«١٨٥» قرأ البزّي بتشديد التاء، فيما أصله تاءان، وحذفت واحدة من الخط، وذلك في أحد وثلاثين موضعا، قد ذكرتها في غير هذا. وذلك نحو: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا﴾ «البقرة ٢٦٧» و﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ «هود ١٠٥» و﴿تَنازَعُوا﴾ «الأنفال ٤٦» ﴿فَتَفَرَّقَ﴾ «الأنعام ١٥٣» وشبهه، ولا يقاس على الأحد والثلاثين الموضع (^٣) غيرها، في سورة البقرة منها «ولا تيمّموا» وعلته في ذلك أنه حاول الأصل، لأن الأصل في جميعها تاءان، فلم يحسن له أن يظهرهما، فيخالف الخط في جميعها، إذ ليس في الخط إلا تاء واحدة. فلمّا حاول الأصل، وامتنع عليه الإظهار، أدغم إحدى التائين في الأخرى، وحسن له ذلك، وجاز الاتصال، المدغم بما قبله. فإن ابتدأ بالتاء لم يزد شيئا، وخفّف كالجماعة، لئلا يخالف الخط، ولم يمكنه إدغام في الابتداء، لأنه لا يبتدأ بمدغم، لأن أوله ساكن، والساكن لا يبتدأ به، فكان يلزمه إدخال ألف وصل للابتداء، فيتغير الكلام، ويزيد في
_________________
(١) قوله: «والإسكان على التخفيف .. استخفافا» سقط من: ص.
(٢) المختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٦ /ب، والنشر ٢/ ٢٠٨
(٣) تعريف التمييز على هذا النحو هو مذهب الكوفيين.
[ ١ / ٣١٤ ]
الخط ما ليس فيه، فرجع إلى التخفيف في الابتداء ضرورة. واعلم أن هذا الإدغام يأتي على ثلاثة اضرب.
«١٨٦» ضرب قبل المدغم، متحرك من كلمة ومن كلمتين، وذلك ثمانية مواضع نحو: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ «الأنعام ١٥٣»، ونحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ﴾ «النساء ٩٧»، فهذا إدغام حسن، لا دخل فيه ولا علة.
«١٨٧» والضرب الثاني أن يكون قبل المدغم ألف أو واو ساكنة، قبلها ضمة، وذلك ثلاثة عشر موضعا، فيحتاج (^١) إلى مدّ، لوقوع المشدد بعد حرف المد واللين نحو: (ولا تيمّموا)، و﴿لا تَفَرَّقُوا﴾ «آل عمران ١٠٥»، و﴿عَنْهُ تَلَهّى﴾ «عبس ١٠»، فهذا أيضا حسن، ولا بدّ من زيادة مدّ فيه للتشديد.
«١٨٨» والضرب الثالث أن يكون قبل المشدد حرف ساكن من غير حروف المد واللين نحو: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا﴾، و﴿لا تَفَرَّقُوا﴾ «آل عمران ١٠٥»، و(و﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ «النور ١٥»، و(إن ﴿تَوَلَّوْا﴾ «آل عمران ٣٢» و﴿عَلى مَنْ تَنَزَّلُ﴾ «الشعراء ٢٢١»، و﴿نارًا تَلَظّى﴾ «الليل ١٤» و﴿شَهْرٍ. تَنَزَّلُ﴾ «القدر ٣، ٤» فهذا وقوع الإدغام بعده قبيح صعب، لا يجيزه جميع النحويين، إذ لا يجوز المد في الساكن، الذي قبل المشدد. وقد قال بعض القراء فيه: إنه إخفاء، وليس بإدغام، فهذا أسهل قليلا من الإدغام، لأن الإخفاء لا تشديد فيه، ولكن الرواية والنقل فيه، كله بالتشديد، وهو على ما ذكرت لك من الضعف، وقرأ باقو (^٢) القراء [في ذلك] (^٣) كلّه مخففا، ولم يختلف في الابتداء به أنه مخفّف كله (^٤).
_________________
(١) ب: «فيخرج» وتصويبه من: ص.
