سورة الأنعام مكية، وهي مائة آية وسبع وستون آية في المدني، وخمس في الكوفي
وعن ابن عباس: [أنّ] (^١) ثلاث آيات نزلن بالمدينة قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ «١٥١» إلى تمام الثلاث آيات.
«١» قوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بفتح الياء، وكسر الراء، وقرأ الباقون بضم الياء، وفتح الراء.
وحجة من قرأ بفتح الياء أنه أخبر بالفعل (^٢) عن الفاعل المتقدّم الذكر، وإضماره مستتر في «يصرف»، وشاهده أن في قراءة أبيّ: «من يصرفه الله عنه»، وفي قراءة ابن مسعود «يصرف الله عنه»، فالمعنى: من يصرف الرب عنه يومئذ العذاب فقد رحمه، فالمفعول محذوف، وهو «العذاب»، لدلالة الكلام عليه، ولا يحسن أن يقدّر حرف «ها» مع «يصرف» لأن الهاء، إنما تحذف من الصلات، وليس في الكلام موصول، لأن «من» للشرط لا صلة لها.
«٢» وحجة من ضمّ الياء أنه بنى الفعل لما لم يسمّ فاعله، فأضمر فيه ذكر العذاب، لتقدّم ذكره، وأقامه مقام الفاعل، فلا حذف في الكلام، ويقوّي ذلك قوله: ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ «هود ٨» يعني العذاب، فبناه لما لم يسمّ فاعله، وأضمر فيه العذاب، أقامه مقام الفاعل أيضا، وهو إجماع، وهو الاختيار لأن أكثر القراء (^٣) عليه، ولأنه أقل إضمارا من القراءة بفتح الياء (^٤).
_________________
(١) تكملة موضحة من: ص.
(٢) لفظ «بالفعل» سقط من: ص.
(٣) ص: «الأكثر من القراء».
(٤) التبصرة ٦٦ /أ، والتيسير ١٠١، والنشر ٢/ ٢٤٨، والحجة في القراءات السبع ١١١، وزاد المسير ٣/ ١٢، وتفسير النسفي ٢/ ٥، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣١ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٦٥ /ب.
[ ١ / ٤٢٥ ]
«٣» قوله: ﴿تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء، وقرأ الباقون بالتاء، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص «فتنتهم» بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب.
وحجة من قرأ بالتاء أنه أنّث الفعل لتأنيث لفظ (^١) الفتنة، إن رفع الفتنة أنّث (^٢)، لأن الفاعل مؤنث اللفظ، وإن نصب الفتنة أنّث، لأن الفاعل في المعنى هو الفتنة، لأن خبر كان هو اسمها في المعنى.
«٤» وحجة من قرأ بالياء أنه أتى بلفظ التذكير، لتذكير «أن» وما بعدها، في قوله: (إلا أن) إذا (^٣) نصب «فتنتهم»، فإن رفعها ذكّر، لأن الفتنة المعذرة، والمعذرة والعذر واحد، فذكّر لتذكير العذر، ويجوز أن يكون ذكر لأن «الفتنة» «القول» في المعنى، فذكّر لتذكير «القول»، إذ القول هو الفتنة.
«٥» وحجة من رفع الفتنة أنها لمّا كانت معرفة، وتقدّمت «القول» جعلها اسم كان، و«أن قالوا» الخبر، فأتى بالكلام في الإعراب على رتبته، من غير تقديم ولا تأخير، لا سيما إذا قرئ بالتاء، فهو أقوى لرفع الفتنة، لأن التأنيث في الفعل يدلّ على إضافة الفعل إلى «الفتنة»، فقوي الرفع في «الفتنة»، لتأنيث الفعل، ولتقدّم «الفتنة» في اللفظ، ولأنها معرفة، فأما إذا قرئ «تكن» بالتاء فالرفع يقوى، لتقدّم «الفتنة» في اللفظ، ولأنها معرفة، ولأنها هي «القول» الذي حمل التذكير عليه.
«٦» وحجة من نصب «الفتنة» أنه لمّا وقع بعد «كان» معرفتان، وكان أحدهما أعرف جعله اسم «كان»، وهو «أن» وما بعدها، وإنما كانت أعرف لأنها لا توصف، كما لا يوصف المضمر، فأشبهت المضمر، فجعلت اسم [كان] (^٤) كما يجعل المضمر إذا (^٥) وقع بعد كان اسمها والظاهر خبرها، ولأنها
_________________
(١) لفظ «لفظ» سقط من: ص.
(٢) ب: «فأنث» وتصويبه من: ص.
(٣) ب: «إذ» وتصويبه من: ص.
(٤) تكملة موضحة ليست في: ب، ص.
(٥) قوله: «فأشبهت المضمر .. إذا» سقط من: ص.
[ ١ / ٤٢٦ ]
لا تتنكّر أبدا كما تتنكّر «الفتنة»، وتنفصل عمّا أضيفت [إليه] (^١)، لا سيما إذا قرئ «يكن» بالياء، فهو أقوى في نصب «الفتنة»، لأنه قد بان أن الفعل ل «القول» بالتذكير، والاختيار القراءة بالتاء، ونصب «الفتنة»، لأنها هي القول في المعنى [ولأنها بمعنى العذر] (^٢) ولأن «أن» وما بعدها أعرف، لأن على ذلك أكثر القراء (^٣).
«٧» قوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنا﴾ قرأه حمزة والكسائي «ربنا» بالنصب على النداء المضاف، وفصل به بين القسم وجوابه، وذلك حسن، لأن فيه معنى الخضوع والتضرع حين لا ينفع ذلك، وقرأه الباقون بالخفض، على النعت ل «الله» ﷿، أو على البدل (^٤).
«٨» قوله: (ولا تكذّب، ونكون) قرأه حفص وحمزة «ولا نكذب» بالنصب، وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص «ويكون» بالنصب، ورفعهما الباقون.
وحجة من نصب أنه جعل الفعلين جوابا للتمني، لأنه غير واجب، ليكونا داخلين في التمني، على معنى أنهم تمنوا الردّ، وترك التكذيب، والكون من المؤمنين، والنصب بإضمار «أن» كما تنصب في جواب الاستفهام والأمر والنهي والعرض، لأن جميعه (^٥) غير واجب، ولا واقع بعد، فينصب الجواب مع الواو، كأنه عطف على مصدر الأول، كأنهم قالوا: يا ليتنا يكون لنا ردّ، واتنفاء من التكذيب، وكون من المؤمنين، فحملا على مصدر «يرد» في
_________________
(١) ب: «عما أضيف» والتصويب والتكملة من: ص.
(٢) قبل هذه التكملة المستدركة من «ص» إحالة على حاشية «ب» لكنها امّحت.
(٣) زاد المسير ٣/ ١٦، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٢٧، وتفسير النسفي ٢/ ٧، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣١ /أ - ب، وكتاب سيبويه ١/ ٣٥، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٦٦ /أ.
(٤) التبصرة ٦٦ /ب، والتيسير ١٠٢، والحجة في القراءات السبع ١١٢، وزاد المسير ٣/ ١٧، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣١ /ب.
(٥) ب: «جمعه» ورجحت ما في: ص.
[ ١ / ٤٢٧ ]
العطف، إذ لم يمكن أن يحملا على العطف على «نرد» لانقلاب المعنى إلى الرفع، فلم يكن بدّ من إضمار «أن»، لتكون مع الفعل مصدرا، فيعطف مصدرا على مصدر، وبه يتمّ النصب في الفعلين.
«٩» وحجة من رفعهما أنه عطفهما على «نرد»، فيكون قوله: «ولا نكذب ونكون» داخلين في التمني، تمنّوا ثلاثة أشياء على ما ذكرنا (^١)، ويجوز أن يرفع، على أن يقطعه من الأول، على تقدير: يا ليتنا نردّ، ونحن لا نكذب بآيات ربنا، ونكون من المؤمنين، رددنا أو لم نردّ، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ «٢٨» يدل على كذبهم فيما أخبروا به عن أنفسهم، من أنهم لا يكذبون ويكونون (^٢) من المؤمنين، ولم يتمنوا ذلك في هذا التقدير، لأن التمني لا يقع معه التكذيب، إنما يكون التكذيب في الخبر، إنما التزموه ردّوا أو لم يردوا، حكى سيبويه: دعني ولا أعود، بالرفع على معنى: ولا أعود تركتني أو لم تتركني، ولم يسأل أن يجمع له الترك والعود، وأهل النظر على أن التكذيب لا يجوز في الآخرة، لأنها دار جزاء، على ما كان في الدنيا، والتأويل عندهم: وإنهم لكاذبون في الدنيا، في تكذيبهم للرسل، وإنكارهم البعث، فيكون ذلك حكاية عن الحال [التي كانوا عليها في الدنيا كما قال (وإن ربك ليحكم بينهم) فجعله حكاية عن الحال] (^٣) الآتية. وقد حكي أن أبا عمرو احتجّ للرفع بقوله:
﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ وأجاز التكذيب في الآخرة.
«١٠» وحجة من رفع «نكذب» ونصب «ونكون» أنه رفع الأول على أحد الوجهين المذكورين المتقدمين، على أن يكون داخلا في التمني، فيكون الرفع كالنصب، ونصب «ونكون» على جواب التمني [فكلا الفعلين دخل في التمني] (^٤)، ويجوز رفع «ونكذب» على معنى الثبات على
_________________
(١) ص: «ذكرنا أولا».
(٢) ب: «ويكونوا» وتصويبه من: ص.
(٣) تكملة لازمة من: ص.
(٤) تكملة موضحة من: ص.
[ ١ / ٤٢٨ ]
ترك التكذيب، أي: لا نكذب رددنا أو لم نردّ، فيكون غير داخل في التمني ويكون داخلا في التمني إذا نصبته (^١).
«١١» قوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ قرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء، ومثله في الأعراف ويوسف، غير أن أبا بكر (^٢) يكون معهم في يوسف على التاء، وخيّر أبو عمرو في التاء والياء في سورة القصص، والأشهر عنه الياء. وقرأ نافع وابن ذكوان «أفلا تعقلون» في يس بالتاء (^٣)، وقرأ الباقون بالياء في ذلك كله.
وحجة من قرأ بالياء أنه ردّه على ما قبله، من لفظ الغيبة، في قوله: (خير للذين يتقون)، وكذلك في الأعراف، ردّوه على «يتقون» أيضا، وكذلك في يوسف، ردوه على قوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ «١٠٩».
«١٢» وحجة من قرأ بالتاء أنه جعله خطابا للذين أخبر عنهم بما قبله (^٤).
