سورة آل عمران، مدنية وهي مائتا آية في المدني والكوفي
«١» قال أبو محمد: قد ذكرنا، في سورة البقرة، من وجدنا ممّن قرأ في كل حرف من الصدر الأول، ولست آخذ ذلك في كل القرآن ولا في كل حرف، إلا عن تطويل كثير، فيطول الكتاب لذلك. وأنا أقتصر على ذكر القراء المشهورين فقط في باقي القرآن، إلا أن نجد نصا على قراءة النبي ﵇، أو قراءة أصحابه ﵃، فنذكر ذلك لا غير، وما لم نجد فيه شيئا اكتفيت فيه بذكر القراء المشهورين، [فاعلم ذلك] (^١) وكل ما تقدّم الكلام فيه، والعلل في قراءته، من الأصول، وغير ذلك من الحروف، نستغني بذكره متقدما عن إعادته. فذلك أخصر، فتكرير الشيء صعب سماعه، كتكرير الحديث، فاعلم ذلك كله من شرط هذا الكتاب، قد ذكرنا إمالة «التوراة» وعلتها وأصلها في أبواب الإمالة (^٢). وذكرنا فتح الميم من «المر الله» وعلة ذلك في أبواب المد (^٣).
فأما ما قرأت به للأعشى (^٤)، عن أبي بكر (^٥)، من قطع الألف من اسم «الله» جلّ
_________________
(١) تكملة مناسبة من: ص.
(٢) انظر «باب أصل الألف» الفقرة «٤».
(٣) راجع «فصل إمالة فواتح السور» الفقرة «١».
(٤) هو يعقوب بن محمد بن خليفة أبو يوسف، أخذ القراءة عرضا عن أبي بكر وهو أجل أصحابه، ورواها عنه عرضا وسماعا محمد بن حبيب ومحمد بن غالب وسواهما، توفي في حدود المائتين، ترجم في طبقات القراء ٢/ ٣٩٠
(٥) قوله: «أبي بكر» سقط من: ص.
[ ١ / ٣٣٤ ]
ذكره فعلته في ذلك على وجهين: أحدهما أن يكون ينوي الوقف على «الم»، ثم يبتدئ باسم الله، فيقطع الألف، وهذه الحروف أصلها السكون، والوقف عليها، لأنها حروف مقطعة، لا أصل لها في الإعراب، إلا أن يخبر عنها، أو يعطف بعضها على بعض، فيدخلها الإعراب، لأنها تصير كسائر الأسماء. فلمّا كان أصلها الوقف عليها، وقف على الميم، ثم ابتدأ ما بعدها فهمز.
«٢» والوجه الثاني أن تكون الألف من اسم الله جلّ ذكره عنده (^١) ألف قطع، كما ذهب إليه ابن كيسان (^٢)، فردّها إلى أصلها فهمز. وإنما وصلت لكثرة الاستعمال (^٣).
«٣» قوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ قرأهما حمزة والكسائي بالياء، وقرأهما الباقون بالتاء.
«٤» وحجة من قرأ بالتاء أنه أمر من الله لنبيه أن يخاطبهم بهذا، فهو خطاب للكفار من النبي، بأمر الله له، والتاء للخطاب لليهود، بأنهم سيغلبون ويحشرون إلى جهنم. وقد قيل: إن الخطاب لليهود والمشركين، لأن كل فريق منهم كافر، فخوطبوا وأعلموا بوقوع الغلبة عليهم، ثم بحشرهم إلى جهنم.
«٥» وحجة من قرأ بالياء أنه أتى به على لفظ الغيبة، لأنهم غيّب، حين أمر الله نبيه بالقول لهم، وهم اليهود. وقيل: هم المشركون، وكلاهما غائب.
فإذا كانوا المشركين فهم أقوى في الغيبة، لأن المعنى: قل يا محمد لليهود سيغلب المشركون ببدر ويحشرون إلى جهنم، ويقوي ذلك إجماعهم على الياء، في قوله:
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ «الأنفال ٣٨» وإجماعهم
_________________
(١) ب: «عند» وتصويبه من: ص.
(٢) هو محمد بن أحمد بن كيسان، أبو الحسن، أخذ عن المبرّد وثعلب، واضطلع بمعرفة مذهب البصرة والكوفة، له تصانيف، (ت ٢٩٩ هـ)، ترجم في انباه الرواة ٣/ ٥٧، وبغية الوعاة ١/ ١٨
(٣) التبصرة ٥٨ /ب، والتيسير ٨٦، والنشر ٣/ ٢٣٠، والحجة في القراءات السبع ٨١، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٤٣، وتفسير النسفي ١/ ١٤٥
[ ١ / ٣٣٥ ]
على الياء، في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ «الجاثية ١٤»، و﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾ «النور ٣٠»، والتاء أحب إليّ لإجماع الحرميين وعاصم وغيرهم على ذلك (^١).