(٢) ب: «باقي» وتصويبه من: ص.
(٣) تكملة موضحة من: ص.
(٤) التبصرة ٥٦ /ب - ٥٧ /أ، والتيسير ٨٣ - ٨٤، والنشر ٢/ ٢٢٤ - ٢٢٧
[ ١ / ٣١٥ ]
«١٨٩» قوله: (فنعمّا هي) (^١) قرأ أبو عمرو وأبو بكر وقالون بإخفاء حركة العين، وكسر النون، ومثله في النساء. وقرأ ابن كثير وحفص وورش بكسر النون والعين، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسر العين، وفتح النون فيهما.
«١٩٠» وحجة من قرأ بكسر النون والعين أن الأصل فيه «نعم» بفتح النون، وكسر العين، لكن حرف الحلق، إذا كان عين الفعل، وهو مكسور أتبع بما قبله، فكسر لكسرة، يقولون: شهد وشهد، ولعب ولعب، فقالوا في «نعم»: نعم، وهي لغة هذيل (^٢).
«١٩١» وحجة من فتح النون وكسر العين أنه أتى بالكلمة على أصلها، والأصل «نعم» كما قالوا: شهد ولعب، فتركوا الأول على فتحه.
«١٩٢» وحجة من أخفى حركة العين، أنه كسر النون لكسرة العين وأسكن العين استخفافا، لتوالي كسرتين، فلمّا اتصل الفعل ب «ما» وأدغمت الميم في الميم، ثقلت الكلمة بالكسرتين والإدغام، وطالت، فلم يمكن إسكان العين للتخفيف، لئلا يجتمع ساكنان: العين وأول المدغم، فأخفى كسرة العين استخفافا، والذي خفيت حركته في الوزن والحكم كالمتحرك، إلا أنه أخفّ من المتحرك. وقد روي عن أهل الإخفاء الاختلاس، وهو حسن. وروي الإسكان للعين، وليس بشيء، ولا قرأت به، لأن فيه جمعا بين ساكنين، ليس الأول حرف مدّ ولين، وذلك غير جائز عن أحد من النحويين (^٣).
«١٩٣» قوله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ (^٤) قرأه ابن عامر وحفص بالياء، وقرأ
_________________
(١) سيأتي ذكره في سورة الشعراء، الفقرة «١٠».
(٢) كتاب سيبويه ٢/ ٣٠٥، ٣١٠
(٣) التبصرة ٥٧ /أ، والتيسير ٨٤، والنشر ٢/ ٢٢٨، والحجة في القراءات السبع ٧٨، وزاد المسير ١/ ٣٢٥، وتفسير النسفي ١/ ١٣٦، ومغني اللبيب ٣٤٥، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٦ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٢٩ /أ.
(٤) سيأتي ذكر نظيره في آل عمران، الفقرة «٣٥ - ٣٧» وسورة التغابن، الفقرة «١».
[ ١ / ٣١٦ ]
الباقون بالنون، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بالجزم، وقرأ الباقون بالرفع.
«١٩٤» وحجة من قرأه بالياء أن بعده: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ولم يقل «ونحن»، فأتى بلفظ الغائب في «يكفّر» لما بعده من لفظ الغائب.
ويجوز أن يكون ردّه على الإعطاء، في قوله: ﴿تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ﴾ فالمعنى:
ويكفر الإعطاء من سيئاتكم، والقول الأول معناه: ويكفر الله من سيئاتكم.
«١٩٥» وحجة من قرأه بالنون أنه أجراه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، لأنه هو المكفّر للسيئات، وحسن أن يأتي على لفظ المخبر للتفخيم والتعظيم، وحسن أن يأتي المفرد، بعد لفظ الجمع، في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ﴾ كما قال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى﴾ «الإسراء ١» ثم قال: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى﴾ «٢» فهذا أتى بلفظ التوحيد، ثم جمع بعد ذلك، وذلك أتى بلفظ الجمع، ثم وحّده بعد ذلك (^١)، فذلك كله شائع حسن، وهو كثير في القرآن. والقراءة بالنون أحب إليّ، لأن أكثر القراء على ذلك، ولأنه أفخم وأعظم، وبه قرأ ابن عباس والأعرج.
