مكية، وهي مائة آية واحدى عشرة آية في المدني والكوفي
قد تقدّم ذكر الامالة وعلتها في «الر والمر» ونحوه
«١» قوله: ﴿يا أَبَتِ إِنِّي﴾ قرأه ابن عامر بفتح التاء [في جميع القرآن] (^١) وقرأ الباقون بالكسر، ووقف ابن كثير وابن عامر [على] (^٢) «يا أبت» بالهاء، ووقف الباقون بالتاء.
وحجة من فتح التاء أنه قدّر إثبات ياء الإضافة في النداء، وهي لغة مستعملة في القرآن والكلام، قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ «الزمر ٥٣» و﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «العنكبوت ٥٦» فلمّا أثبت الياء في المنادى أبدل الكسرة، التي قبل الياء، فتحة فانقلبت الياء ألفا، ثم حذفت الألف لدلالة الفتحة عليها. وهذا عند المازني أصل مطرّد حسن (^٣) ويجوز أن تكون فتحة التاء في «يا أبت» بمنزلة فتحة التاء في «يا طلحة» ووجه ذلك أن أكثر ما يدعى ما فيه تاء التأنيث بالترخيم، فردّت التاء المحذوفة للترخيم، وترك الآخر من الاسم يجري في الحركة، على ما كان عليه. والتاء محذوفة فلم يعتدّ بردّ التاء، وأقحمها، فاستعملت مفتوحة، كما أن ما قبلها [كان] (^٤) مفتوحا عند حذف الهاء للترخيم، كذلك فعل في «يا أبت» والوجه الأول أقوى.
«٢» وحجة من كسر أنه أبقى الكسرة تدلّ على الياء المحذوفة في النداء، وأصله «يا أبتي» كما تقول: يا غلام أقبل، وهذه هي اللغة المستعملة الفاشية، وهي الاختيار.
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص، ر.
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) ب: «وحسن» وتوجيهه من: ص، ر.
(٤) تكملة موضحة من: ص، ر.
[ ٢ / ٣ ]
«٣» وحجة من وقف بالتاء أن الياء مقدّرة منوية، فكما أنه لو وقف بالياء لم يكن بدّ من التاء كذلك حكم الهاء (^١) مع عدم الياء من اللفظ، لأن الياء مرادة مقدرة، وأيضا فإنه (^٢) اتّبع خط المصحف في ذلك، فهي بالتاء في المصحف وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، ولمتابعة خط المصحف الإمام [في ذلك] (^٣).
«٤» وحجة من وقف بالهاء أنه جعلها بمنزلة تاء رحمة ونعمة، فغيّرها في الوقف، كما فعل ب «رحمة ونعمة»، ولم يتعدّ بالياء لأنها غير ملفوظ بها، ولأن الكسرة التي تدلّ على الياء تسقط في الوقف، وقد قال سيبويه:
لو رخّمت رجلا اسمه خمسة عشرة لقلت: يا خمسه، فأبدلت من التاء هاء في الوقف (^٤)، ولم تبق التاء، لأن الاسم الثاني قد انفصل، وزال الترخيم، فكذلك يجب أن تقف بالهاء على «يا أبتي» لأن التاء (^٥) قد زالت وانفصلت من الاتصال بالياء، وزالت الحركة الدالة على الياء أيضا. فأما من قرأ بفتح التاء، وقدّره أنه مثل «يا طلحة أقبل» فجعل حركة التاء كحركة ما قبلها، فإنه يجب أن يقف بالهاء، لأنه لا شيء محذوف من آخر الكلام يقدّر اتصاله بالتاء، فإن فتحت التاء في «يا أبت» على تقدير حذف ألف، هي بدل من الياء حسن فيه الوجهان، إن قدّرت الألف، وقدّرت الياء، وقفت بالتاء، لأن التاء تصير كالهاء متوسطة في التقدير، لأن الذي بعدها منويّ مقدّر، وإن لم تعتدّ بالألف ولا بالياء، لزوالهما من اللفظ، وقفت بالهاء، على ما ذكرنا أولا في كسر التاء (^٦).
_________________
(١) ب: «لها» وتصويبه من: ص، ر.
(٢) ب: «فإن» وتصويبه من: ص، ر.
(٣) تكملة موافقة من: ص، ر.
(٤) قوله: «وقال سيبويه … الوقف» سقط من: ص.
(٥) ب، ر: «لأن الياء» وتصويبه من: ص.
(٦) معاني القرآن ٢/ ٣٢، وإيضاح الوقف والابتداء ٢٩٦، والحجة في -
[ ٢ / ٤ ]
«٥» قوله: ﴿آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ قرأه ابن كثير بالتوحيد، جعل شأن يوسف كلّه آية على الجملة، وإن كان في التفصيل آيات، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ «المؤمنون ٥٠» فوحّد، وإن كان شأنهما على التفصيل آيات. وقرأ الباقون بالجمع، لاختلاف أحوال يوسف، ولانتقاله من حال إلى حال، ففي كل حال جرت (^١) عليه آية، فجمع لذلك المعنى، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (^٢).
