سورة (^١) الأعراف مكية الا آية نزلت بالمدينة في قول قتادة قوله:
﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ «١٦٣» الآية، وهي مائتا آية وست آيات في المدني والكوفي
«١» قوله: ﴿ما تَذَكَّرُونَ﴾ قرأه ابن عامر بياء وتاء، وقرأ الباقون بتاء واحدة، وخفّف الذال حفص وحمزة والكسائي، وشدّد الباقون، وقد ذكرنا علّة هذا.
وحجة من قرأ بياء وتاء أنه أخبر عن غيّب، أي: قليلا يا محمد ما يتذكر هؤلاء الذين بعثت إليهم.
«٢» وحجة من قرأ بالتاء أنه ردّه على الخطاب قبله في قوله ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾ (^٢).
«٣» قوله: ﴿وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ قرأ ابن ذكوان وحمزة والكسائي بفتح التاء، وضمّ الراء، ومثله في الزخرف (^٣)، أضافوا الفعل إليهم، لأنهم إذا أخرجوا خرجوا، فهم مفعولون فاعلون في المعنى. وقرأ الباقون بضم التاء، وفتح الراء فيهما، أجروه على ما لم يسم فاعله، لأنهم لا يخرجون حتى يخرجوا (^٤).
«٤» قوله: ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ قرأه (^٥) نافع وابن عامر والكسائي بالنصب ورفعه الباقون.
_________________
(١) ر: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله، سورة».
(٢) راجع سورة البقرة، الفقرة «٤٦ - ٤٧»، وسورة النساء، الفقرة «١».
(٣) حرفها هو: «آ ١١» وسيأتي ذكره في سورته، الفقرة «٢»، وهناك حرف آخر في سورة الجاثية هو: (آ ٣٥) سيأتي ذكره فيها الفقرة «٧».
(٤) التبصرة ٧٠ /أ، والتيسير ١٠٩، والنشر ٢/ ٢٥٨، والحجة في القراءات السبع ١٢٩، وزاد المسير ٣/ ١٨١، وتفسير النسفي ٢/ ٤٩، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٩ /أ، وإيضاح الوقف والابتداء ٦٥٢
(٥) ب، ص: «قرأ» ورجحت ما في: ر.
[ ١ / ٤٦٠ ]
وحجة من نصب أنه عطفه على «لباس» في قوله: ﴿أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا﴾، أي: وأنزلنا لباس التقوى، وقوله: ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ ابتداء وخبر.
«٥» وحجة من قرأ بالرفع أنه استأنفه فرفعه بالابتداء، وجعل «ذلك» صفة له أو بدلا [منه] (^١) أو عطف بيان، و«خير» خبر للباس [والمعنى] (^٢) و«لباس التقوى» خير لصاحبه عند الله، ممّا خلق له من لباس الثياب والريش والرياش، مما يتجمّل به (^٣)، وأضيف «اللباس» إلى «التقوى»، كما أضيف إلى «الجوع» في قوله: ﴿لِباسَ الْجُوعِ﴾ «النحل ١١٢» والرفع أحب إليّ، لأن عليه أكثر القراء، والنصب حسن (^٤)
«٦» قوله: ﴿خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ قرأه نافع بالرفع، ونصب الباقون.
وحجة من رفع أنه جعل «خالصة» خبرا ل «هي» في قوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ﴾ تبيينا للخلوص، أو خبرا بعد خبر، والمعنى: قل الطيبات والزينة خالصة للمؤمنين (^٥) في الآخرة، فأما [في] (^٦) الدنيا فقد شركهم فيها الكفار.
«٧» وحجة من نصب أنه جعل «خالصة» حالا من المضمر في قوله:
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأنه خبر «هي»، فالظرف إذا كان خبرا لمبتدأ (^٧) أو نعتا (^٨) لنكرة أو حالا من معرفة، ففيه ضمير مرفوع، يعود على المخبر عنه، أو على الموصوف،
_________________
(١) تكملة موضحة من: ر.
(٢) تكملة لازمة من: ص، ر.
(٣) ب: «له» وتصويبه من: ص، ر.
(٤) زاد المسير ٣/ ١٨٣، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٠٧، وتفسير غريب القرآن ١٦٦، والنشر ٢/ ٢٥٩
(٥) ب: «للمؤمنين خالصة» وتصويبه من: ص، ر.
(٦) تكملة لازمة من: ر.
(٧) ص: «خبر للمبتدأ».
(٨) ب: «ونعتا» وتوجيهه من: ص، ر.
[ ١ / ٤٦١ ]
أو على صاحب الحال، والنصب أحبّ إليّ، لأنه أتمّ في المعنى، ولأن عليه جماعة القراء، وقد شرحنا إعراب هذه الآية وتعلق اللام من «للذين» في الوجهين وغير ذلك من غريب إعرابها في تفسير مشكل الإعراب (^١).
«٨» قوله: ﴿وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قرأه أبو بكر بالياء، حمل الكلام على لفظ «كل»، ولفظه لفظ غائب، وقرأ الباقون بالتاء، حملوه على معنى ما قبله من الخطاب في لأن قبله (قال لكلّ ضعف) أي: لكلكم ضعف، فحمل (^٢) «تعلمون» على معنى «كل» في الخطاب (^٣).
«٩» قوله: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء مضمومة، لأن تأنيث الأبواب غير حقيقي، ولأنه فرّق بين المؤنث وفعله، وكلا العلتين يجيز التذكير، وقرأ الباقون بالتاء، على تأنيث لفظ الأبواب (^٤)، كما قال: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ «ص ٥٠» وخفّف الفعل أبو عمرو والكسائي وحمزة، على معنى أن التخفيف يقع للمرة والأكثر (^٥)، وقد أجمعوا على التخفيف في قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا﴾ «الحجر ١٤» وشدّد الباقون، على معنى التكرير والتكثير مرة بعد مرة، والتاء أحب إليّ، لتأنيث لفظ الأبواب، والتشديد أحب إليّ لأن عليه الحرميين وعاصما وابن عامر (^٦).
«١٠» قوله: ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ قرأ الكسائي بكسر العين، حيث وقع وفتحها الباقون، وهما لغتان بمعنى العدة إذا استفهمت عن موجب، نحو قولك: أيقوم
_________________
(١) تفسير مشكل إعراب القرآن ٧٩ /ب، وزاد المسير ٣/ ١٨٩، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢١١، وتفسير النسفي ٢/ ٥١
(٢) ص: «فحمل معنى».
(٣) التيسير ١١٠، وزاد المسير ٣/ ١٩٥، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢١٣، وتفسير النسفي ٢/ ٥٣
(٤) ص: «جميع الأبواب».
(٥) ب: «ولا أكثر»، ر: «ولأكثر» وتصويبه من: ص.
(٦) راجع سورة الأنعام، الفقرة «١٩»، وانظر زاد المسير ٣/ ١٩٦، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢١٤، وتفسير غريب القرآن ١٦٧
[ ١ / ٤٦٢ ]
زيد، فتقول: نعم، والتصديق إذا أخبرت عمّا وقع، تقول: قد كان كذا، فتقول: نعم، فإذا استفهمت عن منفي فالجواب «بلى»، ولا يدخل فيه «نعم»، نحو: ألم أكرمك، فتقول: بلى، ف «نعم» لجواب الاستفهام الداخل على الإيجاب، و«بلى» لجواب الاستفهام الداخل على النفي (^١)، ولذلك كان الجواب في قول المؤمنين للكفار: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ ب «نعم»، لأنه استفهام دخل على إيجاب، ولذلك كان الجواب في قول الله تعالى ذكره: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ «الأعراف ١٧٢» ب «بلى» لأنه استفهام دخل على نفي، فاعرفه، فلست تجده مشروحا هكذا، وكان من كسر العين في «نعم» أراد أن يفرق بين «نعم» الذي هو جواب وبين «نعم» الذي هو اسم للإبل والبقر والغنم. وقد روي عن عمر إنكار «نعم» بفتح العين في الجواب، وقال: قل نعم (^٢).
«١١» قوله: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ قرأ البزّي وابن عامر وحمزة والكسائي بتشديد «أنّ» ونصب «اللعنة» ب «أن»، وهو الأصل، وقرأ الباقون بتخفيف «أن» ورفع «اللعنة» بالابتداء، وهي «أن» الثقيلة خفّفت فنقص لفظها عن شبه الفعل، فلم تعمل في اللفظ وعملت في المعنى، فرجع ما بعدها (^٣) إلى أصله، وهو الابتداء، ومع «أن» إضمار القصة بخلاف المكسورة المشددة (^٤)، ل «أن» المفتوحة اسم يحتاج إلى صلة (^٥)، فأضمر بعدها ما يكون هو الابتداء، والخبر في المعنى، وهو القصة والحديث. والمكسورة حرف لا يقتضي صلة، فلم يضمر بعدها ما يكون هو الابتداء والخبر في المعنى.
_________________
(١) قوله: «فنعم لجواب … النفي» سقط من: ص.
