سورة (^١) الأنفال مدنية، وهي سبعون آية وست (^٢) في المدني، وخمس في الكوفي
«١» قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قرأه نافع بفتح الدال، وقرأ الباقون بالكسر.
وحجة من فتح أنه بناه على ما لم يسمّ فاعله، لأن الناس الذين قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة، أي: أنزلوا إليهم لمعونتهم على الكفار.
ف «مردفين» بفتح الدال نعت ل «ألف»، وقيل: هو حال من الضمير المنصوب في «ممدكم»، أي: ممدكم في حال إردافكم ب «ألف» من الملائكة.
«٢» وحجة من كسر الدال أنه بناه على ما سمي فاعله، فجعله صفة ل «ألف» أي: بألف من الملائكة مردفين لكم، يأتون لنصركم بعدكم. حكى الأخفش: بنو [فلان] (^٣) يردفوننا، أي: يأتون بعدنا، فيكون المعنى: فاستجاب لكم ربكم أني ممدّكم بألف من الملائكة جائين بعد استغاثتكم ربكم. وقيل: إن معناه: بألف من الملائكة مردفين غيرهم خلفهم لنصركم. فالمفعول محذوف. وحكى أبو عبيدة: إن «ردفني وأردفني» واحد. وكسر الدال أحب إليّ، لأنه قد يكون بمعنى الفتح، ولأن عليه أكثر القراء (^٤).
«٣» قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ قرأه نافع بضمّ الياء والتخفيف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والتخفيف، وبألف بعد الشين. وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الغين، والتشديد من غير ألف. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع «النعاس»، وقرأ بالنصب الباقون (^٥).
وحجة من قرأ بألف ورفع «النعاس» أنه أضاف الفعل إلى «النعاس»
_________________
(١) ص: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، سورة».
(٢) ص: «ست وسبعون».
(٣) تكملة لازمة من: ص، ر.
(٤) التبصرة ٧٣ /أ، والتيسير ١١٦، والنشر ٢/ ٢٦٥، والحجة في القراءات السبع ١٤٥، وزاد المسير ٣/ ٣٢٦، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٩٠، وتفسير غريب القرآن ١٧٧، وتفسير النسفي ٢/ ٩٦، وكتاب سيبويه ٢/ ٤٩٥، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٨٦ /ب.
(٥) ص: «الباقون بالنصب».
[ ١ / ٤٨٩ ]
فرفعه به، ودليله قوله ﴿أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى﴾ «آل عمران ١٥٤» في قراءة من قرأه بالياء أو التاء، فأضاف الفعل إلى «النعاس» أو إلى «الأمنة»، والأمنة هي النعاس. فأخبر أن النعاس هو الذي يغشى القوم.
«٤» وحجة من ضمّ الياء وخفّف أو شدّد أنه أضاف الفعل إلى الله، لتقدّم ذكره في قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ «١٠» فنصب «النعاس» لتعدّي الفعل إليه، وقوّى ذلك أن بعده: (وينزّل عليكم) فأضاف الفعل إلى الله جلّ ذكره، وكذلك الإغشاء يضاف إلى الله، ليتشاكل الكلام، والتشديد والتخفيف لغتان بمعنى، قال الله جلّ ذكره: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾ «يس ٩» وقال:
﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ «النجم ٥٤» وقال: ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ «يونس ٢٧» والاختيار ضمّ (^١) الياء والتشديد، ونصب «النعاس»، لأن بعده (أمنة مّنه)، فالهاء لله، وهو الذي يغشيهم النعاس، ولأن الأكثر عليه (^٢).
«٥» قوله: (موهن) قرأ الحرميان وأبو عمرو بالتشديد، وخفّف الباقون وكلّهم نوّن ونصب «كيدا»، إلا حفصا فإنه أضاف «موهن» إلى «كيد» فخفضه.
وحجة من خفّف أنه جعله اسم فاعل من «أوهن فلان الشيء» إذا أضعفه، يقال وهن الشيء وأوهنته ك «خرج وأخرجته». فأما تنوينه فهو الأصل في اسم الفاعل، إذا أريد به الاستقبال أو الحال، فنوّنه على أصله ونصب به «الكيد».
«٦» وحجة من شدّد أنه جعله اسم فاعل من «وهّنت الشيء» مثل «أوهنته» ف «فعّلت وأفعلت» أخوان، إلا أن في التشديد معنى التكرير.
فهو توهين بعد توهين.
«٧» وحجة من أضاف أنه أراد التخفيف، فحذف التنوين وأضاف استخفافا، على أصل اسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال، وقد جاء القرآن بالإضافة وبغير الإضافة، قال الله جلّ ذكره: ﴿هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ «المائدة
_________________
(١) ب: «بضم» ورجحت ما في: ص، ر.