«٦» قوله: ﴿فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾ قرأ نافع وحده بالجمع، لأن كل ما غاب عن النظر من الجبّ غيابة، فالمعنى: ألقوه فيما غاب عن النظر من الجب، وذلك أشياء كثيرة تغيب عن النظر منه، ويجوز أن يكون المعنى على حذف مضاف، أي ألقوه في إحدى غيابات الجب، فيكون بمنزلة القراءة بالتوحيد. وقرأ الباقون بالتوحيد، لأن يوسف لم يلق إلا في غيابة واحدة، لأن الإنسان لا تحويه أمكنة إنّما يحويه مكان واحد. ويجوز أن يكون الواحد يدلّ على الجمع، فتتفق أيضا القراءتان، والتوحيد الاختيار، لرجوع القراءة بالجمع الى معناه، ولأن عليه الجماعة (^٣)، وقد تقدّم ذكر الإشمام في «تأمنا» وعلته (^٤).
«٧» قوله: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ قرأ الكوفيون ونافع
_________________
(١) = القراءات السبع ١٦٦، وزاد المسير ٤/ ١٨٠، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٢١ /ب، وتفسير النسفي ٢/ ٢١١، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٢ /أ، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٧١ /أ، وهجاء مصاحف الأمصار ٤ /أ، وكتاب سيبويه ٢/ ٣٣٧، ٣٤٧.
(٢) ب: «أجرى»، ر «جرى»، ورجحت ما في: ص.
(٣) التبصرة ٧٨ /أ، والتيسير ١٢٧، والنشر ٢/ ٢٨٢، والحجة في القراءات السبع ١٦٨، وزاد المسير ٤/ ١٨٢، وتفسير النسفي ٢/ ٢١٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٢ /أ - ب.
(٤) زاد المسير ٤/ ١٨٥، وتفسير النسفي ٢/ ٢١٣، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٢ /ب.
(٥) راجع «باب علل الروم والإشمام»، الفقرة «١».
[ ٢ / ٥ ]
بالياء فيهما. وقرأ الباقون بالنون، وكسر الحرميان العين من «يرتع»، وأسكنها الباقون. وعن ابن كثير أنه قرأ «نرتع» بالنون [وكسر العين] (^١) و«يلعب» بالياء (^٢).
وحجة من قرأ بالياء أنه أسند الفعل إلى يوسف، لتقدّم ذكره. وحسن الاختيار عنه باللعب لصغره، لأن ذلك مرفوع عنه فيه اللوم.
«٨» وحجة من قرأ بالنون أنه حمله على الإخبار من (^٣) أخوة يوسف عن أنفسهم بذلك إذ لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت، واللعب في غير الباطل جائز. فقد قال النبي ﵇ لجابر (^٤): «فهلا بكرا تلاعبها أو تلاعبك» (^٥) فلا نقص عليهم في إضافتهم اللعب إلى أنفسهم على هذا المعنى.
«٩» وحجة من قرأ «نرتع» بالنون و«يلعب» بالياء أنه أخبر عن أخوة يوسف ب «نرتع» لجواز ذلك عليهم، لأن المعنى: نرتع إبلنا (^٦) وأضاف «يلعب» إلى يوسف، لجواز اللعب عليه لصغر سنّه.
«١٠» وحجة من قرأ بإسكان العين أنه جعله من «رتع يرتع» إذا
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص، ر.
(٢) قوله: «ويلعب بالياء» سقط من: ص.
(٣) ب: «عن» وتصويبه من: ص، ر.
(٤) هو جابر بن سمرة، أبو خالد السوائي له صحبة مشهورة، ورواية أحاديث، وله عن عمر وسعد وأبي أيوب، شهد فتح المدائن توفي في ولاية بشر بن مروان على العراق، ترجم في طبقات ابن سعد ٦/ ١٤.
(٥) مسند أحمد بالطريق نفسه والرواية ذاتها ٣/ ٣٠٨، وأيضا في ٣/ ٢٩٤، ٣٠٢.
(٦) ر: «إبلنا بالنون».
[ ٢ / ٦ ]
رعى، فأسكن العين للجزم (^١) لأنه جواب الطلب في قوله: «أرسله معنا».
«١١» وحجة من كسر العين أنه جعله من «رعى يرعى» وهو مثل «رتع» في المعنى، إلا أنّ من جعله من «رعى» فإن لامه ياء، فحذفها علم الجزم، ومن جعله من «رتع» فلامه عين، فسكونها علم الجزم. وقد قيل: معنى نرتع نلهو. فتحسن القراءة بالياء لإضافة اللهو إلى يوسف، إذ لام ذمّ عليه في ذلك لصغره، ويبعد في القراءة بالنون لإضافة اللهو إلى أخوة يوسف، وهم كبار (^٢)، وقد ذكرنا همز «الذئب» فيما تقدّم (^٣).
