مكية سوى آيتين في قول ابن عباس نزلتا في المدينة
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا﴾ إلى آخر الآيتين «٢٨ - ٢٩» وهي أربع وخمسون آية في المدني، واثنتان وخمسون في الكوفي.
«١» قوله: ﴿اللهِ الَّذِي﴾ قرأه نافع وابن عامر على الاستئناف، فرفعاه بالابتداء، والخبر «الذي» وما بعده، وإن شئت جعلت «الذي» وصلته صفة ل «الله» وأضمرت الخبر. وقرأ الباقون بالخفض على البدل من «العزيز» (^١). واختار أبو عبيد الخفض، ليتصل بعض الكلام ببعض، وتعقّب عليه ابن قتيبة، فاختار الرفع، لأن الآية الأولى قد انقضت، ثم استؤنف بآية أخرى، فحقّه الابتداء، لأن الآية الأولى تتابعت بتمامها، وكذلك اختلفا في الاختيار في: ﴿عالِمِ الْغَيْبِ﴾ في سورة المؤمنين «٩٢» (^٢).
«٢» قوله: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ قرأه حمزة والكسائي «خالق» على وزن «فاعل»، و«الأرض» بالخفض عطف على «السموات» لأن كسر التاء في هذه القراءة علم الخفض، لإضافة «خالق» إلى ما بعده، وحسن ذلك لأن «فاعلا» يأتي بمعنى الماضي، كما قال: (فاطر السموات) «١٠» فهو أمر قد كان، فلا يجوز فيه إلا (^٣) الإضافة، لأنه أمر معهود معروف.
وقرأ الباقون «خلق» على [وزن] (^٤) «فعل» ونصبوا «الأرض» عطفا على «السماوات» لأن كسرة التاء فيه علم النصب، فأتوا بلفظ الماضي، لأنه أمر' ‘قد كان، وقد فرغ منه، فالفعل أولى به من الاسم، لأن الاسم يشترك في
_________________
(١) قوله: «وقرأ الباقون … العزيز» سقط من: ص.
(٢) سيأتي ذكره فيها، الفقرة «١٧»، وانظر معاني القرآن ٢/ ٦٧، والتبصرة ٨٠ /ب، والتيسير ١٣٤، وإيضاح الوقف والابتداء ٧٣٩، والنشر ٢/ ٢٨٧، والحجة في القراءات السبع ١٧٧، وزاد المسير ٤/ ٣٤٤، وتفسير القرطبي ٩/ ٣٣٩، وتفسير ابن كثير ٢/ ٥٢٢، وتفسير النسفي ٢/ ٢٥٤، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٥ /أ، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٧٤ /ب.
(٣) لفظ «إلا» سقط من: ص.
(٤) تكملة موضحة من: ر.
[ ٢ / ٢٥ ]
لفظه الماضي والمستقبل والحال، وإنما يخلص للماضي بالدلائل، والفعل بلفظه يدل على الماضي. وانتصب الاسمان بعده (^١) بالفعل، وهو الاختيار (^٢).
«٣» قوله: ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ قرأه حمزة وحده بكسر الياء، كأنه قدّر الزيادة على الياءين كما زيدت الياء (^٣) في الهاء في «به»، وذلك هو الأصل.
ولكنه مرفوض غير مستعمل لثقل الياءين، والكسرة قبلهما، والكسرة بينهما، فلمّا قدّر الياء مزيدة (^٤) على الياء التي للإضافة، حذفها استخفافا، لاجتماع ياءين وكسرتين، إحداهما على ياء [الإضافة] (^٥)، فلمّا حذف الياء المزيدة بقيت الكسرة، تدل عليها، كما تحذف الياء في «عليه، وبه»، وتبقى الكسرة تدلّ عليها، وكما تحذف الياء في «يا غلامي»، لأن الكسرة تدلّ عليها، فهذه الفراءة جارية على ما كان يجب في الأصل، لكنه أمر لا يستعمل إلا في شعر، وقد عدّ هذه القراءة بعض الناس لحنا، وليست بلحن، إنّما هي مستعملة، وقد قال قطرب: إنها لغة في بني يربوع (^٦) يزيدون على ياء الإضافة ياء (^٧)، وأنشد هو وغيره شاهدا على ذلك:
ماض إذا ما همّ بالمضيّ … قال لها هل لك يا تافيّ (^٨)
وقرأ الباقون بفتح الياء، وهو الأمر المشهور المستعمل الفاشي في اللغة، وهو الاختيار لأن الجماعة عليه، ولأنه المعمول به في الكلام. وعلة ذلك أن ياء الجمع
_________________
(١) ب: «بعد» ورجحت ما في: ص، ر.
(٢) إيضاح الوقف والابتداء ٧٤٠، والحجة في القراءات السبع ١٧٨، وتفسير النسفي ٢/ ٢٥٨.
(٣) قوله: «كما زيدت الياء» سقط من: ص.
(٤) ب: «مزيد» وتصويبه من: ص، ر.
(٥) تكملة لازمة من: ص.
(٦) هو يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وبنوه هم: رياح وثعلبة والحارث وعمرو وصبير، وكانوا يسمون الأحمال، وكليب وغدانة والعنبر وكانوا يسمّون العقداء لأنهم تعاقدوا على بني أخيهم رياح، وصار الأحمال مع بني رياح، انظر جمهرة أنساب العرب ٢٢٤، والاشتقاق ٢٢١.
(٧) كتاب سيبويه ١/ ٣٧١.