(٢) زاد المسير ٣/ ٣٢٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٩١، وتفسير النسفي ٢/ ٢٩٧، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٣ /ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٦٢ /أ
[ ١ / ٤٩٠ ]
٩٥»، ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا﴾ «الكهف ٢٣»، وترك التنوين أخفّ وأكثر في القرآن [والكلام] (^١)، وإثباته هو الأصل، والاختيار أن يقرأ بالتشديد لما فيه من المبالغة وأن يقرأ بالتنوين لأن الأكثر عليه، ولأنه الأصل (^٢).
«٨» قوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح الهمزة، ردّوه على ما قبله، ففتح على تقدير اللام، و«أن الله» في موضع نصب بحذف لام الجر منها، والتقدير: ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت، ولأن الله مع المؤمنين، أي: ولأن الله مع المؤمنين لن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت، أي: من كان الله في نصره لن تغلبه فئة وإن كثرت، فارتباط بعض الكلام ببعض حسن، وبالفتح يرتبط ذلك وينتظم. وقرأ الباقون بكسر «أن» على الابتداء والاستئناف، وفيه معنى التوكيد لنصرة الله للمؤمنين، لأن «أن» إنما تكسر في الابتداء لتوكيد ما بعدها من الخبر. فقولك: إن زيدا منطلق آكد في كونه وحدوثه من قولك: زيد منطلق، لأن «إن» المكسورة تصلح لجواب القسم، والقسم يؤكد ما يأتي بعده من المقسم عليه، ويقوي كسر «إن» في هذا أن في قراءة ابن مسعود بغير واو، وهذا لا تكون فيه «إن» إلا مكسورة مستأنفة، إذ ليس قبلها حرف عطف، ينظمها مع ما قبلها، وقد تقدّم ذكر «ليميز» (^٣).
«٩» قوله: ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾ و«بالعدوة» قرأه ابن كثير وأبو عمرو، بكسر العين فيهما، وضمّهما الباقون، وهما لغتان، والكسر عند الأخفش أشهر.
وقال أحمد بن يحيى: الضم أكثر اللغتين، وهو الاختيار، لأن أكثر القراء عليه (^٤).
_________________
(١) تكملة موضحة من: ص، ر.
(٢) التبصرة ٧٣ /ب، وتفسير الطبري ١٣/ ٤٤٩، ومعاني القرآن ١/ ٣٥٥، وزاد المسير ٣/ ٣٣٤، وتفسير النسفي ٢/ ٩٨، وكتاب سيبويه ١/ ٥٤١
(٣) ب: «ليس» وتصويبه من: ص، ر. وانظر إيضاح الوقف والابتداء ٦٨٢، ومعاني القرآن ١/ ٤٠٧، وتفسير الطبري ١٣/ ٤٥٦، والحجة في القراءات السبع ١٤٦، وزاد المسير ٣/ ٣٣٦، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٨٧، وتفسير النسفي ٢/ ٩٩، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٨٧ /ب.
(٤) التيسير ١١٦، وزاد المسير ٣/ ٣٦١، وتفسير غريب القرآن ٧١٩، -
[ ١ / ٤٩١ ]
«١٠» قوله: ﴿مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ قرأه نافع وأبو بكر والبزّي بياءين ظاهرتين، وقرأ الباقون بياء واحدة مشددة مفتوحة.
وحجة من قرأ بياءين أنه أتى بالفعل على أصله، واستثقل الإدغام والتشديد في الياء وأيضا (^١) فإنه شبّهها بياء «يحيى» التي لا يحسن فيها الإدغام في حال (^٢) نصب ولا رفع، وإنما أشبهتها لأنها قد تتغير بالسكون، إذا اتصل بها المضمر المرفوع، كما تتغير ياء «يحيى» في النصب ولا تدغم فيها، لأن تغيرها عارض.
وقد ذكر (^٣) سيبويه «أحييا، وأحيية» بالإظهار، وقد قالوا: اعيياء، فلم يدغموا، وإن كانت حركة اللام لا تتغير، كذلك لم يدغموا في «حي» لأن حركة اللام (^٤) قد تتغير مع المضمر.