(٢) الحجة في القراءات السبع ١٢٩ - ١٣٠، وزاد المسير ٣/ ٢٠٣، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٩ /أ - ب، وتفسير النسفي ٢/ ٥٤، ومغني اللبيب ٣٤٥ - ٣٤٨
(٣) ب: «بعده» وتوجيهه من: ص، ر.
(٤) ب، ر: «المشددة تخفف» وبطرح لفظ «تخفف» وجه العبارة كما في: ص
(٥) ب: «أصله» وتصويبه من: ص، ر.
[ ١ / ٤٦٣ ]
وإنما يضمر مع المكسورة الهاء، وهو اسم مفرد. وما بعد المفتوحة من الابتداء والخبر هو خبرها، وكذلك ما بعد المخففة المكسورة، إلا أن خبر المفتوحة هو اسمها في المعنى، لأن الجملة هي للقصة المضمرة مع المفتوحة والحديث المضمر، وليس كذلك الجملة بعد «إن» المخففة المكسورة (^١)، ليست الجملة التي هي الخبر هي الهاء المضمرة (^٢) مع المكسورة، فاعرف الفرق بينهما، فإنه مشكل معدوم تفسيره (^٣).
«١٢» قوله: ﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾ قرأه ابن عامر بغير واو، استغنى عن حرف العطف لاتصال الجملة الثانية بالأولى في المعنى، وقوّى الحذف أنها في مصحف أهل الشام بغير واو، وقرأ الباقون بالواو، لعطف الجملة على الجملة، وكذلك هي بالواو في سائر المصاحف غير مصحف أهل الشام، وإثبات الواو الاختيار، لأن الجماعة عليه (^٤)، ولأن (^٥) فيه تأكيد ارتباط الجملة الثانية بالأولى (^٦).
«١٣» قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بالتشديد، وخفّف الباقون، ومثله في الرعد (^٧)، وهما لغتان: أغشى وغشّى، وقد أجمعوا على: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ «النجم ٥٤» وأجمعوا على: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾
_________________
(١) قوله: «إلا أن .. المكسورة» سقط من: ص.
(٢) ب: «المضمر» وتصويبه من: ص، ر.
(٣) تفسير مشكل إعراب القرآن ٨١ /أ، والحجة في القراءات السبع ١٣٠، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٩ /ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٥٨ /ب.
(٤) ص: «لأن عليه الجماعة».
(٥) ب، ص: «لأن» وبالعطف وجهه كما في: ر.
(٦) المصاحف ٤٥، وهجاء مصاحف الأمصار ١٧ /ب، والحجة في القراءات السبع ١٣١، وزاد المسير ٣/ ٢٠١.
(٧) الحرف فيها: (آ ٣) وسيأتي فيها بأولها.
[ ١ / ٤٦٤ ]
«يس ٩» فالقراءتان متساويتان، وفي التشديد معنى التكرير والتكثير (^١).
«١٤» قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ﴾ قرأ ذلك ابن عامر بالرفع، في الأربع الكلمات، ونصبهن الباقون، والتاء مكسورة في حال النصب على الأصول.
وحجة من رفع أنه استأنف الكلام وقطعه ممّا قبله، فرفع بالابتداء، وعطف بعض الأسماء على بعض، وجعل «مسخرات» خبرا للابتداء (^٢)، ويقوّي هذا أن الله جل ذكره قد أعلمنا، في غير هذا الموضع، أنه سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض، والشمس والقمر والنجوم هنّ ممّا سخّره لنا، ممّا هو في السماء، فحسن الإخبار عنهن في هذا الموضع، فالتسخير على ذلك.
«١٥» وحجة من نصب أنه عطف ذلك على المنصوب ب «خلق»، وقوى ذلك أن الله جلّ ذكره قد أنبأنا عن الشمس والقمر أنه خلقهما في قوله:
﴿وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ «فصلت ٣٧» فحمل هذا على ذلك، في الإخبار عنهن، بالخلق لهن، وكان الاشتراك بين الجملتين، واتصال بعض الكلام ببعض أقوى، وهو الاختيار، وتكون «مسخرات» حالا على قراءة من نصب (^٣).
«١٦» قوله: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (^٤) قرأه الحرميان وأبو عمرو بنون مضمومة، وضم الشين، ومثلهم ابن عامر، غير أنه أسكن الشين، ومثله حمزة والكسائي، غير أنهما فتحا النون، وقرأ ذلك عاصم بباء مضمومة وإسكان الشين.
وحجة من ضم النون والشين أنه جعله جمع نشور، ونشور بمعنى ناشر، وناشر معناه محيي، كطهور بمعنى طاهر، جعل الريح ناشرة للأرض، أي: محيية لها إذ تأتي بالمطر الذي يكون النبات به، ويجوز أن يكون جمع نشور، ونشور بمعنى منشور، كركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب، كأن الله جلّ
_________________
(١) التبصرة ٧٠ /ب، والنشر ٢/ ٢٦٠، وزاد المسير ٣/ ٢١٣، والنسفي ٢/ ٥٦
(٢) ر: «خبر الابتداء»، وقوله: «وعطف بعض … للابتداء» سقط من: ص.
(٣) زاد المسير ٣/ ٢١٤، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٢١، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٨١ /ب.
(٤) سيأتي نظيره في سورة الفرقان، الفقرة «٦».
[ ١ / ٤٦٥ ]
ذكره أحيا الريح لتأتي بين يدي رحمته، فهي (^١) ريح منشورة أي: محياه، حكى أبو زيد: قد أنشر الله الريح انتشارا إذا بعثها، ويجوز أن يكون «نشرا» جمع ناشر كشاهد وشهد، وقاتل وقتل، على ما تقدّم أن الريح ناشرة للأرض أي:
محيية لها بما تسوق من المطر.
«١٧» وحجة من أسكن الشين وضمّ النون كالحجة فيما قبله، إلا أنه أسكن الشين استخفافا كرسول ورسل وكتاب وكتب، والضم هو الأصل في ذلك كله.
«١٨» وحجة من فتح النون وأسكن الشين أنه جعله مصدرا، وأعمل فيه معنى ما قبله، كأنه قال: وهو الذي نشر الرياح نشرا كقوله: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ «النساء ٢٤» وكقوله: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ﴾ «النمل ٨٨» لأن قوله:
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ يدلّ على نشرها، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال من الرياح، كأنه قال: يرسل الرياح محيية للأرض، كما تقول: أتانا ركضا، أي راكضا، وقد قيل: إن تفسير «نشرا» بالفتح من النشر الذي هو خلاف الطّي، كأنّ الريح في سكونها كالمطوية، ثم ترسل من طيّها ذلك، فتصير كالمتفتحة. وقد فسّره أبو عبيد بمعنى متفرقة في وجوهها، على معنى: تنشرها ههنا وههنا، ويجوز أن يكون المصدر يراد به المفعول، كقولهم: هذا درهم ضرب الأمير، أي: مضروبه. وكقوله: ﴿هذا خَلْقُ﴾ ﴿اللهِ﴾ «لقمان ١١» أي: مخلوقة، فيكون المعنى: يرسل الرياح منشرة، أي محياة، ويكون «نشرا» بمعنى إنشارا، قد حذفت منه الزوائد.
«١٩» وحجة من قرأ بالباء مضمومة أنه جعله جمع بشير، إذ الرياح تبشر بالمطر، وشاهده قوله: ﴿يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ «الروم ٤٦» وأصل الشين الضم، لكن أسكنت تخفيفا كرسول ورسل (^٢).
_________________
(١) ب: «فمعنى» وتصويبه من: ص، ر.
(٢) الحجة في القراءات السبع ١٣١ - ١٣٢، وزاد المسير ٣/ ٢١٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٢٢، وتفسير النسفي ٢/ ٥٧، وتفسير غريب القرآن ١٦٩، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٩ /ب - ٤٠ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ب ٨٢ /أ.
[ ١ / ٤٦٦ ]
«٢٠» قوله: ﴿مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ و﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ «فاطر ٣» قرأهما الكسائي بالخفض، حيث وقعا، ووافقه حمزة على الخفض في «خالق غير الله»، وقرأ ذلك الباقون بالرفع.
وحجة من خفض أنه جعله صفة ل «إله، وخالق» على اللفظ، وموضع «إله» و«خالق» موضع رفع على الابتداء، و«لكم» و«يرزقكم» الخبر، أو يضمر الخبر (^١)، كأنه قال: ما لكم من إله غير الله في الوجود.
«٢١» وحجة من رفع أنه جعل «غير» بدلا من «إله» ومن «خالق»، على الموضع، ويجوز أن يكون «غير» صفة ل «إله» ول «خالق»، على الموضع، كقوله: ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ﴾ «آل عمران ٦٢» أي غير الله، والرفع أحب إليّ، لأن الجماعة عليه (^٢).
