(١) قال أبو محمد: إن سأل سائل عن الإتيان بالبسملة في أول القراءة بالسورة وما (^١) علته؟.
فالجواب أنه أتي بالتسمية على إرادة التّبرك بذكر أسماء الله وصفاته في أول الكلام (^٢) ولثباتها (^٣) للاستفتاح في المصحف، فهي للابتداء (^٤) بالسورة (^٥). فلا يوقف على التسمية دون أن توصل بأول السورة. وليست بآية من «الحمد» ولا من غيرها من السور عند مالك (^٦) وغيره من العلماء (^٧). فأما من قال إنها آية من أول
_________________
(١) ص: «ما».
(٢) النشر ١/ ٢٦٢
(٣) ص: «ولإثباتها».
(٤) ص: «في الابتداء».
(٥) هذا مذهب الجميع سواء الفاصلون بالبسملة والواصلون والساكتون إذا ابتدؤوا بسورة من السور سوى براءة، وفيما سوى ذلك خلاف يطول، انظر التبصرة ١١ /ب، والتيسير ١٧، والنشر ١/ ٢٦٢. وفي مسلم الجزء الثاني «كتاب الصلاة - باب حجة من قال: البسملة آية من كل سورة سوى براءة».
(٦) هو مالك بن أنس أبو عبد الله الأصبحي، إمام دار الهجرة وفقيه الأمة، حدّث عن نافع والمقبري والزهري وغيرهم، وعنه خلق كثير منهم ابن المبارك والقطنان وابن مهدي (ت ١٧٩ هـ) ترجم في تذكرة الحفاظ ٢٠٧، وطبقات القراء ٢/ ٣٥
(٧) الموطأ «كتاب الصلاة - باب العمل في القراءة»، ومسلم الجزء الثاني «كتاب الصلاة باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة»، ويذكر النحاس تجويز مالك الاستفتاح بها في رمضان. انظر القطع والائتناف ١١ /ب.
[ ١ / ١٣ ]
كل سورة، فتكون علته أنه أتى بها في تلاوته بأول سورة، ولأنها آية من كل سورة. ولثباتها في المصحف، وهو أحد قولي الشافعي (^١) وقول ابن المبارك (^٢)، وسنذكر ضعف هذا القول إن شاء الله (^٣).
«٢» فإن قيل: ما معنى قولهم «التّسمية والبسملة» وممّا اشتقاقهما (^٤)؟.
فالجواب أن التسمية مصدر «سميت». فقيل «التسمية» في «بسم الله الرحمن الرحيم» لأنك سميت «الله» بأسمائه الحسنى، وذكرته في لفظك. فأما «البسملة» فهي (^٥) مشتقة من اسمين من «بسم» ومن «الله» (^٦). ف «بسم» ملفوظ به واللام من «الله» جلّ ذكره، وهي لغة للعرب، تقول: بسمل الرجل إذا قال:
بسم الله الرحمن الرحيم، وحوقل الرجل وحولق (^٧) إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهلّل الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، وهو كثير. وقد فعلوا ذلك في النسب فقالوا في «عبد الدار» «عبدري» وفي «عبد القيس» «عبقسي» (^٨)
_________________
(١) الشافعي هو محمد بن إدريس، صاحب المذهب (ت ٢٠٤ هـ) ترجم في تذكرة الحفاظ ٣٦١، وطبقات القراء ١/ ٩٥
(٢) هو عبد الله بن المبارك، أحد المجتهدين الأعلام، أخذ القراءة عرضا عن أبي عمرو بن العلاء، وردت الرواية عنه في حروف القرآن، وسمع سليمان التيمي وحميد الطويل (ت ١٨١ هـ)، ترجم في تذكرة الحفاظ ٢٧٤، وطبقات القراء ١/ ٤٤٦
(٣) وهو ما سوف يتناوله في الفقرة الثالثة من هذا الباب. وانظر ما تقدم في المستدرك وملخصه الجزء الأول «كتاب فضائل القرآن»، والقطع والائتناف ١١ /ب، والبرهان ١/ ٤٦٠، وتفسير ابن كثير ١/ ١٦.