«١١» وحجة من أدغم أن الياء الأولى من «حي» يلزمها الكسر، كما يلزم عين «عضضت وشممت»، فصارت بلزوم الحركة لها كغيرها من حروف السلامة، فصارت كالصحيح في نحو: «شمّ وعضّ»، أجرى هذا مجراه فأدغم إذ صارت الياء الأولى بالحركة في حكم الصحيح، فإذا لزمت الحركة لام الفعل جاز (^٥) الإدغام، وإذا لم تلزم الحركة لم يحسن الإدغام، نحو: ﴿أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ «الأحقاف ٣٣» فهذا لا يحسن فيه الإدغام لأن حركة الياء الثانية غير لازمة. وهي (^٦) تنتقل بالإعراب إلى السكون، فلمّا لم تلزم الحركة لم يعتدّ بها، فصارت الياء الثانية كأنها ساكنة، والساكن لا يدغم فيه، إنما يدغم في المتحرك، فلم يجز الإدغام فيما حركته ليست بلازمة، كما لم يجز فيه في حال الرفع، لئلا يلتقي ساكنان. وإنما حسن الإظهار في «حي»، وإن (^٧) كانت حركته لازمة،
_________________
(١) = وتفسير النسفي ٢/ ١٠٤، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٣ /ب - ٤٤ /أ. والكشف في نكت المعاني والإعراب ٦٢ /ب.
(٢) ب: «بينها» وتصويبه من: ص، ر.
(٣) ب: «في حال في» وصوب من: ص، ر.
(٤) ص، ر: «حكى».
(٥) قوله: «لا تتغير كذلك … اللام» سقط من: ر، بسبب انتقال النظر.
(٦) ب: «كان» ووجهه ما في: ص، ر.
(٧) ب: «وهو» وصوابه ما في: ص، ر.
(٨) ب: «فإن» ووجهه ما في: ص، ر.
[ ١ / ٤٩٢ ]
لأنها قد تتغير، إذا اتصل بها مضمر مرفوع وتسكن، فشابهت في تغيرها «أن يحيي الموتى» الذي لا يحسن فيه الإدغام، لأن حركته غير لازمة، فصارت (^١) كالساكن، ولا يدغم في ساكن، وقد أجاز (^٢) الفراء (^٣) إدغام «أن يحيي الموتى» في حال النصب لتحرك الياء، ولا اختلاف في منع الإدغام في حال الرفع (^٤).
«١٢» قوله: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى﴾ قرأه ابن عامر بتاءين، على تأنيث لفظ الملائكة، وقرأ الباقون بياء وتاء على التذكير، لأنه قد فرّق بين الفعل والفاعل، ولأن تأنيث الملائكة غير حقيقي. وهو في الحجة مثل: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ «آل عمران ٣٩» و﴿ناداهُ﴾ «النازعات ١٦» (^٥).
«١٣» قوله: ﴿لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ حفص وابن عامر وحمزة بالياء، على لفظ الغيبة، لتقدّم ذكر الذين كفروا ولقوله: ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ «٥٥»، وقوله: ﴿مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ «٥٦» وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ «٥٧» وقوله: ﴿إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ «٥٨» فردّ «يحسبن» في الغيبة على هذه الألفاظ المتكررة (^٦) بلفظ الغيبة، وهم الفاعلون، والمفعول الأول ل «يحسبن» مضمر، و«سبقوا» المفعول الثاني، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا. ويجوز أن يضمر مع «سبقوا» «أن»، فتسدّ (^٧) مسدّ المفعولين، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم أن سبقوا. فهو مثل: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ «العنكبوت
_________________
(١) ب: «وصارت» والوجه بالفاء كما في: ص، ر.
(٢) ب: «أجازوا».
(٣) ب، ص: «القراء»، وتوجيهه من: ر.
(٤) زاد المسير ٣/ ٣٦٢، والتيسير ١١٦، وتفسير النسفي ٢/ ١٠٥، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٤ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٨٨ /أ.
(٥) راجع سورة آل عمران، الفقرة «٢٣ - ٢٥»، وانظر زاد المسير ٣/ ٣٦٨، والنشر ٢/ ٢٦٧، وكتاب سيبويه ٢/ ٤٦٧
(٦) ب: «المذكورة» والوجه ما في: ص، ر.
(٧) ب، ص: «فسد» ورجحت ما في: ر.
[ ١ / ٤٩٣ ]
٢ - «في سدّ» أن «مسدّ المفعولين. ويجوز أن يكون الفاعل لمن قرأ بالياء النبي ﵇، فتستوي القراءة بالياء وبالتاء. والتقدير: ولا يحسبن [محمد] (^١) الذين كفروا سبقوا. وقرأ الباقون بالتاء، على الخطاب للنبي ﵇، و«الذين كفروا» و«سبقوا» مفعولان ل «يحسب» وهو الاختيار، لظهور معناه، ولأن الجماعة عليه، وقد تقدّم ذكر فتح السين وكسرها (^٢).
