سورة يونس ﵇ مكية، وهي مائة آية وتسع آيات في المدني والكوفي
قد ذكرنا الإمالة في «الر والمر» وعلة ذلك، وتقدم ذكر «الساحر» وذكر [إمالة] «أدراك» (^١) ونحو ذلك (^٢).
«١» قوله: «ضياء» قرأه قنبل بهمزتين، بينهما ألف، حيث وقع، وقرأ الباقون بياء قبل الألف.
وحجة من قرأ بهمزتين أن «ضياء» جمع ضوء كسوط وسياط [فالياء] (^٣) منقلبة من واو، لانكسار ما قبلها، ويجوز أن تكون مصدرا ل «ضاء»، لكنه في الوجهين قلبت عين الفعل، وهو الياء المنقلبة إلى موضع لام الفعل، وهو الهمزة، وردت الهمزة في موضع الياء، فلمّا تطرفت الياء بعد ألف زائدة قلبت همزة، كما فعل في «دعاء وسقاء» فصارت همزة قبل الألف، وهي الأصلية التي هي لام الفعل من «ضوء» وهمزة بعد الألف، وهي المنقلبة عن الياء، المنقلبة عن واو، ولو
_________________
(١) ص: «وذكرنا إمالة ادراك» ورجحت التكملة من: ر.
(٢) راجع «فصل في امالة فواتح السور»، الفقرة «١»، وسورة المائدة الفقرة «٤٣»، «ومعرفة أصل الألف»، الفقرة «٣».
(٣) تكملة لازمة من: ص، ر.
[ ١ / ٥١٢ ]
قلت: إن الهمزة انقلبت عن واو، لأن الياء لمّا تأخرت وزالت عنها الكسرة، التي قبلها، رجعت إلى أصلها وهو الواو، فقلبت همزة ك «دعاء» لجاز ذلك.
«٢» وحجة من لم يهمز، وترك الياء قبل الألف، على حالها أنه أتى بالاسم على أصله ولم يقلب من حروفه شيئا في موضع شيء، والياء بدل من واو «ضوء»، لانكسار ما قبلها، وكونه مصدرا في هذه القراءة أحسن، لأن المصدر يبعد فيه القلب والتغيير. إنما حقّه أن يجري على فعله في الاعتلال، وفعله غير مقلوب، ويجوز أن يكون جمعا غير مقلوب أتى على أصله، وكون «ضياء» جمع «ضوء» في قراءة من همز همزتين [أحسن] (^١) لأن الجمع يحسن فيه القلب ويكثر، ك «قسا» والاختيار ترك القلب والتغيير، وترك الهمز في موضع الياء، لأن عليه الجماعة وهو الأصل (^٢).
«٣» قوله: ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص بالياء على لفظ الغائب، ردّوه على قوله: ﴿ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ﴾، وعلى قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ﴾، وعلى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ﴾ «٣»، وعلى قوله:
﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾، وعلى قوله: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ «٤» كله بلفظ الغيبة، على الإخبار عن الله جلّ ذكره، وقرأ الباقون «نفصل» بالنون، على لفظ
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص، ر.
(٢) قوله: «وهو الأصل» سقط من: ر، انظر التبصرة ٧٥ /ب، والتيسير ١٢٠، والنشر ٢/ ٢٧١، والحجة في القراءات السبع ١٥٥، وزاد المسير ٤/ ٨، وتفسير النسفي ٢/ ١٥٣، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٧ /ب، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٦٥ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٠٠ /ب.
[ ١ / ٥١٣ ]
الإخبار عن الله جلّ ذكره عن نفسه بفعله (^١)، وهو يرجع إلى القراءة بالياء في المعنى ودليله (^٢) قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ «البقرة ٢٥٢» وهو إجماع، ويقوّيه أن قبله ﴿أَوْحَيْنا﴾ «٢» على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (^٣).
«٤» قوله: ﴿وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ قرأ قنبل بغير ألف قبل الهمزة. وقرأ الباقون بألف.
وحجة من قرأ بألف أنه عطفه على ما يتلوه، فأتى بالفعل رباعيا على معنى: ولو شاء الله ما أعلمكم به، فعطف نفيا على نفي.