(٤) قوله: «ومما اشتقاقهما» سقط من: ص.
(٥) لفظ «فهي» سقط من: ص.
(٦) القاموس المحيط «بسل».
(٧) قوله: «الرجل وحولق» سقط من: ص.
(٨) إصلاح المنطق ٣٠٣، والمزهر ١/ ٤٨٢، والقاموس المحيط «حقل، هل».
[ ١ / ١٤ ]
«٣» فإن قيل: فما علة من فصل بين كل سورتين بالتسمية؟.
فالجواب أن الذين فعلوا ذلك هم الحرميّان (^١) إلاّ ورشا (^٢) وعاصم والكسائي (^٣) وعلّتهم في ذلك أنهم اتبعوا خطّ المصحف، وأرادوا التبرك بابتداء (^٤) أسماء الله، ولما روي عن عائشة (^٥) ﵂ أنها (^٦) قالت: «اقرؤوا ما في المصحف» (^٧). ولأن بعض العلماء قد قال: إنها آية من أول كل سورة إلا «براءة» وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال ابن المبارك، وهو قول شاذ، لأنهم زادوا (^٨) في
_________________
(١) الحرميان نسبة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة زادهما الله تعالى تشريفا ورفعة، فأما أولهما فهو عبد الله بن كثير إمام أهل مكة في القراءة (ت ١٢٠ هـ) ترجم في الجرح والتعديل ٢/ ١٤٤/٢، وطبقات القراء ١/ ٤٤٣. وأما ثانيهما فهو نافع بن أبي نعيم، وقد تقدمت ترجمته.
(٢) ورش هو عثمان بن سعيد اختلف في اسمه وكنيته. رحل إلى نافع بن أبي نعيم وعرض عليه القرآن ختمات، وهو الذي لقبه ورشا، مهر بالقرآن والعربية، شيخ القراء المحققين وإمام أهل الأداء بالديار المصرية، (ت ١٩٧ هـ) ترجم في طبقات القراء ١/ ٥٠٢
(٣) ص: «اختيارا منهم، وقد رويت عن جميع القراء إلا حمزة والكسائي» وأما استثناء ورش فلأن الرواية من طريق الأزرق على الوصل كحمزة، انظر التبصرة ١١ /ب، والتيسير ١٧، والنشر ١/ ٢٥٨ وأما عاصم فهو ابن أبي النّجود، تابعي، روى القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش وعنه الثوري وشعبة، أحد القراء السبعة، (ت ١٢٧ هـ)، ترجم في طبقات ابن سعد ٦/ ٣٢٠، والجرح والتعديل ١/ ٣٤٠/٣. والكسائي فهو علي بن حمزة، أحد القراء السبعة، وإمام أهل الكوفة في القراءة والنحو، (ت ١٨٤ هـ) ترجم في الجرح والتعديل ١/ ١٨٢/٣، وطبقات القراء ١/ ٥٣٥، ومراتب النحويين ٧٤
(٤) ص: «التبرك بأسماء».
(٥) بنت أبي بكر الصديق ﵄، روت عن رسول الله ﷺ علما كثيرا، وروى عنها كثير من الأئمة، أم المؤمنين، (ت ٥٨ هـ) ترجمت في الطبقات ٤٤٧، وسير أعلام النبلاء ٢/ ٩٨
(٦) لفظ «انها» سقط من: ص.
(٧) أحسب أنه بعض أثر، لكنني لم أقف عليه في ما عدت إليه من مصادر الحديث.
(٨) ب: «لأنهما زادا» ورجحت ما في: ص.