«٢٢» قوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ قرأه أبو عمرو بالتخفيف حيث وقع، جعله من «أبلغت» الرسالة، كما قال: ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ «هود ٥٧» وهو إجماع (^٣). وقرأ الباقون بالتشديد من «بلّغ» كمال قال: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ «المائدة ٦٧» وهو إجماع، والتشديد أحب إليّ لأن الجماعة عليه (^٤).
«٢٣» قوله: ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾ في قصة صالح، قرأه ابن عامر بزيادة واو قبل القاف، وقرأ الباقون بغير واو. والقول في هذه الواو كالقول في: ﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾ (^٥) «الأعراف ٤٣».
_________________
(١) قوله: «أو يضمر الخبر» سقط من: ر.
(٢) الحجة في القراءات السبع ١٣٢، وزاد المسير ٣/ ٢٢٠، وتفسير النسفي ٢/ ٥٨، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٠ /أ، ومغني اللبيب ١٥٨، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٨٢ /أ - ب.
(٣) قوله: «وهو إجماع» سقط من: ص.
(٤) التيسير ١١١.
(٥) المصاحف ٤٥، وهجاء مصاحف الأمصار ١٧ /ب، والحجة في القراءات السبع ١٣٣، وزاد المسير ٣/ ٢٢٥
[ ١ / ٤٦٧ ]
«٢٤» قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾ قرأ نافع وحفص على الخبر، بهمزة واحدة مكسورة، وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام، الذي في معناه التوبيخ، غير أن ابن كثير يسهّل الثانية بين الهمزة والياء، وأبا عمرو يفعل كذلك، ويدخل (^١) بين الهمزتين ألفا فيمد، وهشاما يدخل بين الهمزتين ألفا مع تخفيفهما.
وحجة من قرأه على الخبر أنه جعل «إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ» تفسيرا للفاحشة (^٢) المذكورة، فلم يحسن إدخال ألف الاستفهام عليه، لأنها تقطع ما بعدها ممّا قبلها.
«٢٥» وحجة من قرأ بالاستفهام أنه لمّا رأى «أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ» وما بعده كلاما تاما ابتدأ بالجملة الثانية بالاستفهام، لتأكيد التوبيخ لهم والتقرير، فبنى الجملتين على كلامين، كل واحد قائم بنفسه في معناه، فذلك أصحّ وأبين وهو الاختيار (^٣).
«٢٦» قوله ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾ قرأ الحرميان وابن عامر بإسكان الواو من «أو»، غير أن ورشا يلقي حركة الهمزة من «أمن» على الواو من «أو» على أصله. وقرأ الباقون بفتح الواو، وبهمزة بعدها.
وحجة من أسكن الواو أنه جعلها «أو» التي للعطف، على معنى الإباحة، مثل: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ «الإنسان ٢٤» أي: لا تطع هذا الجنس. ومثل قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي: جالس هذا الصنف.
فالمعنى: أفأمنوا هذه الضروب من العقوبات، أي: إن أمنتم ضربا منها لم تأمنوا الضرب الآخر، ويجوز أن تكون «أو» لأحد الشيئين، كقولك:
_________________
(١) ص: «إلا أنه يدخل».
(٢) ب: «تفسيرا الفاحشة»، ص: «تفسير الفاحشة»، ورجحت ما في: ر.
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٣٢ - ١٣٣، وزاد المسير ٣/ ٢٢٧، والنشر ١/ ٣٦٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٣٠، وتفسير النسفي ٢/ ٦٣، وراجع «باب علل اختلاف القراء في اجتماع الهمزتين»، الفقرة «٥».
[ ١ / ٤٦٨ ]
ضربت زيدا أو عمرا، أي: ضربت أحدهما، ولم ترد أن تبيّن المضروب منهما وأنت عالم به من هو منهما، وليست هي «أو» التي للشك في هذا، إنما هي «أو» التي لأحد الشيئين غير معين، فيكون التقدير في الآية: أفأمنوا إحدى هذه العقوبات.
«٢٧» وحجة من فتح الواو وهمز «أمن» أنه جعلها واو العطف، دخلت عليها ألف الاستفهام، كما تدخل على «ثم» في نحو قوله: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ﴾ «يونس ٥١» ومثله: ﴿أَوَكُلَّما﴾ «البقرة ١٠٠» ويقوّي ذلك أن الحرف الذي قبله، والذي بعده، وهو الفاء دخلت عليه ألف الاستفهام. وكذلك (^١):
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ «الأعراف ١٠٠» فحمل وسط الكلام على ما قبله وما بعده، للمشاكلة والمطابقة في اتفاق اللفظ، في دخول الألف عليه كله، وهو الاختيار، لأن عليه الجماعة (^٢). وقد تقدّم ذكر «الريح» و«بسطة»، و«إن لنا» و«أئنّكم لتأتون» و«تعقلون» و«أرثتموها» و«يلهث ذلك» وشبهه، فأغنانا ذلك عن التكرير له (^٣).
«٢٨» قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلى﴾ قرأه نافع بياء مشددة مفتوحة، على تعدية «حقيق» (^٤) إلى ضمير المتكلم، فلمّا اجتمع ياءان ياء «على» التي تنقلب مع الضمير ياء، وياء المتكلم، أدغم الأولى في الثانية وفتح، لأن الإضافة أصلها الفتح، و«حقيق وحقّ» سواء بمعنى واجب [ومثله حق، وأصله أن يتعدّى
_________________
(١) قوله: «ومثله أو كلما … وكذلك» سقط من: ص.
(٢) ص: «الجماعة عليه».
(٣) راجع سورة البقرة، الفقرة «٨٨ - ٩٠، ١٥٣ - ١٥٥»، و«فصل في إدغام الثاء في الذل ..» الفقرة «١» وهذه السورة، الفقرة «٣١»، وسيأتي في سورة يوسف الفقرة «٢٤»، وسورة الملك، الفقرة «٢»، وانظر إيضاح الوقف والابتداء ٤٤٧، ٦٦١، وزاد المسير ٣/ ٢٣٤، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٥٣، وتفسير النسفي ٢/ ٦٦، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٥٩ /ب، وكتاب سيبويه ١/ ٥٧٤
(٤) ر: «حقيق بعلى».
[ ١ / ٤٦٩ ]
يعلى كما يتعدّى واجب] (^١) بعلى، قال الله تعالى ذكره: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ «الصافات ٣١»، وقال: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ «الإسراء ١٦» وقرأ الباقون بألف بعد اللام من «على»، ولم يضيفوها إلى المتكلم، وذلك أنه عدّى «حقيق» ب «على» إلى «أن»، ويجوز أن تكون «على» في هذا بمعنى الباء، كما جاز وقوع الباء في موضع «على» في قوله:
﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ «الأعراف ٨٦» أي: على كل طريق (^٢).
«٢٩» قوله: (أرجه وأخاه) قرأه ابن كثير وهشام بهمزة ساكنة، ويصلان الهاء بواو في الوصل، وكذلك قرأ أبو عمرو، غير أنه يضمّ الهاء، ولا يصلها بواو، وقرأ ابن ذكوان بهمزة ساكنة وبكسر الهاء، من غير أن يصلها بياء، وكذلك قرأ قالون، غير أنه لم يهمز. وقرأ ورش والكسائي بغير همز، ويصلان الهاء بياء في الوصل، وقرأ حمزة وعاصم بإسكان الهاء، من غير همز، ومثله الاختلاف في الشعراء (^٣)، والهمز في هذا الفعل وتركه لغتان، يقال: أرجيته وأرجأته، بمعنى: أخرته، وإسكان الهمزة فيه أو حذف الياء علم البناء على قول البصريين، وعلم الجزم على قول الكوفيين، فأما الهاء فأصلها أن توصل بواو، على ما تقدّم من العلة، فمن أثبت الواو أتى به على الأصل، فاعتدّ بالهاء حاجزا (^٤) بين الهمزة والواو.
ومن حذف الواو ولم يعتدّ بالهاء حاجزا لخفائها، فحذف [الواو] (^٥) لالتقاء الساكنين على مذهب (^٦) سيبويه وأكثر البصريين، وقيل حذفت الواو
_________________
(١) تكملة لازمة من: ر.
(٢) التبصرة ٧١ /أ، والنشر ٢/ ٢٦١، والحجة في القراءات السبع ١٣٣ - ١٣٤، وزاد المسير ٣/ ٢٣٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٣٥، وتفسير النسفي ٢/ ٦٨، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٠ /ب.
(٣) حرفها هو: (آ ٣٦)، وسيأتي فيها، الفقرة «١٠».
(٤) ص: «حاجزا حصينا».
(٥) تكملة موضحة من: ر.
(٦) ر: «هذا مذهب».