«١٢» قوله: ﴿يا بُشْرى﴾ قرأ الكوفيون بغير ياء بعد الألف. وقرأ الباقون بياء مفتوحة بعد الألف. وقد ذكرنا الإمالة فيما تقدّم (^٤).
وحجة من قرأ بياء أنه أضاف «بشرى» إلى نفسه، فهو نداء مضاف منصوب كما تقول: يا هداي ويا يحياي تعال.
«١٣» وحجة من حذف الياء أنه نادى «بشرى» ولم يضف، فهو نداء مفرد شائع، ومعنى ندائه البشرى أنه على تقدير: تعالي يا بشراي (^٥). فهذا من وقتك وآياتك. أي لو كنت ممّن يخاطب لخوطبت الآن كما قال: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ «يس ٣٠» فهو في موضع نصب، لأنه شائع، لا يراد به شيء بعينه، مثل «يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ» لكنه لا ينصرف، لأنه صفة، وللزوم ألف التأنيث له. واختار أبو عبيد «يا بشرى» بغير ياء، اسم رجل دعاه [إلى] (^٦)
_________________
(١) ب: «بالجزم» وتصويبه من: ص، ر.
(٢) التيسير ١٢٨، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٢٣ /أ، والحجة في القراءات السبع ١٦٩، وتفسير غريب القرآن ٢١٢، وزاد المسير ٤/ ١٨٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ٤٧٠.
(٣) راجع «باب ذكر علل الهمزة المفردة» الفقرة «٧».
(٤) راجع «باب أقسام علل الإمالة» الفقرة «١٦».
(٥) قوله: «ولم يضف … بشراي» سقط من: ر.
(٦) تكملة لازمة من: ر.
[ ٢ / ٧ ]
المستقى. واحتج أبو عبيد في اختياره لذلك أنه يجمع المعنيين: اسما لرجل ونداء البشرى. وتعقّب عليه ابن قتيبة فاختار «يا بشراي» بالإضافة لأنها قراءة أهل المدينة ومكة وأبي عمرو، ولم يجز أن يكون حذف الياء على نداء «البشرى» فقال: لا تنادى البشرى إلا بالإضافة إلى النفس، كما تقول:
يا طوباي إن قبل الله عملي [ولا تقول يا طوبي] (^١). وقيل: إن بشرى اسم رجل كان معهم، فناداه المدلّي على ما ذكرنا من قول أبي عبيد، فيكون في موضع ضم كما تقول: يا رجل. وقيل: إنه أراد يا بشراي، ثم حذف ياء الإضافة للنداء، فتكون القراءتان بمعنى (^٢).
«١٤» قوله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قرأه نافع وابن عامر بكسر الهاء وفتح التاء، غير أن هشاما همز موضع الياء همزة ساكنة. وقرأ الباقون بفتح التاء والهاء، من غير همز، غير أن ابن كثير ضمّ التاء. وفتح الهاء وكسرها لغتان. وفتح التاء على المخاطبة من المرأة ليوسف على معنى الدعاء له والاستجلاب له إلى نفسها، على معنى: هلم لك، أي تعال يا يوسف إليّ، فأما من ضمّ التاء فعلى الإخبار عن نفسها بالإتيان إلى يوسف، ودلّ على ذلك قراءة من همز، لأنه يجعله من «تهيأت لك» تخبر عن نفسها أنها متصنعة له متهيئة. وقد تحتمل قراءة من لم يهمز أن تكون على إرادة الهمز، لكن خفّف الهمزة، فيكون من «تهيأت» فيكون فعلا، ولا (^٣) يحسن ذلك ويتمكن إلا على قراءة من ضمّ الياء، لأنها تخبر عن نفسها بذلك. والتاء مضمومة، ويبعد الهمز في قراءة من فتح التاء لأنه إذا فتح التاء فإنه يخاطب، وتاء المخاطب مفتوحة، فيصير المعنى
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص.
(٢) زاد المسير ٤/ ١٩٤، وتفسير ابن كثير ٢/ ٤٧٢، وتفسير النسفي ٢/ ٢١٥.
(٣) ب: «ولم» وتصويبه من: ص، ر.
[ ٢ / ٨ ]
أنها تخبره أنه تهيّأ لها، والمعنى على خلاف ذلك، لأنها هي التي دعته وتهيّأت له، لم يدعها هو ولا تهيّأ لها، يعيذه الله من ذلك. حكى أبو زيد «هيت للأمر أهيء هيئة وتهيأت». ويجوز أن يكون الهمز من قولهم: هؤت بالرجل أهوء هؤا، إذا ارتبته بشيء، حكاه أبو زيد، فيكون على هذا الاشتقاق «هيت» فعلا. ويكون الفعل إذا كسرت الهاء مبنيا (^١) للمفعول على «فعلت» والأول أليق بالمعنى، لأن معناه [في] (^٢) الهمز الاستعداد، والتهيؤ له. وليس المعنى على التهمة والارتياب. وقرأه هشام بالهمز وفتح التاء، وهو وهم عند النحويين، لأن فتح التاء للخطاب ليوسف، فيجب أن يكون اللفظ: قالت هيت لي، أي تهيّأت لي يا يوسف. ولم يقرأ بذلك أحد. وأيضا فإن المعنى على خلافه لأنه [كان] (^٣) يفرّ منها ويتباعد (^٤) عنها، وهي تراوده وتطلبه، وتقدّ قميصه، فكيف تخبره عن نفسه أنه تهيأ لها، هذا ضد حالهما. وقد قال يوسف: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ «٥٢» وهو الصادق في ذلك، فلو كان تهيّأ لها لم يقل هذا، ولا ادّعاه. والاختيار فتح التاء لصحة معناه.