«١٣» قوله: ﴿وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ﴾ قرأه ابن عامر بلام واحدة، وحفص «الآخرة»، وقرأ الباقون بلامين، ورفع «الآخرة».
وحجة من قرأ بلامين أنه أدخل لام الابتداء على الدال، ورفع «الدار» بالابتداء، وجعل «الآخرة» نعتا لها، والخبر «خير للذين» كما قال: ﴿وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ﴾ «العنكبوت ٦٤» وقال: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ﴾ «القصص ٨٣» فأنّث «الآخرة» صفة ل «الدار» فيهما، ولمّا كانت (^٥) «الآخرة» صفة
_________________
(١) كتاب سيبويه ١/ ٤٩٨، وزاد المسير ٣/ ٢٤، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٢٨، وتفسير النسفي ٢/ ٨، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٦٦ /ب.
(٢) ص: «عاصم».
(٣) الأحرف في السور المذكورة على ترتيب ذكرها هي: (آ ١٦٩، ٢، ٦٠، ٦٢).
(٤) سيأتي ذكر نظائره في سورة الأعراف، الفقرة «٢٧» وسورة يوسف، الفقرة «٢٤»، وسورة القصص، الفقرة «١٣»، وسورة يس، الفقرة «١٥»، وانظر الحجة في القراءات السبع ١١٣، وزاد المسير ٣/ ٢٧، وتفسير النسفي ٢/ ٩، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٢ /أ.
(٥) ب: «كان» ورجحت ما في: ص.
[ ١ / ٤٢٩ ]
لم يصحّ أن تضيف الموصوف إليها، وقد اتسع (^١) في هذه الصفة فأقيمت مقام الموصوف، كما أقيمت الأولى مقام الموصوف، قال الله تعالى ذكره: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى﴾ «الضحى ٤» وهو الاختيار، لإجماع القراء عليه ولصحة معناه في الصفة، والتعريف ل «الدار».
«١٤» وحجة من قرأ بلام واحدة أنه لم يجعل «الآخرة» صفة ل «الدار» فأضاف «الدار» إليها، فلم يمكن دخول الألف واللام عليها للإضافة، و«الآخرة» في الأصل صفة للساعة، كأنه قال، ولدار الساعة الآخرة، فوصف الساعة بالآخرة، كما وصف اليوم بالآخر، في قوله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ «العنكبوت ٣٦» لكن توسع فيها فاستعملت استعمال الأسماء، فجازت الإضافة إليها كما فعلوا ذلك في «الدنيا»، وأصلها الصفة من «الدنو»، وقد تقدّم ذكر «ليحزنك» وبابه وعلته (^٢).
«١٥» قوله ﴿لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ (^٣) قرأ نافع والكسائي بالتخفيف، وشدّد الباقون.
وحجة من خفّفه أنه حمله على معنى: لا يجدونك كاذبا، لأنهم يعرفونك بالصدق، فهو من باب: أحمدت الرجل، وجدته محمودا، ودلّ على صحة ذلك قوله: ﴿وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: يجحدون بأنفسهم ما يعلمون صحته يقينا عيانا عنادا منهم. وحكى الكسائي عن العرب «أكذبت الرجل» إذا أخبرت أنه جاء بكذب، وكذبته إذا أخبرت أنه كذاب. وقيل: معنى التخفيف:
فإنهم لا يجعلونك كذابا، إذ لم يجربوا عليك الكذب. وحكى قطرب: أكذبت الرجل دللت على كذبه، وقيل: التخفيف والتشديد لغتان.
«١٦» وحجة من شدّد أنه حمله على معنى: فإنهم لا ينسبونك إلى الكذب،
_________________
(١) ب: «اتبع» وتصويبه من: ص.
(٢) راجع «باب علل اختلاف القراء في اجتماع الهمزتين» الفقرة «٤، ٥، ٧»، الحرف المتقدم في المقنع ١٠٣، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٦٧ /أ.
(٣) تقدّم له نظير في تفسير سورة البقرة، الفقرة «٥، ٦».
[ ١ / ٤٣٠ ]
كما يقال: فسّقته وخطّأته، نسبته إلى الفسق وإلى الخطأ، فالمعنى: فإنهم لا يقدرون أن ينسبوك إلى الكذب، فيما جئتهم به، لأنه في كتبهم (^١).
«١٧» قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ و﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و﴿أَرَأَيْتَ﴾ «الكهف ٦٣» قرأ نافع في ذلك كله، حيث وقع بتخفيف الهمزة الثانية، وحذفها الكسائي، وحققها الباقون.
وحجة من حقّق أنه أتى بالكلمة على أصلها، والأصل الهمز، لأن همزة الاستفهام دخلت على «رأيت»، فالهمزة عين الفعل، والياء ساكنة، لاتصال المضمر المرفوع بها.
«١٨» وحجة من خفّف الثانية أنه استثقل اجتماع همزتين في فعل، مع اتصال الفعل بضمير، وذلك كله ثقيل، فخفّف الثانية بين الهمزة والألف، على الأصل المتقدم (^٢) الذكر، والياء ساكنة على أصلها، ولم يمتنع تخفيف الهمزة بين بين، مع سكون ما بعدها، لأنها في زنة المخففة المتحركة. وقد روي عن ورش أنه أبدل من الهمزة ألفا، لأن الرواية عنه أنه يمد الثانية، والمد لا يتمكن إلا مع البدل، والبدل فرع على (^٣) الأصول، والأصل أن تجعل الهمزة بين الهمزة المفتوحة والألف، وعليه كل من خفّف الثانية (^٤) غير ورش، وحسن جواز البدل في الهمزة، وبعدها ساكن، لأن الأول (^٥) حرف مدّ ولين، فالمدّ الذي يحذف مع الساكن يقوم مقام حركة، يوصل بها إلى النطق بالساكن الثاني. وقد مضى ذكر هذا (^٦).
_________________
(١) زاد المسير ٣/ ٢٨، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٢٩، وكتاب سيبويه ٢/ ٢٧٨، وأدب الكاتب ٢٧٤، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٦٧ /ب.
(٢) ص: «أصول التخفيف المتقدمة».
(٣) ب: «عن»، ص: «من» ورجحت ما فيه الوجه.
(٤) لفظ «الثانية» سقط من: ص.
(٥) ب: «الاولى» ورجحت ما في: ص.
(٦) راجع «باب علل اختلاف القراء في اجتماع الهمزتين» الفقرة «٤، ٥، ٧»، وانظر أيضا زاد المسير ٣/ ٣٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٢ /ب، وتفسير النسفي ٢/ ١١
[ ١ / ٤٣١ ]
«١٩» قوله: ﴿فَتَحْنا﴾ قرأه ابن عامر هنا وفي الأعراف «فتحنا» [وفي الأنبياء «فتحت» وفي القمر «ففتحنا»] (^١) بالتشديد في الأربعة، وخفّفهن الباقون وكلهم خفّف ما جاء بعده اسم مفرد نحو: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا﴾ «الحجر ١٤» والتخفيف والتشديد لغتان، غير أن التشديد فيه معنى التكثير والتكرير، والتخفيف الاختيار للإجماع عليه (^٢).
«٢٠» قوله: ﴿بِالْغَداةِ﴾ قرأه ابن عامر بالواو، وضمّ الغين، ومثله في الكهف (^٣) وقرأهما الباقون بفتح الغين بألف بعد الدال.
وحجة من قرأ بألف أن «غداة» في كلام العرب نكرة وأدخل عليها الألف واللام للتعريف، و«غدوة» أكثر ما تستعمل معرفة بغير ألف ولام، فترك القراءة بها لثبات الألف واللام في الخط، وهما لا تدخلان على معرفة، فالتزم القراءة ب «غداة» لأنها نكرة، يحسن فيها دخول الألف واللام، ولا يحسن في «غدوة»، لأنها في أكثر اللغات، معرفة بغير ألف ولام، ولا تصرفها العرب، حكي: «أتيتك غدوة باكرا» بغير صرف. وقال سيبويه: غدوة وبكرة، جعل كل واحد منهما اسما للحين، يعني معرفة. وذلك دليل على أنها معرفة فمنعت الصرف، للتأنيث والتعريف.
«٢١» وحجة من قرأ بضمّ العين أن بعض العرب ينكّر «غدوة» فيصرفها في النكرة، فلمّا وجدها تنكّر أدخل عليها الألف واللام للتعريف اتباعا للخط، والاختيار القراءة بالألف، لأنها نكرة بإجماع، لم يستعمل أحد من العرب في «غداة» التعريف فوجب دخول الألف واللام عليها لتتعرف (^٤).
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص. والأحرف على ترتيب ذكرها هي: (آ ٩٦، ٩٦، ١١) وسيأتي ذكرها في سورة الأعراف، الفقرة «٩»، وسورة الزمر، الفقرة «١٦» وسورة القمر الفقرة «٤» وسورة النبأ، الفقرة «٥».
(٢) التبصرة ٦٧ /أ، وزاد المسير ٣/ ٣٩، والنشر ٢/ ٢٤٩، وتفسير النسفي ٢/ ١٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٣ /أ.
(٣) الحرف فيها: (آ ٢٨).
(٤) الحجة في القراءات السبع ١١٥، وزاد المسير ٣/ ٤٦، وتفسير النسفي ٢/ ١٣، وكتاب سيبويه ١/ ١٣٠، ٢/ ٥٢، ٥٦
[ ١ / ٤٣٢ ]
«٢٢» قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ﴾، ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ﴾ قرأ نافع وابن عامر وعاصم «أنه» بالفتح، وقرأ عاصم وابن عامر «فأنه غفور» [بالفتح] (^١)، وقرأ الباقون بالكسر فيهما.
وحجة من كسر «إنه من عمل» أنه جعله تفسيرا للرحمة، فسّرها بالجملة التي بعدها و«أن» تكون مكسورة إذا دخلت على الجمل.
«٢٣» وحجة من كسر «فإنه غفور» أنّ ما بعد الفاء حكمه الابتداء والاستئناف، فكسر لذلك، لأن حكم «إن» في الابتداء والاستئناف الكسر.
«٢٤» وحجة من فتح «أنه من عمل» أنه جعل «أن» بدلا من «الرحمة» على بدل الشيء من الشيء، وهو هو، فأعمل فيها «كتب»، كأنه قال: كتب ربكم على نفسه «أنه من عمل».