[ ١ / ١٥ ]
القرآن مائة آية وثلاث عشرة آية، والقرآن لا تثبت فيه الزيادة إلا بالإجماع الذي يقطع على غيبه، ولا إجماع في هذا، بل الإجماع قد سبق في الصدر الأول من الصحابة، وفي الصدر الثاني من التابعين على ترك القول بهذا (^١).
«٤» فإن قيل: فما علة من أسقط التسمية بين كل سورتين ولم يثبت التسمية إلا في أول قراءته، وهو حمزة؟.
فالجواب أنه لما كانت «بسم الله الرحمن الرحيم» ليست بآية من كل سورة عنده وعند جماعة الفقهاء أسقطها في وصله السورة بالسورة، لئلا يظن ظانّ أنها آية من أول كل سورة، فالقرآن (^٢) عنده كله كالسورة الواحدة، فكما لا يفصل بين بعض سورة (^٣) وبعض بالتسمية كذلك لا يفصل بين سورة وسورة (^٤) بالتسمية (^٥). فأما ثباتها في المصحف فإنما ذلك ليعلم فراغ سورة وابتداء أخرى.
«٥» فإن قيل: فما حجة من فصل (^٦) بين كل سورتين بسكت (^٧)؟
_________________
(١) تقدمت الإحالة على مصادره في الفقرة الأولى من هذا الباب الملاحظة (٧)، ولكن ما يرويه مسلم بسنده عن أنس نفى فيه انه سمع رسول الله ﷺ يقرا البسملة، وكذلك لم يسمع أبا بكر وعمر وعثمان، انظر كتاب الصلاة - باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة، والحديث مروي عن ابن عبد الله بن مغفل عند الخمسة، ذهب عبد الله بن مغفل صاحب رسول الله ﷺ إلى اعتباره حدثا، قال الترمذي بعد أن روى الحديث: حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن. والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ومن بعدهم من التابعين، انظر سنن الترمذي الجزء الأول «باب ما جاء في ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.»، والمستدرك الجزء الأول كتاب فضائل القرآن، وفضائل القرآن «باب فضل فاتحة الكتاب».
(٢) ص: «والقرآن».
(٣) ب: «وسورة» وتوجيهها من: ص.
(٤) ص: «وسورة الأنفال فأما إثباتها».
(٥) التبصرة ١٢/ ١، والتيسير ١٧، والنشر ١/ ٢٥٨
(٦) ص: «يفصل».
(٧) هو مذهب أبي عمرو وابن عامر وورش ومعهم يعقوب إذ اختلف عنهم بين الوصل والسكت والبسملة واختلف عن خلف بين الوصل والسكت، أنظر التبصرة ١٢/ ١، والتيسير ١٨، والنشر ١/ ٢٥٩
[ ١ / ١٦ ]
فالجواب أنه لما ابتدأ بالتسمية (^١) في أول ابتدائه بالسورة ثم وصل السورة بالسورة، أراد أن يبيّن بالسّكت بينهما أن الأولى قد تمت، وأنه ابتدأ بثانية، وبيّن أيضا بحذفه التسمية (^٢) أن التسمية ليست بآية من كل سورة، وفي إجماع أكثر القراء على حذف (^٣) التسمية بين كل سورتين، وقبول قرن بعد قرن لذلك، وروايته ذلك عنهم دليل على أنها ليست بآية من كل سورة. فما (^٤) كان الله ليجمع أمة محمد [ﷺ] (^٥) على إسقاط مائة آية وثلاث عشرة آية من كتابه منذ ثلاثمائة سنة إلى أن تقوم (^٦) الساعة، لا يردّ ذلك أحد ولا ينكره، بل ينقله خلف عن سلف، ويروونه ويستعملونه في محاريبهم ويعلّمونه الولدان، ولا أحد يعرف [أنه] (^٧) أنكر ذلك.