«٦» قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ قرأه نافع بالتاء، وقرأ الباقون بالياء.
«٧» ووجه القراءة بالتاء أن قبله خطابا، فجرى آخر الكلام عليه، وهو قوله: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ فجرى «ترونهم» على الخطاب في «لكم»، فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين، والهاء والميم للمشركين. وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ «مثليكم» وذلك لا يجوز، لمخالفة الخط، ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة، فهو في القرآن وكلام العرب كثير، بمنزلة قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ ثم قال (^٢): ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ «يونس ٢٢»، فخاطب ثم عاد إلى الغيبة. ومثله: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ﴾ ثم قال: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ «الروم ٣٩»، فرجع إلى الغيبة، والهاء والميم في «مثيلهم» يحتمل أن تكون للمشركين، أي: ترون أيها المسلمون المشركين مثلي (^٣) ما هم عليه من العدد. وهو بعيد في المعنى، لأن الله لم يكثّر المشركين في أعين المؤمنين، بل أعلمنا أنه قلّلهم في أعين المؤمنين. ويحتمل أن يكون الضمير للمسلمين، أي: ترون أيها المسلمون المسلمين مثلي ما هم عليه من العدد، أي: ترون أنفسكم مثلي عددكم، فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين. ويحتمل أن يكون المعنى: ترون أيها المسلمون المشركين مثليكم في العدد. وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلّلهم الله في أعين المسلمين، لتقوى أنفسهم، ويجسروا على لقائهم. وتصديق هذا القول قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ «الأنفال ٤٣» ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ «الأنفال ٤٤».
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ٨٢، وزاد المسير ١/ ٣٥٥، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٥٠، وتفسير النسفي ١/ ١٤٧، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٨ /أ.
(٢) قوله: «ثم قال» سقط من: ص.
(٣) ب: «مثل» وتصويبه من: ص.
[ ١ / ٣٣٦ ]
«٨» ووجه القراءة بالياء أن قبله لفظ غيبة، فحمل آخر الكلام على أوله، وهو قوله: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ﴾، فالرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله والمرئية الفئة الكافرة، فالهاء والميم في «مثليهم» للفئة المقاتلة في سبيل الله. والمعنى: يري الفئة المقاتلة في سبيل الله للفئة الكافرة مثلي الفئة المؤمنة، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة، فقلّلهم الله في أعينهم، ليقوّي نفوسهم، وليثبتوا على ما فرض الله عليهم، من أن لا يفرّ الواحد من اثنين، على ما ذكر في سورة الأنفال. وإنما أرى الله المسلمين المشركين مثليهم، لأنه تعالى ضمن لهم الغلبة على المشركين بقوله: (إن ﴿يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ «الأنفال ٦٦»، وكذلك قال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾، ويبعد أن تكون الهاء والميم في «مثليهم» ل «الفئة الكافرة»، لأن الله لم يخبر أنه كثّر الفئة الكافرة في أعين المؤمنين، إنما أعلمنا (^١) أنه قلّلهم في أعين المؤمنين. والخطاب في «لكم» لليهود. وانتصاب «مثليهم» على الحال، لأن «ترى» من رؤية البصر، لا يتعدّى إلى مفعولين. ودلّ على أنه من رؤية البصر قوله:
﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ (^٢).
«٩» قوله (رضوان) قرأه أبو بكر بضمّ الراء حيث وقع، إلا قوله في المائدة: ﴿رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ «١٦» فإنه كسر كالجماعة، وقرأ الباقون بالكسر حيث وقع، وهما مصدران بمعنى واحد، فالكسر ك «الحرمان»، والضم ك «الشكران». وخصّ أبو بكر [ما] (^٣) في المائدة (^٤) بالكسر للجمع بين اللغتين، مع اتباعه للرواية، والكسر هو الاختيار، لإجماع القراء عليه (^٥).
_________________
(١) ب: «علمنا» ووجهه ما في: ص.
(٢) تفسير الطبري ٦/ ٢٣٠، وتفسير النسفي ١/ ١٤٨، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٣٢ /أ.
(٣) تكملة لازمة من: ص.
(٤) وهو الحرف (آ ١٦).
(٥) زاد المسير ١/ ٣٦٠
[ ١ / ٣٣٧ ]
«١٠» قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ﴾ قرأه الكسائي بفتح الهمزة، وكسرها الباقون.