«١٩٦» وحجة من جزم الفعل أنه عطفه على موضع الفاء، في قوله:
(فهو خير لّكم) لأن موضع ذلك جزم، إذ هو جواب الشرط، وله نظائر حملت على الموضع، وذلك حسن.
«١٩٧» وحجة من رفع الفعل أنه قطعه مما قبله، وجعله خبر ابتداء محذوف. فالمعنى: ونحن نكفر عنكم، في قراءة من قرأ بالنون. ومن قرأ بالياء فتقديره: والله يكفر عنكم (^٢).
«١٩٨» قوله: (يحسبهم، ويحسبن) (^٣) قرأه عاصم وحمزة وابن عامر
_________________
(١) قوله: «أتى بلفظ … بعد» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
(٢) الحجة في القراءات السبع ٧٩، وزاد المسير ١/ ٣٢٦، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٢٣.
(٣) سيأتي نظيره في سورة الأنفال، الفقرة «١٣».
[ ١ / ٣١٧ ]
بفتح السين، حيث وقع، إذا كان مستقبلا، وكسر الباقون، وهما لغتان مشهورتان، يقال: حسّب يحسب ويحسب. والفتح أقوى في الأصول، لأن «فعل» في الماضي إنما يأتي مستقبله على «يفعل» بالفتح في الأكثر، والكسر فيه لغة شذّت عن القياس، وله نظائر أتت بالكسر في المستقبل والماضي مسموعة، وروي أن النبي ﵇ كان يقرأ بكسر السين، وهي لغة حجازية، وهو الاختيار (^١).
«١٩٩» قوله ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة بالمدّ، وكسر الذال، وقصره الباقون، وفتحوا الذال.
«٢٠٠» ووجه القراءة بالقصر أنه أمر للمخاطبين بترك الرّبا، أمروا أن يعلموا ذلك هم أنفسهم. فالمعنى: فإن لم تتركوا الربا فأيقنوا بحرب من الله ورسوله. فهم المقصودون بأن يعلموا ذلك في أنفسهم، إن لم يتركوا الربا.
«٢٠١» ووجه القراءة بالمدّ أنه جعله أمرا للمخاطبين بترك الربا، أن يعلموا بذلك غيرهم، ممّن هو على مثل حالهم في المقام (^٢) على الربا. فالمدّ يتضمن معنى القصر، لأنهم إذا أعلموا غيرهم بالحرب من الله ورسوله فقد علموا هم ذلك، إن أقاموا على فعل الربا، وليس في علمهم ذلك، لأنفسهم، دلالة على إعلام غيرهم. فالمدّ أعم وآكد في أنهم، إن لم يتركوا الربا في أنفسهم (^٣)، ويتركه غيرهم، ممّن هو على مثل حالهم فالحرب من الله ورسوله لازم لهم، نازل عليهم، وعلى من هو مثلهم. ولولا أن الجماعة على القصر لكان الاختيار المدّ. وبالقصر قرأ علي بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن والأعرج وشيبة وعيسى وأبو جعفر، وبالمدّ قرأ طلحة والأعمش. واستبعد أبو حاتم المدّ، إذ الأمر فيه لغيرهم بالحرب (^٤)، والمراد هم، وهم (^٥) المخاطبون بترك الربا. والمدّ حسن في
_________________
(١) أدب الكاتب ٣٧٢، وزاد المسير ١/ ٣٢٨، وتفسير النسفي ١/ ١٣٧، والقاموس المحيط «حسب»، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٦ /ب.
(٢) قوله: «في المقام» سقط من: ص.
(٣) قوله: «في أنفسهم» سقط من: ص.
(٤) ص: «أبو حاتم انفراد الأمر فيه لغيرهم بالجواب».
(٥) لفظ «وهم» سقط من: ص.
[ ١ / ٣١٨ ]
المعنى على ما ذكرنا (^١).