«٥» وحجة من قرأ بغير ألف أنه على تأويل تسهيل همزة «أدراكم» بين الهمزة المفتوحة والألف، لأنها مفتوحة بعد ألف، فقربت من الساكن وقبلها ألف ساكنة، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، ثم ردّت الهمزة المسهلة إلى أصلها، وهو التحقيق، وهذا قول ضعيف، لا أصل له في العلل (^٤)، فيكون المعنى على هذا كالمعنى في القراءة الأخرى، عطف نفي، والأحسن أن تكون هذه القراءة على تقدير أن اللام في «ولا أدراكم» جواب «لو» المضمرة، لأن التقدير، لو شاء الله ما تلوته عليكم، ولو شاء الله لأدراكم به.
أي: لأعلمكم به قبل إتياني إليكم. فيكون المعنى على هذا أن الثاني غير نفي، والاختيار إثبات الألف، لثباتها في المصحف، ولأن الجماعة على إثباتها في اللفظ، وليشترك المعطوف فيما دخل فيه المعطوف عليه
_________________
(١) قوله: «وقرأ الباقون … بفعله» سقط من: ص.
(٢) ب: «وذلك» وتصويبه من: ص، ر.
(٣) التيسير ١٢١، والحجة في القراءات السبع ١٥٤، وزاد المسير ٤/ ٩، وتفسير القرطبي ٨/ ٣١١، وتفسير النسفي ٢/ ١٥٤، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٧ /أ.
(٤) ب: «الفعل» وتصويبه من: ص، ر.
[ ١ / ٥١٤ ]
من النفي (^١).
«٦» قوله: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، ومثله موضعان في النحل وموضع في الروم (^٢).
وحجة من قرأ بالتاء في يونس أنه ردّه على ما قبله من لفظ الخطاب في قوله: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللهَ﴾ فحمل آخر الكلام على أوله في الخطاب.
وحجة من قرأ بالياء أنه حمله على معنى: أن الله جلّ ذكره نزّه نفسه عما يشركون فقال: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فردّ «يشركون» على الهاء في «سبحانه»، ويجوز (^٣) أن يكون على الأمر لنبيه ﷺ أن يقول:
﷾ (^٤) عمّا يشركون، وهو الاختيار لصحة معناه ولأن الجماعة عليه (^٥).
«٧» قوله: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ﴾ قرأه ابن عامر بفتح القاف والصاد، ونصب «أجلهم» على الإخبار عن الله جلّ ذكره، ورده على قوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ﴾ فجاء الفعل مضافا إلى الله فيهما جميعا، ونصب «أجلهم» بوقوع القضاء عليهم (^٦) وتطابق الكلام بإضافة الفعل إلى الله فيهما جميعا، ودليله قوله: ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلًا﴾ «الأنعام ٢» فأضاف القضاء إلى الله جلّ ذكره، وهو إجماع، وقرأ الباقون بضم القاف، وكسر الضاد، وفتح الياء، على ردّ الفعل وهو إجماع، وقرأ فاعله، فرفعوا به «أجلهم» أقاموه مقام الفاعل، ولولا الجماعة لكانت القراءة الأولى أولى بالاتباع، لصحة معناها (^٧).
_________________
(١) زاد المسير ٤/ ١٥، وتفسير ابن كثير ٢/ ٤١٠، وتفسير غريب القرآن ١٩٤، والنشر ٢/ ٢٧٢، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٦٥ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٠١ /ب.
(٢) هذه الأحرف على ترتيبها هي (آ ١، ٣، ٣٣) وسيأتي ذكر كل في سورته، الفقرة «٢٥، ٩».
(٣) ص: «يشركون على الثاني ويجوز».
(٤) قوله: «فقال ﷾ … وتعالى» سقط من: ر، بسبب انتقال النظر.
(٥) تفسير النسفي ٢/ ١٥٧
(٦) ب، ص: «عليه» وتصويبه من: ر.
(٧) زاد المسير ٤/ ١٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٧ /أ - ب.