«١١» ووجه قراءة الكسائي أنه جعل الكلام متصلا بما قبله، فأبدل «أن» ممّا قبلها، فيجوز أن يكون بدلا من «أن» في قوله: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ﴾ «١٨» فتكون «أن» في موضع نصب، فالتقدير: شهد الله أن الدين عند الله، فهو بدل الشيء من الشيء، وهو هو، لأن التوحيد والعدل هو الإسلام، وهو التوحيد والعدل. ويجوز أن يكون بدلا من «أنه» على بدل الاشتمال، لأن الإسلام يشتمل على التوحيد والعدل والشرائع والسنن وغير ذلك، فيكون الثاني مشتملا على الأول، ويجوز أن تكون «أن» بدلا من «القسط»، في موضع خفض على بدل الشيء من الشيء، وهو هو، لأن «القسط» العدل، والعدل هو الإسلام، والإسلام هو العدل.
«١٢» ووجه القراءة بالكسر أنه على الابتداء والاستئناف، لأن الكلام قد تمّ عند قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾، ثم استأنف وابتدأ بخبر آخر، فكسر «إن» لذلك، وهذا أبلغ في التأكيد والمدح والثناء، وهو الاختيار، لإجماع القراء عليه، ولتمام الكلام قبله، ولأنه أبلغ في التأكيد (^١).
«١٣» قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ قرأه حمزة «يقاتلون» بالألف [من القتال] (^٢) وقرأ الباقون بغير ألف، من القتل.
«١٤» وحجة من جعله من القتل أنه عطفه على قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ فقد أخبر عنهم بقتلهم للأنبياء، فقتل من (^٣) هو دون الأنبياء أسهل عليهم، في
_________________
(١) معاني القرآن ١/ ١٤٤، وتفسير الطبري ٦/ ٢٨٦، وإيضاح الوقف والابتداء ٥٧٢، وزاد المسير ١/ ٣٦٢، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٥٤، وتفسير النسفي ١/ ١٤٩، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٨ /ب، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٣٣ /أ.
(٢) تكملة موضحة من: ص.
(٣) ص: «فقتلهم لمن».
[ ١ / ٣٣٨ ]
كفرهم. ومن تجرأ على قتل نبي فهو أجرأ على قتل من هو دون النبي من المؤمنين، فحمل آخر الكلام على أوله في الإخبار بالقتل عنهم.
«١٥» ووجه القراءة بالألف في حرف ابن مسعود «وقاتلوا الذين يأمرون بالقسط»، فأخبر عنهم بالمقاتلة لا بالقتل على أن القتل أكثر ما يكون بالمقاتلة فأخبر عنهم بالسبب الذي يكون منه القتل، وقراءة الجماعة بغير ألف أولى لينتظم آخر الكلام بأوله، ولأنه إجماع (^١).
«١٦» قوله: (الميت، وميت) (^٢) قرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي في ذلك بالتشديد، إذا كان الموت قد نزل، وخفّف الباقون. وتفرّد نافع بالتشديد في ثلاثة مواضع: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا﴾ «الأنعام ١٢٢» و﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ «يس ٣٣» و﴿لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ «الحجرات ١٢».
وكلّهم شدد ما لم يمت، نحو ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ «الزمر ٣٠». وخفّف ما هو نعت لما فيه هاء التأنيث، نحو: (بلدة ميتا)، القراءتان لغتان فاشيتان، والأصل التشديد، والتخفيف فرع فيه، لاستثقال التشديد للياء، والكسر على الياء.
وأصله عند البصريين «ميوت» على «فيعل»، ثم قلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء التي قبلها. والمحذوف في قراءة من (^٣) خفّف هي الواو، التي قلبت ياء، وهي عين الفعل، كما قالوا: هاير وهار، وساير (^٤) وسار، فغيروا العين، وحذفوها بعد القلب في موضع لام الفعل. وقال الكوفيون: أصل «ميت» «مويت» على «فعيل»، ثم أدغموا الواو في الياء، فقلبت ياء للإدغام، ويلزمهم أن يفعلوا هذا في: طويل وعويل، وذلك لا يجوز. والاختيار التخفيف، لأنه أخفّ، ولكثرته في الاستعمال. والتثقيل هو الأصل. فأما من خفّف بعضا
_________________
(١) التبصرة ٥٩ /أ، والتيسير ٨٧، والنشر ٢/ ٢٣١، وزاد المسير ١/ ٣٦٥، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٥٥، وتفسير النسفي ١/ ١٥٠
(٢) ص: «ونحوه»، والحرف الآخر في سورة الأعراف (آ ٥٧).
(٣) ص: «والمحذوف عند من».
