سورة النّساء، مدنية وهي مائة آية وخمس وسبعون في المدني وست في الكوفي
«١» قوله: ﴿تَسائَلُونَ﴾ قرأه الكوفيون مخفّفا، على حذف إحدى التاءين، اللتين هما أصله، تخفيفا، لأنه اجتمع مثلان، والسين قريبة منهما، فكان ثلاثة أمثال، فلو أعلّه بالإدغام لم ينقص عدد الأمثال، إذ يصير اللفظ بتاء وسينين، فلم يكن، عند إرادة التخفيف، بدّ من الحذف. وقد ذكرنا الاختلاف في المحذوف منهما عند قوله: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ (^١)، وشدّد الباقون، على إدغام التاء الثانية في السين، وهو الأصل، وهو الاختيار. وقوي الإدغام، لأن التاء والسين من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا، ولأنهما مهموسان، ولأن التاء تنتقل إلى قوة مع الإدغام، لأنك تبدل منها حرفا فيه صفير، وذلك قوة في الحرف. وهو مثل «تظاهرون» في الحجة والعلة (^٢).
«٢» قوله: ﴿وَالْأَرْحامَ﴾ قرأه حمزة بالخفض على العطف على الهاء في «به»، وهو قبيح عند البصريين، قليل في الاستعمال، بعيد في القياس، لأن المضمر في «به» عوض من التنوين، ولأن المضمر المخفوض لا ينفصل عن الحرف، ولا يقع بعد حرف العطف، ولأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان،
_________________
(١) راجع الفقرة «٤٦» من سورة البقرة، وسيأتي نظير له في سورة مريم، الفقرة «١٢، ١٣».
(٢) التبصرة ٦٢ /أ، والنشر ٢/ ٢٣٩، والحجة في القراءات السبع ٩٤، وزاد المسير ٢/ ٢، وتفسير النسفي ١/ ٢٠٤
[ ١ / ٣٧٥ ]
يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر، ويقبح في أحدهما ما يقبح في الآخر. فكما لا يجوز: واتقوا الله الذي تسألون بالأرحام، فكذلك لا يحسن: تساءلون به والأرحام، فإن أعدت الخافض حسن. وقرأ الباقون «والأرحام» بالنصب على العطف على اسم الله حلّ ذكره، على معنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها.
ويجوز أن يكون معطوفا على موضع (^١) الجار والمجرور، لأن ذلك في موضع نصب، كما تقول: مررت بزيد وعمرا، لأن معنى «مرت بزيد» لابست زيدا، فهو في موضع نصب، فحمل «والأرحام» على المعنى، فنصب، وهو الاختيار، لأنه الأصل، وهو المستعمل، وعليه تقوم الحجة، وهو القياس، وعليه كل القراء (^٢).
«٣» قوله: ﴿قِيامًا﴾ قرأه نافع وابن عامر «قيما» بغير ألف، وقرأ الباقون «قياما» بألف.
«٤» وحجة من قرأ بغير ألف أنه جعله جمع «قيمة» ك «ديمة وديم»، ودل على أنه جمع «قيمة»، وليس بمصدر أنه اعتل، ولو كان مصدرا لم يعتل، ك «العور والحول»، فالمعنى: أموالكم التي جعل [الله] (^٣) لكم قيمة لأمتعتكم ومعايشكم. وقد قيل: إن قيما مصدر، بمعنى القيام، لغة فيه، من: قام بالأمر قام به، ومنه: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ «البقرة ٣» أي يدومون عليها. وعلى ذلك قوله: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ «الأنعام ١٦١» في قراءة من خفّف، أي: دائما ثابتا لا ينسخ بغيره كما نسخت الشرائع قبله، فهو مصدر صفة ل «الدين». ولو كان جمع «قيمة» لصار معناه: دينا معاد لا بغيره، وهذا لا يصحّ، لأن الإسلام لا يعدله شيء. وإنما اعتلّ لأنه اتبع فعله فأعل.
_________________
(١) لفظ «موضع» سقط من: ص.
(٢) معاني القرآن ١/ ٢٥٢، وتفسير الطبري ٧/ ٥١٩، وتفسير القرطبي ٥/ ٢، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٤٨، وإيضاح الوقف والابتداء ٥٩٢، وزاد المسير ٢/ ٣، وكتاب سيبويه ١/ ١٨٢، والإنصاف في مسائل الخلاف ٢٤٦، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٤٥ /أ.
(٣) تكملة لازمة من ص.
[ ١ / ٣٧٦ ]
«٥» وحجة من قرأ بالألف أنه جعله مصدرا، قام يقيم قياما، على معنى:
أموالكم التي نقيمكم طلبها وجمعها. قال أبو عبيد: «قياما» مصدر يقيمكم، ويجيء في معناها «قوام» غير معتل. وقد حكى الأخفش: طيال وطوال، في جمع «طويل». قال الأخفش في المصدر ثلاث لغات: القوام والقيام والقيم (^١).
***