[ ١ / ٥١٥ ]
«٨» قوله (^١): ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ قرأه ابن عامر بالنون والشين، من النشور، فالمعنى: هو الذي يبثّكم ويفرقكم في البر والبحر، كما قال:
﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ «الجمعة ١٠» وقال: ﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ «البقرة ١٦٤» وقال: ﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً﴾ «النساء ١» والبث التفريق والنشر، وقرأ الباقون بالياء والسين من التيسير وهو السّير وهو المشي كما قال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ «النمل ٦٩» أي: امشوا فيها. وقد قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ «الملك ١٥» وهو الاختيار، للإجماع عليه (^٢).
«٩» قوله: ﴿مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ قرأه حفص بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع.
وحجة من نصب أنه أعمل فيه البغي على أنه مفعول له، أي: إنما بغيكم على أنفسكم من أجل متاع [الحياة] (^٣) الدنيا، أي: يبغي بعضكم على بعض لأجل متاع الحياة الدنيا، ف «على» متعلقة ب «البغي» في صلته، وخبر البغي محذوف تقديره: إنما بغي بعضكم [على بعض] (^٣) لأجل طلب الدنيا مذموم أو مكروه، ونحوه، ويجوز نصب «متاع» على تقدير: يمتعون متاع الحياة الدنيا، ويكون «على أنفسكم» خبرا ل «البغي» غير داخل في صلة البغي، ويجوز أن تنصب «متاع الحياة» بإضمار فعل دلّ عليه الكلام، والتقدير: يبغون متاع الحياة الدنيا، ودلّ «بغيكم» على «تبغون» المحذوف.
«١٠» وحجة من رفعه أنه جعله خبرا ل «بغيكم»، و«على» متعلقة بالبغي، وتقديره: إنما بغي بعضكم على بعض متاع الحياة الدنيا، ويجوز أن ترفع «متاعا» على إضمار مبتدأ وتجعل «على أنفسكم» خبرا ل «بغيكم» على تقدير: إنما بغيكم راجع وباله عليكم، أي: بغي بعضكم على بعض عائد
_________________
(١) تقدّمت هذه الفقرة عن المتقدمة في «ب» فجعلتها حيث هي كما في: ص، ر.
(٢) قوله: «للإجماع عليه» سقط من: ص، وقوله: «أي امشوا .. عليه» سقط من: ر، وانظر زاد المسير ٤/ ١٩، وتفسير ابن كثير ٢/ ٤١٢، وتفسير ٢/ ١٥٨
(٣) تكملة لازمة من: ص، ر.
[ ١ / ٥١٦ ]
على «أنفسكم» هو متاع الحياة الدنيا، وذلك متاع، والرفع الاختيار، لصحته في الإعراب، ولأن الجماعة عليه (^١).
«١١» قوله: (قطعا مّن الليل) قرأه ابن كثير والكسائي بإسكان الطاء، وفتحها الباقون.
وحجة من فتح أنه جعله جمع «قطعة» ك «دمنة ودمن»، ففيه معنى المبالغة في سواد وجوه الكفار، ويكون «مظلما» حالا من «الليل»، ولا يكون حالا من «القطع»، ولا من الضمير في الليل، لأن ذلك جمع و«مظلما» واحد.
«١٢» وحجة من أسكن أنه أجراه على التوحيد، على أنه بعض الليل.
فيكون «مظلما» صفة ل «قطع»، أو حالا من الضمير في «من الليل» (^٢).
«١٣» قوله: ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا﴾ قرأه حمزة والكسائي بتاءين، جعلاه من «التلاوة» منهم لأعمالهم، وهي القراءة لها من كتاب أعمالهم، فهم يقرؤونها يوم القيامة، دليله قوله: ﴿فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ﴾ «الإسراء ٧١» وقوله:
﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ «الإسراء ١٤» وقوله: ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ «الكهف ٤٩» ويجوز أن يكون «تتلو» من «تبع يتبع»، فيكون المعنى: هنالك تتبع كل نفس ما أسلفت من عمل. وقرأ الباقون «تبلو» بالباء من «الابتداء»، وهو الاختيار، أي: هنالك تختبر كل نفس ما أسلفت لها من عمل، أي: تطّلع عليه لتجزى به، وقد تقدّمت الحجة في
_________________
(١) تفسير مشكل إعراب القرآن ١٠٢ /أ - ب، ومعاني القرآن ١/ ٤٦١، وتفسير الطبري ١٥/ ٥٤، والحجة في القراءات السبع ١٥٦، وزاد المسير ٤/ ٢٠، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٧ /ب - ٤٨ /أ، وتفسير النسفي ٢/ ١٥٩.
