مكية، وهي أربع وأربعون آية في المدني، وثلاث في الكوفي
قد ذكرنا «يُغْشِي اللَّيْلَ» في الأعراف (^١).
«١» قوله: (وزرع '‘ونخيل' ‘صنوان '‘وغير صنوان) قرأ حفص وابن كثير وأبو عمرو بالرفع، في الكلمات الأربع، عطفوها على «قطع»، وقرأ الباقون بالخفض فيهن، عطفوها على «أعناب»، فهو أقرب إليه من «قطع»، و«صنوان» نعت ل «نخيل»، و«غير» عطف عليه.
«٢» قوله: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ قرأه ابن عامر وعاصم بالياء، على تذكير ما ذكّر المضمر، أي يسقى ما (^٢) ذكرنا بماء واحد. وقرأ الباقون بالتاء، أنّثوا حملا على الأشياء التي ذكرت، فهي مؤنثة، فأنّث لذلك، ويقوّي ذلك أن بعده «بعضها» على التأنيث ولم يقل بعضه.
«٣» قوله: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَها﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء، على الإخبار عن الله جل ذكره بذلك على لفظ الغائب، لأنه هو فاعل الأفاعيل كلها، وأيضا فإن قبله في أول السورة: (وهو الذي مدّ الأرض) (^٣) وفعل وفعل، فأتى بلفظ الغائب في «ويفصل» على ما قبله في الغيبة. وقرأ الباقون بالنون على الإخبار من الله جل ذكره عن نفسه، وكلا القراءتين ترجع إلى معنى، والنون هو الاختيار، لأن الأكثر عليه (^٤).
«٤» قوله: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي﴾ قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بالياء، على التذكير، لأن تأنيث «الظلمات» غير حقيقي، ولأن الجمع بالتاء والألف يراد به القلة. والعرب تذكّر [الجمع] (^٥) إذا قلّ عدده، وأيضا فإنه يجوز أن يذهب
_________________
(١) راجع السورة المذكورة، الفقرة «١٣».
(٢) ص: «المضمر في يسقى كما».
(٣) حرفها (آ ٣).
(٤) التبصرة ٧٩ /ب، والتيسير ١٣١، والنشر ٢/ ٢٨٦، والحجة في القراءات السبع ١٧٥ - ١٧٦، وزاد المسير ٤/ ٣٠٢، وتفسير ابن كثير ٢/ ٥٠٠، وتفسير النسفي ٢/ ٢٤١، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٤ /أ - ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٧٢ /ب.
(٥) تكملة لازمة من: ص، ر.
[ ٢ / ١٩ ]
ب «الظلمات» إلى الإظلام والظلام، فيذكّر الفعل حملا على معنى الإظلام والظلام، وقرأ الباقون بالتاء.
وحجة من قرأ بالتاء أنه أنّث على ظاهر تأنيث لفظ «الظلمات» وهو الاختيار، لحمله على اللفظ الظاهر، ولأن الجماعة عليه (^١).
«٥» قوله: ﴿أَإِذا كُنّا﴾، (أإنّا) اختلف القراء في اجتماع الاستفهامين في أحد عشر موضعا في القرآن، قد ذكرت في الكتاب الأول (^٢)، فقرأ نافع والكسائي في جميع ذلك بالاستفهام في الأول، والخبر في الثاني، وخالفا أصلهما في موضعين في النّمل والعنكبوت (^٣) فقرأهما نافع بالخبر في الأول والاستفهام في الثاني. وقرأ الكسائي في العنكبوت بالاستفهام في الأول والثاني، وقرأ في النّمل على أصله، يستفهم بالأول، ويخبر في الثاني، غير أنه يزيد نونا في الثاني «إننا». وقرأ ابن عامر في جميع ذلك بالخبر في الأول، وبالاستفهام في الثاني. وخالف أصله في ثلاثة مواضع في النمل والواقعة والنازعات (^٤)، فقرأ في النمل، يستفهم بالأول، ويخبر في الثاني، ويزيد نونا في «إننا» كالكسائي، وقرأ في الواقعة بالاستفهام في الأول والثاني، وقرأ في والنازعات مثل نافع والكسائي، يستفهم بالأول، ويخبر بالثاني. وقرأ الباقون ذلك كله بالاستفهام في الأول والثاني، وخالف ابن كثير وحفص أصلهما في العنكبوت، فقرآه بالخبر في الأول، والاستفهام في الثاني، كنافع وابن عامر، واختلفوا في الجمع بين الهمزتين، والتخفيف للثانية إذا استفهموا، فكان الحرميان وأبو عمرو إذا استفهموا حقّقوا الأولى وخفّفوا الثانية بين الهمزة والياء، غير أن أبا عمرو وقالون يدخلان
_________________
(١) قوله: «وقرأ الباقون بالتاء … عليه» سقط من: ص، وتأخرت هذه الفقرة بكليتها إلى ما بعد الفقرة «٦» انظر الحجة في القراءات السبع ١٧٧، وزاد المسير ٤/ ٣٢٠، وتفسير النسفي ٢/ ٢٤٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٤ /ب.