(٨) الشاهد للأغلب العجلي، يخاطب أمرأة فيما إذا كانت ترغب فيه فتردّ عليه بقولها على لسانه: قالت له ما أنت بالمرضيّ. -
[ ٢ / ٢٦ ]
أدغمت في ياء الإضافة وهي مفتوحة، فبقيت على فتحتها، ويجوز أن يكون قد أدغمت في ياء إضافة، وهي ساكنة، ففتحت لالتقاء الساكنين. وكان الفتح أولى بها، لأنه أصلها، فردّت إلى أصلها عند الحاجة إلى حركتها. وأيضا فإن الفتح في الياء أخفّ من الكسر، والضمّ عليها، وقد تقدّم ذكر «الريح وليضلوا، ولا بيع فيه ولا خلال» وشبهه (^١) ممّا أغنى ذلك عن الإعادة (^٢).
«٤» قوله: ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ﴾ قرأه الكسائي بفتح اللام الأولى، ورفع الثانية، وقرأ الباقون بكسر اللام الأولى، ونصب الثانية.
وحجة من فتح اللام الأولى، وضم الثانية، أنه جعل «إن» في قوله: ﴿وَإِنْ كانَ﴾ مخفّفة من الثقيلة، وجعل اللام الأولى لام توكيد، دخلت لتوكيد الخبر، كما دخلت «إن» لتوكيد الجملة، والفعل مع لام التوكيد مرفوع على أصله، إذ لا ناصب معه ولا جازم، والهاء مضمرة مع «إن»، تقديره: وإنه كان مكرهم لتزول منه الجبال، يعني أمر النبي ﵇. والتقدير: مثل الجبال في القوة والثبات. فمعنى هذه القراءة أن الله جل ذكره عظّم مكرهم، كما قال:
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ «نوح ٢٢»، وقال: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا﴾ «مريم ٩٠ - ٩١» وفي مصحف أبيّ ما يدلّ على هذه القراءة، روي أنّ فيه هذه (^٣) الآية:
«و﴿مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾ ولولا كلمة الله لزال من مكرهم الجبال» وروي عن عمر وعلي وابن مسعود أنهم قرؤوا: «وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال»
_________________
(١) = وموضع الشاهد هو كسر ياء حرف الجر «فيّ» وذكر أبو العلاء المعري أنه سمع في أشعار المحدثين «إليّ وعليّ» ونحوه، وضعّفه ورككه، انظر رسالة الغفران ٤٥٦، ومعاني القرآن ٢/ ٧٦، وخزانة الأدب ٢/ ٢٥٧، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٣٣ /أ.
(٢) راجع سورة البقرة، الفقرة «٨٨ - ٩٠»، «١٦٣ - ١٦٥» وسيأتي هذا أيضا في سورة الطور، الفقرة «٤»، وسورة الأنعام، الفقرة «٦٣ - ٦٤»، وسيأتي هذا أيضا في سورة الحج، الفقرة «١٦».
(٣) التبصرة ٨١ /أ، وزاد المسير ٤/ ٣٥٧، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٣٢ /أ، وتفسير النسفي ٢/ ٢٦٠.
(٤) ص: «في هذه».
[ ٢ / ٢٧ ]
«تكاد» فهذا دليل على تعظيم مكرهم، لأن «كاد» في كلام العرب تكون لمقاربة الفعل، وربما وقعت لوجوبه.
«٥» وحجة من كسر اللام الأولى وفتح الثانية أنه جعل «إن» بمعنى «ما»، وجعل اللام الأولى لام نفي، لوقوعها بعد نفي، ونصب الفعل بها، والتقدير: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، كما قال تعالى ذكره: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «آل عمران ١٧٩» ومعنى هذه القراءة تصغير مكرهم وتحقيره، أي: لم يكن مكرهم ليزيل الجبال، والجبال يراد بها ما ثبت من الحق والدين والقرآن (^١). أي: لم يكن مكرهم ليذهب (^٢) به الحق، والضمير في «مكرهم» قيل هو لقريش، وقيل لمن تقدّم بالعتوّ والكفر من الجبابرة الماضية، وكسر اللام الاختيار، لأنه أبين في المعنى، ولأن الجماعة عليه (^٣).
«٦» فيها أربع ياءات إضافة من ذلك:
(بمصرخيّ) «٢٢» وقد مضى ذكره. ومن ذلك:
(لي عليكم) «٢٢» فتحها حفص.
(قل لعبادي الذين) «٣١» أسكنها ابن عامر وحمزة والكسائي.
(إني أسكنت) «٣٧» فتحها الحرميان وأبو عمرو.
فيها ثلاث زوائد:
(وعيد) «١٤» أثبتها ورش في الوصل خاصة.
(أشركتمون) «٢٢» أثبتها أبو عمرو في الوصل خاصة.
(دعاء) «٤٠» أثبتها البزّي في الوصل والوقف، وأثبتها ورش وأبو عمرو وحمزة في الوصل خاصة (^٤).
_________________
(١) قوله: «أي لم يكن … والقرآن» سقط من: ص.
(٢) ب: «ليثبت» وتصويبه من: ص، ر. ولو كانت العبارة «ليذهب بالحق» لكان أوضح.
(٣) التيسير ١٣٥، والنشر ٢/ ٢٨٩، والحجة في القراءات السبع ١٧٩، وزاد المسير ٤/ ٣٧٤، وتفسير ابن كثير ٢/ ٥٤٢، وتفسير النسفي ٢/ ٢٦٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٥ /ب، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٣٤ /ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٧٥ /ب.
(٤) التبصرة ٨١ /ب، والتيسير ١٣٥، والنشر ٢/ ٢٨٩، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٦ /أ.
[ ٢ / ٢٨ ]