(٢) تفسير مشكل إعراب القرآن ١٠٣ /ب، وزاد المسير ٤/ ٢٦، وتفسير غريب القرآن ١٩٦، وتفسير النسفي ٢/ ١٦١، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٨ /أ.
[ ١ / ٥١٧ ]
«كلمات» والاختلاف فيها في الأنعام (^١).
«١٤» قوله: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وورش بفتح الياء والهاء، وتشديد الدال، وكذلك قرأ أبو عمرو وقالون، غير أنهما اختلسا فتحة الهاء، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء، وإسكان الهاء والتخفيف.
وقرأ حفص بفتح الياء، وكسر الهاء، والتشديد، وكذلك قرأ أبو بكر، غير أنه كسر الياء مع كسر الهاء.
وحجة من شدّده أنه بناه على «اهتدى يهتدي»، ثم ادغم التاء في الدال، بعد أن ألقى حركتها على الهاء، ففتحها، وفي هذه القراءة مبالغة في ذم الكفار وآلهتهم أنها لا تهتدي في أنفسها، إلا أن تهدى، وهذه غاية النقص والضعف، والمعنى: أفمن يهدي غيره إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهتدي في نفسه إلا أن يهدى، فهي إذا كانت لا تهتدي إلى نفع أنفسها أحرى أن لا تهدي أحدا إلى شيء. وإنما جاز أن يخبر عنها بأنها تهتدي إذا هديت، وهي موات، لأنهم عبدوها فأقاموها مقام من يعقل، فعبّر عنها كما يعبر عمّن يعقل، على مذهبهم فيها، أي: لو كانت ممّن يعقل لم تهتد إلا أن تهدى، وهي في المعنى لا تهتدي وإن هديت، لأنها حجارة.
«١٥» وحجة من أسكن الهاء وخفّف أنه بناه على «هدى يهدي غيره»، فالمفعول مضمر قام مقام الفاعل، ومعنى «إلا أن يهدي»، أي: إلا أن يهدى فلا يهتدي.
«١٦» وحجة من كسر الهاء أنه لمّا أدغم الياء في الدال لم يلق حركة التاء على الهاء، شبّهه بالحرفين المنفصلين اللذين أدغم الأول في الثاني، ولا تلقى حركة الأول على ما قبله، بل تحذف، نحو إدغام أبي عمرو: ﴿يَجْعَلْ﴾
_________________
(١) راجع السورة المذكورة، الفقرة «٥٩»، وانظر زاد المسير ٤/ ٢٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ٤١٦، وتفسير النسفي ٢/ ١٦٢، والكشف في نكت المعاني والإعراب ٦٥ /ب
[ ١ / ٥١٨ ]
﴿لَكُمْ﴾ «الأنفال ٢٩» و﴿يَقُولُ لَهُ﴾ «البقرة ١١٧» وشبهه (^١)، فبقيت الهاء ساكنة، وأول المدغم ساكن، فكسر الهاء لالتقاء الساكنين.
«١٧» وحجة من كسر الياء مع كسر الهاء أنه لمّا كسر الهاء (^٢)، لالتقاء الساكنين، على ما ذكرنا، أتبع حركة الياء الهاء، وحركة الدال، ليعمل اللسان في ثلاث كسرات عملا واحدا.