«٢٥» وحجة من فتح «فأنه غفور» أنه أضمر خبرا مقدّما، ورفع «ان» بالابتداء، لأن ما بعد الفاء مبتدأ (^٢)، كأنه قال: فله أنه غفور له، أي فله غفران الله، ويجوز رفع «أن» بالظرف المضمر، ويجوز أن يضمر مبتدأ تكون «أن» خبره، تقديره: فأمره غفران ربه له، وقد قيل: إن «أن» الثانية تأكيد وتكرير للأولى (^٣).
«٢٦» قوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بالياء، ورفع «السبيل»، حملوه على تذكير السبيل، إذ قد أضافوا (^٤) الفعل إليه فرفعوه (^٥) به، و«السبيل» تذكر وتؤنث قال الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ﴾
_________________
(١) تكملة موضحة من: ص.
(٢) ب: «يبتدأ» وتصويبه من: ص.
(٣) ب: ص «للأول» فوجهته بما يقيم العبارة، انظر إيضاح الوقف والابتداء ٦٣٣، وتفسير الطبري ١١/ ٣٩٢، ومعاني القرآن ١/ ٣٣٦، وتفسير القرطبي ٦/ ٤٣٦، والحجة في القراءات السبع ١١٤، وزاد المسير ٣/ ٤٩، وتفسير النسفي ٢/ ١٤، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٦٨ /أ.
(٤) ب: «أضاف» وتصويبه من: ص.
(٥) ب: «فرفعه» وتصويبه من: ص.
[ ١ / ٤٣٣ ]
﴿الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ﴾ «الأعراف ١٤٦» فذكّر، ومثله الثاني بعده. وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث «السبيل»، إذ قد أسند الفعل إليه فرفع (^١) به. وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ «يوسف ١٠٨» فأنث.
«٢٧» فأما من قرأ بالتاء ونصب «السبيل»، وهو نافع، فإنه جعل الفعل خطابا للنبي ﷺ، وهو الفاعل، و«السبيل» مفعول به، والاختيار التاء ورفع «السبيل»، فهو أبين في المعنى، وعليه أكثر القراء (^٢).
«٢٨» قوله: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ قرأه الحرميان وعاصم بالصاد، مضمومة غير معجمة، وقرأ الباقون بالضاد، معجمة مكسورة، وأصلها أن يتصل بها ياء، لأنه فعل مرفوع من القضاء، لكن الخط بغير ياء، فتكون الياء حذفت لدلالة الكسرة عليها.
«٢٩» وحجة من قرأ بالصاد غير معجمة أنه جعله من القصص كقوله:
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ «يوسف ٣» و﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ «آل عمران ٦٢».
«٣٠» وحجة من قرأ بالضاد معجمة أنه جعله من القضاء، ودلّ على ذلك أن بعده ﴿خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾، والفصل لا يكون إلا عن قضاء دون قصص، ويقوّي ذلك أن في قراءة ابن مسعود «(إن الحكم إلا لله يقضي بالحق)» فدخول الياء يؤكد معنى القضاء، ولا يوقف عليه في هذه القراءة، لأن أصله الياء، فإن وقفت بالياء، على الأصل، خالفت الخط وإن وقفت بغير ياء خالفت الأصل، والقراءة بالصاد غير معجمة أحب إليّ، لاتفاق الحرميين وعاصم على ذلك، ولأنه لو كان من القضاء للزمت الياء فيه، كما أتت في قراءة ابن مسعود (^٣).
_________________
(١) ب، ص: «فرفعه» ووجهته بطرح الضمير لتقوم العبارة.
(٢) الحجة في القراءات السبع ١١٦، وزاد المسير ٣/ ٥٠، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٣ /أ، والتيسير ١٠٣، وتفسير إعراب مشكل القرآن ٦٨ /ب، وأمالي ابن الشجزي ٢/ ٤٥٥
(٣) زاد المسير ٣/ ٥٢، والمقنع ٣١، وهجاء مصاحف الأمصار ١٥ /أ.
[ ١ / ٤٣٤ ]
«٣١» قوله: ﴿تَوَفَّتْهُ﴾ و﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ قرأهما حمزة بالألف والإمالة، على تذكير الجميع، كما قال ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ «يوسف ٣٠» وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث الجماعة، كما قال: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ﴾ «الحجرات ١٤» و﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ «إبراهيم ١١» و﴿إِذْ جاءَتْهُمُ﴾ ﴿الرُّسُلُ﴾ «فصلت ١٤» وهو الأكثر، وهو الاختيار. والإمالة تحسن فيه. لأن الألف أصلها الياء، لأنه من «هوى يهوى»، ولأن الألف رابعة وخامسة (^١).
«٣٢» قوله: ﴿وَخُفْيَةً﴾ قرأه أبو بكر بكسر الخاء، ومثله في الأعراف (^٢)، وضمّ الباقون، وهما لغتان مشهورتان (^٣).
«٣٣» قوله: ﴿لَئِنْ أَنْجانا﴾ قرأه الكوفيون بألف، من غير تاء، على لفظ الغيبة، لأن بعده: ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ﴾ «٦٤» وبعده: ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ﴾ «٦٥» وقبله: (تدعونه)، والهاء للغائب، وأجراه على ذلك ممّا بعده وممّا قبله، وأماله حمزة والكسائي، لأن أصل الألف الياء، إذ هي رابعة. وقرأ الباقون بالتاء، على لفظ الخطاب، فهو أبلغ في الدعاء والابتهال والسؤال، وهو الاختيار، لأن الأكثر من القراء عليه (^٤).
«٣٤» قوله: ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ﴾ قرأه الكوفيون وهشام بالتشديد، جعلوه (٥) من «نجّا ينجّي»، وقرأ الباقون بالتخفيف جعلوه من «أنجى ينجي» والمعنى واحد، وأصل الفعل «نجا»، ثم يثقل للتعدية بالهمز (^٦) وبالتشديد، فالهمزة فيه كالتشديد في تعديته، وكل واحد يقوم مقام الآخر في التعدي إلى
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ١١٧، وزاد المسير ٣/ ٥٥، ٦٦، وتفسير النسفي ٢/ ١٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٣ /ب.
(٢) الحرف فيها: (آ ٥٥).
(٣) زاد المسير ٣/ ٥٨، وتفسير النسفي ٢/ ١٧، وأدب الكاتب ٤٣٤
(٤) المصاحف ٦٣، وهجاء مصاحف الأمصار ١١ /ب، والمقنع ١٠٣
(٥) ب: «بالهمزة» ورجحت ما في: ص.
[ ١ / ٤٣٥ ]
مفعول. واللغتان في القرآن إجماع، قال الله تعالى جلّ ذكره: ﴿فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ﴾ «العنكبوت ٢٤» وقال: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ﴾ «الأعراف ١٤١» وقال:
﴿فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ «يونس ٧٣» وهما في القرآن كثير، فالقراءتان متعادلتان، غير أن التشديد فيه معنى التكرير للفعل، على معنى «نجاة بعد نجاة» (^١).
«٣٥» قوله (^٢): ﴿وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ قرأه ابن عامر بتشديد السين، وخفّف الباقون. وهو مثل «أنجا ونجّا» يقال: «نسيته وأنسيته»، كما «نجيته وأنجيته» (^٣). وقد تقدّم ذكر الإمالة والاختلاف في: ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ «الأنعام ٧٦» وفي شبهه (^٤)، وفي: ﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾ «الأنعام ٧٧» وفي شبهه ولم يختلف في فتح ما أتى فيه الساكن بعد الهمزة في كلمة، نحو: «رأته ورأوه ورأيته» وشبهه.
«٣٦» قوله: ﴿أَتُحاجُّونِّي﴾ قرأ نافع وابن عامر بتخفيف النون، وشدد الباقون.
وحجة من شدّده أن الأصل فيه بنونين، الأولى علامة الرفع، والثانية فاصلة بين الفعل والياء، فلمّا اجتمع مثلان في فعل، وذلك ثقيل، أدغم إحدى النونين في الأخرى، فوقع التشديد لذلك، ولا بدّ من مد الواو للمشدد، لئلا يلتقي ساكنان، الواو، وأول المشدد، فصارت المدة تفصل بين الساكنين، كما تفصل الحركة بينهما.
«٣٧» وحجة من خفّف أنه (^٥) حذف النون الثانية استخفافا، لاجتماع
_________________
(١) التبصرة ٦٧ /ب، والنشر ٢/ ٢٥٠.
(٢) قبل بدء هذه الفقرة جاء في حاشية «ب» مايلي: «هذا آخر الجزء التاسع من كتاب الكشف».
(٣) ب: «نجيته ونجيته» وتصويبه من: ص.
(٤) راجع «باب أقسام علل الإمالة» الفقرة «١٦» و«فصل في معرفة أصل الألف» الفقرة «٢»، وأنظر التبصرة ٦٧ /ب، وزاد المسير ٣/ ٦٢
(٥) ص: «خفّف النون الثانية انه».
[ ١ / ٤٣٦ ]
المثلين متحركين، وللتضعيف، الذي في الفعل، في الجيم، ولا يحسن أن يكون المحذوف هو النون الأولى، لأنها علم الرفع في الفعل، وحذفها علم النصب والجزم، فلو حذفت استخفافا لاشتبه المرفوع بالمجزوم والمنصوب، وأيضا فإن الاستثقال إنما يقع بالتكرير، فحذف ما يحدث به الاستثقال أولى من غيره، وحذف هذه النون في العربية قبيح مكروه، إنما يجوز في الشعر، لضرورة الوزن، والقرآن لا يحمل على ذلك، إذ لا ضرورة، تلجئ إليه، وقد لحّن بعض النحويين من قرأ به، لأن النون الثانية وقاية للفعل ألا تتصل به الياء، فيكسر آخره فيغيّر، فإذا حذفتها اتصلت الياء بالنون، التي هي علامة الرفع، وأصلها الفتح، فغيرتها عن أصلها وكسرتها، فتغيّر الفعل. والاختيار تشديد النون، لأنه الأصل، ولأن الحذف يوجب التغيير في الفعل، ولأن عليه أكثر القراء (^١).
«٣٨» قوله: ﴿دَرَجاتٍ﴾ قرأه الكوفيون بالتنوين، ومثله في يوسف، وقرأهما الباقون بغير تنوين.
وحجة من نوّن أنه أوقع الفعل على «من» لأنه المرفوع في الحقيقة ليست الدرجات هي المرفوعة المقصود إليها (^٢) بالرفع، إنما المرفوع صاحبها فهو كقوله:
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ «البقرة ٢٥٣».