«٦» فإن قيل: فما علة الاختيار لمن لم يفصل بين السورتين بالتسمية أن يفصل بالتسمية بين المدّثر والقيامة، وبين الانفطار والمطففين، وبين الفجر ولا أقسم، وبين العصر والهمزة (^٨)؟
فالجواب أن وصل آخر السورة بالسورة التي بعدها من هذه السور فيه قبح في اللفظ، فكره ذلك إجلالا للقرآن وتعظيما له، ألا ترى أن القارئ يقول:
﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ - لا أقسم) «المدثر ٥٦، القيامة ١» فيقع لفظ النفي عقيب لفظ المغفرة، وذلك في السمع قبيح. ويقول: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ - ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ «الانفطار ١٩، المطففين ١» فيقع لفظ الويل عقيب اللفظ باسم
_________________
(١) ص: «بالبسملة».
(٢) ص: «للتسمية».
(٣) ب: «حذفه» وتوجيهه من: ص.
(٤) ب: «ما» وبالفاء كما في «ص» الوجه.
(٥) تكملة مناسبة من: ص.
(٦) ص: «قيام».
(٧) تكملة مستحبة من: ص.
(٨) هو مذهب المذكورين في الفقرة الخامسة المتقدمة. الكشف: ٢
[ ١ / ١٧ ]
الله جلّ ذكره، وذلك قبيح. وكذلك السّور الأخر (^١). فاختير لمن يفصل بالسّكت بين كل سورتين أن يفصل بين هذه السور بالتسمية، ولمن لا يفصل بالسكت بين كل سورتين أن يفصل بين هذه السور بالسكت (^٢)، وهو حمزة (^٣)، وهذا اختيار من المتعقبين، ولهم حجة قوية في ذلك. روى مالك أن (^٤) النبي ﵇ سئل عن العقيقة (^٥)، فقال: «لا أحب العقوق»، قال مالك: فكأنه كره الاسم (^٦)، يريد مالك أن فعل العقيقة جائز لم يكره النبي فعلها، وإنما كرم لفظ اسمها، فانظر كيف كره النبي ﵇ قبح اللفظ. وقد روي أن رجلين أتيا النبي ﷺ فتشهّد أحدهما وقال: من يطع الله جلّ وعزّ ورسوله ﷺ، فقد رشد، ومن يعصهما». ووقف على «يعصهما».
فقال له (^٧) النبي: «بئس الخطيب أنت» (^٨). وإنما قال له النبي ذلك لقبح لفظه في وقفه، إذ خلط الإيمان بالكفر في إيجاب الرّشد لهما، وكان حقّه أن يقول: ومن يعصهما فقد غوى، أو يقف على «رشد» ثم يبتدئ: ومن يعصهما فقد غوى (^٩).
فانظر كيف كره النبي قبح وقفه ولفظه، وإن كان مراده الخير لم يقصد إلى شيء من الشر، وبهذا وبنحوه (^١٠) يرغب في معرفة الوقف في كتاب الله على الكلام التام، ولهذا المعنى اخترت أنا في مواضع من الابتداء بالأحزاب أن لا يبتدأ بها، وأن
_________________
(١) ص: «الأخرى».
(٢) قوله: «بالتسمية ولمن … بالسكت» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
(٣) ربما قرن خلف إليه، انظر النشر ١/ ٢٥٨
(٤) ص: «عن».
(٥) المعنى المقصود بها الشاة أو ما شابهها، يذبح عن المولود، كما جاء في الموطأ من أخبار تحبب ذلك، أنظر «كتاب العقيقة» فيه، والقاموس المحيط «عق».
(٦) الموطأ: «كتاب العقيقة - باب ما جاء في العقيقة».
(٧) لفظ «له» سقط من: ص.
(٨) صحيح مسلم «كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة»، والقطع والائتناف ٧/ ١
(٩) قوله: «او يقف على رشد … فقد غوى» سقط من: ص.
(١٠) ص: «ولهذا وشبهه».