«٢٠٢» قوله: ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ قرأه نافع بضم السين، وفتح الباقون. وهما لغتان إلا أن الفتح أكثر وأشهر، و«مفعل» بغير هاء، وبفتح العين في الكلام كثير، وليس في الكلام «مفعل» بضم العين، وبغير هاء، إلا حرفان ونحوهما قالوا: معون، ومكرم، جمع معونة ومكرمة، وجاء مألك، جمع مألكة، وهي الرسالة. و«مفعل» بالفتح كثير مستعمل، وبالفتح قرأ علي بن أبي طالب وابن عمر والأعرج وأبو جعفر وابن جندب والحسن وقتادة وأبو رجاء، وبالضم قرأ مجاهد وابن محيصن وشيبة وعطاء وحميد (^٢) والحسن وهي (^٣) لغة هذيل، واختلف عن الحسن فيه. والفتح هو الاختيار، لإجماع القراء عليه، ولأنه الأكثر في الاستعمال بالهاء وبغير هاء (^٤).
«٢٠٣» قوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ قرأه عاصم بالتخفيف، وقرأ الباقون مشددا، وهو مثل «تظاهرون» في الحجة في التخفيف والتشديد، لكن في التشديد معنى التكثير، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، وهو الأصل، والتخفيف حدث (^٥).
«٢٠٤» قوله: ﴿يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ قرأه أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم، أضاف الفعل إلى المخاطبين، فهم الفاعلون. وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الجيم، أضافوا الفعل إلى من يرجع المخاطبين، فالمخاطبون مفعول بهم، قاموا
_________________
(١) التبصرة ٥٧ /ب، وزاد المسير ١/ ٣٣٣، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٣٠، وتفسير النسفي ١/ ١٣٩، وتفسير غريب القرآن ٩٨، والقاموس المحيط «أذن».
(٢) حميد بن قيس الأعرج أبو صفوان، أخذ القراءة عن مجاهد وعرض عليه ثلاثا، ورواها عنه أبو عمرو وسفيان بن عيينة وسواهما، (ت ١٣٠ هـ)، ترجم في طبقات ابن سعد ٥/ ٤٨٦، والجرح والتعديل ١/ ٢٢٧/١
(٣) ب: «وهو» وتوجيهه من: ص.
(٤) التيسير ٨٥، والنشر ٢/ ٢٢٩، وزاد المسير ١/ ٣٣٤، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٣٠ /أ، والقاموس المحيط «يسر».
(٥) تقدم نظيره في الفقرة «٤٦» من السورة نفسها.
[ ١ / ٣١٩ ]
مقام الفاعل. والقول في هذا كالقول في «ترجع الأمور» وقد مضى الكلام فيه (^١).
«٢٠٥» قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ قرأه حمزة بكسر الهمزة، وفتح الباقون.
«٢٠٦» ووجه القراءة بالكسر أنها «إن» التي للشرط، و«فتذكر» جواب الشرط، مرفوع في هذه القراءة، لأنه بالفاء. فالفاء جواب الشرط (^٢) وما بعدها مستأنف. فلذلك رفع. والشرط وجوابه في موضع رفع وصف للرجل والمرأتين وخبر. ف «رجل وامرأتان» محذوف. والتقدير: فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء يشهدون. و«ممّن ترضون من الشهداء» صفة أيضا ل «رجل وامرأتان».
«٢٠٧» ووجه القراءة بالفتح أن «أن» بالفتح في موضع نصب على حذف اللام، تقديره: لئلا تضلّ إحداهما، أي تنسى. وقيل: المعنى: لا تضلّ، كما قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ «القصص ٨» لم يلتقطوه ليكون لهم عدوّا، لكن لمّا آل الأمر إلى ذلك في حال من التقطه، ليكون لهم عدوا، فأخبر بما آل أمرهم إليه، كذلك هذا لم يؤمن بشهادة امرأتين عوضا من رجل، للضلال الذي هو النسيان، لكن لمّا آل الأمر إلى النسيان صار الأمر، كأنهم أمروا بشهادة امرأتين عوضا من رجل للنسيان. فيكون «فتذكر» معطوفا على «تضلّ»، تقديره فرجل وامرأتان يشهدون أن تضل إحداهما وأن تذكّر إحداهما، كأنه بيّن علة كون امرأتين مقام رجل أي ذلك إنما فعل لتذكر إحداهما الأخرى عند النسيان (^٣).