(٤) ب: «بمعنى ساير» وتصويبه من: ص.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وشدّد بعضا فإنه جمع بين اللغتين، لاشتهارهما، مع نقله ذلك عن أئمته، وعلى ذلك أجمعوا على التشديد، فيما لم يمت، للجمع بين اللغتين. والتخفيف فيما مات، وما لم يمت جائز، وكذلك التخفيف والتشديد في «بلدة ميتا» يجوز (^١).
«١٧» قوله: ﴿بِما وَضَعَتْ﴾ قرأه أبو بكر وابن عامر بضم التاء، وإسكان العين، وقرأ الباقون بفتح العين، وإسكان التاء.
«١٨» وحجة من ضمّ التاء أنه جعله من كلام أم مريم، لاتصال كلامها بما بعد ذلك، وما قبله في قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى﴾ وقولها: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى﴾، وقولها: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾، وقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ﴾، فكله من كلام أم مريم، فحمل وسط الكلام على أوله وعلى آخره، وذلك حسن في المطابقة والمجانسة، كما تقول: ربي قد أذنبت وأنتم أعلم بذلك، على طريق التسليم والخضوع. وفي القراءة بضم التاء معنى التعظيم لله، والخضوع والتنزيه له، أن يخفى عليه شيء، كأن أمّ مريم لمّا قالت ربّ إني وضعتها أنثى، أرادت أن تعظم الله، وتنزّهه عن (^٢) أن يخفى عليه شيء (^٢) فقالت: والله أعلم بما وضعت، لا يحتاج إلى أن تخبره بذلك، ولم تقل ذلك على طريق الإخبار، لأن علم الله بكل شيء قد تقرّر في أنفس المؤمنين، وإنما قالته على طريق التعظيم، والتنزيه لله، وذكره بما هو أهله.
«١٩» وحجة من قرأ بإسكان التاء أنه جعله من الله جلّ ذكره، والمعنى:
أن الله أعلمنا عن طريق التثبّت لنا، وقال: والله أعلم بما وضعت أمّ مريم، قالته أو لم تقله، ويقوّي ذلك أنه لو كان من قول أم مريم لكان وجه الكلام: وأنت أعلم بما وضعت، لأنها نادته في أول الكلام في قولها: «رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها»،
_________________
(١) كتاب سيبويه ٢/ ١٤٣، والإنصاف في مسائل الخلاف ٤٢٣، والحجة في القراءات السبع ٨٣، وزاد المسير ١/ ٣٦٩، وتفسير النسفي ١/ ١٥٢
(٢) ب: «على»، وقوله: «كان أم … شيء» سقط من: ص. فوجهته بما يلزم.
[ ١ / ٣٤٠ ]
والمنادي مخاطب، فلمّا قال: والله أعلم، كان الإخبار عن نفسه أولى، فقال:
وضعت، وبه قرأ ابن عباس والحسن وغيرهما (^١).
«٢٠» قوله: ﴿كَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ قرأه الكوفيون بالتشديد، وخفّف الباقون، وقرأ حفص وحمزة والكسائي «زكريا» بغير مدّ، ولاهمز، ومدّه الباقون وهمزوه (^٢).
«٢١» وحجة من شدّد أنه أضاف الفعل إلى الله جل وعز في قوله:
﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها﴾ ﴿وَأَنْبَتَها﴾، فأخبر عن نفسه تعالى بما فعل بها، كذلك يجري «كفّلها» على ذلك، يخبر عن نفسه بأنه كفّلها زكريا أي (^٣) ألزمه كفالتها، وقدّر ذلك عليه، ويسّره له، فيكون «زكريا» المفعول الثاني ل «كفّلها»، لأنه بالتشديد، يتعدّى إلى مفعولين، ويقوّي التشديد أن في مصحف أبيّ «وأكفلها»، والهمزة كالتشديد في التعدّي.
«٢٢» وحجة من خفّف أنه أسند الفعل إلى زكريا، فأخبر الله عنه أنه هو الذي (^٤) تولّى كفالتها، والقيام بها، بدلالة قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ «٤٤» فأخبر عنهم أنهم تنازعوا في كفالتها، وتشاجروا (^٥) في في الدّين، حتى رموا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي، واستهموا بها على كفالة مريم، فخرج قلم زكريا بإذن الله وقدرته، فكفلها زكريا. فالفعل مسند إليه، فيجب تخفيف «كفلها» لذلك، وهو الاختيار، لأن التشديد يرجع إلى
_________________
(١) تفسير الطبري ٦/ ٣٣٥، ومعاني القرآن ١/ ٢٠٧، وإيضاح الوقف والابتداء ٥٧٥، والحجة في القراءات السبع ٨٣، وزاد المسير ١/ ٣٧٧، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٥٩، وتفسير النسفي ١/ ١٥٤، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٣٤ /ب.