[ ١ / ١٨ ]
يبتدأ بما قبلها، مثل الابتداء بأول الحزب في النساء في قوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ «٨٧» لأن القارئ يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الله لا إله إلا هو، فيصل «الرجيم» بلفظ اسم الله، وذلك قبيح في اللفظ، فمنعت من ذلك إجلالا لله وتعظيما له، ومثله أني (^١) منعت من الابتداء بأول الحزب في السجدة في قوله:
﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ «٤٧» لأن القارئ يقول: «من الشيطان الرجيم. إليه يرد علم الساعة». فيصل ذلك بالشيطان، وذلك قبيح في اللفظ (^٢).
«٧» فإن قيل: فما العلة في حذفهم التّسمية في المصاحف والقراءة بين براءة والأنفال؟.
فالجواب (^٣) أنها (^٤) حذفت من القراءة لحذفها من المصحف، فأول «براءة» كأول عشر من السور، والتعوذ في الابتداء بها يكفي كما يفعل بالابتداء بالأعشار، فأما (^٥) علة حذفها (^٦) من المصحف فمختلف في ذلك. روي عن مالك أنه قال: إنما ترك من مضى أن يكتبوا في أول براءة «بسم الله الرحمن الرحيم» لأنها (^٧) سقط أولها يعني نسخ (^٨)، وقال (^٩) عثمان بن عفان (^١٠) ﵁:
«براءة» من سورة الأنفال وسقط بينهما شيء لم نجده عند أحد يثبت، فلذلك لم نكتب (^١١) في أولها «بسم الله الرحمن الرحيم»، يريد عثمان أنه نسخ من أولها
_________________
(١) ص: «وكذلك منعت».
(٢) إبراز المعاني ٥٤، والبرهان في علوم القرآن ١/ ٤٦٠
(٣) ص: «قيل الجواب».
(٤) ص: «انها انما».
(٥) ص: «وأما».
(٦) ص: «من حذفها».
(٧) ص: «لأنه».
(٨) البرهان في علوم القرآن ١/ ٢٦٣
(٩) ص: «وعن عثمان».
(١٠) أمير المؤمنين، الصحابي الجليل، فضائله كثيرة، منها نسخ المصاحف، (ت ٣٥ هـ) ترجم في طبقات ابن سعد ٣/ ٥٣، والجرح والتعديل ١/ ١٦٠/٣، والإصابة ٤/ ٢٢٤
(١١) ص: «يثبت فكتبوا».
[ ١ / ١٩ ]
شيء. وعن عثمان أيضا أنه قال (^١): لم يبيّن لنا رسول الله ﷺ في براءة شيئا، وكانت قصتها تشبه قصة الأنفال، وكانت من آخر ما نزل (^٢). فلذلك لم يكتب بينهما «بسم الله الرحمن الرحيم». وقال أبيّ بن كعب (^٣): كان رسول الله ﷺ يأمرنا في أول كل سورة ب «بسم الله الرحمن الرحيم» ولم يأمر في سورة «براءة» بشيء (^٤). فلذلك ضمت إلى الأنفال، ولم يكتب بينهما «بسم الله الرحمن الرحيم» وكانت أولى بها لشبهها بها، وقال المبرّد (^٥): إنما لم تكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» [في أول براءة] (^٦) لأن «بسم الله الرحمن الرحيم» خير و«براءة» (^٧) أولها وعيد ونقض للعهود (^٨). وقال عاصم: لم يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» أول (^٩) «براءة» لأنها رحمة، و«براءة» عذاب (^١٠)
_________________
(١) ص: «شيء وعنه قال».