«١٤» قوله: ﴿إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ قرأ ابن عامر بفتح الهمزة، على إضمار اللام وحذفها، أي: سبقوا لأنهم لا يعجزون. والمعنى: لا يحسبن الكفار أنفسهم فاتوا، لأنهم لا يعجزون، أي لا يفوتون. ف «أن» في موضع نصب لحذف اللام، أو في موضع خفض على إعمال اللام، لكثرة حذفها مع «أن» وهو مروي عن الخليل والكسائي. وقرأ الباقون بكسر «إن» على الاستئناف والقطع ممّا قبله، وهو الاختيار، لما فيه من معنى التأكيد، ولأن الجماعة عليه (^٣).
«١٥» قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ قرأه أبو بكر بكسر السين.
وفتحها الباقون، وهما لغتان في الصلح. وقد ذكر هذا في سورة البقرة بأشبع من هذا (^٤).
«١٦» قوله: (وإن لم ﴿يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ في موضعين، قرأ الكوفيون وأبو عمرو الأول بالياء، ذكّروا لفظ الفعل للتفريق بين المؤنث وفعله ب «منكم»، ولأن المخاطبين مذكّرون، فردّوه على المعنى، فذكّروا كما قال: «يغلبوا»، ولم يقل «يغلبن»، وهذا ضدّ قوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ «الأنعام ١٦٠» فأنث العدد، والأمثال مذكّر. وكان حقه «عشرة أمثالها»، فإنما أنّث لأن «الأمثال»
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص، ر.
(٢) راجع سورة البقرة، الفقرة «١٩٦»، وانظر التيسير ١١٧، وزاد المسير ٣/ ٣٧٣، وتفسير النسفي ٢/ ١٠٩، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٦٣ /أ.
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٤٧، وزاد المسير ٣/ ٣٧٤، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٨٩ /أ.
(٤) راجعه هناك، الفقرة «١٢٦».
[ ١ / ٤٩٤ ]
في المعنى هي الحسنات، فحمل التأنيث على معنى الأمثال، لا على لفظها، وكذلك هذا حمل على التذكير، على معنى المائة، لا على لفظها. وقرأ الكوفيون «يكن» الثاني بالياء، على الردّ على معنى المائة، ولأنه قد فرّق ب «منكم»، وقرأهما الباقون بالتاء، حملوه على تأنيث لفظ المائة، وفرّق أبو عمرو بين الأول والثاني، فقرأ الأول بالياء، حملا على معنى المائة، وقرأ الثاني بالتاء، حملا على لفظ المائة، واختار في الثاني التأنيث لقوله: (صابرة) «٦٦»، فأكد لفظ التأنيث بتأنيث الصفة، فقوي لفظ التأنيث فيه (^١) بخلاف الأول، فاختار فيه التاء، والقراءة بتأنيث الفعل [فيهما] (^٢) لتأنيث لفظ المائة أحب إليّ، لأن عليه أهل الحرمين وابن عامر (^٣).
«١٧» قوله: ﴿أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ قرأ عاصم وحمزة «ضعفا» بفتح الضاد. وضمّها الباقون، وهما لغتان مصدران بمعنى، والفعل «ضعف» كالفقر والفقر مصدران ل «فقر» (^٤).
«١٨» قوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ قرأه أبو عمرو بالتاء، لتأنيث لفظ «الأسرى»، ألا ترى أنّ فيه ألف التأنيث، وقرأ الباقون بالياء، على التذكير، حملوه على تذكير معنى «الأسرى»، لأن المراد به الرجال. وأيضا فقد فرّق بين المؤنث وفعله بقوله «له»، وقوّى التذكير فيه أنك (^٥) لا تخبر عن «الأسرى» بلفظ التأنيث لو قلنا «الأسرى يفتن» لم يجز، لأن المراد بهم المذكرون. فكان التذكير أولى به، وهو الاختيار لذلك، ولأن الجماعة على الياء (^٦).
_________________
(١) قوله: «بتأنيث الصفة … فيه» سقط من: ص.
(٢) تكملة لازمة من: ص، ر.
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٤٨، وزاد المسير ٣/ ٣٧٨، وتفسير النسفي ٢/ ١١١، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٤ /ب.
(٤) كتاب سيبويه ٢/ ٢٦٦، وأدب الكاتب ٤٢٤، وزاد المسير ٣/ ٣٧٨ - ٣٧٩
(٥) ر: «فيه أيضا لانك».