والهمز وتركه سواء. وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: أقرأني النبي ﵇ «هيت لك» بفتح الهاء والتاء. وبذلك (^٥) كان هو يقرأ (^٦).
«١٥» قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ قرأ نافع وأهل الكوفة بفتح اللام، حيث وقع، فيما فيه ألف ولام، بنوا الفعل للمفعول من «أخلص» فهو مخلص، لأن الله جلّ ذكره أخلصهم، أي اختارهم لعبادته. وقرأ الباقون
_________________
(١) ب: «مبتدأ» وتصويبه من: ص، ر.
(٢) تكملة لازمة من: ص، ر.
(٣) تكملة لازمة من: ر.
(٤) ص: «نفر منها وتباعد».
(٥) ص: «بكسر التاء وبذلك».
(٦) زاد المسير ٤/ ٢٠١، وتفسير ابن كثير ٢/ ٤٧٣، وتفسير غريب القرآن ٢١٥، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٢٣ /ب، وتفسير النسفي ٢/ ٢١٦، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٧١ /ب.
[ ٢ / ٩ ]
بكسر اللام، بنوا الفعل للفاعل من «أخلص» فهو مخلص. والمفعول محذوف فأضافوه الى العبادة، لأنهم أخلصوا أنفسهم لعبادة الله.
وفتح اللام أحبّ إليّ لأنهم لم يخلصوا أنفسهم لعبادة الله إلا (^١) من بعدما اختارهم الله وأخلصهم لذلك، وقد قال تعالى ذكره: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ «النساء ١٤٦» وأيضا فإن عليه الأكثر، فأما قوله: ﴿مُخْلَصًا﴾ في مريم «١٥» (^٢).
فإن الكوفيين قرؤوه بفتح اللام، وهو الاختيار وقرأه الباقون بكسر اللام.
والحجة فيه كالحجة فيما ذكرنا (^٣).
«١٦» قوله: ﴿حاشَ لِلّهِ﴾ قرأه أبو عمرو بألف في الوصل خاصة، في الموضعين في هذه السورة. وقرأهما الباقون بغير ألف.
وحجة من حذف الألف أنه جعله فعلا على «فاعل» «كقاض» وحمله على الحذف لحرف اللين، كما حذفت النون من «لم يك» على التشبيه بحرف اللين، مع كثرة الاستعمال. وحذف الألف أقوى، لأن الفتحة تدل عليها، ولا تدل الضمة في «لم يك» على النون. وأيضا فإنه اتبع خطّ المصحف، وهي في مصحف عثمان وابن مسعود بغير ألف، وأصلها الألف، لأنه «فاعل» مثل «رامي» وإنما حذفت الألف استخفافا، ولأن الفتحة تدل عليها، وكأنهم جعلوا اللام في «لله» عوضا منها. ومعنى «حاش لله» أي: بعد يوسف عمّا رمى به لخوفه لله ومراقبته له، وهي التنزيه عن الشر.
«١٧» وحجة من أثبت الألف في الوصل أنه أتى بها على الأصل، وحذف الألف في الوقف لاتباع المصحف (^٤).
_________________
(١) قوله: «وفتح اللام .. إلا» سقط من: ص.
(٢) سيأتي ذكره في السورة نفسها، الفقرة «١٩».
(٣) التبصرة ٧٨ /أ - ب، والنشر ٢/ ٢٨٤، وزاد المسير ٤/ ٢١٠ النسفي ٢/ ٢١٧.
(٤) الحجة في القراءات السبع ١٧٠، وزاد المسير ٤/ ٢١٨، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٢٥ /أ، وتفسير النسفي ٢/ ٢٢٠، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٢ /ب - ٥٣ /أ.
[ ٢ / ١٠ ]
«١٨» (دأبا) قرأه حفص بفتح الهمزة، وأسكن الباقون. وهما لغتان مثل: النّهر والنّهر والسّمع والسّمع، والإسكان أولى به للإجماع عليه لأنه (^١) أخف (^٢).
«١٩» قوله: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالتاء، ردّاه على المخاطبة في قوله: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ و﴿تَأْكُلُونَ﴾، إذ هو كله جواب للمستفتين عن عبارة الرؤيا، فجرى الكلام على جوابهم ومخاطبتهم، وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على لفظ الناس، لأنهم غيّب، وهو أقرب إليه من لفظ الخطاب، فحمل على الأقرب.
وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه. وقد ذكرنا الأصل في تسهيل الهمزة في ﴿بِالسُّوءِ إِلاّ﴾ «٥٣» وأنه يجوز فيها وجهان: إلقاء الحركة، ولم يرو عن أحد، ويجوز الإبدال والإدغام، وبه قرأنا لقالون (^٣) والبزّي. وقد روي عنهما غير ذلك ممّا هر غير جار على الأصول (^٤) والإبدال، والإدغام أولى به (^٥). وقد ذكرنا «بالسّوء إلا» والاختلاف فيه وعلله (^٦).
«٢٠» قوله: ﴿حَيْثُ يَشاءُ﴾ قرأه ابن كثير بالنون، ردّه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، لقوله قبل ذلك (كذلك مكنّاه)، فأخبر عن نفسه بالتمكين، إذ كل شيء بمشيئته يكون، وقوّى ذلك أنّ بعده (نصيب برحمتنا من نّشاء ولا نضيع أجر) فجرى كله على الإخبار، فحمل «نشاء» على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه أولى لتطابق الكلام. وقرأ الباقون بالياء،
_________________
(١) ب: «لأنه» ووجهه بالعطف كما في: ص، ر.
(٢) التبصرة ٧٨ /ب، والتيسير ١٢٩، وزاد المسير ٤/ ٢٣٢، وتفسير غريب القرآن ٢١٨، وتفسير النسفي ٢/ ٢٢٥.
(٣) ب: «قرأتا قالون» وتصويبه من: ر.
(٤) قوله: «الإبدال والإدغام .. والأصول» سقط من: ص، بسبب انتقال النظر.
(٥) الحجة في القراءات السبع ١٧١، وزاد المسير ٤/ ٢٣٤، والمختار في معاني الأمصار ٥٢ /ب - ٥٣ /أ.
(٦) راجع «باب تخفيف الهمز وأحكامه وعلله»، الفقرة «١٧».
[ ٢ / ١١ ]
ردّوه على لفظ «يوسف» (^١) [لأنه أقرب إليه] (^٢) من لفظ الإخبار، ولفظه غائب [ودلّ على ذلك قوله (يتبوّأ منها) فأتى بلفظ الغائب] (^٣) وهو الاختيار لأن الأكثر عليه (^٤).
«٢١» قوله: ﴿لِفِتْيانِهِ﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي «لفتيانه» على وزن «فعلان» جعلوه جمع فتى في أكثر العدد، ويقوّي ذلك قوله: ﴿فِي رِحالِهِمْ﴾ فأتى بجمع لأكثر العدد، فأخبر بكثرة الخدمة ليوسف، وإن كان الذين تولوا جعل البضاعة في الرحال بعضهم. وقرأ الباقون «لفتيته» على وزن «فعلة» جعلوه جمع فتى في أقل العدد، لأن الذين تولوا جعل البضاعة في رحالهم يكفي منهم أقلهم. وقد قال: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ «الكهف ١٠» وقال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ «الكهف ١٣» وقد قال: «بأوعيتهم»، فأتى بجمع لأقل العدد، وهو الاختيار، لأن المعنى عليه، ولأن أكثر القراء عليه (^٥).
«٢٢» قوله: ﴿أَخانا نَكْتَلْ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالياء، على الإخبار عن الأخ أنه إن أرسله معهم يكتل لنفسه زيادة بعير، على ما يكتالون هم لأنفسهم، لقولهم: ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ «٦٥». وقرأ الباقون بالنون على الإخبار عنهم كلهم بالاكتيال، ويقوّي ذلك أن الأخ داخل معهم إذا قرئ بالنون، وليس يدخلون هم معه إذا قرئ بالياء، فالنون أعمّ (^٦) وأيضا فإن بعده (ونميز أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير)، فكله أخبروا به عن أنفسهم، فحمل «نكتل» على ذلك [أولى] (^٧) لتطابق الكلام، وأيضا فإن قبله (منع منّا
_________________
(١) قوله: «أولى لتطابق .. يوسف» سقط من: ص.
(٢) تكملة لازمة من: ص، ر.
(٣) تكملة موافقة من: ص، ر.
(٤) زاد المسير ٤/ ٢٤٥، وتفسير النسفي ٢/ ٢٢٨.
(٥) قوله: «ولأن .. عليه» سقط من: ص، وانظر زاد المسير ٤/ ٢٤٩، وتفسير النسفي ٢/ ٢٢٩.
(٦) ب: «والنون لهم» وتصويبه من: ص، ر.
(٧) تكملة موضحة من: ص، ر.
[ ٢ / ١٢ ]
الكيل)، فأخبروا عن أنفسهم أنهم منعوا الكيل لغيبة أخيهم، فكذلك يجب أن (^١) يخبروا عن أنفسهم بإباحة الكيل لهم إذا حضر معهم أخوهم، وهو الاختيار، لصحة معناه، ولأن الأكثر عليه (^٢).