[ ١ / ٤٧٠ ]
استخفافا، واكتفي بالضمة الدالة عليها، ومن وصل الهاء بياء أبدل من ضمة الهاء كسرة للكسرة التي قبلها، فانقلبت الواو ياء، ومن حذف الياء فعلى وجه العلة في حذف الواو، ومن أسكن الهاء فعلى نية الوقف عليها، أو على توهّم أنها لام الفعل، فأسكن للبناء أو للجزم، وكل هذا في إسكان الهاء ضعيف، على ما ذكرنا من (^١) العلل المذكورة في إسكان الهاء في «يؤده» و«لا يؤده» و«نصله» و«نولّه»، والإسكان أضعف القراءات في هذه الكلمة، لما ذكرنا في «نولّه، ونصله»، والاختيار ترك الهمز وصلة الهاء بياء، لأنك إذا لم تهمز تحرّك ما قبل الهاء، فلا تقدّر فيه اجتماع ساكنين.
فأما من حذف الياء، ولم يهمز، فإنه أجرى الكلمة على أصلها قبل حذف الياء الأولى، فكأنه حذف الياء الثانية لسكونها وسكون الياء الأولى، ثم حذف الياء الأولى للبناء وللجزم، فبقيت الثانية على حذفها، ولم يعتدّ بحذف الياء (^٢) الأولى، وقد تقدّم بسط هذا وشرحه، وكلهم وقف على هاء دون ياء أو واو، والروم والإشمام جائزان فيها، في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وهشام، لأن قبلها ساكنا، لا يشبه حركتها، والروم، في قراءة ابن ذكوان، جائز. ولا يجوز الروم في قراءة الكسائي وورش وقالون لأن حركة الهاء حركة [كحركة] (^٣) ما قبلها، وهي خفية، فكأن حركة ما قبلها عليها على ما قدّمنا (^٤).
«٣٠» قوله: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ قرأ حمزة والكسائي «سحّار» على وزن «فعّال»، هنا وفي يونس (^٥)، لأن فيه معنى المبالغة ولأنهم قد أجمعوا على
_________________
(١) قوله: «فأسكن للبناء … من» سقط من: ص.
(٢) قوله: «للبناء وللجزم .. الياء» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
(٣) تكملة لازمة من: ص، ر.
(٤) راجع «باب علل هاء الكناية» كله، وسورة آل عمران، فصل «الهاء المتصلة بالفعل المجزوم»، الفقرة «٤٥ - ٤٩»، وانظر الحجة في القراءات السبع ١٣٤، وزاد المسير ٣/ ٢٣٨، وتفسير غريب القرآن ١٧٠، وتفسير النسفي ٢/ ٦٩
(٥) حرفها هو: (آ ٧٩)، وسيأتي فيها، الفقرة «٢٢».
[ ١ / ٤٧١ ]
«سحار» في الشعراء (^١) فجرى هذا عليه، ويقوّي ذلك أنه قد وصف ب «عليم»، فدلّ على التناهي في علم السّحر، و«فعال» من أبنية المبالغة والتناهي. وقرأ الباقون «ساحر» على وزن «فاعل»، كما قال تعالى:
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ «طه ٧٠» و﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ «الشعراء ٤٠»، والسحرة جمع ساحر، ككاذب وكذبة، وفاجر وفجرة، وقوله:
﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ﴾ «الأعراف ١١٦» يدلّ على ذلك، لأن اسم الفاعل من «سحر» «ساحر»، وأمالهما الدوري عن الكسائي وحده على أصله (^٢).
«٣١» قوله: (إن لنا لأجرا) قرأه الحرميان وحفص بهمزة واحدة، على لفظ الخبر، وقرأ الباقون بالاستفهام، على أصل كل واحد، كما ذكرنا في «أئنكم لتأتون»، أبو عمرو يليّن الثانية، ويدخل بين الهمزتين ألفا، وهشام يحقق الهمزتين ويدخل بين الهمزتين ألفا وقد تقدم ذكر العلة في إدخال الألف بين الهمزتين، وأنه فعل ذلك لاستثقاله الجمع (^٣) بين الهمزتين، وأن التخفيف للثانية كالتحقيق، والاستثقال باق، لأنها بزنة المخففة، ولأنها مرادة.
وحجة من قرأ بهمزة واحدة أنه أراد به الإلزام، وذلك أنهم ألزموا فرعون أن يجعل لهم أجرا إن غلبوا، فقال لهم، نعم، لم يستفهموه عن ذلك، إنما ألزموه إياه، وقيل: إنهم قطعوا ذلك لأنفسهم في حكمهم إن غلبوا، فلهم الأجر عند أنفسهم، فلا معنى للاستفهام على هذا المعنى، والمعنى أنهم قالوا: يجب لنا الأجر إن غلبنا.
«٣٢» وحجة من استفهم أنه أجراه على معنى الاستخبار، استخبروا
_________________
(١) الحرف فيها: (آ ٣٧).
(٢) التيسير ١١٢، والحجة في القراءات السبع ١٣٥ - ١٣٦، وزاد المسير ٣/ ٢٣٩، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٣٦
(٣) ص: «وان ذلك فعلى الاستثقال الجمع»، ر: «وان ذلك فعل الاستثقال» فهي عبارة غامضة، لكنني أحسب أن وجهها هكذا: وأنه فعل ذلك لاستثقاله الجمع. وهو ما أثبته.
[ ١ / ٤٧٢ ]
فرعون: هل يجعل لهم أجرا إن غلبوا أو لا يجعل ذلك لهم، لم يقطعوا على فرعون بذلك، إنما استخبروه هل يفعل ذلك. فقال (^١): نعم، لكم الأجر والقرب إن غلبتم، وكلا الوجهين حسن، والاستفهام أولى به، وأحب إليّ، لأن القراءة الأولى يجوز أن تكون على وجه الاستفهام أيضا، لكنه حذفت الألف، لدلالة الحال على ذلك، ولقول فرعون لهم: نعم، وزادهم القرب منه. ويقوّي ذلك إجماعهم على لفظ الاستفهام في الشعراء في ﴿أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا﴾ (^٢) «٤٢».
«٣٣» قوله: ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ﴾ قرأ حفص بإسكان اللام والتخفيف، حيث وقع، جعله مستقبل «لقف يلقف»، وقرأ الباقون بالتشديد، وفتح اللام، جعلوه مستقبل «فهي تتلقف»، وحذفت إحدى التاءين استخفافا (^٣).
«٣٤» قوله: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي في هذا الموضع وفي طه والشعراء (^٤) بهمزتين محققتين، بعدهما ألف، بدل من همزة ساكنة، هي فاء الفعل، لأن أصله ثلاث همزات: همزة الاستفهام مفتوحة، وهمزة ألف القطع ألف الفعل مفتوحة، وهمزة هي فاء الفعل ساكنة، أبدل منها ألف على أصل بدلها في «آدم وآتى» وشبهه، فهؤلاء قرأوا على الأصل، كما فعلوا في «أأنذرتهم» وشبهه، ولم يستثقلوا اجتماع (^٥) همزتين محققتين، لأن الأولى كأنها من كلمة أخرى، لأنها دخلت زائدة قبل أن لم تكن. وقرأ حفص في الثلاثة المواضع بهمزة واحدة، بعدها ألف، على لفظ الخبر الذي معناه الاستفهام. وإنما حذفت ألف الاستفهام من اللفظ استخفافا، وحسن ذلك، لأن ما في الكلام من معنى التوبيخ والتقريع، من فرعون للسحرة، يدل على الاستفهام الذي معناه الإنكار منه لفعلهم الإيمان. وقرأ قنبل في الأعراف بالاستفهام أيضا، غير أنه قرأ بواو في
_________________
(١) ر: «فقال لهم».
(٢) الحجة في القراءات السبع ١٣٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤١ /أ.
(٣) سيأتي ذكره في سورة الشعراء، الفقرة «١٠» وانظر زاد المسير ٣/ ٢٤٠
(٤) حرفا هاتين السورتين هما: (آ ٧١، ٤٩).
(٥) ب، ص: «ولم يستعملوا إجماع» وتصويبه من: ر.
[ ١ / ٤٧٣ ]
الوصل، بدل من الهمزة الأولى، لانضمام ما قبلها، وهي مفتوحة، وخفّف الثانية بين بين، إرادة التخفيف، لأن الأولى تخفيفها عارض، فكأنها مخفّفة، [فخفّف] (^١) الثانية، كما يفعل إذا حقّق الأولى، على الأصل، وأبدل من الثانية ألفا، لأنها ساكنة قبلها فتحة. وقرأ في طه (^٢) بهمزة واحدة، بعدها ألف، على لفظ الخبر، كحفص. وقد ذكرنا وجه ذلك، وقرأ في الشعراء بهمزة محقّقة، وبعدها همزة بين بين، وبعدها ألف بدل من الساكنة، وكذلك يفعل إذا ابتدأ في الأعراف، وقرأ الباقون في الثلاثة كقراءة قنبل في الشعراء، استثقلوا اجتماع همزتين محققتين فخفّفوا الثانية، على أصل التخفيف في المفتوحة، قبلها فتحة، وقد تقدّم كثير من علل هذا النوع في تحقيقه وتخفيفه، فلذلك خفّفنا الكلام عليه في هذا الموضع، فاطلبه في الأصول تجده مشروحا بأبين من هذا (^٣)، وفيما ذكرنا في هذا الموضع كفاية لمن فهم، والاختيار فيه كالاختيار في «أأنذرتهم» (^٤).