(٦) ص: «عليه بالياء»، انظر التبصرة ٧٣ /ب - ٧٤ /أ، وزاد المسير ٣/ ٣٨٠
[ ١ / ٤٩٥ ]
«١٩» قوله: (الأسرى إن يعلم) قرأه أبو عمرو «الأساري» على وزن «فعالى» شبّهه ب «كسالى»، كما قالوا «كسلى» في الجمع على التشبيه ب «أسرى»، فكل واحد مشبّه بالآخر، محمول عليه، وإنما اشتبها لأن معنى هذا متقارب، وذلك أن «الكسل» أمر يدخل على الإنسان بغير شهوته، كذلك «الأسر» يدخل عليه بغير شهوته. فلمّا اتفقا في المعنى امتزجا في الجمع فحمل كل على الآخر في بابه، فباب «أسير» ان يجمع على «أسرى»، كجريح وجرحى، وباب «كسلان» أن يجمع على «كسالى» كسكران وسكارى، فحمل «أسير» على باب «كسلان» فجمع على «أساري»، وحمل «كسلان» على باب «أسير» فجمع على «كسلى». وقد خرج أيضا «أسير» عن بابه، فجمع على «أسراء» لمشابهته في اللفظ «ظريفا وظرفاء»، وكذلك قالوا «قتلى» على التشبيه بلفظ «ظريف». وقد قال الأخفش:
الأسرى الذين لم يدخلوا في وثاق، والأسارى الذين دخلوا في الوثاق. وقرأ الباقون «أسرى» على «فعلى»، وهو أصل باب «أسير» أن يجمع على «فعلى» كقتيل وقتلى وجريح وجرحى وصريع وصرعى، وذلك أن «فعيلا» إذا كان بمعنى «مفعول» [فبابه في الجمع فعلاء، وقد أدخلوا في فعلاء ما ليس بمعنى مفعول] (^١) على التشبيه في اللفظ والمعنى، قالوا: مريض ومرضى، وميت وموتى، وهالك وهلكى، وذلك أنها أشبهت في اللفظ قولك: أسير وجريح وقتيل، لأنها كلها على وزن فعيل، وأشبهتها في المعنى لأنها كلها علل ابتلوا بها وهم كارهون [لها] (^٢). وقد أجمعوا على «أسرى» في قوله: (أن يكون له أسرى) وهو الاختيار، لأنه الأصل في جمع «أسير»، ولأن عليه الجماعة (^٣).
_________________
(١) تكملة لازمة من: ر.
(٢) تكملة موضحة من: ص، ر.
(٣) ص: «الجماعة عليه»، وانظر التبصرة ٧٤ /أ، وتفسير النسفي ٢/ ١١٢.
[ ١ / ٤٩٦ ]
«٢٠» قوله: (من ولايتهم) قرأه حمزة بكسر الواو، ووافقه الكسائي على الكسر في الكهف (^١)، وقرأهما الباقون بالفتح.
وحجة من كسر أنه جعله من «وليت الشيء» إذا توليته، يقال: هو ولي، بيّن الولاية، فهو مصدر من «الولي». وكذلك المراد به في هذه السورة، ويقال: هو مولى، بيّن الولاية، بالفتح، فالفتح في الكهف أحسن، لأنه في معنى المولى، ويحسن أن يكون بمعنى الولي، لأن الله مولى المؤمنين ووليهم. وعلى ذلك قرأ حمزة والكسائي في الكهف بالكسر.
«٢١» وحجة من قرأ بالفتح أنه جعله مصدرا لمولى، يقال: هو مولى بيّن الولاية وهو ولي بيّن الولاية، بالفتح أيضا، إذا كان الولي بمعنى المولى. فالولي يكون بمعنى المولى. كما يكون المولى بمعنى الولي. قال الله جلّ ذكره: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ «محمد ١١».
والولاية في هذه السورة تحتمل أن تكون من ولاية الدين، فيكون الفتح أولى به، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (^٢).
«٢٢» فيها ياء (^٣) إضافة [قوله] (^٤): (إني أرى)، (إني أخاف) فتحهما الحرميان وأبو عمرو، وليس فيها زائدة (^٥).
_________________
(١) حرفها هو: (آ ٤٤)، وسيأتي ذكره فيها، الفقرة «٢٢، ٢٣».
(٢) زاد المسير ٣/ ٣٨٥، وتفسير ابن كثير ٢/ ٣٢٩، وتفسير النسفي ٢/ ١١٣، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٩٠ /أ.
(٣) ب، ر: «ياءان»، ص: «ياء» فصوبته.
(٤) تكملة موضحة من: ص، ر.
(٥) التبصرة ٧٤ /أ، والتيسير ١١٧، والنشر ٢/ ٢٦٧، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٤ /ب.
[ ١ / ٤٩٧ ]