(٢) أي كتاب «التبصرة» وهو يعدّدها هناك كما يفعل هنا، انظره ٧٩ /ب.
(٣) حرفاهما هما: (آ ٦٧، ٢٩).
(٤) حرفا السورتين الثانية والثالثة هما: (آ ٤٧، ١١).
[ ٢ / ٢٠ ]
بين الهمزتين الفا فيمدّان (^١). وقرأ الباقون بالتحقيق للهمزتين في ذلك كله، على ما ذكرنا في اجتماع الهمزتين، غير أن هشاما يدخل بين الهمزتين ألفا مع التحقيق (^٢).
وقد ذكرنا علة التحقيق والتخفيف وإدخال (^٣) الألف بين الهمزتين، وغير ذلك فيما تقدّم من الأصول. فأما علة الاستفهام والخبر فحجة من استفهم في الأول والثاني أنه أتى بالكلام على أصله، في التقرير والإنكار، أو التوبيخ بلفظ الاستفهام، ففيه معنى المبالغة والتوكيد، فأكّد بالاستفهام هذه المعاني، وزاده توكيدا بإعادة لفظ الاستفهام في الثاني، فأجراهما مجرى واحدا.
وحجة من أخبر في أحدهما واستفهم في الآخر أنه استغنى بلفظ الاستفهام في أحدهما عن الآخر، إذ دلالة الأول على الثاني كدلالة الثاني على الأول، وأيضا فإن ما بعد الاستفهام الثاني في أكثر هذه المواضع تفسير للعامل الأول، في «إذا»، التي دخل عليها حرف الاستفهام، فاستغنى عن الاستفهام في الثاني بالأول (^٤).
«٦» قوله: ﴿هادٍ﴾ و﴿والٍ﴾ و(و﴿باقٍ﴾ (^٥) و﴿واقٍ﴾، قرأ ابن كثير بياء في الوقف في الأربعة الألفاظ، حيث وقعت، وقرأ الباقون بغير ياء، في الوقف كالوصل.
وحجة من وقف بالياء أنه إنما حذف الياء في الوصل لأجل التنوين، فإذا وقف وزال التنوين رجعت الياء، وهو الأصل، ولذلك أجازوا إثبات الياء في النداء في «يا غلامي أقبل» لأنه موضع عدم فيه التنوين، الذي تحذف الياء لأجله.
«٧» وحجة من وقف بغير ياء أنه أجرى الوقف مجرى الوصل، إذ حذف التنوين عارض في الوقف، ولأنه اتبع الخط في ذلك، ولا ياء في الخط فيها، والحذف والإثبات لغتان للعرب، والحذف أكثر، وهو الاختيار، لأن
_________________
(١) ب: «فيمدون» وتصويبه من: ر.
(٢) قوله: «فيمدان وقرأ الباقون … التحقيق» سقط من: ص.
(٣) ب: «في إدخال» وتصويبه من: ص، ر.
(٤) التبصرة ٧٩ /ب - ٨٠ /أ، والتيسير ١٣٢ - ١٣٣، والنشر ١/ ٣٦٧، والحجة في القراءات السبع ١٧٦، وزاد المسير ٤/ ٣٠٤.
(٥) هذا الحرف في سورة النحل (آ ٩٦).
[ ٢ / ٢١ ]
الأكثر عليه (^١).
«٨» قوله: ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي بالياء، ردّوه على ذكر الناس بعده، ولما قبله من لفظ الغيبة، في قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ﴾ «١٦»، وقوله: ﴿فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾ «١٣» وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾، فردوه في الغيبة على ما قبله وما بعده، وقرأ الباقون بالتاء، حملوه على الخطاب الذي قبله، وهو قوله:
﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (^٢).
«٩» قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ قرأه البزيّ بألف بين ياءين مفتوحتين، من غير همز، وقرأ الباقون بياءين، الثانية ساكنة بعدها همزة مفتوحة.
وحجة من قرأ بغير همز أنه قلب الهمزة في موضع الياء الساكنة الثانية، فصارت «يايس» ثم خفّف الهمزة بالبدل، لأنها ساكنة، فوزنه في الأصل «يفعل» وبعد القلب «يعفل» عين الفعل قبل الفاء، وأصله «ييس» بياءين، يدلّ على ذلك أن المصدر «الياس».
«١٠» وحجة من قرأ بالهمز أنه أتى به على أصله، وهو الاختيار (^٣).
«١١» قوله: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ قرأه الكوفيون بضمّ الصاد، ومثله في غافر: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ «٣٧» (^٤)، وقرأها الباقون بفتح الصاد.
وحجة من ضمّ الصاد أنه أسند الفعل إلى المفعول، على ما لم يسمّ فاعله، فأقيم «الذين حملوا» على المصدر مقام الفاعل، وفاعل الصدّهم أشراف الكفار وكبراؤهم، وفي غافر قبل «صد» «زيّن لفرعون» على ما لم يسمّ فاعله،
_________________
(١) راجع «فصل في ياءات الإضافة وعللها»، وانظر التبصرة ٨٠ /أوالتيسير ١٣٣، والنشر ٢/ ١٣٢.
