس وعبيد الله ابني محمد، وله مؤلفات كثيرة، (ت عهد المأمون)، ترجم في نزهة الألباء ١٦٥، وطبقات القراء ١/ ٢٩
[ ١ / ٣٠٩ ]
يكون «يتسنه» منه، إذ لا معنى له فيه (^١).
«١٧٤» قوله: ﴿نُنْشِزُها﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر بالزّاي، وقرأه (^٢) الباقون بالراء.
«١٧٥» وحجة من قرأ بالزاي أنه حمله على معنى الرفع من «النّشز» وهو المرتفع من الأرض، أي: وانظر إلى العظام كيف نرفع بعضها على بعض في التركيب للإحياء لأن «النشز» الارتفاع (^٣). يقال لما ارتفع من الأرض نشز، ومنه المرأة النشوز، وهي المرتفعة عن موافقة زوجها. ومنه قوله: ﴿وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ «المجادلة ١١» أي: ارتفعوا وانضموا. وأيضا فإن القراءة بالزاي بمعنى الإحياء، والعظام لا تحيا على الانفراد، حتى يضمّ بعضها إلى بعض.
فالزاي أولى بذلك المعنى، إذ هي بمعنى الانضمام دون الإحياء. فالموصوف بالإحياء هو الرجل، دون العظام على انفرادها، لا يقال: هذا عظم حي. فإنما المعنى: وانظر إلى العظام كيف نرفعها من أماكنها من الأرض إلى جسم صاحبها للإحياء. فأما قوله تعالى: ﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ «يس ٧٨، ٧٩» فإنما وصفت العظام بالإحياء على إرادة صاحبها، لأن إحياء العظام على الانفراد، لا تقوم منه حياة إنسان. فإنما المراد حياة صاحب العظام، والعظام إنما تحيا بحياة صاحبها. وهذه الآية نزلت في مشرك أتى النبيّ ﷺ برمّة، وهي العظم البالي، ففتّه في يده ثم قال: يا محمد أتزعم أن الله يحيي هذه؟ فقال له النبي: إن الله يحييها ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار. ففي ذلك نزل: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا﴾
_________________
(١) قوله: «وقد قيل … له فيه» سقط من: ص، انظر توجيه هذا الحرف بأكثر من هذا في إيضاح الوقف والابتداء ٣٠٣، ومعاني القرآن ١/ ١٧٢، وتفسير الطبري ٥/ ٤٦٠، وتفسير غريب القرآن ٩٤، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٥ /ب، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٢٨ /أ.
(٢) ب: «قرأ» ورجحت ما في: ص.
(٣) تفسير غريب القرآن ٩٥، والقاموس المحيط «نشز».
[ ١ / ٣١٠ ]
﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآية. فإنما أراد [المشرك] (^١): هل يحيي الله الإنسان، الذي هذه الرّمة منه؟ ودليل ذلك جواب النبي له بأن قال: ثم يميتك ثم يحييك، أي يحيي صاحب هذه الرمة كما يحييك بعد موتك (^٢). وبالزاي قرأ أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت (^٣) وأبو عبد الرحمن السّلمي وأبو العالية (^٤) وابن وثّاب وطلحة وعيسى.
«١٧٦» وحجة من قرأ بالراء أنه جعله من النشور، وهو الإحياء.
فالمعنى: وانظر إلى عظام حمارك، التي قد ابيضّت من مرور الزمان عليها، كيف نحييها. وقد أجمعوا على قوله: ﴿ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ «عبس ٢٢» فالنشور الإحياء. يقال: نشر الميت أي حيي. وأنشره الله أي أحياه. فالمعنى أن الله يعجّبه من إحيائه (^٥) الموتى بعد فنائهم. وقد كان قارب أن يكون على شكّ من ذلك إذ قال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها. فأراه الله قدرته على ذلك في نفسه، فأماته مائة عام ثم أحياه، فأراه وجود ما شكّ فيه في نفسه، ولم يكن شكّ في رفع العظام عند الإحياء، فيريه رفعها، إنما شكّ في الإحياء. فالراء أولى به، وهو الاختيار، لهذا المعنى، ولأن الأكثر عليه، وهي قراءة مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة والأعرج وابن محيصن والجحدري والأعمش وابن يعمر، وإلى
_________________
(١) تكملة مناسبة من: ص.
(٢) زاد المسير ١/ ٣٠٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٣١٤
(٣) زيد بن ثابت، الصحابي الجليل، أحد كتاب الوحي الأمناء، ولاّه عثمان ﵄ كتابة المصحف ومن قبل أبو بكر ﵁ جمعه، (ت ٤٥ هـ)، ترجم في طبقات ابن سعد ٢/ ٣٥٨، والجرح والتعديل ٢/ ٥٥٨/١
(٤) هو رفيع بن مهران، أحد كبار التابعين، أخذ القرآن عرضا عن أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت، (ت ٩٠ هـ)، ترجم في طبقات ابن سعد ٧/ ١١٢، والإصابة ٢/ ٢٢١
(٥) ب: «احياء» ورجحت ما في: ص.
[ ١ / ٣١١ ]
ذلك رجع الحسن. وقد روي أن الله جل ذكره أحيا بعضه ثم أراه كيف أحيا باقي جسده (^١).
«١٧٧» قوله: (قال أعلم) قرأه حمزة والكسائي بوصل الألف والجزم، وقرأه الباقون بقطع الألف والرفع.