«٣٥» قوله: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ﴾ و﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ قرأ الحرميان «سنقتل» بفتح النون والتخفيف، جعلاه من «قتل» الذي يدل على القلة والكثرة، وقرأ الباقون بضم النون والتشديد، جعلوه من «قتّل» الذي يدل (^٥) على معنى التكثير مرة بعد مرة، وقرأ نافع «يقتلون» بفتح الياء والتخفيف، جعله من «قتل يقتل» فهو يدل على القلة والكثرة، وقرأ الباقون بضم الياء والتشديد، جعلوه «قتّل» إذ فيه معنى التكثير، قتل بعد قتل (^٦).
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص.
(٢) الحرف فيها: (آ ٧١).
(٣) ر: «هذا إن شاء الله».
(٤) ر: «أأنذرتهم ونحوه»، وراجع «باب علل اختلاف القراءة في اجتماع الهمزتين» كله، وانظر أيضا التبصرة ٧١ /أ - ب، والنشر ١/ ٣٦٣، والحجة في القراءات السبع ١٣٦ - ١٣٧، وزاد المسير ٣/ ٢٤٢، وتفسير النسفي ٢/ ٧٠
(٥) قوله: «الذي يدل» سقط من: ر.
(٦) التبصرة ٧١ /ب، والحجة في القراءات السبع ١٣٧، وزاد المسير ٣/ ٢٤٤
[ ١ / ٤٧٤ ]
«٣٦» قوله: ﴿يَعْكُفُونَ﴾ و﴿يَعْرِشُونَ﴾ قرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف، وضمّها الباقون. وقرأ ابن عامر وأبو بكر «يعرشون» هنا وفي النحل (^١) بضم الراء، وكسرها الباقون، وهما لغتان مشهورتان في الكلمتين، يقال:
عكف يعكف ويعكف بمعنى: أقام على الشيء، وعرش يعرش ويعرش بمعنى:
بنى (^٢).
«٣٧» قوله: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ﴾ قرأه ابن عامر بلفظ الواحد، رّده على قوله: ﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ﴾ «١٤٠» وقرأه الباقون «أنجيناكم» على لفظ الجماعة، إخبارا عن الله، عن طريق التعظيم لله والإكبار له، فهو أعظم العظماء، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، وله نظائر كثيرة في القرآن (^٣).
«٣٨» قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (^٤) قرأه حمزة والكسائي بالمدّ، وفتح الهمزة، غير منون، وقرأ الباقون بالتنوين، من غير مدّ ولا همز.
وحجة من مدّه أنه أخذه من قول العرب: «هذه ناقة دكّاء» للتي لا سنام لها، فهي مستوية الظهر، فكأنه في التقدير: جعل الجبل مثل ناقة دكّاء، أي جعله، إذ تجلّى عليه مستويا لا ارتفاع فيه، انحطّ الجبل من علوّه وارتفاعه تعظيما لله وخضوعا له، إذ تجلى بعظمته (^٥) إليه، فلمّا حدث في الجبل على عظمته وصلابته وقوته هذا الحادث فكيف لابن آدم الضعيف طاقة على رؤية البارئ في الدنيا!. هذا ما لا يكون. فلمّا أظهر الله لموسى أمرا في الجبل استيقن موسى برؤيته أنه تعالى لا يرى في الدنيا.
«٣٩» وحجة من لم يمده أنه جعله مصدر دككت (^٦) الأرض
_________________
(١) حرفها هو: (آ ٦٨)، وسيأتي فيها بأولها.
(٢) التيسير ١١٣، وزاد المسير ٣/ ٢٥٣، وتفسير النسفي ٢/ ٧٣
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٣٨، وزاد المسير ٣/ ٢٥٤، وتفسير النسفي ٢/ ٧٤
(٤) سيأتي في سورة الكهف، الفقرة «٧٢».
(٥) ب: «عظمته» ورجحت ما في: ص، ر.
(٦) ب: «دكت» وتوجيهه من: ص، ر.
[ ١ / ٤٧٥ ]
دكا، أي: جعلتها مستوية لا ارتفاع فيها ولا انخفاض، قال الأخفش كأنه لمّا قال:
جعله، قال: دكه دكا، فجعله في موضع دكه، ويقوّي هذه القراءة قوله:
﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ «الحاقة ١٤» وقوله: ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ «الفجر ٢١» قال أبو عبيدة: جعله دكّا أي مندكا، والاختيار ترك المدّ لمّا بيناه من العلة، ولأن عليه أكثر القراء، ولما روى أنس بن مالك عن النبي ﵇ أنه قرأ: «دكا» بالتنوين من غير مدّ (^١).
«٤٠» قوله: (برسالاتي) قرأ الحرميان بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع.
وحجة من وحّده أن «رسالة» تجري مجرى المصدر، وتعمل عمله، وإن كانت الهاء فيها (^٢)، فالمصدر موحّد (^٣) أبدا إذ يدل على القليل والكثير من جنسه.
وأيضا فإن بعده «وبكلامي»، وهو مصدر موحّد، يراد به أيضا الكثرة، فجرت الرسالة، في توحيد لفظها، على مثل توحيد الكلام.
«٤١» وحجة من جمع أنه لمّا كان موسى ﷺ أرسل بضروب من الرسالات، فاختلفت أنواعها، فجمع المصدر، لاختلاف أنواعه، كما قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ﴾ «لقمان ١٩» والأصوات جمع صوت، وصوت مصدر، فجمع لاختلاف أجناس الأصوات، واختلاف المصوّتين، ووحّد في قوله: (لصوت) لمّا أراد به جنسا واحدا من الأصوات (^٤).
«٤٢» قوله: (الرشد) قرأه حمزة والكسائي بفتح الراء والشين، وقرأ
_________________
(١) ص: «همز»، انظر التبصرة ٧٢ /أ، وزاد المسير ٣/ ٢٥٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٤٤، وتفسير غريب القرآن ١٧٢، وتفسير النسفي ٢/ ٧٥، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤١ /ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٦٠ /ب.
(٢) ر: «فيه الهاء».
(٣) ب: «موحدا» وتصويبه من: ص، ر.
(٤) راجع سورة المائدة، الفقرة «٢٧ - ٢٨»، وسورة الأنعام الفقرة «٦٥»، وأنظر أيضا الحجة في القراءات السبع ١٣٩، وزاد المسير ٣/ ٢٥٨، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٤٦، وتفسير النسفي ٢/ ٧٦
[ ١ / ٤٧٦ ]
الباقون بضم الراء وإسكان الشين، وقرأ أبو عمرو في الكهف «رشدا» (^١) بفتح الراء والشين، وقرأ الباقون بضمّ الراء وإسكان الشين (^٢)، وهما لغتان في الصلاح والدين. وقد قيل: إن من فتح الراء والشين أراد به الدين لأن قبله ذكر الغي، والدين ضد الغي، وقد أجمعوا على الفتح في قوله: ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ «الجن ١٤» أي: دينا، ومثله: ﴿وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا﴾ «الكهف ١٠» أي: دينا، ومن ضم الراء أراد الصلاح، كذا حكى أبو عمرو في الفتح والضم، والمعنيان متقاربان، لأن الدين الصلاح، والصلاح هو الدّين (^٣).
«٤٣» قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا﴾ قرأ ذلك حمزة والكسائي بالتاء في الفعلين، على الخطاب لله جلّ ذكره، وفيه معنى الاستغاثة (^٤) والتضرع والابتهال في السؤال والدعاء، وبنصب «ربنا» على النداء، وهو أيضا أبلغ في الدعاء والخضوع، وقرأ الباقون بالياء في الفعلين على الخبر عن غائب، وفيه معنى الإقرار بالعبودية، وقرأوا «ربنا» بالرفع، لأنه الفاعل، ولولا أن الجماعة على الياء والرفع لاخترت القراءة بالتاء والنصب، لما ذكرت من صحة معناه في الاستكانة والتضرع (^٥).
«٤٤» قوله (قوله) من حليّهم) قرأ حمزة والكسائي بكسر الحاء، وقرأ الباقون بالضم.
وحجة من ضمّ الحاء أنه جمع «حليا» على «فعول»، ككعب وكعوب وأصله «حلوي»، فأرادوا إدغام الواو في الياء للتخفيف فأبدلوا من ضمة اللام
_________________
(١) حرفها هو: (آ ٦٦)، وسيأتي فيها، الفقرة «٣٥».
(٢) قوله: «وقرأ أبو عمرو .. الشين» سقط من: ر.
(٣) زاد المسير ٣/ ٢٦١، والنشر ٢/ ٢٦٢، وتفسير النسفي ٢/ ٧٧، وكتاب سيبويه ٢/ ٢٦٨
(٤) ب، ر: «الاستكانة» ورجحت ما في: ص.