(٢) التبصرة ٨٠ /ب، والحجة في القراءات السبع ١٧٧، وزاد المسير ٤/ ٣٢١، وتفسير النسفي ٢/ ٢٤٦.
(٣) زاد المسير ٤/ ٣٣١، وتفسير النسفي ٢/ ٢٥٠.
(٤) سيأتي ذكره فيها، الفقرة «٧».
[ ٢ / ٢٢ ]
فحمل «صد» على ذلك أيضا.
«١٢» وحجة من فتح الصاد أنه بناه على الإخبار عن الصادّين الناس عن سبيل الله، دليله قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ «الحج ٢٥» وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ «النساء ١٦٧»، وقال: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ﴾ «الفتح ٢٥» فأسند الفعل في جميع ذلك إلى الصّادين (^١).
«١٣» قوله: ﴿وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بالتخفيف، جعلوه مستقبل «أثبت» والمفعول محذوف «هاء» من الصلة، أي:
ويثبته. وقوله: ﴿بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ «إبراهيم ٢٧» يدلّ على التخفيف، لأنه اسم فاعل من «ثبت»، والتقدير: يمحو الله ما يشاؤه ويثبت ما يشاؤه. وقرأ الباقون بالتشديد، جعلوه مستقبل «ثبّت» دليله قوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ «النساء ٦٦» ف «تثبيت» مصدر «ثبّت» مشدّدا، فالقراءتان لغتان، كما أن «ثبت وأثبت» لغتان بمعنى، لكن في التشديد معنى التأكيد والتكرير، وهو الاختيار، لأن أكثر القراء عليه. واختار أبو عبيد «ويثبّت» بالتشديد، على معنى: يقرّ ما كتبه، فلا يمحوه. وتعقّب عليه ابن قتيبة، فاختار التخفيف، لأن المعروف مع المحو الإثبات، فالمعنى: يمحو الله ما يشاء ويكتب ما يشاء.
أو على معنى: يمحو الله ما يشاء ويقرّ ما يشاء، فلا يمحوه. والتخفيف يحتمل المعنيين اللذين ذكر أهل التأويل في الآية (^٢).
«١٤» قوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر «الكفار» بالجمع، لأن التهدّد في الآية لم يقع لكافر واحد بل لجميع الكفار، فأتوا به على المعنى، فوافق اللفظ المعنى، وفي حرف ابن مسعود: «وسيعلم الكافرون» وفي حرف أبيّ: «وسيعلم الذين كفروا»، فهذا كله شاهد قويّ لمن قرأه بالجمع.
_________________
(١) زاد المسير ٤/ ٣٣٣، وتفسير ابن كثير ٢/ ٥١٦، وتفسير النسفي ٢/ ٢٥١ والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٤ /ب - ٥٥ /أ.
(٢) زاد المسير ٤/ ٣٣٧، وتفسير النسفي ٢/ ٢٥٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٥ /أ.
[ ٢ / ٢٣ ]
وقرأ الباقون بالتوحيد جعلوا الكافر اسما للجنس شائعا، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ «العصر ٢» فهو يدلّ على الجمع بلفظه، وهو أخصر، وأيضا فإنه لا ألف في الخط، والألف إنما تحذف من الخط في فاعل ك «خالد وصالح» ولا تكاد تحذف في «فعّال» لئلا يتغير بناء الجمع، ويشبه صورة المصدر. فحذف الألف من الخط يدلّ على أنه «فاعل» وليس ب «فعّال». والقراءتان ترجع إلى معنى واحد، لأن الجمع يدلّ بلفظه على الكثرة، والواحد الذي للجنس يدل بلفظه على الكثرة (^١)، فهما سواء (^٢).
ليس فيها ياء إضافة اختلف فيها، وفيها زائدة اختلف فيها، وهي قوله:
(المتعال) «٩» قرأه ابن كثير بياء في الوصل والوقف على الأصل، لأن الألف واللام أذهبا التنوين الذي تحذف الياء من أجله، فرجعت الياء، وهي لغة للعرب مشهورة، والأكثر عند سيبويه إثبات الياء مع الألف واللام، وحذف الياء مع عدم الألف واللام، ولمّا ثبتت في الوصل، عند من أثبتها، وجب إثباتها في الوقف.
وقرأ ذلك الباقون بحذف الياء في الوصل والوقف، وذلك أنهم اتّبعوا الخط، ولا ياء في الخط، وأيضا فإن الكسرة تدلّ عليها، ولمّا دلّت الكسرة عليها، في الوصل فحذفت، جرى الوقف على ذلك (^٣).
_________________
(١) قوله: «والواحد الذي … الكثرة» سقط من: ص.
(٢) زاد المسير ٤/ ٣٤١، وتفسير ابن كثير ٢/ ٥٢١، وتفسير النسفي ٢/ ٢٥٣، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٧٤ /أ - ب.
(٣) التبصرة ٨٠ /ب، والتيسير ١٣٤، والنشر ٢/ ٢٨٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٥ /أ، وكتاب سيبويه ٢/ ٣٤٧.
[ ٢ / ٢٤ ]