«٣٩» وحجة من لم ينوّن أنه أوقع الفعل على «درجات»، وأضاف «الدرجات» إلى «من»، لأن الدرجات إذا رفعت فصاحبها مرفوع إليها، ودليله قوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ «غافر ١٥» فأضاف الرفع إلى «الدرجات»، وهو
_________________
(١) التيسير ١٠٤، والحجة في القراءات السبع ١١٨، وزاد المسير ٣/ ٧٦، وكتاب سيبويه ٢/ ١٧٩، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٤ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٦٩ /ب.
(٢) ص: «المقصود بها».
[ ١ / ٤٣٧ ]
لا إله إلا هو الرفيع المتعال في شرفه وفضله، فالقراءتان متقاربتان، لأن من رفعت (^١) درجاته فقد رفع، ومن رفع فقد رفعت درجاته (^٢).
«٤٠» قوله: (واليسع) قرأه حمزة والكسائي بلامين إحداهما (^٣) مدغمة في الأخرى، وإسكان الياء، ومثله في صاد (^٤) وقرأ الباقون بلام واحدة ساكنة، وفتح الياء.
وحجة من قرأ بلام واحدة أنه جعله اسما أعجميا، والأسماء الأعجمية في أبنيتها مخالفة للعربية في الأكثر، فهو معرفة بغير ألف ولام، فالألف واللام فيه زائدتان، إذ هو معرفة بغيرهما، فأصله «يسع» كيزيد ويشكر، معرفتان، لا تدخلهما الألف واللام، إذ لا يتعرف الاسم من وجهين، فلا بد من تقدير زيادة الألف واللام في «اليسع» عند حذّاق أهل النحو. وقد قيل: إنهما للتعريف كسائر الأسماء.
«٤١» وحجة من قرأ بلامين أن أصل الاسم «ليسع»، ثم دخلت الألف واللام للتعريف، ولو كان أصله «يسع» لما دخلته الألف واللام، إذ لا تدخلان على «يزيد ويشكر»، اسمان لرجلين، ولأنهما معرفتان علمان، فإنما أصله «ليسع» نكرة، وقد دخلته الألف واللام للتعريف، والقراءة بلام واحدة أحب إليّ لأن أكثر القراء عليه، والقراءة بلامين حسنة، قوية في الإعراب، ولولا مخالفة الجماعة لاخترتها (^٥).
«٤٢» قوله: (اقتده قل) قرأ حمزة والكسائي بغير هاء
_________________
(١) ب: «رفع» ورجحت ما في: ص.
(٢) سيأتي ذكره في سورة يوسف الفقرة «٢٤»، وانظر الحجة في القراءات السبع ١١٩، وزاد المسير ٣/ ٧٨، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٥٤، وتفسير النسفي ٢/ ٢١، والنشر ٢/ ٢٥١، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٤ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٧٠ /أ.
(٣) ب، ص: «احدهما» وصوبته بما يوجه العبارة.
(٤) الحرف فيها: (آ ٤٨)، وسيأتي في السورة المذكورة، الفقرة «١».
(٥) زاد المسير ٣/ ٧٩، وكتاب سيبويه ٢/ ٤١٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٤ /ب.
[ ١ / ٤٣٨ ]
في الوصل، لأنها هاء سكت، إنما جيء بها في الوقف خاصة، لبيان حركة الدال، فلا وجه لإثباتها في الوصل، لأن الدال متحركة فيه، فهي كألف الوصل التي (^١) جيء بها للابتداء، ولا حظّ لها في الوصل، فمن أثبت الهاء في الوصل كمن همز ألف الوصل في الوصل، وهي أيضا على مذهب البصريين كألف «أنا» التي تحذف في الوصل، وتثبت في الوقف، لبيان حركة النون، وقرأ الباقون بالهاء في الوصل، على نية الوقف، لا على نية الإدراج اتباعا لثباتها في الخط، وإنما تثبت في الخط ليعلم أن الوقف بالهاء، لئلا (^٢) تثبت في الوصل، وأجاز ابن الأنباري (^٣) أن تكون الهاء كناية عن المصدر، فيصح إثباتها في الوصل وتسكن كما أسكنت في ﴿يُؤَدِّهِ﴾ «آل عمران ٧٥» ﴿وَنُصْلِهِ﴾ «النساء ١١٥» على قراءة من أسكنها، وقد حكى ابن الأنباري أن من العرب من يثبت هاء السكت في الوصل والوقف، بنوا الوصل على الوقف غير أن ابن ذكوان يصل الهاء بياء وهشام بكسرها، كأنهما جعلا الهاء لغير السكت، جعلاها كناية عن المصدر، والفعل يدل على مصدره، كأنه في التقدير «اقتد الاقتداء» ففيه معنى التأكيد، كأنه قال:
فبهداهم اقتد اقتد، ثم جعل المصدر عوضا من الفعل الثاني، لتكرّر اللفظ فاتصل بالفعل الأول فأضمر، فجاز كسر الهاء، وصلتها بياء، على ما يجوز في هاء الكناية (^٤).
_________________
(١) لفظ «التي» سقط من: ص.
(٢) ب: «لا لأن» وتصويبه من: ص.
(٣) هو محمد بن القاسم أبو بكر، من أعلم أهل الكوفة بالنحو والأدب، سمع إسماعيل القاضي وأحمد بن الهيثم والكديمي وروي عنه أبو عمر بن حيوية وأبو الحسين بن البواب وأبو الحسن الدارقطني (ت ٣٢٨ هـ) ترجم في تاريخ بغداد ٣/ ١٨١، وأبناه الرواة ٣/ ٢٠١
(٤) راجع سورة البقرة، الفقرة «١٦٩ - ١٧١»، وانظر سورة الزلزلة بأولها، وتفسير الطبري ٥/ ٤٦٠، ومعاني القرآن ١/ ١٧٢، وإيضاح الوقف والابتداء ٣٠٣ - ٣١١، ٤٦٦، والتيسير ١٠٥، والحجة في القراءات السبع ١٢٠، وزاد المسير ٣/ ٨١، وتفسير النسفي ٢/ ٢٢، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٧٠ /ب.
[ ١ / ٤٣٩ ]
«٤٣» قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ﴾ قرأ الثلاث ابن كثير وأبو عمرو بالياء، ردّاه على لفظ الغيبة في قوله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ﴾ وقوله:
﴿إِذْ قالُوا﴾، وقرأهن الباقون بالتاء، ردّوه على المخاطبة التي قبله، في قوله:
﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾، فذلك أقرب إليه، وهو أولى أن يحمل على ما قرب منه ممّا بعد، وأيضا فإن بعده خطابا، فحمل على ما قبله، وما بعده، وهو قوله:
(وعلّمتم ما لم تعلموا أنتم) فحمل على ما قبله وما بعده، فذلك أحسن في المشاكلة والمطابقة، واتصال بعض الكلام ببعض، وهو الاختيار، لهذه العلل، ولأن أكثر القراء عليه (^١).
«٤٤» قوله: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ قرأه أبو بكر بالياء، ردّه على «الكتاب» فأسند الفعل، وهو الإنذار، إلى «الكتاب»، كما قال:
﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ «إبراهيم ٥٢»، وقال ﴿إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ «الأنبياء ٤٥»، وقرأ الباقون بالتاء، على الخطاب للنبي ﵇، فهو فاعل الإنذار، كما قال:
﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ «النازعات ٤٥»، ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ «الأنعام ٥١» (^٢).
«٤٥» قوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرأه نافع والكسائي وحفص بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع.
وحجة من رفع أنه جعل «البين» اسما غير ظرف، فأسند الفعل إليه، فرفعه به، ويقوّي جعل «بين» اسما دخول حرف الجر عليه، في قوله:
﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ «فصلت ٥» و﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ «الكهف ٧٨» ولا يحسن أن يكون مصدرا، وترفعه بالفعل، لأنه يصير المعنى، لقد تقطّع افتراقكم، وإذا انقطع افتراقهم لم يفترقوا، فيحول المعنى، وينقلب المراد، وإنما تمّ على أنهم (^٣) تفرّقوا. وأصل «بين» أن تبيّن عن الافتراق، وقد
_________________
(١) التبصرة ٦٨ /أ، وتفسير الطبري ١١/ ٥٢٤، وإيضاح الوقف والابتداء ٦٤٠، وزاد المسير ٣/ ٨٤، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٧
(٢) زاد المسير ٣/ ٨٥، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٥٦، وتفسير النسفي ٢/ ٢٣
(٣) ص: «والمعنى انهم».
[ ١ / ٤٤٠ ]
استعملت في هذا الموضع وغيره، إذا ارتفعت، بمعنى الوصل، والمعنى: لقد تقطع وصلكم، وإذا تقطع وصلهم افترقوا، وهو المعنى المقصود إليه، وإنما استعملت بضد ما بنيت عليه، بمعنى الوصل، لأنها تستعمل كثيرا مع السببين المتلابسين، بمعنى الوصل، تقول: بيني وبينه شركة، وبيني وبينه رحم وصداقة، فلمّا استعملت في هذه المواضع بمعنى الوصل (^١) جاز استعمالها في الآية كذلك.
«٤٦» وحجة من نصب أنه جعله ظرفا، والتقدير: لقد تقطع وصلكم بينكم. ودلّ على حذف الوصل قوله: (وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء)، فدلّ هذا على التقاطع والتهاجر بينهم وبين شركائهم، إذ تبرؤوا منهم، ولم يكونوا معهم، وتقاطعهم لهم هو ترك وصلهم لهم، فحسن إضمار الوصل بعد «تقطع» لدلالة الكلام عليه. وفي حرف ابن مسعود ما يدلّ على النصب فيه قرأ: «لقد تقطع ما بينكم» وهذا لا يجوز فيه إلا النصب، لأنك ذكرت التقطع، وهو ما كأنه قال: لقد تقطع الوصل بينكم. ويجوز أن تكون القراءة بالنصب كالقراءة بالرفع، على أن «بينا» اسم، لكنه لمّا كثر استعماله ظرفا منصوبا جرى في إعرابه، في حال كونه غير ظرف، على ذلك، ففتح، وهو في موضع رفع، وهو مذهب الأخفش. فالقراءتان على هذا بمعنى واحد، فاقرأ بأيهما شئت (^٢).
«٤٧» قوله: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ قرأ الكوفيون ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ «٩٧» وقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ «٩٩» وكذلك ما بعده، فحمل أول الكلام على آخره في «فعل»، لتكرر ذلك، ويقوّي ذلك إجماعهم على نصب
_________________
(١) ب: «الوصلة» ورجحت ما في: ص.
(٢) زاد المسير ٣/ ٨٩، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٥٨، وتفسير النسفي ٢/ ٢٤، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٤ /ب - ٣٥ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٧١ /أ.