«١٨» وحجة من اختلس الحركة في الهاء أنه لمّا ألقى حركة التاء على الهاء اختلسها، ولم يشبعها، إذ ليست بأصل على الهاء (^٣)، وليبيّن أنها حركة لغير الهاء، ولم يمكنه إبقاء الهاء ساكنة لسكون أول المدغم، فلم يكن بدّ من إلقاء حركة التاء، فاختلسها، لتخلص الهاء من السكون، وليدل أنها ليست بأصل في الهاء، فتوسّط حالة بين حالتين، كالذي يقرأ في الحروف الممالة بين اللفظين. فأمّا ما روي عن قالون وعن أبي عمرو، من إسكان الهاء، فهو بعيد ضعيف، لا يجوز إلا في شعر نادر، والمشهور عنهما الاختلاس وإخفاء الحركة، والإخفاء مثل الاختلاس في العلة المذكورة، والقراءة فيه على معنى «يهتدي» أحب إليّ، لتمكن معناها، ولأن الجماعة عليه، ولأنه أبلغ في ذم آلهتهم، وقد تقدّم ذكر «كلمات» في موضعين في هذه السورة (^٤)، و﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ «٤٥» الثاني في هذه السورة، وذكرنا ﴿وَلكِنَّ النّاسَ﴾ «٤٤» و(ألآن) في موضعين في هذه السورة «٥١، ٩١»، كله قد مضى بحجته، فأغنى ذلك عن إعادته (^٥).
_________________
(١) قوله: «اللذين أدغم .. وشبهه» سقط من: ص.
(٢) قوله: «وحجة من كسر … الهاء» سقط من: ص.
(٣) قوله: «وحركة الدال … الهاء» سقط من: ص.
(٤) ب: «الصورة» وتصويبه من: ص، ر.
(٥) راجع هذه المواضع على ترتيب ذكرها سوى «كلمات» إذ تقدّمت الإشارة إليها، سورة الأنعام، الفقرة «٦٩»، وسورة البقرة، الفقرة «٥٨ - ٦٠»، و«باب علل نقل حركة الهمزة على الساكن قبلها لورش»، الفقرة «٥»، وانظر الحرف المذكور في معاني القرآن ١/ ٤٦٤، وتفسير الطبري ١٥/ ٨٧، ٨٩، والتبصرة ٧٦ /أ، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٠٤ /أ، وزاد المسير ٤/ ٣٠، وتفسير النسفي ٢/ ١٦٣.
[ ١ / ٥١٩ ]
«١٩»: (ممّا يجمعون) قرأه ابن عامر بالتاء، على الخطاب، لأن بعده خطابا في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ «٥٩»، وقوله: (فجعلتم مّنه)، وقوله:
(أذن لكم) فحمل صدر الكلام على آخره، ليتفق اللفظ، فيكون الضمير في «تجمعون» وفي «فلتفرحوا» للكفار، على معنى: ولو كنتم مؤمنين لوجب أن تفرحوا بذلك، فهو خير ممّا تجمعون من دنياكم أيها الكفار. وقد روي عن ابن عامر وغيره أنه قرأ: «فلتفرحوا» بالتاء (^١) على الخطاب للكفار، أي: لو كنتم مؤمنين لكان فرحكم بالإسلام والإيمان خيرا ممّا تجمعون من دنياكم. ولم أقرأ «فليفرحوا» إلا بالياء للجميع، ويجوز أن يكون الضمير في قوله:
(فليفرحوا) في هذه القراءة للمؤمنين (^٢) وقرأ الباقون بالياء في «يجمعون» أجروه على الإخبار عن الكفار، لا عن المؤمنين لأن المؤمنين هم الذين أعطوا فضل الله، وهو الإسلام، وأعطوا رحبته، وهو القرآن لم يعط ذلك الكفار. فقيل:
إنما أعطي المؤمنون من الإسلام والقرآن خير ممّا يجمع هؤلاء الكفار من دنياهم، ففي «يفرحوا» ضمير المؤمنين، وفي «ويجمعون» ضمير الكفار، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، ولصحة معناه (^٣).
«٢٠» قوله: ﴿وَما يَعْزُبُ﴾ قرأه الكسائي بكسر الزاي، هنا وفي سبأ (^٤) وقرأ الباقون برفعهما، وهما لغتان مثل: يعرش ويعرش (^٥).
_________________
(١) ذكر ابن الأنباري انها قراءة رسول الله ﷺ وأبيّ بن كعب ﵁، انظر إيضاح الوقف والابتداء ٢٢٤، ومعاني القرآن ١/ ٤٦٩، وشواذ القراءات ٥٧، وأسرار العربية ٣١٨
(٢) ر: «للمؤمنين وفي تجمعون للكفار أي: بالقرآن والإسلام فليفرحوا المؤمنون هو خير مما تجمعون أيها الكفار».