(٢) فضائل القرآن ٧٦ /ب، ١٠٦ /ب، والناسخ والمنسوخ ١٥٨، والبرهان في علوم القرآن ١/ ٢٦٢، وذكر ابن كثير في تفسيره وابن حجر في فتح الباري، أن أحمد وأصحاب السنن وابن حبّان والحاكم خرّجوا هذا الحديث، والنشر ١/ ٢٦٣
(٣) هو سيد القراء وأقرأ هذه الأمة، قرأ على الرسول ﷺ، وقرأ عليه نفر من الصحابة والتابعين، اختلف في زمن وفاته ومنه (ت ٢٣ هـ) ترجم في طبقات ابن سعد ٢/ ٣٤٠، والجرح والتعديل ١/ ١ / ٢٩٠، والإصابة ١/ ١٦
(٤) زاد المسير ٣/ ٣٩٠
(٥) محمد بن يزيد أبو العباس، النحوي، صاحب «الكامل في الأدب»، وروى القراءة عن المازني وعنه أبو طاهر الصيدلاني، (ت ٢٨٦ هـ) ترجم في مراتب النحويين ٨٣، وطبقات القراء ٢/ ٢٨٠
(٦) تكملة لازمة من: ص.
(٧) قوله: «خير وبراءة» سقط من: ص.
(٨) ذكر هذا الوجه ابن الجوزي أيضا عن محمد بن الحنفية وعن سفيان ابن عيينة، انظر زاد المسير ٣/ ٣٩٠، والبرهان في علوم القرآن ١/ ٢٦٢
(٩) ص: «في أول».
(١٠) فضائل القرآن ٦١ /أ، والدر المنثور ٣/ ٢٠٧
[ ١ / ٢٠ ]
وقال (^١) ابن لهيعة (^٢): يقولون «براءة» من الأنفال فكذلك لم يكتب أولها «بسم الله الرحمن الرحيم». وقاله الليث (^٣)، وقال ابن عجلان (^٤): بلغني أن «براءة» كانت تعدل سورة البقرة أو قريبا منها، فلذلك لم يكتب في أولها «بسم الله الرحمن الرحيم»، يريد ابن عجلان أنه نسخ منها ما نقص منها (^٥).
«٨» قال أبو محمد: فإن سأل سائل فقال: فما اختيارك في التسمية بين كل سورتين وتركها؟.
فالجواب أن الذي أختاره لنفسي أن أفصل بين كل سورتين بالتسمية اتباعا لخط المصحف، ولقول عائشة: «اقرؤوا ما في المصحف» (^٦) ولإجماع أهل الحرمين وعاصم على ذلك، فإجماعهم (^٧) على القراءة حجة أعتمد عليها في أكثر هذا الكتاب،
_________________
(١) قوله: «وقال ابن لهيعة» إلى ما قبل كلامه على قوله (مالك يوم الدين) اختلط في «ص»، وهو في وجه الورقة الرابعة منها.
(٢) هو عبد الله بن لهيعة، قاضي مصر وعالمها ومحدّثها، حدث عن عطاء ابن أبي رباح وعبد الرحمن الأعرج وعمرو بن شعيب وغيرهم، وعنه ابن المبارك وابن وهب وأبو عبد الرحمن المقرئ وسواهم، قدّمه أحمد والثوري، وضعفه القطان وجماعة، (ت ١٧٤ هـ) ترجم في تذكرة الحفاظ ٢٣٧.
(٣) هو الليث بن سعد، شيخ الديار المصرية وعالمها، حدث عن عطاء بن أبي رباح ونافع العمري والزهري وغيرهم، وعنه ابن وهب وسعيد بن أبي مريم ومحمد بن عجلان، إمام، حجة، (ت ١٧٥ هـ) ترجم في تذكرة الحفاظ ٢٢٤.
(٤) هو محمد بن عجلان، روى عن ابيه وأنس وعكرمة وسواهم، وعنه السفيانان وبشر بن المفضل والقطّان وآخرون، وثّقه ابن عيينة وغيره، (ت ١٤٨ هـ) ترجم في تذكرة الحفاظ ١٦٥
(٥) زاد المسير ٣/ ٣٩٠، والدر المنثور ٣/ ٢٠٧
(٦) تقدمت الإشارة اليه في الفقرة «٥».
(٧) ب: «فاجتماعهم» وتوجيهه من: ص.