(٥) زاد المسير ٣/ ٢٦٣، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٤٧، وتفسير النسفي ٢/ ٧٨
[ ١ / ٤٧٧ ]
كسرة، ليصح انقلاب الواو إلى الياء، وليصح الإدغام، كما فعلوا في «مرمي (^١)» وبابه، فبقيت الحاء مضمومة على أصلها، فصار «حلي» كما ترى (^٢).
«٤٥» وحجة من كسر الحاء أنه لمّا كسر اللام، وأتى بعدها ياء مشددة، أتبع الحاء ما بعدها من الكسرة والياء، فكسرها، ليعمل اللسان عملا واحدا في الكسرتين، والياء بعدها، والضم هو الاختيار، لأنه الأصل، ولأن عليه أكثر القراء.
«٤٦» قوله: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ وفي طه: ﴿يَا بْنَ أُمَّ﴾ (^٣) «٩٤» قرأهما ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي بكسر الميم، وقرأ الباقون بالفتح.
وحجة من فتح أنه جعل الاسمين اسما واحدا لكثرة الاستعمال بمنزلة خمسة عشر، وبناه على الفتح، فالفتحة في «ابن أم» كفتحة التاء في خمسة عشر. وقد قيل: إن من فتح أراد، يابن أمي، ثم أبدل من كسرة الميم فتحة، فانقلبت الياء ألفا، ثم حذفت استخفافا لكثرة الاستعمال، ولأن الفتحة تدل على الألف، وفيه بعد، لأن ياء الإضافة لا تحذف في غير المنادى، ولا يحذف ما هو عوض منها إلا في النداء، وليس «أم» بمنادى، فإنما يجوز هذا على قول من قال: مررت بغلام يا هذا، يريد: بغلامي، ثم حذف الياء لدلالة الكسرة عليها، وهذا قليل جائز، والإثبات أكثر، وقد أجازوا: مررت بالقاض، وجاءني القاض، من غير ياء، لأن الياء قد كانت محذوفة للتنوين قبل دخول الألف واللام، فلمّا دخلتا حذف [التنوين] (^٤) وبقيت الياء على حذفها، فليس قولك: جاءني غلام، ومررت بغلام، مثل ما فيه الألف واللام في جواز (^٥) حذف الياء، وقد حذفت الياء، وهي لام الفعل في نحو: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ «هود ١٠٥»، و﴿نَبْغِ﴾ «الكهف ٦٤» وحذفت، وهي للإضافة في نحو: ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ «طه ٩٣» ﴿إِنْ تَرَنِ﴾
_________________
(١) ب: «مرضي» وتصويبه من: ص، ر.
(٢) قوله: «كما ترى» سقط من: ر.
(٣) سيأتي ذكره في سورته، الفقرة «٣٠».
(٤) تكملة لازمة من: ر.
(٥) ب: «جواب» وتصويبه من: ص، ر.
[ ١ / ٤٧٨ ]
«الكهف ٣٩»، وقرأ بذلك القراء، فحذف الياء من غير المنادى مترجح في القوة والضعف، لا سيما وقد دخل «يا بن أم» تغيير بعد تغيير، ثم حذف، فلذلك أبعدوا في جوازه.
«٤٧» وحجة من كسر أنه لمّا لم يدخل الكلام تغيير، قبل حذف الياء، استخفّ حذف الياء، لدلالة الكسرة عليها، ولكثرة الاستعمال، فهو نداء مضاف بمنزلة قولك: يا غلام غلام، فالفتح هو الاختيار، على تأويل الوجه (^١) الأول من البناء (^٢).
«٤٨» قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ قرأه ابن عامر بالجمع مثل «أعمالهم»، وهو جمع إصر والإصر (^٣) الثقل من الإثم وغيره، وهو مصدر لكن جمع لاختلاف ضروب المآثم، وهو في المعنى والجمع بمنزلة قوله:
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ «العنكبوت ١٣» فجمع لاختلاف أنواع الآثام، وهو جمع ثقل، وهو مصدر. وقرأ الباقون «إصرهم» بالتوحيد مثل «إثمهم» فاكتفوا (^٤) بالواحد، لأنه مصدر يدل على القليل والكثير من جنسه، مع إفراد لفظه، فهو بابه وأصله. وقد أجمعوا على التوحيد في قوله:
﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا﴾ «البقرة ٢٨٦»، وعلى التوحيد في قوله: ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ «البقرة ٧»، وقوله: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ «إبراهيم ٤٣» و﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ «الشورى ٤٥» وكله بمعنى الجمع، لكن إضافته إلى جمع تدل على أن المراد به الجمع، لأنه لكل واحد من المضاف إليهم طرف وسمع وإصر، فحسن التوحيد، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، ولأنه أخف
_________________
(١) لفظ «الوجه» سقط من: ر.
(٢) معاني القرآن ١/ ٣٩٤، وهجاء مصاحف الأمصار ٤ /ب، والحجة في القراءات السبع ١٣٩ - ١٤٠، وزاد المسير ٣/ ٢٦٤، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤١ /ب - ٤٢ /أ، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٦٠ /ب، وكتاب سيبويه ١/ ٤٠٤، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٨٤ /ب.
(٣) ب: «مثل جمع أصروا الامر» وتصويبه من: ص، ر.
(٤) ب: «فألحقوا» وتصويبه من: ص، ر.
[ ١ / ٤٧٩ ]
وأكثر في الاستعمال (^١).
«٤٩» قوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾ قرأه نافع وابن عامر بالتاء مضمومة، على تأنيث الجمع الذي بعده، وعلى تأنيث الخطيئة، وقرأ الباقون بالنون على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بالغفران، وردّوه على معنى ما قبله، لأن قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ بمعنى: وإذ قلنا، كما قال في البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنا﴾ «١٣٤»، فالنون الاختيار، لأن الجماعة على ذلك. وقرأ أبو عمرو «خطاياكم» بألف من غير تاء، على الجمع المكسّر لخطيئة، مثل الذي في البقرة. فآثر ذلك لكثرة الخطايا منهم، ولأن الجمع المكسّر أدلّ على الكثرة من الجمع المسلّم ومن الواحد (^٢)، إذ لا يقع لكثير في هذا. وقرأ ابن عامر «خطيئتكم» بالتوحيد، لأن الواحد يدل على الجمع. وقد أضيف إلى الجمع، فذلك أقوى في الدلالة على الجمع، لأن لكل واحد خطايا. وقرأ بضم التاء، لأنه مفعول لم يسم فاعله، ومثله نافع، غير أنه قرأ بالجمع، جمع السّلامة بألف والتاء مضمومة أيضا، لأنه مفعول لم يسم فاعله [فهو] (^٣) جمع خطية، فآثر الجمع لكثرة الخطايا من القوم المضاف إليهم الخطايا، والجمع المسلّم بالألف والتاء يقع للكثير والقليل. وقرأ الباقون مثل نافع، غير أنهم كسروا [التاء] (^٤)، لأنهم يقرؤون بالنون في «نغفر»، فعدّوا الفعل إلى «خطيئاتكم»، فهو منصوب (^٥)، والتاء مكسورة في حال النصب، لأنها جمع مسلّم، فهو على الأصول، وهو الاختيار، لأنا قد اخترنا النون في «نغفر» (^٦).
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ١٤١، وزاد المسير ٣/ ٢٧٣، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٥٤، وتفسير غريب القرآن ١٧٣، وتفسير النسفي ٢/ ٨٠، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٢ /أ - ب.
(٢) ب: «الواحدة»، ر: «الوحدة» وتصويبه من: ص.
(٣) تكملة موضحة من: ر.
(٤) تكملة موضحة من: ص، ر.
(٥) ب: «مضاف» وتصويبه من: ص، ر.
(٦) التيسير ١١٤، وزاد المسير ٣/ ٢٧٦، والنشر ٢/ ٢٦٣، وتفسير النسفي ٢/ ٨٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٢ /أ، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٦١ /أ.
[ ١ / ٤٨٠ ]
«٥٠» قوله: ﴿مَعْذِرَةً﴾ قرأ حفص بالنصب على المصدر، كأنهم لمّا قيل لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ قالوا: نعتذر من فعلهم اعتذارا إلى ربكم، فكأنه خبر مستأنف وقوعه منهم، ويجوز أن يكون قد وقع ذلك منهم على معنى: اعتذرنا اعتذارا، وقرأ الباقون بالرفع على إضمار مبتدأ دلّ عليه الكلام.
كأنهم لمّا قيل لهم: لم تعظون قوما قالوا موعظتنا معذرة لهم. فهو أمر قد مضى منهم فعله (^١).
«٥١» قوله: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ قرأه نافع بغير همزة، وكسر الباء، وقرأ ابن عامر بهمزة ساكنة، وكسر الباء، وقرأ الباقون بهمزة مكسورة، وفتح الباء، وبعد الهمزة ياء (^٢). وروي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ بهمزة مفتوحة على وزن «فيعل». وروي عنه بهمزة مكسورة على وزن «فعيل».