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٥٧، وزاد المسير ٤/ ٤١، وتفسير ابن كثير ٢/ ٤٢١، وتفسير النسفي ٢/ ١٦٨، والنشر ٢/ ٢٧٤، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٨ /ب.
(٤) الحرف فيها: (آ ٣)، وسيأتي في السورة نفسها، الفقرة «٢».
(٥) زاد المسير ٤/ ٤٣، وتفسير النسفي ٢/ ١٦٩
[ ١ / ٥٢٠ ]
«٢١» قوله: ﴿وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ﴾ قرأهما حمزة بالرفع، عطفهما على موضع «من مثقال»، وموضعه رفع ب «يعزب» و«من» زائدة.
وقرأ الباقون بالفتح، عطفوه على لفظ «مثقال» وحقه الخفض، لكن لا ينصرف، لأنه صفة، ولأنه على وزن الفعل، ويجوز عطفه على «ذرة»، لكن لا ينصرف (^١).
وقد تقدّم ذكر «ساحر» في الأعراف (^٢).
«٢٢» قوله: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ قرأه أبو عمرو بالمد والهمز، على لفظ الاستفهام، وقرأ الباقون بألف وصل، من غير مدّ ولا همز.
وحجة من مدّ أنه جعل «ما» استفهاما، في موضع رفع بالابتداء، و«جئتم به» الخبر، ثم أبدل «السحر» من «ما» فلحقته ألف الاستفهام، لتدل على الاستفهام لأنه بدل من استفهام، وحسن ذلك ليتساوى البدل والمبدل منه في الاستفهام، كما تقول: كم مالك أعشرون أم ثلاثون. ف «كم» استفهام و«عشرون» بدل من «كم»، فدخلت عليها ألف الاستفهام، ليتّفق البدل والمبدل منه في الاستفهام، ومعنى الاستفهام في هذه القراءة، ليس على معنى الاستخبار لأن موسى ﷺ قد علم وأيقن أن الذي جاءوا به سحر، لكنه استفهام في اللفظ ومعناه التقرير، ولا خبر ل «السحر»، لأن خبر الأول المبدل منه يغني عن خبر المبدل، كما تقول: كم مالك أعشرون، فخبر «كم» هو خبر «عشرون»، وتقول: زيد منطلق أبوه، فالأب بدل من زيد، وخبره خبر زيد وهو «منطلق».
«٢٣» وحجة من قرأ بغير مدّ انه جعل «ما» في قوله «ما جئتم به» بمعنى «الذي»، في موضع رفع بالابتداء، و«جئتم به» صلة «ما»، و«السحر» خبر الابتداء. ويقوّي هذا أن في حرف أبيّ «ماجئتم به
_________________
(١) تفسير مشكل إعراب القرآن ١٠٦ /أ.
(٢) راجع سورة المائدة، الفقرة «٤٣ - ٤٤»، وسورة الأعراف، الفقرة «٣٠»، وسيأتي في سورة هود بأولها.
[ ١ / ٥٢١ ]
سحر» وهو الاختيار لأن الجماعة عليه (^١).
«٢٤» قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ﴾ قرأه ابن ذكوان بتخفيف النون، كأنه استثقل التشديد للنون، مع التشديد في أول الكلمة، فخفّفها وهو يريد التشديد، لأنها النون التي تدخل مشددة للتأكيد في الأمر والنهي وأخواتهما، كما خفّفوا «رب» (^٢) وهو وجه ضعيف قليل. وقيل: إنه جعل «لا» بمعنى النفي، فيكون لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي، فرفع الفعل بالنون علم الرفع في الفعل، ويجوز أن يكون (^٣) حالا من الضمير في (^٤) «استقيما» أي: استقيما غير متبعين.
وقرأ الباقون بتشديد النون على أصلها، لأنها النون المشددة التي تدخل الأفعال (^٥) للتأكيد في الأسر والنهي وشبهه، وهو الاختيار، لصحته في المعنى والإعراب، ولأن الجماعة عليه (^٦).