«٢٠٨» قوله: (فتذكّر) قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف، وشدّد الباقون. وكلهم نصب إلا حمزة فإنه رفع، على ما ذكرنا من الرفع في جواب الشرط
_________________
(١) تقدم نظيره في الفقرة «١٢٨» من السورة نفسها.
(٢) قوله: «مرفوع في … الشرط» سقط من: ص.
(٣) تفسير الطبري ٦/ ٦٢، وإيضاح الوقف والابتداء ٥٥٨، والحجة في القراءات السبع ٨٠، وزاد المسير ١/ ٣٣٨، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٣٥، وتفسير النسفي ١/ ١٤٠
[ ١ / ٣٢٠ ]
مع الفاء. وقد قال الفراء: إن من خفف فهو من الذكر، الذي هو ضد الأنثى.
والمعنى: إن المرأة الثانية إذا شهدت مع الأولى ذكّرتها، أي جعلتها كالذّكر، أي كالرجل الذي لا يحتاج إلى غيره في الشهادة.
«٢٠٩» ووجه القراءة بالتشديد أنه عدّى الفعل إلى مفعولين بالتشديد، فالأول «الأخرى»، والثاني محذوف، تقديره: «فتذكّر إحداهما الأخرى الشهادة. والتذكير يحتاج إلى مذكّر ومذكّر به. وقد أجمعوا على التشديد في قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى﴾ «الذاريات ٥٥» وهو كثير.
«٢١٠» وحجة من خفّف أنه عدّى الفعل بالهمز، والهمز كالتشديد في التعدي، تقول: ذكرته كذا، وأذكرته كذا. فالمفعول الثاني أيضا محذوف، كالأول. فالقراءتان بمعنى، إلا أن التشديد معه معنى التكثير، على معنى تذكير بعد تذكير، ويحتمل أن يكون في المعنى كأذكرته. فالقراءتان متعادلتان. ومن نصب «فتذكر» فعلى العطف على «أن تضل» ومن رفع فعلى القطع بعد الفاء (^١).
«٢١١» قوله: ﴿تِجارَةً حاضِرَةً﴾ قرأ ذلك عاصم بالنصب، وقرأهما الباقون بالرفع.
«٢١٢» وحجة من نصب أنه أضمر في «تكون» اسمها، ونصب «تجارة» على خبر «يكون»، و«حاضرة» نعت ل «تجارة»، والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة، وإلا أن تكون المبايعات تجارة، ولا يحسن أن يكون المضمر التداين والدين، لتقدّم ذكره، ولا أن يكون الحق، لتقدّم ذكره، لأن ذلك غير التجارة، ولأن التجارة تقليب الأموال في البيع والشراء للنماء، وهو غير الدّين، وغير التداين، وغير الحق، والخبر في «كان» هو الاسم، وحسن إضمار التبايع، لأنه تقليب الأموال للنماء، فهو التجارة في المعنى.
_________________
(١) المختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٧ /أ، وتفسير غريب القرآن ٩٩، وكتاب سيبويه ٢/ ٥٠٣
[ ١ / ٣٢١ ]
«٢١٣» وحجة من رفع أنه جعل «كان» بمعنى «وقع وحدث» تامة، لا تحتاج إلى خبر، بمنزلة: (وإن كان ذو عسرة) الذي هو عام في كل معسر، وبهذا العموم أجمع على الرفع، إذ لو نصب «ذا» على خبر «كان» لصار الكلام مخصوصا لصنف بعينه، غير عام في جميع المعسرين، لأنه يصير التقدير، لو نصب «ذا»: وإن كان المشتري ذا عسرة فنظرة، فتكون النظرة مقصورة عليه. وقد يجوز أن يكون التقدير: وإن كان المداين ذا عسرة، فيكون عامّا فيمن عليه دين، وهو معسر. والرفع على كل حال أعمّ، لأنه يعمّ من عليه دين، من قرض أو من شراء، وغير ذلك (^١).