وحجة من قرأ بكسر الباء أنه كسرها لحرف الحلق بعدها، وهو الهمزة وأصلها الفتح في قولك: بئس الرجل ثم يقولون: يبئس الرجل، كما قالوا في شهد شهد.
«٥٢» وحجة من فتح الباء أنه أتى بها على الأصل، كما قال: شهد بفتح الشين.
«٥٣» وحجة من قرأ بغير همز أن أصله فعل ماض نقل إلى التسمية، فوصف به العذاب، فأصله أن يكون بهمزة مكسورة، لأنه منقول من «بيس»، لكن أسكنت الهمزة استخفافا، كما قالوا في: علم علم، وكانت الهمزة أولى بالإسكان لثقلها وصعوبة النطق بها، مع كسرها وكسر ما قبلها. [فلمّا سكنت خفّفت بالبدل بياء لسكونها وانكسار ما قبلها] (^٣).
_________________
(١) معاني القرآن ١/ ٣٩، ٣٩٨، وتفسير الطبري ١٣/ ١٨٥، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٠٧، وزاد المسير ٣/ ٢٧٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٥٧، وتفسير النسفي ٢/ ٨٣.
(٢) قوله: «وبعد الهمزة ياء» سقط من: ر.
(٣) تكملة لازمة من: ص، ر.
[ ١ / ٤٨١ ]
«٥٤» وحجة من همز همزة ساكنة أنه أتى بها على الأصل، بعد نقلها من الكسر، فكأنه كره أن يغيرها بالتخفيف والبدل، وقد غيرت عن الحركة إلى السكون.
«٥٥» وحجة من قرأ بهمزة مكسورة وفتح الباء، وياء بعد الهمزة، أنه جعله مصدرا وصف به العذاب من «بيئس» حكى أبو زيد: بئس الرجل بئيسا، والمصدر على «فعيل» كثير، نحو: النذير والنفير. والتقدير: بعذاب ذي بئيس أي ذي بؤس، لأن بؤسا أيضا مصدر لبئس. وقيل: إن بئيسا اسم فاعل من بؤس الرجل، إذا كان شديد البأس، فيكون بئيس اسم فاعل من بؤس ويكون معناه: بعذاب شديد فأما من قرأه على «فيعل» فانه جعله ملحقا ب «جعفر» كضيغم وهو صفة للعذاب أيضا (^١).
«٥٦» قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾ قرأه أبو بكر بالتخفيف، من «أمسك يمسك» لإجماعهم على قوله: ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ «البقرة ٢٢٩»، وقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ «الأحزاب ٣٧»، وقوله: ﴿مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ «المائدة ٤» وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ «النساء ١٥» وقوله: ﴿لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ «البقرة ٢٣١» فكله من «أمسك»، وقرأ الباقون بالتشديد على التكثير والتكرير للتمسّك بكتاب الله ودينه، فبذلك يمدحون، وفيه معنى التأكيد وهو من مسك الأمر أي لزمه، فالتمسّك بكتاب الله والدين يحتاج إلى الملازمة والتكرير لفعل ذلك، فالتشديد يدلّ عليه. وكل ما ذكرنا من «أمسك» الذي (^٢) لا يدل على تكرير ولا تأكيد، فإنما وقع في غير الدين في إمساك المرأة، وإمساك الصيد. فالتشديد أولى به وأحسن، وهو الاختيار لما ذكرنا من المعنى، ولأن الجماعة عليه (^٣).
_________________
(١) التبصرة ٧٢ /أ - ب، والحجة في القراءات السبع ١٤١ - ١٤٢، وزاد المسير ٣/ ٢٧٨، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٨٥ /أ.
(٢) ب: «الذين» وتصويبه من: ص، ر.
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٤٢، وزاد المسير ٣/ ٢٨٢، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٦٠، وتفسير النسفي ٢/ ٨٤، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٢ /ب.
[ ١ / ٤٨٢ ]
«٥٧» قوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (^١) قرأه الكوفيون وابن كثير بالتوحيد، وفتح التاء، وقرأ الباقون بالجمع وكسر التاء.
وحجة من قرأ بالتوحيد أن الذرية تقع للواحد والجمع، قال الله جل ذكره:
﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ «آل عمران ٣٨» فهذا للواحد إنما سأل هبة ولد فبشر ب «يحيى»، دليله قوله في موضع آخر ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ «مريم ٥». وقد أجمع على التوحيد في قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ «مريم ٥٨» ولا شيء أكثر من ذرية آدم. وقال تعالى: ﴿وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ «الأعراف ١٧٣» فهذا للجمع، فلمّا وقعت للجمع استغني بذلك عن الجمع، ومثله «البشر» يقع للواحد والجمع، وقال الله جلّ ذكره: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ «التغابن ٦» فهذا للجمع، وقال: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ «المؤمنون ٣٤» فهذا للواحد.
«٥٨» وحجة من جمع أنه لمّا كانت الذرية تقع للواحد أتى بلفظ لا يقع للواحد (^٢)، فجمع ليخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه، لا يشركها فيه شيء، وهو الجمع، لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذرّيّات كثيرة متناسبة أعقابا (^٣) بعد أعقاب، لا يعلم عددهم إلا الله، فجمع لهذا المعنى، والجمع بالتاء والألف يقع للتكثير، على تقدير جمع بعد جمع، وتقدير حذف التاء كلما جمع، وحذف الألف لاجتماع ألفين (^٤) كلما كرّر الجمع، وفتح التاء في التوحيد لأنه مفعول به، وعلى ذلك كسرت في الجمع، لأنه جمع على حد التثنية، فالخفض فيه كالنصب (^٥).
«٥٩» قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾، ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ قرأ أبو عمرو بالياء فيهما، ردّهما على لفظ الغيبة المتكرر قبله، وهو قوله: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾
_________________
(١) سيأتي ذكره في سورة يس، الفقرة «١١»، وسورة الطور، الفقرة «٣».
(٢) قوله: «والجمح قال الله … يقع للواحد» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
(٣) ب، ص: «اعقاب» ورجحت ما في: ر.
(٤) ب: «العين» وتصويبه من: ص، ر.
(٥) زاد المسير ٣/ ٢٨٤، وتفسير النسفي ٢/ ٨٥
[ ١ / ٤٨٣ ]
﴿ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾. وقوله: ﴿قالُوا بَلى﴾. وبعده أيضا لفظ غيبة في قوله: ﴿وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. وقوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ﴾ «١٧٤».
فحمله على ما قبله وما بعده من لفظ الغيبة. وفي «يقولوا» ضمير الذرية، على معنى: أشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا أو يقولوا قالوا بلى شهدنا، أي: شهد بعضنا على بعض. وقرأ الباقون فيهما بالتاء، ردّوه على لفظ الخطاب المتقدّم في قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، لئلا تقولوا أو تقولوا. أو يكون «شهدنا» من قول الملائكة، لمّا قالوا «بلى» قالت الملائكة: شهدنا أن تقولوا، أي لئلا تقولوا.
وقيل: معنى ذلك أنهم لمّا قالوا بلى. فأقرّوا بالربوبية، قال الله جلّ ذكره للملائكة اشهدوا، قالوا: شهدنا بإقراركم لئلا تقولوا أو تقولوا. وقد روى مجاهد عن ابن عمر أن النبي ﵇ قال: أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم: ألست بربكم قالوا:
بلى، قالت الملائكة: شهدنا أن تقولوا، أي: شهدنا عليكم بالإقرار بالربوبية لئلا تقولوا (^١)، فهذا يدل على التاء، وهو الاختيار، لصحة معناه، ولأن الجماعة عليه (^٢).
«٦٠» قوله: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ (^٣) قرأ حمزة بفتح التاء والحاء.
ومثله في النحل والسجدة (^٤)، ووافقه الكسائي على ذلك في النحل خاصة، جعلاه (^٥) من «لحد» إذا مال ثلاثيا، وقرأ الباقون «يلحدون» بضمّ الياء وكسر الحاء، جعلوه من «ألحد» إذا مال، وهو أكثر في الاستعمال، فهو رباعي، وهما لغتان، يقال: لحد وألحد إذا عدل عن الاستقامة، ودليل ضمّ الياء إجماعهم على قوله:
_________________
(١) رواه ابن كثير بالطريق نفسه، انظر تفسيره ٢/ ٢٦٢
(٢) زاد المسير ٣/ ٢٨٥، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٦٤، ومعاني القرآن ١/ ٢٩٧
(٣) سيأتي ذكره في سورة النحل بأولها.
(٤) حرفاهما هما: (آ ١٠٣، ٤٠).
(٥) ر: «جعلاه ثلاثيا».
[ ١ / ٤٨٤ ]
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ﴾ «الحج ٢٥»، وإجماعهم على استعمال الملحد دون اللاحد، والإلحاد الميل عن الاستقامة، ومنه قيل: اللحد، لأنه إذا حفر يمال به إلى جانب القبر، بخلاف الضريح الذي هو حفر في وسط القبر. والضم الاختيار، لأنه أكثر في الاستعمال، وأبين، وعليه أكثر القراء (^١).