(٢) ب: «وهمزة»، ص: «ومده الباقون»، فوجهته بما أثبته.
(٣) ب: «ان» وتصويبه من: ص.
(٤) قوله: «انه هو الذي» سقط من: ص.
(٥) ب: «وتشاجوا» وتوجيهه من: ص.
[ ١ / ٣٤١ ]
التخفيف، لأن الله إذا كفّلها زكريا بأمر الله له، ولأن زكريا إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته وإرادته. فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان (^١). فأما مدّ «زكريا» وقصره فلغتان للعرب مشهورتان، وهمزة «زكريا» للتأنيث، وكذلك الألف للتأنيث، في قراءة من قصره. وقرأ أبو بكر بنصب «زكريا»، لأنه يقرأ «وكفّلها» بالتشديد، فتعدّى الفعل إلى مفعولين: إلى (^٢) المضمر وإلى زكريا، فينصبه، ولا يلزم ذلك من قرأ بالتخفيف، لأن الفعل مع التخفيف إنما يتعدّى إلى مفعول واحد، وهو الضمير العائد على مريم، وزكريا مع التخفيف فاعل، ومع التشديد مفعول به (^٣).
«٢٣» قوله: ﴿فَنادَتْهُ﴾ (^٤) قرأه حمزة والكسائي بألف على التذكير، ويميلانها (^٥)، لأن أصلها الياء، ولأنها رابعة. وقرأ الباقون بالتاء على لفظ التأنيث.
«٢٤» وحجة من قرأ بالألف أنه ذكّر على المعنى، وقد أجمعوا على التذكير في قوله: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ «يوسف ٣٠». وقد قيل: إنما نادى جبريل وحده، فالمعنى فناداه الملك، فلا وجه للتأنيث على هذا التفسير. وأيضا فقد اختار قوم الألف، لئلا يوافق التأنيث دعوى الكفار في الملائكة. وأيضا فإن الملائكة والملائك واحد (^٦). وأيضا فقد فرّق بين المؤنث وفعله بالهاء، فقوي التذكير.
«٢٥» وحجة من قرأ بالتاء أنه أنّث لتأنيث الجماعة التي بعدها في قوله:
(الملائكة)، والجماعة ممّن يعقل في التكسير، يجري في التأنيث مجرى ما لا
_________________
(١) ص: «متداخلتان يقرب بعضها من بعض».
(٢) ص: «إلى الهاء والألف وهما المضمر».
(٣) زاد المسير ١/ ٣٧٨، وتفسير النسفي ١/ ١٥٥
(٤) سيأتي في سورة الأنعام، الفقرة «٩٠»، وسيأتي له نظائر في سورة الأنفال، الفقرة «١٢»، والنحل، الفقرة «١١»، والمعارج، الفقرة «٣».
(٥) ص: «وهما يميلانه».
(٦) القاموس المحيط «ملك».
[ ١ / ٣٤٢ ]
يعقل. تقول: هي الرجال، وهي الجذوع، وهي الجمال، وقالت الأعراب.
ويقوي ذلك قوله: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ﴾ «آل عمران ٤٥». وقد ذكر في موضع آخر فقال: ﴿وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ «الأنعام ٩٣» وهذا إجماع. وقال:
﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ﴾ «الرعد ٢٣» فتأنيث هذا الجمع وتذكيره جائزان حسنان (^١).
«٢٦» قوله: ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قرأه حمزة وابن عامر بكسر «إن»، وقرأ الباقون بالفتح. فمن فتح قدّر حرف الجر محذوفا، ف «أن» في موضع نصب بحذف حرف الجر، ومذهب الخليل أنها في موضع جر على إعمال حرف الجر، عمل محذوفا لكثرة حذفه مع «أن»، وعلى [ذلك] (^٢) أجاز سيبويه:
«الله لقد كان ذلك» (^٣)، فخفض وأعمل حرف الجر، وهو محذوف لكثرة حذفه في القسم، تقديره: فنادته الملائكة بأن الله. ومن كسر «إن» أجرى النداء مجرى القول، فكسر «إن» بعده، كما تكسر بعد القول، ويجوز أن يكون أضمر القول بعد «فنادته» «فقالت إن الله»، ويقوي الكسر أن في حرف عبد الله: «فنادته الملائكة يا زكريا إن الله». وفتح «أن» على هذه القراءة لا يجوز لأن «نادى» قد استوفى مفعوليه، أحدهما الضمير والثاني المنادى، فلا يتعدّى لثالث بحرف ولا بغير حرف، فلا بدّ من الكسر، وهو الاختيار لأن أكثر القراء عليه، ولصحة معناه، وقوة وجهه.