[ ١ / ٤٤١ ]
«الشمس» وما بعده، على إضمار «فعل»، ولم يحملوه على فاعل، فيخفضوه، فأجري ما قبله عليه، للمشاكلة لما بعده، وقرأ الباقون «جاعل» على العطف على «فاعل»، الذي قبله، وخفض «الليل» فشاكلوا بينه وبين ما قبله في اللفظ، كما شاكل من قرأ «جعل» بينه وبين ما بعده في المعنى، ويقوي ذلك أن حكم الأسماء أن تعطف عليها أسماء مثلها، فكان عطف «فاعل» على «فاعل» أولى من عطف (^١) «فعل» على اسم، والقراءتان بمعنى واحد، فجاء على تقوية ما قبله، و«جعل» يقوّيه ما بعده، فاقرأ بأيهما شئت (^٢).
«٤٨» قوله: (فمستقرّ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر القاف، جعلاه اسما غير ظرف، على معنى: فمستقر في الأرحام، بمعنى قارّ في الأرحام، لأن «قرّ واستقر» بمعنى لا يتعديان، ورفعه بالابتداء، والخبر محذوف، أي فمنكم مستقر، أي: فمنكم قارّ في الأرحام، أي: بعضكم قارّ في الأرحام، وبعضكم مستودع في الأصلاب، وقيل: في القبور، وهذا المستودع، في قراءة من كسر القاف، هو الإنسان بعينه، فتعطف اسما على اسم، كما قال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ «الزمر ٦»، وقرأ الباقون بفتح القاف، جعلوه اسم مكان، ورفعه أيضا بالابتداء، والخبر محذوف كالأول، والتقدير: فلكم مستقر، أي مقر، أي مكان تقرون فيه، وتسكنون فيه، ويكون «مستودع» أيضا اسم مكان، على معنى: فلكم استقرار مكان استيداع، «فمستقر»، في قراءة من فتح القاف، ليس هو الإنسان، إنما هو اسم لمكان الإنسان، والمعنى: فلكم مستقر في الأرحام ومستودع في الأصلاب، على معنى:
استقرار ومكان استيداع، فتعطف مكانا على مكان، وهو الاختيار، لأن أكثر القراء عليه (^٣).
_________________
(١) ب: «عطفه» وتصويبه من: ص.
(٢) قوله: «والقراءتان بمعنى … شئت» سقط من: ص، وانظر الحجة في القراءات السبع ١٢١، وزاد المسير ٣/ ٩١، وكتاب سيبويه ١/ ١٠٩، ٢٠٩
(٣) زاد المسير ٣/ ٩٢، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٥٩، وتفسير غريب القرآن ١٥٧، وتفسير النسفي ٢/ ٢٥، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٥ /أ.
[ ١ / ٤٤٢ ]
«٤٩» قوله: (إلى ثمره) قرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم، في موضعين ههنا، وفي موضع في يس (^١)، جعلاه جمع «ثمرة» كخشبة وخشب، ويجوز أن يكون جمع «ثمار» كحمار وحمر، وثمار جمع ثمرة كأكمة وإكام، فهو جمع (^٢) جمع الجمع على هذا، وقرأ الباقون بفتح الثاء والميم، جعلوه جمع تمرة كبقرة وبقر، ما بين واحده وجمه الهاء، والقراءتان حسنتان، وقد شرحنا هذا في الكهف بأشبع من هذا (^٣).
«٥٠» قوله: (وخرقوا) قرأه نافع بالتشديد، على التكثير، لأن المشركين ادعوا أن لله بنات، وهم الملائكة. والنصارى ادّعت أن المسيح ابن الله، واليهود ادّعت أن عزيزا ابن الله، فكثر ذلك من كفرهم، فشدّد الفعل لمطابقة المعنى تعالى الله عما يقولون علّوا كبيرا، وقرأ الباقون بالتخفيف، لأن التخفيف يدلّ على القليل والكثير، ومعنى خرق واخترق واختلق سواء، أي أحدث (^٤).
«٥١» قوله: (درست) قرأ أبو عمرو وابن كثير «دارست» بألف، كفاعلت، وقرأ ابن عامر «درست» بإسكان من غير ألف [وفتح السين] (^٥)، كخرجت، وقرأ الباقون «درست» بفتح التاء [وإسكان السين من غير ألف] (^٦)، كخرجت (^٧).
_________________
(١) الحرف فيها (آ ٣٥) وسيأتي ذكره في سورة الكهف الفقرة، «١٤ - ١٦»، وسورة يس، الفقرة «١٥».
(٢) لفظ «جمع» سقط من: ص.
(٣) انظر سورة الكهف الفقرة «١٤ - ١٦»، والحجة في القراءات السبع ١٢٢، وزاد المسير ٣/ ٩٥، وتفسير النسفي ٢/ ٢٦
(٤) زاد المسير ٣/ ٩٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٦٠، وتفسير غريب القرآن ١٥٧
(٥) تكملة موضحة من: ص.
(٦) تكملة لازمة من: ص.
(٧) زاد المسير ٣/ ١٠٠، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٦٣، وتفسير غريب القرآن ١٥٧، وتفسير النسفي ٢/ ٢٧
[ ١ / ٤٤٣ ]
وحجة من قرأ بألف أنه حمله على معنى: «يقولون دارست أهل الكتاب ودارسوك»، أي: ذاكرتهم وذاكروك، ودلّ على هذا المعنى قوله عنهم: ﴿وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ «الفرقان ٤» أي: يقولون أعان اليهود النبي [ﷺ] (^١) على القرآن وذاكروه فيه، وهذا كله قول المشركين في النبي ﵇ وفي القرآن، ومثله قوله: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ «النحل ٢٤» ومثله قوله عنهم: ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ «الفرقان ٥».
«٥٢» وحجة من قرأ بإسكان التاء أنه أسند الفعل إلى الآيات، فأخبر عنهم أنهم يقولون: عفت وامّحت وتقادمت، ودلّ على ذلك قوله: ﴿قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هو شيء قديم، قد عفا وامّحى رسمه لقدمه.
«٥٣» وحجة من فتح التاء، من غير ألف، أنه أضاف الفعل إلى النبي، فأخبر عنهم أنهم يقولون: درس محمد الكتب، كتب الأولين، فأتى بهذا القرآن منها (^٢).
«٥٤» قوله: ﴿أَنَّها إِذا جاءَتْ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بالفتح، وعن أبي بكر الوجهان.
وحجة من فتح الهمزة أنه جعل «أن» بمنزلة «لعل» لغة فيها، على قول الخليل، حكى عن العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا، أي: لعلك.
ويجوز أن يعمل فيها «يشعركم» فيفتح على المفعول به، لأن معنى شعرت به دريت، فهو في اليقين كعلمت، وتكون «لا» في قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ زائدة، والتقدير: وما يدريكم أيها المؤمنون أن الآية إذا جاءتهم يؤمنون، أي: إنهم لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية التي اقترحوا بها وهذا المعنى، إنما يصحّ على قراءة
_________________
(١) تكملة مستحبة من: ص.
(٢) زاد المسير ٣/ ١٠١، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٦٣، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٥ /أ - ب، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٧١ /ب.
[ ١ / ٤٤٤ ]
من قرأ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ «١١١» و«ما» في الآية استفهام، وفي «يشعركم» ضمير «ما»، والمعنى: وأي شيء يدريكم أيها المؤمنون إيمانهم إذا جاءتهم الآية، أي: لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية. ولا يحسن أن تكون «ما» نافية، لأنه يصير التقدير: وليس يدريكم الله أنهم لا يؤمنون. وهذا متناقض، لأنه تعالى قد أدرانا أنهم لا يؤمنون بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ إلى قوله:
(يجهلون).
«٥٥» وحجة من كسر «أن» أنه استأنف بها الكلام بعد «يشعركم»، والتقدير: وما يشعركم إيمانهم، فالمفعول محذوف، ثم استأنف مخبرا عنهم بما علم فيهم، فقال: (إنها إذا جاءت لا يؤمنون)، ولا يحسن فتح «إن» على إعمال «يشعركم» فيها. و«لا» غير زائدة، لأن ذلك يكون عذرا لهم، ويصير المعنى: وما يدريكم أيها المؤمنون أن الآية ﴿إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لعلهم يؤمنون إذا جاءتهم، فيكون تأخير «الآية» عنهم عذرا لهم، في ترك الإيمان، وهذا لا يجوز لأن الله قد أعلمنا أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، وأن ذلك بمشيئته وإرادته، فإن جعلت «لا» زائدة حسن عمل «يشعركم» في «أن»، لأن التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، أي: لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية التي اقترحوا بها، وهذا كله إنما يصح على قراءة من قرأ «يؤمنون» بالياء، فأما من قرأ «تؤمنون» بالتاء فالخطاب في «يشعركم» للكفار المقترحين الآية. وقد تقدّم ذكر الاختلاس والإسكان في «يشعركم» والحجة في ذلك، والاختيار الفتح لأن عليه الجماعة (^٢).
_________________
(١) ب: «يكون» ورجحت ما في: ص.
(٢) كتاب سيبويه ١/ ٥٤١، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٥ /ب، وزاد المسير ٣/ ١٠٤، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٦٥، وتفسير النسفي ٢/ ٢٨، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٧٢ /أ.
[ ١ / ٤٤٥ ]
«٥٦» قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ قرأه حمزة وابن عامر بالتاء، على الخروج من الغيبة إلى الخطاب، كما قال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثم قال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾، والمراد به القوم الذين اقترحوا الآية دون المؤمنين، على معنى: لعلها إذا جاءتكم الآية التي اقترحتموها لا تؤمنون، أو على معنى: وما يشعركم أيها الكفار المقترحون بالآية أنها إذا جاءتكم تؤمنون، ف «لا» زائدة على هذا التقدير، إذا أعملت «يشعركم» في «أنها»، والضمير في «تؤمنون» للكفار في القراءتين جميعا، والخطاب في «يشعركم» للمؤمنين، إذا قرأت بالياء في ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَجْهَلُونَ﴾ «١١١» كله بلفظ الغيبة، فحمل «يؤمنون» في لفظه على ما قبله وما بعده، فاتسق الكلام كله على نظام واحد، وذلك أفصح وأقوى، وهو الاختيار، مع أن أكثر القراء على الياء (^٢).
«٥٧» قوله: (قبلا) قرأه نافع وابن عامر بكسر القاف، وفتح الباء وقرأ الباقون بضمّهما.