«٦١» قوله: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ﴾ قرأ الحرميان وابن عامر بالنون على (^٢) الإخبار من (^٣) الله جلّ ذكره عن نفسه. وهو خروج [من] (^٤) لفظ غيبة إلى لفظ إخبار، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ﴾ «العنكبوت ٢٣» ثم قال: ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾، ولو حمله على لفظ الغيبة قبله لقال:
من رحمته. وقرأ الباقون بالياء حملوه على لفظ الغيبة قبله، في قوله: (من يضلل) فذلك حسن للمشاكلة، واتصال بعض الكلام ببعض، وكلهم قرأ بالرفع في «يذرهم» على القطع والاستئناف، على معنى: ولكن نذرهم، في قراءة من قرأ بالنون والرفع، وهما الحرميان وابن عامر، وعلى معنى: والله يذرهم، في قراءة من قرأ بالياء والرفع، وهما أبو عمرو وعاصم، إلا حمزة والكسائي فإنهما قرآه بالجزم، عطفاه على موضع الفاء، التي هي جواب الشرط، في قوله: (ومن يضلل الله فلا هادي له) لأن موضعها وما بعدها جزم، إذ هي جواب الشرط.
فجعلاه كلاما متصلا بعضه ببعض، غير منقطع ممّا قبله. فالقراءتان في ذلك متقاربتان، والاختيار ما عليه أهل الحرمين من الرفع والنون (^٥).
«٦٢» قوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ قرأه نافع وأبو بكر بكسر الشين، على
_________________
(١) زاد المسير ٣/ ٢٩٣، وتفسير غريب القرآن ١٧٥، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٦٩، وتفسير النسفي ٢/ ٨٧، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٢ /ب - ٤٣ /أ، والنشر ٢/ ٢٦٤
(٢) ب: «عن» وتصويبه من: ص، ر.
(٣) ب: «عن» ووجهه ما في: ص، ر.
(٤) تكملة لازمة من: ص، ر.
(٥) التيسير ١١٥، والحجة في القراءات السبع ١٤٣، وزاد المسير ٣/ ٢٩٦، ومعاني القرآن ١/ ٨٦، ٢٩٦، وإيضاح الوقف والابتداء ٦٧١، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٣٤، وتفسير النسفي ٢/ ٨٨
[ ١ / ٤٨٥ ]
وزن «فعلا»، وقرأ الباقون بضمّ الشين والمد والنصب، على مثال «فعلاء» جمع شريك.
وحجة من كسر الشين أنه جعله مصدرا، وقدّر حذف مضاف، تقديره:
جعلا له ذا شرك أو ذوي شرك، فيرجع ذلك إلى معنى أنهم جعلوا لله شركاء، فإن لم تقدّر في هذه القراءة حذف مضاف، من وسط الكلام، قدّرته في أوله على تقدير: جعلا لغيره شركا، فإن لم يقدر حذف مضاف ألبتة آل الأمر إلى المدح، لأنهما إذا جعلا لله شركا، فيما آتاهما، فقد شركاه على ما آتاهما، فهما ممدوحان، والمراد بالآية الذم لهما بدلالة قوله: ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وما بعده فالمراد به الذم أنهما (^١) جعلا لله فيما آتاهما شركا في النعمة عليهما، فهذا أعظم الذم.
«٦٣» وحجة من ضمّ الشين ومدّه أنه جعله جمع شريك، واختار ذلك لقيام المعنى في الذم، دون تقدير حذف مضاف، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، ولأنك لا تحتاج إلى تقدير حذف من الكلام (^٢).
«٦٤» قوله: (لا يتّبعوكم) قرأه نافع بالتخفيف، ومثله في الشعراء:
﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ (^٣) «٢٢٤». وقرأهما الباقون بالتشديد، وهما لغتان بمعنى، حكى أبو زيد: رأيت القوم فاتبعتهم، إذا سبقوك فأسرعت نحوهم، وتبعتهم مثله. وقد قال: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ «الشعراء ٦٠» وقال: ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ «الأعراف ١٧٦»، وقال بعض أهل اللغة: «تبعه» مخفّفا، إذا مضى خلفه، ولم يدركه. و«اتّبعه» مشددا. إذا مضى خلفه، فأدركه (^٤).
«٦٥» قوله: (طائف) قرأه أبو عمرو وابن كثير والكسائي بغير ألف،
_________________
(١) ب: «انما» وتصويبه من: ص، ر.
(٢) ر: «مضاف في الكلام». وانظر زاد المسير ٣/ ٣٠٢، وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٧٥. وتفسير النسفي ٢/ ٩٠، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٨٥ /ب.
(٣) سيأتي ذكره فيها، الفقرة «١٠».
(٤) الحجة في القراءات السبع ١٤٤. وزاد المسير ٣/ ٣٠٥، وتفسير النسفي ٣/ ٩١، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٣ /أ.
[ ١ / ٤٨٦ ]
مثل «ضيف»، وقرأ الباقون بألف مثل «فاعل».
وحجة من قرأ بغير ألف أنه جعله مصدر «طاف الخيال يطيف طيفا» مثل «كال يكيل»، إذا ألم في المنام، قال أبو عبيدة: طيف من الشيطان يلمّ به، ويقال أيضا: «طاف الخيال يطوف» مثل «قال يقول»، فيكون «طيف» مخفّفا من «طيف» ك «ميت، ميّت»، ودلّ [على] (^١) ذلك أن ابن جبير قرأ «طيف» بالتشديد.
«٦٦» وحجة من قرأه على «فاعل» أنه جعله أيضا مصدرا كالعافية والعاقبة، و«فعل» أكثر في المصادر من فاعل، حكى أبو زيد: طاف الرجل يطوف طوفا، إذا أقبل وأدبر، وأطاف يطيف إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم، وطاف الخيال يطوف (^٢)، إذا ألمّ في المنام. وقيل: الطائف ما طاف به من وسوسة الشيطان، والطيف من الّلمم والمسّ الجنون. وقال الكسائي:
الطيف اللهو، والطائف كل ما طاف حول الإنسان، وعن ابن جبير ومجاهد: الطيف الغضب، وعن ابن عباس طائف لمّة من الشيطان، والاختيار طائف، لأن عليه أكثر القراء (^٣).
«٦٧» قوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ﴾ قرأه نافع بضمّ الياء، وكسر الميم، وقرأ الباقون بفتح الياء، وضمّ الميم، وهما لغتان: مدّ وأمدّ، [ومدّ] (^٤) أكثر بغير ألف، يقال: مددت في الشر وأمددت في الخير. قال الله في الخير ﴿أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ﴾ «المؤمنون ٥٥» وقال: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ﴾ «الطور ٢٢» وقال في الشر: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ﴾ «البقرة ١٥». فهذا يدلّ على قوة الفتح في هذا الحرف، لأنه في الشر. وحكى أبو زيد: أمددت القائد بالجند،
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص، ر.
(٢) ب، ر: «يطيف»، وتصويبه من: ص.
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٤٣ - ١٤٤، وزاد المسير ٣/ ٣٠٩، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٧٩، وتفسير النسفي ٢/ ٩٢، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٦٣ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٨٦ /أ.
(٤) تكملة لازمة من: ص، ر.
[ ١ / ٤٨٧ ]
وأمددت الرواة، وأمددت القوم بمال ورجال. وفتح الياء الاختيار، لما ذكرنا أن «مددت» أكثر، وأنه يستعمل في الشر، والغي هو الشر، ولأن الجماعة عليه (^١).
«٦٨» فيها سبع ياءات إضافة:
قوله: ﴿رَبِّيَ الْفَواحِشَ﴾ «٣٣» أسكنها حمزة، ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ «٥٩» ﴿مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ﴾ «١٥٠» فتحهما الحرميان وأبو عمرو. ﴿مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ «١٠٥» فتحها حفص. ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ «١٤٤» فتحها أبو عمرو وابن كثير. ﴿آياتِيَ الَّذِينَ﴾ «١٤٦» أسكنها حمزة وابن عامر. ﴿عَذابِي أُصِيبُ﴾ «١٥٦» فتحها نافع.
«٦٩» فيها من الزوائد ياء قوله: ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ «١٩٥» قرأ هشام بياء في الوصل والوقف، وقرأ أبو عمرو بياء في الوصل خاصة، وقد اختلف فيها عن ابن ذكوان، والأشهر عنه الحذف في الوصل والوقف. وروي عنه إثباتها في الوصل خاصة، وبالحذف في الحالين قرأت له (^٢).
_________________
(١) زاد المسير ٣/ ٣١٠، والنشر ٢/ ٢٦٥.
(٢) ص: «له، كمل النصف الأول بحمد الله، يتلوه في الثاني سورة الأنفال على بركة الله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم» انظر التبصرة ٧٣ /أ، التيسير ١١٥، والنشر ٢/ ٢٦٥، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٣ /أ.
[ ١ / ٤٨٨ ]