«٢٣» قوله: ﴿خَيْرٌ حافِظًا﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي «حافظا» مثل «فاعل» وقرأ الباقون «حفظا» على وزن «فعل».
وحجة من قرأ على وزن «فعل» أن أخوة يوسف لما نسبوا الحفظ إلى أنفسهم، في قوله: ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا﴾ قال لهم أبوهم: (فالله خير حفظا)، أي:
خير من حفظكم الذي نسبتموه إلى أنفسكم، وقيل: تقديره: فالله خير منكم حفظا. فأتى بالمصدر (^٣) الدّالّ على الفعل، ونصبه على التفسير.
«٢٤» وحجة من قرأه على «فاعل» أنه أتى به على المبالغة على تقدير: فالله خير الحافظين، فاكتفى بالواحد عن الجمع، فنصبه على التفسير، ويقوّي ذلك أنها في مصحف ابن مسعود «خير الحافظين» وأيضا فإنهم لمّا قالوا: «وإنا له لحافظون» قيل لهم: «الله خير حافظا»، وأيضا فإن «خير حافظا» مطابق لقوله: «أرحم الراحمين» في الإضافة، لأنك تقول: الله خير حافظا والله أرحم راحم. ولو قلت: الله خير حفظ، لم يحسن، فمطابقة «خير حافظا» مع «أرحم الراحمين» أبين من مطابقة «خير حفظا» مع «أرحم الراحمين» لأن الله جلّ ذكره هو الحافظ وليس هو الحفظ، إنما الحفظ فعل من أفعاله [وكذلك هو الراحم وليس هو الرحمة إنما الرحمة فعل من أفعاله] (^٤)، وصفة من صفاته، وهذه القراءة أحبّ إليّ، لصحة معناها، أعني حافظا، لولا أن الأكثر على الأخرى (^٥)، وقد تقدم ذكر «درجات» في الأنعام والحجة فيها.
_________________
(١) قوله: «منعوا الكيل .. أن» سقط من: ص.
(٢) زاد المسير ٤/ ٢٥١، وتفسير ابن كثير ٢/ ٤٨٣.
(٣) ب: «المصدر» وتصويبه من: ص، ر.
(٤) تكملة مناسبة من: ر.
(٥) التبصرة ٧٩ /أ، والحجة في القراءات السبع ١٧٣، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٨٤.
[ ٢ / ١٣ ]
وكذلك ذكر «يعقلون» في الأنعام أيضا (^١).
«٢٥» قوله: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرأ ابن كثير «إنك لأنت» بهمزة واحدة على لفظ الخبر. وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام، غير أنّ ورشا يجعل الثانية بين الهمزة والياء، ولا يمدّ، وقالون وأبو عمرو مثله، غير أنهما يدخلان بين الهمزتين ألفا، فيمدّان، والباقون يحققون الهمزتين. وقد تقدّمت علة التحقيق والتخفيف، وعلة إدخال الألف بين الهمزتين وبيان حجته فأغنى عن الإعادة (^٢).
وحجة من قرأه على الخبر أنهم لمّا عرفوا يوسف، وتيقنوا أنه هو، أتوا ب «إن» التي لتأكيد ما بعدها، واستغنوا عن الاستخبار، لأنه شيء قد ثبت عندهم، فلا معنى للاستخبار عنه.
«٢٦» وحجة من استفهم أنه أتى بلفظ الاستفهام الذي معناه الإلزام والإثبات، لم يستخبروا عن أمر جهلوه، إنما أتوا بلفظ يحقّقون به ما صحّ عندهم، من أنه هو يوسف، كما قال فرعون للسّحرة بعد أن صحّ عنده إيمانهم وعاينه ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ «طه ٧١» على طريق التوبيخ لهم بما فعلوه، وكما قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ «الأعراف ٨٠»، (أ ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ «الأعراف ٨١» بلفظ الاستفهام، الذي معناه الإلزام، والإثبات، لما فعلوا، لم يستخبرهم عن ذلك، لأنه أمر قد علمه وتيقّنه من فعلهم (^٣).
«٢٧» قوله: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ قرأ حفص بالنون وكسر الحاء، ومثله في
_________________
(١) راجع سورة الأنعام، الفقرة «١١، ١٢، ٣٨، ٣٩» وسيأتيان في سورة القصص، الفقرة «١٣»، وسورة يس، الفقرة «١٥».
(٢) راجع «باب علل اختلاف القراء في اجتماع الهمزتين» الفقرة «٥» وسورة الأعراف، الفقرة «٢٤ - ٢٥».
(٣) التيسير ١٣٠، والنشر ٢/ ٢٨٥، وزاد المسير ٤/ ٢٨٠، وتفسير ابن كثير ٢/ ٤٨٩، وتفسير النسفي ٢/ ٢٣٥، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٣ /ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٧٢ /أ.