[ ١ / ٢١ ]
وليتبين بذلك أن السورة الأولى قد تمّت وأن الثانية مبتدأ بها، ولقول أبي:
كان رسول الله ﷺ يأمرنا في أول كل سورة ب «بسم الله الرحمن الرحيم». وللتبرك بالابتداء بذكر أسماء الله وصفاته.
«٩» قال أبو محمد: ولست ممن يعتقد أنها آية في شيء من القرآن إنما هي بعض آية في «النمل». ومن قال: إنها آية في أول كل سورة فقد زاد في القرآن مائة آية وثلاث عشرة آية، ولم يقل بذلك أحد من الصحابة ولا من التابعين، فالإجماع قد حصل على ترك عدّها آية من كل سورة، فما حدث بعد الإجماع من الصحابة والتابعين من قول منفرد محدث فقول مرفوض غير مقبول
[ ١ / ٢٢ ]
وأيضا فقد أجمع أهل العدد من أهل الكوفة والبصرة ومكة والمدينة والشام على ترك عدّها آية في أول كل سورة (^١)، فهذه حجة قاطعة وإجماع ظاهر (^٢)، وإنما اختلفوا (^٣) في عدّها وتركه (^٤) في سورة «الحمد» لا غير، فعدّها آية الكوفي والمكي، ولم يعدّها آية (^٥) البصري ولا الشامي ولا المدني، والمشهور من قول الشافعي أن التسمية آية في «الحمد» لا غير، وهذا مما اختلف فيه الصدر الأول (^٦). وقال جماعة منهم بذلك، فهو اختلاف غير منكر، لكنا نقول في هذا (^٧) إن الزيادة في القرآن لا تثبت بالاختلاف وإنما تثبت بالإجماع، ولا إجماع في (^٨) ذلك. وقد روى الشافعي وأصحابه في ذلك أحاديث. وروى من خالفهم في ترك عدّها آية من «الحمد» أحاديث، فتوازن الأمران، وبقي انتقاد صحة الأحاديث، والكلام في ذلك يطول، ويخرجنا عمّا قصدنا إليه، لكنا نقول: لو ثبتت أحاديثهم وصحّت لم يكن لهم (^٩) فيها حجة في إثبات قرآن، لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد (^١٠) التي لا يقطع على غيبها. إنما يثبت القرآن بالإجماع (^١١) والأخبار المتواترة المقطوع على غيبها، ولا تواتر ولا إجماع في أن «بسم الله الرحمن الرحيم» آية من «الحمد» (^١٢)، فسقط
_________________
(١) هو من المختلف فيه انظر زاد المسير ١/ ٧، وتفسير ابن كثير ١/ ١٦، والنشر ١/ ٢٦٩.
(٢) قوله: «في أول … ظاهر» سقط من: ص.
(٣) ص: «اختلف».
(٤) ص: «آية وتركها».
(٥) لفظ: «آية» سقط من: ص.
(٦) الكشاف ١/ ٤، وتفسير ابن كثير ١/ ١٦، والنشر ١/ ٢٦٩، وتفسير النسفي ١/ ٣
(٧) ص: «المصاحف».
(٨) ص: «على».
(٩) لفظ: «لهم» سقط من: ص.
(١٠) ص: «الأحاديث».
(١١) لفظ «بالإجماع» سقط من: ص.
(١٢) قوله: «من الحمد» سقط من: ص.
[ ١ / ٢٣ ]
ما ذكروا في ذلك من الأحاديث، أنها آية من «الحمد»، مع ما روينا من الأحاديث الصحاح عن مالك وغيره، أنها ليست آية من «الحمد»، فالنّافي في هذا أولى من المثبت لأن المثبت لو صح ما روى لم ينفعه ذلك، لأن ما روي من الأحاديث لم يقطع على غيبه أنه حق، والقرآن لا يثبت إلا بما يقطع على غيبه أنه حق.
***
[ ١ / ٢٤ ]