«٢٧» قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ (^٤) قرأ حمزة بالتخفيف في كل القرآن، إلا في ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ «الحجر ٥٤» ووافقه الكسائي على التخفيف في خمسة مواضع:
في آل عمران موضعان وفي سبحان موضع وفي الكهف موضع وفي الشورى
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ٨٤، وزاد المسير ١/ ٣٨١، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٦٠، وتفسير النسفي ١/ ١٥٦
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) كتاب سيبويه ٢/ ١٦٧، ومجالس ثعلب ٣٢٣
(٤) سيأتي في سورة الإسراء الفقرة «١٧».
[ ١ / ٣٤٣ ]
موضع (^١)، وشدّد ذلك الباقون، غير أن أبا عمرو وابن كثير خفّفا الذي في الشورى خاصة. والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان، يقال: بشر يبشر، وبشّر يبشّر مبشّرا وبشورا. وأنكر أبو حاتم التخفيف، وقال: لا نعرف فيه أصلا يعتمد عليه، وهي لغة مشهورة. وأكثر ما وقع في القرآن، ممّا أجمع عليه التشديد نحو: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ. الَّذِينَ﴾ «الزمر ١٧، ١٨» و﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ «يس ١١» ومثله كثير بالتشديد، وفيه لغة ثالثة وهي «أبشر» قال الله جلّ ذكره: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ «فصّلت ٣٠» (^٢).
«٢٨» قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ «٤٨» قرأ نافع وعاصم بالياء، وقرأ الباقون بالنون.
«٢٩» وحجة من قرأ بالياء أنه ردّه على لفظ الغيبة التي قبله في قوله:
﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ﴾ أي: يبشرك بعيسى، ويعلّمه الكتاب. وأيضا فإن قبله:
﴿كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ «٤٧»، وقوله: ﴿إِذا قَضى أَمْرًا﴾، فكلّه بلفظ الغيبة، فجرى «ويعلمه» على ذلك.
«٣٠» وحجة من قرأ بالنون أنه حمله على الإخبار لها من الله عن نفسه (^٣) أنه يعلّمه الكتاب، وحسن ذلك، لأن قبله إخبارا من الله عن نفسه، في قوله تعالى ﴿قالَ كَذلِكِ اللهُ﴾ (^٤).
«٣١» قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ «٤٩» قرأه نافع بالكسر، وفتح الباقون.
فمن فتح جعل الكلام متصلا، فأبدل «أن» من «آية» فصار التقدير: جئتكم بأني أخلق، ف «أن» في موضع خفض، وهو بدل الشيء من الشيء، وهو هو.
ومن كسر جعل الكلام مستأنفا، مبتدأ به، فكسر «أن»، ويجوز أن تكون «أن»
_________________
(١) وهي على ترتيبها (آ ٣٩، ٤٥، ٩، ٢، ٢٣).
(٢) التبصرة ٥٩ /أ - ب، وأدب الكاتب ٣٥٤، والقاموس المحيط «بشر».
(٣) ص: «نفسه بنون العظمة».
(٤) مرّ له نظير في سورة البقرة الفقرة «١٩١» وسيأتي في سورة النساء، الفقرة «٧٧» وانظر التبصرة ٥٩ /ب، والتيسير ٨٨، والحجة في القراءات السبع ٨٥، وزاد المسير ١/ ٣٩١، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٦٤، وتفسير النسفي ١/ ١٥٨
[ ١ / ٣٤٤ ]
وما بعدها تفسيرا لما قبلها، فيكون في المعنى بمنزلة من فتح، وأبدل من «آية» وتكون بمنزلة قوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم فسّر الوعد فقال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ «المائدة ٩»، وبمنزلة قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾، ثم فسّر التمثيل بينهما فقال: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾ «آل عمران ٥٩»، والاختيار الفتح، لاجتماع القراء عليه، ولصحة معناه (^١).
«٣٢» قوله: ﴿طَيْرًا﴾ قرأ نافع بألف ومثله في المائدة (^٢)، وقرأهما الباقون بغير ألف.
«٣٣» وحجة من قرأه بغير ألف أنه ردّه على قوله: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾، ولم يقل: كهيئة الطائر، فأجرى الآخر على لفظ الأول، ومعناه الجمع.