[ ٢ / ١٤ ]
النحل موضع وفي الأنبياء موضعان (^١)، ووافقه حمزة والكسائي في الثاني من الأنبياء، ردّوه (^٢) في هذه السورة على قوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا﴾، فجرى الفعلان على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بذلك، كما قال: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ «النساء ١٦٣». وقرأ الباقون بالياء وفتح الحاء، في الأربعة المواضع، ردّوه على لفظ «رجال» فأقيموا مقام الفاعل على ما لم يسمّ فاعله، كما قال:
﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ﴾ «هود ٣٦» وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ﴾ «الأنعام ١٩» (^٣).
«٢٨» قوله: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ قرأه الكوفيون بالتخفيف، وشدّد الباقون.
وحجة من شدّد أنه حمله على معنى أن الرسل تلقّاهم قومهم بالتكذيب، فالظن بمعنى اليقين، وفي «ظنوا» ضمير الرسل، فالهاء والميم في «أنهم» للرسل.
فعطفوه على «اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ» والتقدير: وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيما جاؤوهم به من عند الله جلّ ذكره، ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ «الأنعام ٣٤» وقوله: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ «سبأ ٤٥» وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ «ص ١٤». وقد روي عن عائشة ﵂ في هذه القراءة معنى غير ما ذكرناه، أنها قالت: لحق الرسل البلاء والضرر حتى ظنّوا أن المؤمنين بهم قد كذّبوهم لما لحق المؤمنين من الفتن على الإيمان (^٤) فيكون الظن على هذا بمعنى الشك. والتقدير: وظن الرسل أن من آمن بهم قد كذّبوهم لما لحقهم من البلاء من الكفار.
«٢٩» وحجة من خفّف أنه حمله على معنى أن المرسل إليهم ظنوا أنهم قد كذبوا فيما أتتهم به الرسل، فالظن بمعنى الشك أو بمعنى اليقين، وفي «ظنوا» ضمير المرسل إليهم، والهاء والميم في «أنهم» للمرسل إليهم، أي: وظن المرسل إليهم أنهم لم يصدقوا فيما قيل لهم، وما توعدوا به من إتيان العذاب على كفرهم.
_________________
(١) أحرف هاتين السورتين هي: (آ ٤٣، ٧، ٢٥) وستأتي فيها كلا في سورته بأولهما.
(٢) ب، ر: «رده» وصوابه من: ص.
(٣) زاد المسير ٤/ ٢٩٥، وتفسير النسفي ٢/ ٢٤٠.
(٤) تفسير ابن كثير ٢/ ٤٩٧.
[ ٢ / ١٥ ]
أي: ظنوا أنهم لم يصدقهم الرسل فيما أتوهم به من عند الله جلّ ذكره من إتيان العذاب إليهم، أو من الأمر بالإيمان والتوحيد جاءهم نصرنا، أي: جاء الرسل نصر الله على قومهم، وهو العذاب، ومعنى ذلك أن المرسل إليهم لمّا رأوا إمهال الله لهم بما توعّدهم به الرسل، إن لم يؤمنوا، شكّوا في صدق الرسل، وحسن أن يكون الضمير في «ظنوا» وفي «أنهم» للمرسل إليهم، ولم يجر لهم ذكر، لأن ذكر الرسل يدلّ على أن ثمّ مرسلا إليهم. وقوله: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ «١١٠» يدلّ على إياسهم من إتيان المرسل إليهم. ويجوز في هذه القراءة أن يكون الضمير في «ظنوا» وفي «أنهم» للرسل (^١) مثل القراءة الأولى. والظن بمعنى اليقين، على معنى: فأيقن الرسل أنهم لم يصدقهم قومهم في وعدهم بقبول ما أتوهم به. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: دخل الرسل الشك لمّا أبطأ عنها العذاب لقومها. وعنه أنه قال: ظن الرسل أنهم أخلفوا (^٢) والظن بمعنى الشك في هذين القولين. دخل الرسل ما يدخل البشر، واستشهد ابن عباس على ذلك بقول إبراهيم: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ «البقرة ٢٦٠» وبقول نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ «هود ٤٥» قال ابن عباس: كانوا بشرا، يعتريهم ما يعتري البشر من الشك. وقد قال عزير ﴿أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ «البقرة ٢٥٩» فاستبعد إحياء الله لبيت المقدس بعد خرابها. وقد روي عن عائشة أنها أنكرت القراءة بالتخفيف.
وقالت: معاذ الله، لم تكن الرسل لتظن ذلك بربّها، تريد: أن الرسل لا تشك في وعد الله ووعيده. وقالت: هم أتباع الرسل، طال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر حتى ظن الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم. فالظن بمعنى الشك. والتشديد هو الاختيار، لما ذكرنا، ولأن الأكثر عليه (^٣).
_________________
(١) ب: «المرسل» وتصويبه من: ص، ر.
(٢) تفسير ابن كثير ٢/ ٤٩٧.
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٧٤، وزاد المسير ٤/ ٢٩٦، وتفسير ابن كثير ٢/ ٤٩٧، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٧٢ /ب.