وحجة من قرأ بالضم أنه جعله جمع «قبيل» كرغيف ورغف، فالمعنى:
وحشرنا عليهم كل شيء قبيلا قبيلا، أي: صفا صفا، أي: لو عاينوا ذلك ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، ويجوز أن يكون جمع «قبيل» الذي هو الكفيل، على معنى: وحشرنا عليهم كل شيء كفيلا، أي: يتكفل لهم ما يريدون، ويضمنه لهم ليؤمنوا، وفي كفالة ما لا يغفل آية عظيمة لهم ما آمنوا إلا أن يشاء
_________________
(١) تكملة موضحة من: ص.
(٢) ص: «عليه»، انظر التيسير ١٠٦، والنشر ٢/ ٢٥٢.
[ ١ / ٤٤٦ ]
الله، ويجوز أن يكون معنى «قبلا» مواجهة، أي: يعاينونه ويواجهونه (^١)، حكى أبو زيد: لقيت فلانا قبلا ومقابلة، وقبلا وقبلا، كلّه بمعنى المواجهة، فيكون الضم كالكسر في المعنى، وتستوي القراءتان، ويدل على أن القراءة بالضم بمعنى المقابلة قوله: ﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ «يوسف ٢٦» فهذا من المقابلة لا غير، ألا ترى أن بعده «من دبر» فالدبر ضد القبل.
«٥٨» وحجة من قرأ بالكسر أنه جعله بمعنى المواجهة والمعاينة، أي:
وحشرنا عليهم كل شيء يواجهونه ويعاينونه ما آمنوا إلا أن يشاء الله، وعلى هذه العلل والحجج يجري مجرى حجج الحرف الذي في الكهف غير أن معنى الكفيل لا يحسن في الكهف وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ «الإسراء ٩٢» معناه: معاينة ومواجهة، ولا يحسن فيه معنى الكفيل، لأنه كان يلزم أن يجمع على «فعلا» لأنه في الأصل صفة (^٢).
«٥٩» قوله: (وتمّت كلمة ربّك) قرأه الكوفيون بالتوحيد، وجمع الباقون، وقرأ نافع وابن عامر «كلمات» بالجمع في موضعين في يونس الأول (^٣) «٣٣» والآخر (^٤) في موضع في غافر «٦» وقرأهن الباقون بالتوحيد.
وحجة من جمع أن معنى «الكلمات» في هذا هو ما جاء من عند الله من وعد ووعيد وثواب وعقاب، وأخبار عما كان، وعما يكون، وذلك كثير، فجمع «الكلمات» لكثرة ذلك، وقد أجمعوا على الجمع في قوله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ «يونس ٦٤»، ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ «الأنعام ٣٤» ولا يحسن أن يراد بالكلمات، في هذه المواضع، الشرائع كما قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾
_________________
(١) ب: «يعاينوه ويواجهونه»، ص: «يعاينوه ويواجهوه» ورجحت ما أثبته.
(٢) الحجة في القراءات السبع ١٢٣، وزاد المسير ٣/ ١٠٧، وتفسير غريب القرآن ١٥٨، وتفسير النسفي ٢/ ٢٩، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٦ /أ.
(٣) سيأتي في هذه السورة الفقرة «١٣».
(٤) ب: «الأخيرة» ورجحت ما في: ص.
[ ١ / ٤٤٧ ]
﴿بِكَلِماتٍ﴾ «البقرة ١٢٤» وقال: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ «التحريم ١٢» لأن الشرائع قد تنسخ، ولا يحسن أن تخبر عنها أنها لا تبدل، وإنما تتمّ ولا تتغير، فإنما المراد بالكلمات، في هذه المواضع، الأشياء التي لا يدخلها نسخ.
«٦٠» وحجة من قرأ بالتوحيد أن الواحد في مثل هذا يدّل على الجمع (^١).
أجمعوا على التوحيد في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ «الأعراف ١٣٧» وقال تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ «الفتح ٢٦» وهي كلمة: لا إله إلا الله، في قول أكثر المفسرين، فلمّا كان لفظ الواحد يدلّ على الجمع، وكان أخف، قرئ بالتوحيد، إذ هي على معنى قراءة من قرأ بالجمع، وهو أخفّ، والاختيار الجمع، لأنه الأصل، وبه يرتفع الإشكال وعليه أكثر القراء في الأنعام (^٢).
«٦١» قوله: (منزّل) قرأ ابن عامر وحفص بالتشديد، جعلاه من «نزّل»، وهما لغتان بمعنى [واحد] (^٣)، يقال: نزّل وأنزل، لكن في التشديد معنى التكرير، وقرأ الباقون بالتخفيف، جعلوه من «أنزل» (^٤).
«٦٢» قوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قرأه نافع والكوفيون ﴿مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾. وقد أجمعوا على الفتح في قوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾ «الأنعام ٩٧» و﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ «الأنعام ١٥١» و﴿أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا﴾ «الأنعام ١٥٠» فحمل الفعلان على نظام واحد، لأن المفضّل هو المحرّم في المعنى، وقرأ الباقون بضم الحاء والفاء، وكسر الراء والصّاد (^٥)، بنوا الفعلين على
_________________
(١) ب: «الكثرة» ورجحت ما في: ص.
(٢) التبصرة ٦٨ /ب، وزاد المسير ٣/ ١١٠، وتفسير النسفي ٢/ ٣٠
(٣) تكملة موضحة من: ص.
(٤) راجع سورة النساء، الفقرة «٧٤».
(٥) لفظ «الصاد» سقط من: ص.
[ ١ / ٤٤٨ ]
ما لم يسمّ فاعله، كما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ «المائدة ٣» وقال:
﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ «الأنعام ١١٤» فهو من «فصل»، ولمّا ضم الأول ضمّ الثاني، لأنه هو في المعنى، فأما من ضمّ «حرّم» وفتح «فصل» فإنه بنى «فصل» للفاعل، ففتحه لتقدم ذكره، ولقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾، وحمل «حرم» على قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فضمّه، والاختيار فتح الأول والثاني، لأن الجماعة عليه، ولصحة معناه (^١).
«٦٣» قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ قرأ الكوفيون ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ في يونس «٨٨» بضمّ الياء «ليضلوا»، وقرأ الباقون بالفتح، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء في إبراهيم وفي الحجّ وفي لقمان وفي الزّمر (^٢)، وقرأهن الباقون بالضمّ.
وحجة من فتح في جميعها أنه جعله فعلا (^٣) ثلاثيا غير متعدّ، يقال: ضلّ فلان يضلّ في نفسه، لا يدلّ على إضلاله غيره، فلا يتعدّى ألبتة، لأنه ثلاثي.
«٦٤» وحجة من ضمّ الياء أنه جعله فعلا رباعيا، متعدّيا إلى مفعول محذوف، والمعنى: ليضلون الناس، فهو أبلغ في ذمهم لأنهم لا يضلون الناس إلا وهم ضالون في أنفسهم، وليس إذا ضلّوا في أنفسهم يضلون أحدا بذلك الضلال، فالضم يتضمن معناه ومعنى الفتح، فهو أبلغ، ولا يتضمن الفتح معنى الضم، والضم أقوى وهو الاختيار (^٤).
«٦٥» قوله: (رسالته) قرأ ابن كثير وحفص بالتوحيد، وفتح التاء، لأنه مفعول به، وقرأ الباقون بالجمع، وكسر التاء، وقد تقدّم الكلام على ذلك في
_________________
(١) زاد المسير ٣/ ١١٢، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٦٨، وتفسير النسفي ٢/ ٣١، والنشر ٢/ ٢٥٣
(٢) الأحرف في هذه السور على ترتيبها ذكرا: (آ ٣٠، ٩، ٦، ٨) وسيأتي ذكر الحرفين الأولين منها كلا في سورته سوى حرف لقمان، الفقرة «٣، ١٦، ١٠».
(٣) لفظ «فعلا» سقط من: ص.
(٤) زاد المسير ٣/ ١١٣، وتفسير النسفي ٢/ ٣١
[ ١ / ٤٤٩ ]
المائدة، والاختيار الجمع، لأن عليه أكثر القراء، ولأنه أدل على المعنى، لكثرة رسائل الله جلّ ذكره (^١).
«٦٦» قوله: (ضيّقا) قرأ ابن كثير بالتخفيف، هنا، وفي الفرقان (^٢) على حذف إحدى الياءين استخفافا واستثقالا لياء مشدّدة مكسورة.
والمحذوفة هي الثانية، لأن بها وقع الاستثقال، ولأنها قد غيّرت، فهو بمنزلة «ميت»، وقرأ الباقون بالتشديد للياء، لأنه الأصل، كميت، وأصله ياءان أدغمت الأولى في الثانية، فالأولى زائدة، والثانية عين الفعل أصلية، لأنه من «ضاق يضيق» مثل «كال يكيل»، وهو الاختيار، لأنه الأصل، ولأن أكثر (^٣) القراء عليه (^٤).
«٦٧» قوله: (حرجا) قرأ نافع وأبو بكر بكسر الراء، جعلاه اسم فاعل كفرق وحذر، ومعناه الضيق، كرّر المعنى، وحسن ذلك لاختلاف اللفظ، فالمعنى: يجعل صدره ضيقا، إنما يقال: فلان حرج أي آثم. وقرأ الباقون بفتح الراء، جعلوه مصدرا وصف به، ك «دنف وقمن»، قال أبو زيد:
حرج عليه السحور يحرج حرجا، إذا أصبح قبل أن يتسحّر. وحكى أبو زيد:
حرج فلان يحرج حرجا، إذا هاب أن يتقدم على الأمر، أو قاتل فصبر وهو كاره.
وقيل: من فتح جعله جمع حرجة، وهو ما التف من الشجر، وقد اختلف في فتح الراء وكسرها عند عمر بن الخطاب، فسأل ابن الخطاب رجلا من
_________________
(١) راجع سورة المائدة، الفقرة «٢٧، ٢٨».
(٢) الحرف فيها: (آ ١٣)، وسيأتي ذكره في سورة النحل، الفقرة «٢٣»، وسورة الفرقان، الفقرة «٣».
(٣) لفظ «أكثر» سقط من: ص.
(٤) الحجة في القراءات السبع ١٢٤، وزاد المسير ٣/ ١٢٠، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٧٥، وتفسير النسفي ٢/ ٣٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٦ /ب.