«٣٤» وحجة من قرأ بالألف أنه أجراه على التوحيد: (فأنفخ) في الواحد منها فيكون طائرا، على تقدير: فيكون ما أنفخ فيه طائرا، أو فيكون ما أخلقه طائرا، أو فيكون كل واحد من المخلوق طائرا (^٣).
«٣٥» قوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ (^٤) قرأه حفص بالياء، وقرأ الباقون بالنون.
«٣٦» وحجة من قرأ بالنون أنه حمله على الإخبار عن الله جلّ ذكره، ولأن قبله إخبارا عنه، وأيضا في قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ «٥٦». والنون في الإخبار كالهمزة في الإخبار، وأيضا فإن بعده إخبارا أيضا في قوله: (تتلوه) «٥٨» فحمل الكلام على نظام واحد أوسطه كأوله وآخره، وهو الاختيار، لإجماع القراء عليه، ولما ذكرنا من تطابق الكلام وتجانسه.
«٣٧» وحجة من قرأ بالياء أنه حمله أيضا على ما قبله من لفظ الغيبة، في قوله: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ «٥٥» (^٥).
_________________
(١) معاني القرآن ١/ ٢١٦، وتفسير الطبري ٦/ ٤٣٨، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ١٩ /أ، والنشر ٢/ ٢٣٢، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٣٥ /ب.
(٢) هو الحرف (آ ١١٠)، وانظره في السورة المذكورة، الفقرة «٤٢».
(٣) زاد المسير ١/ ٣٩٢، وتفسير النسفي ١/ ١٥٩
(٤) سيأتي في سورة الأحقاف الفقرة «٧».
(٥) زاد المسير ١/ ٣٩٧، وتفسير النسفي ١/ ١٦٠
[ ١ / ٣٤٥ ]
«٣٨» قوله: ﴿ها أَنْتُمْ﴾ (^١) قرأ قنبل بهمزة مفتوحة، من غير مدّ، وقرأ نافع وأبو عمرو بالمدّ، من غير همز، وقرأ الباقون بالمدّ والهمز، لكن البزّي أنقص مدا من غيره.
«٣٩» والحجة في قراءة قنبل أن أصله عنده «أأنتم» بهمزتين مفتوحتين، ثم أبدل من الهمزة الأولى «هاء» كما قالوا: أرقت الماء وهرقته، وترك الثانية على تحقيقها.
«٤٠» وحجة من مدّ بغير همز أن أصله عنده «أأنتم» بهمزتين مفتوحتين ثم أبدل من الأولى «هاء»، وليّن الثانية بين بين، فأدخل بين الهاء والهمزة الملينة ألفا [على مذهب قالون وأبي عمرو، وعلى مذهب ورش لا يدخل بينهما ألفا إلا] (^٢) على رواية ورش عنه، قد ذكرناها (^٣). وفعل أبو عمرو وقالون ذلك للفصل بين الهمزتين، لأن الأولى مقدرة منوية، كما فعل في «أئذا، وأئنا»، وكما أدخلت الألف بين النونات في «اخشينان»، إذا أمرت جماعة المؤنث، وحسن إدخال الألف، وإن كانت الهمزة الأولى قد تغيرت بالبدل، لأن البدل في حكم المبدل منه، فالأصل منوي مراد، ألا ترى أنك لو سمّيت ب «هريق» لم تصرفه، كما لا تصرف مع الهمزة، فالحكم للأصل وقد قال الأخفش، لو سمّيت رجلا ب «أصيلال» لم تصرفه، لأن اللام في حكم النون، التي اللام بدل منها، فهو (^٤) ك «عثمان» والنون مقدرة منوية لأنه الأصل، فكذلك هذا، لمّا كانت الهمزة هي الأصل، جرى الحكم على الأصل، فأدخلت بين الهاء وهمزة بين بين ألفا، كما تفعل مع الهمزة، ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن يكون أصله «أنتم» دخلت عليه «ها» التي للتنبيه، ثم خفّفت همزة «أنتم» بين بين، فعلى هذا القول يترك مدّه أبو عمرو، في رواية الرّقيين، والحلواني عن قالون، لأنهما كلمتان، وحسن
_________________
(١) سيأتي في سورة محمد ﷺ، الفقرة «٤».
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) راجع «باب علة الاختلاف في الوقف على الهمز» الفقرتين «٧، ٨».
(٤) لفظ «فهو» سقط من: ص.
[ ١ / ٣٤٦ ]
تخفيف همزة «أنتم» بعد ألف «ها» لأن الألف يقع بعدها الساكن، فأحرى أن يقع بعدها ما يقرب من الساكن، وهو همزة بين بين. ولا يحسن أن يقدّر البدل في الهمزة الثانية، في قراءة ورش، لئلا يجتمع ألفان، على أن يجعلها هاء، دخلت على «أأنتم». فإن قدّرت الهاء بدلا جاز أن تقدر لورش البدل في الثانية.