[ ٢ / ١٦ ]
«٣٠» قوله: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ﴾ قرأ عاصم وابن عامر بنون واحدة، وتشديد الجيم، وفتح الياء. وقرأ الباقون بنونين، وتخفيف الجيم، وإسكان الياء.
وحجة من قرأ بنون واحدة أنه جعل الفعل ماضيا، لأن القصة قد مضت، فطابق بين اللفظ والمعنى، وبين الفعل للمفعول، و«من» تقوم مقام الفاعل، ويقوي ذلك أنه قد عطف عليه فعل بني للمفعول أيضا. وهو قوله: ﴿وَلا يُرَدُّ﴾، وأيضا فإنها في أكثر المصاحف بنون واحدة (^١).
«٣١» وحجة من قرأ بنونين أنه جعل الفعل حكاية عن حال يكون فيما بعد، وجعله من «أنجى» وبناه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، ردّا على قوله: ﴿جاءَهُمْ نَصْرُنا﴾ فأخبر عن نفسه بالنصر، كذلك أخبر عن نفسه بالإنجاء.
وأيضا فإن بعده إخبارا أيضا وهو قوله: ﴿مَنْ نَشاءُ﴾، وقوله: ﴿بَأْسُنا﴾، فحمل «ننجي» على ما قبله وما بعده، فذلك أحسن في المطابقة واتصال بعض الكلام ببعض، وهو الاختيار، إذ عليه الأكثر، واختار أبو عبيد «فنجّي» بنون واحدة، على ما لم يسمّ فاعله، وتعقّب عليه ابن قتيبة، فاختار بنونين كقراءة الجماعة. وقال: إنما كتبت في المصحف بنون واحدة لأن الثانية خفيت عند الجيم، لأنك تقول: إذا أتانا مال قبضناه فنصل به من نشاء، ولا تقول: فوصل (^٢) به من نشاء (^٣).
«٣٢» فيها ثلاث وعشرون ياء إضافة، اختلف فيها، من ذلك: (ليحزنني) «١٣» فتحها الحرميان، وقد ذكرنا «يا بشرى».
ومن ذلك: ﴿رَبِّي أَحْسَنَ﴾ «١٣»، ﴿أَرانِي أَعْصِرُ﴾، ﴿أَرانِي أَحْمِلُ﴾ «٣٦»، ﴿إِنِّي أَرى﴾ «٤٣»، ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ «٦٩»، ﴿أَبِي أَوْ يَحْكُمَ﴾ «٨٠»، ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ «٩٦» قرأ الحرميان وأبو عمرو بالفتح في السبع الياءات.
_________________
(١) المصاحف ١٠٩.
(٢) ص: «يوصل»، ر: «ولا تقل فوصل».
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٧٤ - ١٧٥، وزاد المسير ٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧ الكشف: ٢، ج ٢.
[ ٢ / ١٧ ]
ومن ذلك: (قال أحدهما إني)، (وقال الآخر إني) «٣٦»، (ربي إني تركت) «٣٧»، (نفسي إنّ)، (ما رحم ربي) «٥٣»، (يأذن لي أبي) «٨٠»، (ربي إنه) «٩٨»، (بي إذ) «١٠٠» قرأ نافع وأبو عمرو بالفتح في الثماني الياءات.
ومن ذلك: (آبائي إبراهيم) «٣٨»، (لعلّي أرجع) «٤٦» قرأ الكوفيون بالإسكان فيهما.
(أني أوفي) «٥٩»، (سبيلي أدعو) «١٠٨» قرأ نافع بالفتح فيهما.
(وبين أخوتي) «١٠٠» قرأ ورش بالفتح فيها.
(وحزني إلى الله) «٨٦» قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر بالفتح.
«٣٣» فيها من الزوائد ياءات قوله: ﴿حَتّى تُؤْتُونِ﴾ «٦٦» قرأ أبو عمرو بياء في الوصل. وقرأ ابن كثير بياء في الوصل والوقف (^١).
(إنه من يتّق) «٩٠» قرأ قنبل بياء في الوصل والوقف وحذفها الباقون في الوصل والوقف.
والحجة في إثبات الياء في (يتق) أن تكون «من» بمعنى «الذي» فيرتفع الفعل بعدها، لأنه في الصلة وفي الكلام معنى الشرط، لأن الفاء تدخل في خبر «الذي» للإبهام الذي فيها، والإبهام مضارع للشرط، فتجزم ويصير حملا على معنى الشرط، ويجوز أن تقدّر الضمة في الياء، ثم تحذفها للشرط، فتكون «من» للشرط، وأكثر ما يأتي هذا في الشعر، وحذف الياء هو الاختيار (^٢).
***
_________________
(١) ص: «وحذفها الباقون في الوصل والوقف».
(٢) التبصرة ٧٩ /أ - ب، والتيسير ١٣٠ - ١٣١، والنشر ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥٤ /أ.
[ ٢ / ١٨ ]