[ ١ / ٤٥٠ ]
كنانة (^١) راعيا فقال: ما الحرجة عندكم؟ قال الحرجة الشجرة تكون بين الأشجار، لا تصل إليه راعية ولا وحشية ولا شيء. فقال عمر: كذلك قلب المنافق، لا يصل إليه شيء من الخير، فيكون المعنى أن الله جلّ ذكره وصف صدر الكافر بشدة الضيق، عن وصول الموعظة (^٢) إليه، ودخول الإيمان فيه، فشبهه في امتناع وصول المواعظ إليه بالحرجة (^٣) وهي الشجرة التي لا يوصل إليها لرعي ولا لغيره فهذا يدل على الفتح، وهو الاختيار لصحة معناه، لأن أكثر القراء عليه (^٤).
«٦٨» قوله: (كأنّما يصّعد) قرأه ابن كثير بإسكان الصاد، مخفّفا الصعود، وهو الطلوع، شبّه الله جلّ ذكره الكافر في نفوره عن الإيمان، وثقله عليه بمنزلة من تكلّف ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يطاق. وقرأ أبو بكر بالتشديد وبألف، بناه على مستقبل «تصاعد»، فأدغم التاء في الصاد، وأصله «تتصاعد»، فهو على مثل الأول، غير أنه فيه (^٥) معنى فعل شيء بعد شيء، وذلك أثقل على فاعله، فهو بمعنى يتعاطى، معناه: يريد أن يفعل ما لا يطيقه.
وقرأ الباقون بالتشديد، من غير ألف، وهو كالذي قبله، معناه: يتكلّف ما لا يطيق شيئا بعد شيء، كقولك: يتجرع ويتفرّق (^٦).
«٦٩» قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ قرأه حفص بالياء، ردّه في الغيبة على قوله: ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ «١٢٧» وهو الثاني في
_________________
(١) هي قبيلة ضخمة، من قبائل كلب، ومنها بنو عدي وزهير وعليم، بني جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر، وهم بطون ضخمة انظر جمهرة أنساب العرب ٤٥٦، ٧٤٩
(٢) ص: «الوعظ».
(٣) ب، ص: «بالحرج» فأثبت ما به الوجه.
(٤) التبصرة ٦٩ /أ، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٧٥
(٥) ب: «في» ورجحت ما في: ص.
(٦) تفسير غريب القرآن ١٦٠
[ ١ / ٤٥١ ]
هذه السورة ومثله الثاني في يونس وفي الفرقان: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ ومثله في سبأ (^١)، وافقه ابن كثير على الياء في الفرقان، وقرأ الباقون بالنون في الأربعة، على الإخبار من الله جل ذكره عن نفسه، فأتى بلفظ الإخبار بعد لفظ الغيبة، وهو كثير، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ «العنكبوت ٢٣» ودليله قوله: ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾ «٤٧» وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ «طه ١٢٤» (^٢).
«٧٠» قوله: ﴿عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ قرأه ابن عامر بالتاء، حمله على الخطاب الذي بعده، وهو قوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ «١٣٣» وما بعده: (كما أنشأكم)، وقرأ الباقون بالياء، حملوه على الغيبة التي قبله، وهو قوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ وقوله قبل ذلك: ﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ «١٣١» وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (^٣).
«٧١» قوله: (مكانتكم) قرأه أبو بكر بالجمع، حيث وقع، جعله جمع مكانة، وهي الحالة التي هم عليها، فلمّا كانوا على أحوال مختلفة من أمر دنياهم جمع، لاختلاف الأنواع وهو مصدر، فالمعنى: اعملوا على أحوالكم التي أنتم عليها، فليس يضرّنا ذلك، وفي الكلام معنى التهدد والوعيد بمنزلة قوله:
﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ «المرسلات ٤٦» وقرأ الباقون بالتوحيد، لأنه مصدر يدّل على القليل والكثير من صنفه، من غير جمع ولا تثنية، وأصل المصدر أن لا يثنّى ولا يجمع، لأن فائدته فائدة الفعل، إذ الفعل منه أخذ، فكما لا يجمع الفعل كذلك لا يجمع المصدر، إلا أن تختلف أنواعه، فيشابه المفعول، فيجوز
_________________
(١) الأحرف على ترتيب ذكرها هي: (آ ٢٨، ١٧، ٤٠) وسيأتي الأول والثالث كلا في سورته، الفقرة «١٨، ٢٣».
(٢) زاد المسير ٣/ ١٢٣، والتيسير ١٠٧، وتفسير النسفي ٢/ ٣٣، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٧٣ /ب.
(٣) ص: «عليه الجماعة»، وانظر زاد المسير ٣/ ١٢٦، وتفسير النسفي ٢/ ٣٤
[ ١ / ٤٥٢ ]
جمعه، وأصله أن لا يجمع، يقال: مكن الرجل مكانه، فكأنه قال: اعملوا على حالكم وأمركم في دنياكم، على التهدد والوعيد. والتوحيد أحب إليّ، لأن الجماعة عليه، ولأنه أخف، وهو الأصل (^١).
«٧٢» قوله: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء، ومثله في القصص (^٢)، ذكّر الفعل لمّا فرّق بين المؤنث وفعله، ولأن العاقبة تأنيثها غير حقيقي، ولأنها لا ذكر لها من لفظها، وقرأهما الباقون بالتاء، على تأنيث لفظ العاقبة، وهما سواء في النظر، وقد قال الله جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ «البقرة ٢٧٥»، وقال: ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ «يونس ٥٧»، وقال: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ «هود ٦٧»، وقال: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ «هود ٩٤» فالقراءتان متعادلتان، والتأنيث هو الأصل (^٣).
«٧٣» قوله: (بزعمهم) قرأه الكسائي بضم الزاي، وفتح الباقون، وهما لغتان مشهورتان. وقد قيل: من فتحه جعله مصدرا، ومن ضمه جعله اسما كالنّصب والنّصب (^٤).
«٧٤» وقوله: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ قرأ ابن عامر «زين» بضمّ الزاي، على ما لم يسمّ فاعله «قتل» بالرفع، على أنه مفعول لم يسم فاعله، «أولادهم» بالنصب أعمل فيه القتل، «شركائهم» بالخفض على إضافة القتل إليهم، لأنهم الفاعلون، فأضاف الفعل إلى فاعله، على ما يجب في الأصل لكنه فرّق بين المضاف والمضاف إليه، فقدّم المفعول، وتركه منصوبا على حاله، إذ (^٥) كان متأخرا في المعنى، وأخر المضاف، وتركه مخفوضا، على حاله،
_________________
(١) انظر سورة يس الفقرة «١٥»، وزاد المسير ٣/ ١٢٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٧٨، وتفسير غريب القرآن ١٦٠، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٧ /أ.
(٢) الحرف فيها (آ ٣٧) وسيأتي في سورته، الفقرة «٩».
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٢٥
(٤) زاد المسير ٣/ ١٢٠، والقاموس المحيط «زعم».
(٥) ب: «إذا» وتصويبه من: ص.
[ ١ / ٤٥٣ ]
إذ كان متقدما بعد القتل، وهذه القراءة فيها ضعف، للتفريق بين المضاف والمضاف إليه لأنه إنما يجوز مثل هذا التفريق في الشعر، وأكثر ما يجوز في الشعر مع الظروف، لا تساعهم في الظروف، وهو في المفعول به في الشعر بعيد. فإجازته في القرآن أبعد. وقرأ الباقون بفتح الزاي على ما يسمى فاعله، ونصبوا «قتل» ب «زين»، وخفضوا «الأولاد» لإضافة «قتل» إليهم، أضافوه إلى المفعول، ورفعوا «الشركاء» بفعلهم التزيين، فهو الأصل، والمصدر يضاف إلى المفعول به، أو إلى (^١) الفاعل، وأصله أن يضاف إلى الفاعل، لأنه هو أحدثه، ولأنه لا يستغنى عنه، ويستغنى عن المفعول، وإنما جاز أن يضاف إلى المفعول كما جاز أن يقوم المفعول مقام الفاعل، ولا يحسن أن يرتفع «الشركاء» بالقتل، لأنه يبقى «زين» بغير فاعل، و«الشركاء» ليسوا قاتلين، إنما هم مزينون. إنما القاتلون المشركون، زيّن لهم شركاؤهم الذين يعبدونهم قتلهم أولادهم، فالمعنى: قتلهم أولادهم، ثم حذف المضاف إليه، وهو الفاعل، وأقيم «الأولاد» وهم مفعول بهم، مقام الفاعل، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾ «فصّلت ٤٩» أي: من دعائه الخير، فالهاء فاعلة «الدعاء»، فحذفت وأقيم «الخير» مقامها، فخفض بالإضافة، فهذه القراءة هي الاختيار، لصحة الإعراب فيها ولأن عليها الجماعة (^٢).
«٧٥» قوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ قرأ أبو بكر وابن عامر «وإن تكن» بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، وقرأ ابن كثير وابن عامر «ميتة» بالرفع. وقرأ الباقون بالنصب.
وحجة من قرأ بالتاء ورفع «الميتة»، وهو ابن عامر، أنه أنّث لتأنيث لفظ
_________________
(١) ص: «المفعول إلى».
(٢) تفسير ابن كثير ٢/ ١٧٩، وتفسير النسفي ٢/ ٣٥، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٧ /أ - ب، وكتاب سيبويه ١/ ١٧٤، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٧٤ /أ.
[ ١ / ٤٥٤ ]
«الميتة» وجعل «كان» بمعنى «حدث ووقع» تامة، لاتحتاج الى خبر، فرفع «ميتة» بفعلها.
«٧٦» وحجة من قرأ بالياء ورفع «ميتة»، وهو ابن كثير، أنه ذكّر لمّا كان تأنيث «الميتة» غير حقيقي، ولأن «ميتة وميتا» بمعنى، وجعل «كان» تامة غير محتاجة إلى خبر، بمعنى «حدث ووقع»، فرفع «ميتة» بها كالأول.
«٧٧» وحجة من قرأ بالياء والنصب، وعليه أكثر القراء، وهو الاختيار أنه ذكّر الفعل لتذكير «ما» في قوله: ﴿ما فِي بُطُونِ﴾ لأن الفعل ل «ما» وجعل «كان» ناقصة، تحتاج إلى خبر، فأضمر فيها اسمها، وهو ضمير «ما» في قوله: ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ﴾ ونصب «ميتة» على خبر «كان»، والتقدير: وإن يكن ما في بطون الأنعام ميتة فهم في أكله شركاء.
«٧٨» وحجة من قرأ بالتاء ونصب «ميتة» وهو أبو بكر أنه أنّث، لتأنيث معنى «ما» (^١)، لأنها هي «الميتة» في المعنى، ف «ما» في المعنى مؤنثة، ألا ترى أن الخبر عنها مؤنث، في قوله: ﴿خالِصَةٌ﴾، فلمّا كانت «كان» تدخل على الابتداء والخبر، وهو (^٢) الابتداء أنّث لفظ الفعل حملا على معنى «ما»، وصيّر ما في كان اسم كان و«ميتة» خبرها (^٣).