«١٧٨» وحجة من قرأ بالقطع أنه أخبر عن نفسه، عندما عاين من قدرة الله في إحيائه الموتى، فتيقّن ذلك بالمشاهدة، فأقر أنه يعلم أن الله على كل شيء قدير. أي: أعلم أنا هذا الضرب من العلم، الذي لم أكن أعلمه معاينة، وبه قرأ الحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابن أبي إسحاق وعيسى وابن محيصن.
«١٧٩» وحجة من قرأ بوصل الألف أنه جعلها أمرا، معناه الخبر، وذلك أنه لمّا عاين الإحياء وتيقّن أنزل نفسه منزلة غيره، فخاطبها، كما يخاطب غيره، فقال: اعلم يا نفس هذا العلم اليقين، الذي لم تكوني تعلمينه معاينة. وجاء بلفظ التذكير، لأنه هو المراد بذلك، ويبعد أن يكون ذلك أمرا من الله جلّ ذكره له بالعلم، لأنه قد أظهر إليه قدرة وأراه أمرا تيقن صحته، وأقر بالقدرة، فلا معنى لأن يأمره الله بعلم ذلك، بل هو يأمر نفسه بذلك، وهو جائز حسن، وفي حرف عبد الله ما يدّل على أنه أمر من الله له بالعلم، على معنى:
«الزم هذا العلم لما عاينت وتيقنت». وذلك أن في حرفه: (قيل اعلم)، وأيضا فإنه موافق لما قبله من الأمر، في قوله: «انظر إلى طعامك، وانظر إلى حمارك، وانظر إلى العظام» فكذلك: «اعلم أن الله». وقد كان ابن عباس يقرؤها: «قيل اعلم»، ويقول: أهو خير أم إبراهيم، إذ قيل له: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ «البقرة ٢٦٠» فهذا يبيّن أن «قال اعلم» أمر من الله له بالعلم اليقين، لما عاين من الإحياء [وبه قرأ ابن عباس وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن] (^٢). والقراءة بالقطع هي الاختيار، لأنه على ظاهر الكلام، لما تبيّن
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ٧٦، وزاد المسير ١/ ٣١٢، وتفسير ابن كثير ١/ ٣١٤، وتفسير النسفي ١/ ١٣٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٥ /ب.
(٢) تكملة لازمة من: ص.
[ ١ / ٣١٢ ]
له ما كان على شكّ فيه أخبر عن نفسه بالعلم اليقين. وأيضا فإنه قد أجمع عليه الحرميان وعاصم وابن عامر وأبو عمرو (^١).
«١٨٠» قوله: (فصرهنّ) قرأه حمزة بكسر الصاد، وضمّها الباقون.
«١٨١» وحجة من كسر أنها لغة معروفة، يقال: صاره إذا أماله، وصاره إذا قطعه، يقال: صرت الشيء أملته، وصرته قطعته. يقال: صار يصير، ويصار يصور.
«١٨٢» وحجة من ضمّ الصاد أنه أتى به على لغة من قال: صار يصور، على معنى أملهن، وعلى معنى: قطعهن، فإذا جعلته بمعنى: أملهن، كان التقدير أملهن إليك فقطعهن، وإذا جعلته بمعنى: قطعهن، كان التقدير: فخذ أربعة من الطير إليك فقطعهن، فكل واحد من الكسر والضم [في الصاد] (^٢) لغة في الميل والتقطيع. فالقراءتان بمعنى. وقد قيل: إن الكسر بمعنى «قطعهن»، والضم بمعنى «أملهن وضمّهن»، وبالضمّ قرأ علي بن أبي طالب والحسن وأبو عبد الرحمن ومجاهد وعكرمة، وبالكسر قرأ ابن عباس وشيبة وعلقمة وابن جبير وأبو جعفر وقتادة وابن وثّاب وطلحة والأعمش، واختلف عن ابن عباس (^٣).
«١٨٣» قوله: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ قرأه عاصم وابن عامر بفتح الراء ومثله في «قد أفلح»، وضمّها الباقون، وهما لغتان مشهورتان (^٤).
«١٨٤» قوله: (أكلها، وأكله) قرأ ذلك الحرميان بالإسكان، حيث
_________________
(١) التبصرة ٥٦ /ب، وتفسير الطبري ٥/ ٤٨١، والمصاحف ٥٨، وإيضاح الوقف والابتداء ١٨٧
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) الحجة في القراءات السبع ٧٧، وزاد المسير ١/ ٣١٤، وتفسير ابن كثير ١/ ٣١٥، وتفسير غريب القرآن ٩٦، والقاموس المحيط «صار».
(٤) التيسير ٨٣، والحجة في القراءات السبع ٧٨، وزاد المسير ١/ ٣١٩، وتفسير النسفي ١/ ١٣٤، والنشر ٢/ ٢٢٤
[ ١ / ٣١٣ ]
وقع، وقرأ الباقون بالضمّ في الجميع، غير أن أبا عمرو أسكن ما أضيف إلى مؤنث، نحو «أكلها»، وضمّ ما أضيف إلى مذكّر، ولم يضف إلى شيء. والضم هو الأصل، والإسكان على التخفيف. فهما لغتان. فأما علة أبي عمرو، في قراءته، فإنه لمّا كان المؤنث ثقيلا أسكن استخفافا (^١)، لئلا يجتمع على الاسم ثقل التأنيث وثقل الضم، وأتى بما ليس فيه ثقل على الأصل بالضمّ (^٢).
***