«٢٥» قوله: (آمنت أنّه) قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة، لأنها بعد القول، والقول يحكي ما بعده، والتقدير: آمنت إنه قلت إنه، وقرأ الباقون بالفتح، أعملوا «آمن» في «أنه» ففتحت على تقدير حذف حرف الجر، والتقدير: آمنت بالله. و«آمن» يتعدّى بحرف جر كما قال:
﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ «البقرة ٣» ف «أن» في موضع خفض، على قول الخليل، أعمل الحرف، وهو محذوف، لكثرة استعمال حذفه مع «أن» خاصة، وغير الخليل يقول: «أن» في موضع نصب لعدم الخافض، إذ لا يعمل، وهو محذوف كما لا تعمل الإضافة والمضاف
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ١٥٨، وزاد المسير ٤/ ٥١، والتيسير ١٢٣، وتفسير مشكل إعراب القرآن ١٠٨ /ب، وتفسير النسفي ٢/ ١٧٢، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٩ /أ.
(٢) مغني اللبيب ١٣٨
(٣) ر: «يكون الفعل مرفوعا».
(٤) ر: «في تستقيما أي».
(٥) ص، ر: «على الافعال».
(٦) كتاب سيبويه ٢/ ١٧٢، وزاد المسير ٤/ ٥٤، وتفسير النسفي ٢/ ١٧٤
[ ١ / ٥٢٢ ]
محذوف، ولأن الحرف لمّا حذف تعدّى الفعل إلى ما بعد الجار فنصبه، والفتح هو الاختيار، لأن أكثر القراء عليه (^١).
«٢٦» قوله: ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأه الكسائي وحفص بالتخفيف من «أنجى ينجي»، وقرأ الباقون بالتشديد من «نجّى ينجّي» [وهما لغتان] (^٢).
وقد جاء القرآن بهما إجماعا، قال الله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ «الأعراف ٦٤» و﴿فَأَنْجاهُ اللهُ﴾ «العنكبوت ٢٤» وقال: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فصلت ١٨» وهو كثير في القرآن، من «أنجى» ومن «نجّى»، وفي التشديد معنى التكرير، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (^٣).
«٢٧» قوله: (ويجعل الرجس) قرأه أبو بكر بالنون على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بذلك، لأن قبله إخبارا من الله ﷿ عن نفسه في قوله: ﴿كَشَفْنا عَنْهُمْ﴾، ﴿وَمَتَّعْناهُمْ﴾ «٩٨» فردّه (^٤) على ما قبله، وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة التي قبله في قوله: ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾، فذلك أقرب إليه من غيره، فردّوه على ما هو أقرب إليه، فهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (^٥).
«٢٨» فيها خمس ياءات إضافة قوله: ﴿لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ «١٥»، ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ «١٥» قرأهما الحرميان وأبو عمرو بالفتح.
_________________
(١) معاني القرآن ١/ ٤٦٣، ٤٧٨، وتفسير الطبري ١٥/ ١٨٩، وإيضاح الوقف والابتداء ٧٠٨، والحجة في القراءات السبع ١٥٩، وزاد المسير ٤/ ٥٩، والنشر ٢/ ٢٧٦
(٢) تكملة لازمة من: ص، ر.
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٦٠، وزاد المسير ٤/ ٦٩، وتفسير النسفي ٢/ ١٧٨
(٤) ب: «فردوه» وتصويبه من: ص، ر.
(٥) زاد المسير ٤/ ٦٨، والنشر ٢/ ٢٧٧
[ ١ / ٥٢٣ ]
﴿نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ﴾ «١٥»، ﴿وَرَبِّي إِنَّهُ﴾ «٥٣» قرأهما نافع وأبو عمرو بالفتح.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ﴾ «٧٢» قرأها نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص بالفتح حيث وقع.
ليس فيها زائدة (^١).
***
_________________
(١) التبصرة ٧٦ /أ، والتيسير ١٢٣ - ١٢٤، والنشر ٢/ ٢٧٧، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٤٩ /أ - ب.
[ ١ / ٥٢٤ ]