كما جاز ذلك له في «أأنذرتهم» ونحوه، وبين بين أقوى في العربية (^١). في ذلك كلّه لورش.
«٤١» وحجة من قرأ بالمد والهمز أن أصله عنده «أنتم» دخلت عليه «ها» التي للتنبيه، وبقيت همزة «أنتم» محققة، [على أصلها، ولا يمدها البزي لأنها من كلمتين، ويجوز أن يكون أصله] (^٢) «أاأنتم» بهمزتين محققتين، بينهما ألف، للفصل بين الهمزتين، ثم يبدل من الهمزة الأولى «ها»، فتتصل ألف الفصل بالهاء، وفيه بعد، إن حملت قراءة البزّي على هذا، لأنه ليس من أصله أن يدخل بين الهمزتين ألفا. والوجه الأول أولى بقراءة البزّي، وعلى ذلك تحمل قراءة الكوفيين وابن عامر، إلا هشاما فإنه قد (^٣) يدخل بين الهمزتين ألفا، في غير هذا، فيجوز أن يحمل هذا على أصله في غيره، فتحمل قراءته على الوجه الثاني. والاختيار ما عليه الجماعة، من المدّ والهمز، وهو وجه الكلام وعليه المعنى (^٤).
«٤٢» قوله: (أن يؤتى) قرأه ابن كثير بالمدّ، ولم يمد الباقون.
«٤٣» وحجة من مدّه أنه أدخل ألف الاستفهام على «أن»، ليؤكد الإنكار الذي قالوه، يأنه لا يؤتي أحد مثل ما أوتوا، لأن علماء اليهود قالت لعامتهم:
لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أي: لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. و«أن» في موضع رفع على قول من رفع في قولك: أزيد
_________________
(١) ب: «والعربية» وتصويبه من: ص.
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) لفظ «قد» سقط من: ص.
(٤) زاد المسير ١/ ٤٠٣، وتفسير النسفي ١/ ١٦٣، وكتاب سيبويه ١/ ٤٤٥.
[ ١ / ٣٤٧ ]
ضربته، والخبر محذوف، تقديره: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم تصدّقون أو تقرّون، ونحوه، أي: لا تصدّقوا بذلك. ويحسن أن تكون «أن» في موضع نصب على إضمار فعل، كما جاز في قولك: أزيدا ضربته، فهو أقوى في العربية، لأن الاستفهام بالفعل أولى لأنك عنه تستفهم. لست تستفهم عن شخص زيد إنما تستفهم عن الفعل، هل وقع بزيد. فالفعل: مع حرف الاستفهام مضمر، فهو أولى بالعمل، فيجب أن يختار النصب، ومثله الأمر والنهي وشبهه، ممّا (^١) هو أولى بالفعل، ويكون الإضمار بين الألف وبين الفعل، تقديره: أتقرون أن يؤتى، أو أتشيعون ذلك، أو أتذكرون ذلك، ونحوه.
«٤٤» وحجة من لم يمدّ أن النفي الأول، دلّ على إنكارهم في قولهم:
ولا تؤمنوا فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم: لا تصدّقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. و«أن» في موضع جر على قول الخليل بالخافض المحذوف، وفي موضع نصب على قول غيره، لعدم الخافض، تقديره: لا تصدقوا بأن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم، واللام في «لمن» متعلقة ب «تؤمنوا»، على أن تحمل «تؤمنوا» على معنى: تقروا، فيتعدّى إلى مفعولين بحرفين، فإن لم تقدّر ذلك لم تتعلق اللام ب «تؤمنوا»، لأنه لا يتعدّى إلى مفعولين بحرفين، ويتعدّى «تقرون» (^٢) بحرفين، تقول: أقررت لزيد بمال، ولا تقول ذلك في «تؤمنوا» إلا على أن تجعله بمعنى «تقروا». والاختيار ترك المدّ، لأن الجماعة عليه، ولأن المعنى في الإنكار يقوم بغير زيادة ألف، لأن «لا» تغني عن الألف (^٣).
***
_________________
(١) ب: «ما» وتوجيهه من: ص.
(٢) قوله: «بحرفين … تقرون» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
(٣) التيسير ٨٩، والنشر ١/ ٣٦١، والحجة في القراءات السبع ٨٦، وإيضاح الوقف والإبتداء ٥٧٨، وزاد المسير ١/ ٤٠٧، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٧٣، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٣٦ /ب.
[ ١ / ٣٤٨ ]