«٧٩» قوله: ﴿قَتَلُوا﴾ قرأه ابن كثير وابن عامر بالتشديد، وخفّف الباقون (^٤) وقد تقدّم ذكر علته، وفي التشديد معنى التكرير (^٥).
_________________
(١) لفظ «ما» سقط من: ص.
(٢) ب: «والخبر والخبر هو» وتوجيهه من: ص.
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٢٦، وزاد المسير ٣/ ١٣٣، وتفسير النسفي ٢/ ٣٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٧ /ب، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٧٤ /ب.
(٤) ص: «وقرأ الباقون بالتخفيف».
(٥) راجع سورة آل عمران، الفقرة «٩٤»، وسيأتي في سورة براءة، الفقرة «٢٨».
[ ١ / ٤٥٥ ]
«٨٠» قوله: ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الحاء وكسرها الباقون، وهما لغتان مشهورتان، والكسر عند سيبويه هو الأصل، وهو الاختيار، لأنه الأصل، ولأن الأكثر عليه (^١).
«٨١» قوله: ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ﴾ قرأ نافع وأهل الكوفة بإسكان العين، وفتحها الباقون، وهما لغتان في جمع «ماعز»، وقيل: من فتح جعله جمع «ماعز» كحارس وحرس، وخادم وخدم، كما أن الضأن جمع ضائن، فعامل المشاكلة في اللفظين، ومن أسكن جعله جمع «ماعز» أيضا كصاحب وصحب، فهو عند سيبويه اسم للجمع، يصغّره على لفظه، وهو عند الأخفش جمع، يرده في التصغير إلى واحده، ثم يجمعه، فهو في القراءتين جمع «ماعز» على «فاعل» و«فاعل» يأتي جمعه على «فعل» وعلى «فعل» على ما مثّلنا وذكرنا، فالقراءتان متساويتان، ولا يحسن أن يكون المعنى واحدا (^٢) لأن بعده اثنين (^٣).
«٨٢» قوله: ﴿إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ قرأ ابن كثير وحمزة وابن عامر بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، وكلهم نصب «ميتة» إلا ابن عامر، فإنه رفع.
وحجة من قرأ بالتاء أنه حمله على المعنى، لأن المحرّم لا بد أن يكون عينا أو نفسا أو جثة، وهذه كلها مؤنثة، فأنّث لذلك، وفي «كان» اسمها وهو العين أو النفس أو الجثة، و«ميتة» الخبر.
«٨٣» وحجة من قرأ بالياء أنه حمل الكلام على اللفظ، لأن «لا أجد» يدلّ على نفي الموجود، والتقدير: قل يا محمد لا أجد فيما أوحي إليّ محرما على طاعم يطعمه، إلا أن يكون الموجود ميتة أو كذا أو كذا، فإنه رجس.
_________________
(١) ص: «ولأن عليه أكثر القراء»، انظر كتاب سيبويه ٢/ ٢٥٧، والحجة في القراءات السبع ١٢٧، وزاد المسير ٣/ ١٣٥، وتفسير النسفي ٢/ ٣٧، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٨ /أ.
(٢) ب: «وحد» وتصويبه من: ص.
(٣) التيسير ١٠٨، والنشر ٢/ ٢٥٦، وزاد المسير ٣/ ١٣٨، وكتاب سيبويه ٢/ ٢٣٩
[ ١ / ٤٥٦ ]
«٨٤» وحجة من نصب «ميتة» أنه أضمر في «كان» اسمها، لتقدّم ما يدل عليه، ونصب «ميتة» على الخبر.
«٨٥» وحجة من رفع «ميتة» «أنه» جعل «كان» بمعنى «حدث ووقع» تامة لا تحتاج إلى خبر، فرفع «ميتة» ب «كان»، وحمل التأنيث على لفظ «ميتة» (^١).
«٨٦» قوله: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي بالتخفيف في «الذال»، على حذف إحدى التاءين استخفافا، وذلك إذا كان أصله «تتذكرون». وذلك حيث وقع، وقرأ الباقون بالتشديد في «الذال»، على إدغام التاء الثانية من «تتذكرون» في الذال، وفي التشديد معنى تكرير التذكّر، كأنه تذكر بعد تذكر، ليتفهم من خوطب بذلك. وعلته كالعلة في «تظاهرون»، وقد مضى ذكرها (^٢).
«٨٧» قوله: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي﴾ قرأه حمزة والكسائي بكسر الهمزة، وفتحها الباقون، وكلهم شدّد إلا ابن عامر، فإنه خفّفها مع فتح الهمزة.
وحجة من فتح أنه حمله على إضمار اللام، ف «أن» في موضع نصب لحذف الخافض، والتقدير: ولأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، أي اتبعوه لأنه مستقيم، والفاء في «اتبعوه» بمنزلتها في قولك: يزيد فامرر.
«٨٨» وحجة من كسر «أن» أنه جعلها مبتدأة مستأنفة، فكسرها لذلك، فالفاء في هذه القراءة عاطفة جملة على جملة، بخلافها في القراءة الأخرى.
«٨٩» وحجة من خفّف «أن» أنه جعلها «أن» المخففة من الثقيلة، وفتحها على إضمار اللام كما تقدّم، ويكون هذا، في قراءة من خفّف «أن»، في موضع رفع بالابتداء، ومع «أن» ضمير القصة، وعلى هذه الشريطة
_________________
(١) التبصرة ٦٩ /ب، وزاد المسير ٣/ ١٤٠، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٨٣، وتفسير النسفي ٢/ ٣٨، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٧٥ /ب.
(٢) راجع سورة البقرة، الفقرة «٤٦، ٤٧»، وانظر كتاب سيبويه ٢/ ٥١٣
[ ١ / ٤٥٧ ]
تخفيف (^١) المفتوحة بخلاف تخفيف المكسورة التي تضمر معها الهاء، وهي اسمها (^٢).
«٩٠» قوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالياء لتذكير معنى (^٣) الملائكة، وقرأ الباقون بالتاء، على تأنيث لفظ الملائكة، وهو في العلة مثل ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ (^٤) «آل عمران ٣٩».
«٩١» قوله: ﴿فَرَّقُوا﴾ قرأه حمزة والكسائي بألف، من المفارقة والفراق، على معنى أنهم تركوا دينهم وفارقوه، ومثله في الروم (^٥)، وقرأهما الباقون بتشديد الراء، من غير ألف، من التفريق، والتفريق على معنى أنهم فرقوه، فآمنوا ببعض، وكفروا ببعض، ففرّقوا إيمانهم ودينهم. وقد قال عنهم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ «النساء ١٥٠»، ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ «النساء ١٥٠»، فالقراءتان متقاربتان، لأن من فارق الإيمان فقد بان منه (^٦). وقد روى أبو هريرة أنّ النبي ﵇ كان يقرأ «فارقوا» بألف، وكذلك قرأ علي بن أبي طالب، وكان يقول: ما فرّقوه ولكن فارقوه (^٧).
«٩٢» قوله: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر بكسر القاف، والتخفيف، وفتح الياء. وقرأ الباقون بفتح القاف، وكسر الياء، والتشديد.
_________________
(١) ب: «تخفف» ورجحت ما في: ص.
(٢) زاد المسير ٣/ ١٥١، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٩٠، والنشر ٢/ ٢٥٧، وتفسير النسفي ٢/ ٤٠، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٣٨ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٧٦ /أ.
(٣) لفظ «معنى» سقط من: ص.
(٤) راجع سورة آل عمران، الفقرة «٢٣ - ٢٥»، وسيأتي نظيره في أول سورة النحل.
(٥) الحرف فيها: (آ ٣٢).
(٦) ص: «منه ومن فرقه فقد بان منه».
(٧) روى ذلك الطبري بسنده ١٢/ ٢٧٠، وأيضا ١٢/ ٢٦٨، وزاد المسير ٣/ ١٥٨، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٩٦، وتفسير النسفي ٢/ ٤٢
[ ١ / ٤٥٨ ]
وحجة من كسر القاف وخفّف (^١) أنه جعله مصدرا كالشبع، وكان القياس ألا يعلّه (^٢) كما لم يعل (^٢) «عوضا» و«حولا»، فعلّته خارجة عن القياس، وأصل الياء فيه واو، وقد فعلوا ذلك في «ثيرة وجياد» جمع ثور وجواد، فأعلّوا، فكان القياس أن لا يعلّ كما قالوا: طوال، فلم يعلّوا، وقد ذكرنا، نصب «دينا» في تفسير مشكل الإعراب (^٣).
«٩٣» وحجة من قرأ بفتح القاف مشدّدا، مكسور الياء، أنه جعله صفة للذين، وهو «فيعل» (^٤) من «قام» بالأمر، فأصله «قيوم» ثم أدغمت الياء في الواو كميّت، ومعنى «قيم» مستقيم، أي: دينا مستقيما لا عوج فيه (^٥).
«٩٤» فيها من ياءات الإضافة ثماني: قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ «١٥»، ﴿إِنِّي أَراكَ﴾ «٧٤» فتحهما الحرميان وأبو عمرو.
قوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ «١٤»، ﴿مَماتِي لِلّهِ﴾ «١٦٢» فتحهما نافع.
قوله: ﴿وَجْهِيَ لِلَّذِي﴾ «٧٩» فتحها نافع وابن عامر وحفص.
وقوله: ﴿رَبِّي إِلى صِراطٍ﴾ «١٦١» فتحها نافع وأبو عمرو.
وقوله: ﴿صِراطِي﴾ «١٥٣» فتحها ابن عامر.
قوله: ﴿مَحْيايَ﴾ «١٦٢» أسكنها قالون، وعن ورش الوجهان.
فيها زائدة: قوله: ﴿وَقَدْ هَدانِ﴾ «٨٠» أثبتها أبو عمرو في الوصل (^٦).
***
_________________
(١) ب: «كسر وخفف القاف» وتوجيهه من: ص.
(٢) ب: «يعمله، يعمل» وتصويبه من: ص.
(٣) انظر الكتاب المذكور ٧٦ /ب.
(٤) ب: «فعيل» وتصويبه من: ص.
(٥) زاد المسير ٣/ ١٦٠
(٦) التبصرة ٦٩ /ب، والتيسير ١٠٨ - ١٠٩، والنشر ٢/ ٢٥٧، والمختار في قراءات أهل الأمصار ٣٨ /ب.
[ ١ / ٤٥٩ ]