وأول مصادر مكي في هذا الكتاب هو كتاب «التبصرة في القراءات»، وقد ذكر مكي ذلك فيه قوله: «قويت نيتي في كتاب قد علقت أكثره أعمله لنفسي تذكرة إن شاء الله، أذكر فيه كشف وجوه القراءات، واختيار العلماء في ذلك، ومن قرأ بكل حرف من الصدر الأول، وأقاويل النحويين وأهل اللغة، لا أخرج فيه عن شرح
_________________
(١) الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة ٣ /أ.
[ المقدمة / ٣٤ ]
ما ذكرته في هذا الكتاب من الاختلاف» (^١). وذكر ذلك أيضا في غير ما موضع في كتاب الكشف نفسه سواء في مقدمته أو في تضاعيفه على ما تقدم من الإشارة إلى ذلك قبل. فمن ذلك أيضا قوله: «وهأنذا حين أبدأ بذلك أذكر علل ما في أبواب الأصول دون أن أعيد ذكر ما في كل باب من الاختلاف إذ ذاك منصوص في الكتاب الذي هذا شرحه». وذكر كتاب الإبانة فقال: «يجب لمن كتب هذا الكتاب أن يجعله جزءا في آخره، فبه تتم الفائدة، وذكرت في الكتاب الذي هذا شرحه كتاب التبصرة أسماء القراء ورواتهم .. وكذلك ذكرت في الكتاب الموجز فأغناني ذلك عن أن أعيده في هذا الكتاب .. فلا غنى لمن كتب كتابنا هذا واعتمد عليه من الكتاب الأول الذي هذا شرحه كتاب التبصرة» (^٢).
فكتاب «التبصرة» أول مصادره في كتاب «الكشف» وأمها. وأما مصادره الأخرى، سواء التي جاء ذكرها في تضاعيف الكتاب، والتي لم تذكر، ويمكن الوقوف عليها لدى العرض لمادة الكتاب، ونشاطه التأليفي، ولما اضطلع به من العلوم، فهي نوعان: مصادر أولية لها حكم كتاب «التبصرة» في تكوين مادة «الكشف» وكذلك جوانب من منهجه وبعض أبوابه، ومصادر ثانوية لم يكن بدّ منها، لأنها أسعفت مادة المصادر الأولية بما تحتاج إليه، وذلك نحو بعض علوم القرآن والحديث كالتفسير والمناسبة (^٣). فهي لا بد منها في تناول البحث في توجيه القراءة، وإن لم تكن تدخل في أصل مادتها الأولى.
فمن المصادر الأولية ما سمّى مكيّ أصحابه وكرّر ذلك أو سمّى بعضا منهم. فقر ذكر أبا عبيد القاسم بن سلام وعبد الله بن مسلم بن قتيبة وأبا حاتم سهل ابن محمد وأبا جعفر محمد بن جرير الطبري وأبا بكر أحمد بن موسى ابن مجاهد (^٤).
_________________
(١) التبصرة ٢ /ب.
(٢) الكشف ٢ /أ - ب.
(٣) الكشف ٤ /أ، ٥ /أ - ب، ٥٩ /ب، فهذه المواضع وسواها في الملاحظتين التاليتين هي نماذج حسب.
(٤) الكشف ٦ /أ - ب، ٢١ /ب، ٥١ /أ، ٥٧ /أ، ٨٥ /أ - ب.
[ المقدمة / ٣٥ ]
ومنه ما كان مصدرا شفويا، تلقّى معارفه تلقيا، فقد ذكر أنه قرأ على أبي الطاهر إسماعيل بن خلف وأبي الطيب عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون (^١).
ومنه ما لم يذكره في كتابي «الكشف» و«التبصرة» وذكره في كتاب «الإبانة عن معاني القراءات» الذي جعله بآخر الكشف. فقد ذكر هناك إسماعيل ابن إسحاق القاضي وأبا عبيد القاسم بن سلام وأبا حاتم سهل بن محمد وأبا جعفر محمد بن جرير الطبري وأبا بكر أحمد بن موسى ابن مجاهد (^٢). ومكي إذ يذكر هؤلاء يذكر كتبهم في الفن التي اعتمدها مصادر فيما بحث وعالج. واتخاذ مكي مثل هذه المصادر لمثل هؤلاء الأئمة له دلالة أكثر من كونها مصادر يقتضيها البحث والدرس، ذلك لأنها مصادر أئمة متقدمين أغلبها قد فقد، ولأن مؤلفيها أقرب عهدا بمسائل بحوثها، وهم أئمة معدودون في علوم هذا البحث.
ولمكي اختيارات في بعض الموضوعات، وقد أشرنا إلى ذلك في ثبت مؤلفاته.
فله «منتخب الحجة في القراءات» لأبي علي الفارسي، وعنوان الأصل هو «الحجة في علل القراءات السبع»، فموضوعه هو موضوع كتاب «الكشف». وأعتقد أن إحاطة مكي بهذا الكتاب وسواه من كتب الفن جنّبته في تأليف «الكشف» ظاهرة الاستطراد المستشرية في «كتاب الحجة» وسواه من الكتب المطولة التي تصيبها تلك الظاهرة فتجعلها مضطربة في ذوق أهل زماننا، وتذهب باتساق أفكارها وتسلسل بحثها، وجنّبته غير ذلك من عيوب الاستطراد.
فتلك هي مصادر مكي في كتاب «الكشف» سواء الأولية منها والثانوية، التي رجع إليها في أصولها، التي نقل عنها واهتدى بها، والتي وقف عليها واستأنس بها.