«٢١٤» قوله: (فرهان) قرأه أبو عمرو وابن كثير بضم الراء والهاء، من غير ألف، وقرأ الباقون بكسر الراء، وبألف بعد الهاء.
«٢١٥» وحجة من قرأ بغير ألف أنه جمع «رهنا» على «رهن» ك «سقف» و«سقف» و«نحر» و«نحر»، وكان قياسه «أرهانا» في أقل العدد، ولكن استغنوا بالكثير عن القليل، كما استغنوا بالقليل عن الكثير، في قولهم: «رسن وأرسان». وأصل «رهن» المصدر في قولهم: «رهينة»، فهو في موضع قولهم: رهينة ثوبا. فلمّا وقع موقع الاسم جمع، كما تجمع الأسماء. ولمّا استغنوا فيه في الجمع ببناء الكثير عن القليل، اتسعوا فيه، فأتوا بجمعه على بناءين للتكثير، فقالوا: رهن ورهن، كسقف، وسقف. وقالوا: رهن ورهان (^٢)، ككعب وكعاب، وبغل وبغال، ونعل ونعال، وهو في جمع «فعل» كثير في الكلام، وجمع «فعل» على
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ٧٩، وزاد المسير ١/ ٣٣٩، وتفسير النسفي ١/ ١٤١
(٢) ص: «وقال الكسائي والفراء: الرهن جمع رهان، والرهان جمع رهن، فهو جمع الجمع، بمنزلة ثمر وثمار جمع ثمرة، فثمر جمع الجمع كرهن. وحجة من قرأ بألف أنه جمع رهنا على رهان».
[ ١ / ٣٢٢ ]
«فعل» قليل في الكلام. إنما أتى منه أشياء نوادر في الكلام (^١). فحمل على الأكثر، وهو فعال، وهو الاختيار (^٢).
«٢١٦» قوله: (فيغفر، ويعذب) قرأهما ابن عامر وعاصم بالرفع، وجزمهما (^٣) الباقون.
«٢١٧» وحجة من جزم أنه عطفه على «يحاسبكم» الذي هو جواب الشرط، فهو أقرب للمشاكلة، بين أول الكلام وآخره.
«٢١٨» وحجة من رفع أن الفاء يستأنف ما بعدها، فرفع على القطع مما قبله إما أن يكون أضمر مبتدأ على تقدير: فالله يغفر ويعذب، فيكون جملة من ابتداء وخبر، معطوفة على جملة، من فعل وفاعل. ويجوز أن يكون الفعل مقدرا، فتكون جملة معطوفة (^٤) من فعل وفاعل على مثلها، والتقدير على هذا: فيغفر الله لمن يشاء ويعذب من يشاء، والجزم هو الاختيار، لاتصال الكلام، ولأن عليه أكثر القراء (^٥).
«٢١٩» قوله: (وكتبه) قرأ حمزة والكسائي بالتوحيد. وقرأ الباقون بالجمع. فمن وحّد أراد القرآن، ومن جمع أراد جميع الكتب التي أنزل الله، ويجوز في قراءة من وحّد أن يراد به الجمع، يكون الكتاب اسما للجنس، فتستوي القراءتان، والجمع هو الاختيار، لعمومه، ولأن عليه أكثر القراء (^٦).
_________________
(١) قوله: «في الكلام وجمع … نوادر» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
(٢) زاد المسير ١/ ٣٤١، وتفسير غريب القرآن ١٠٠، وتفسير النسفي ١/ ١٤١، وأدب الكاتب ٤٢٤، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٣٠ /ب.
(٣) ب: «وخير فيهما» وتصويبه من: ص.
(٤) قوله: «من فعل وفاعل … معطوفة» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
(٥) زاد المسير ١/ ٣٤٤، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٤٠، وتفسير النسفي ١/ ١٤٣، وكتاب سيبويه ١/ ٥٢٣، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٧ /ب، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٣١ /أ.
(٦) الحجة في القراءات السبع ٨١، وزاد المسير ١/ ٣٤٥
[ ١ / ٣٢٣ ]