«٦» وقد ذكرنا إمالة «ضعافا» وعلته (^٢)، ونزيد هنا بيانا. اعلم أن الإمالة فيه حسنة مع حرف الاستعلاء في «ضعافا»، لأن الذي تمتنع معه الإمالة لتصعده مكسور، وهو الضاد، فلم يعتدّ به، للكسرة التي هي عليه (^٣) لأنها توجب الإمالة، لأنه لمّا انكسر تسفّل عن استعلائه وتصعّده بالكسر، الذي هو من الياء، فضعف تصعده عن منع الإمالة، فجازت الإمالة للكسرة، وحسن ذلك، لأنهم يميلون مع حرف الاستعلاء، وبين الممال، والكسرة حرف ساكن نحو: مقلاة، ومعطار، يقدّرون الكسرة، كأنها حرف الاستعلاء لسكونه. فإذا كانت الكسرة، على المستعلي نفسه، كان آكد في جواز الإمالة، وقد أمالوا «خاف» مع حرف الاستعلاء، وهو الخاء، ولا كسرة عليه، ولا قبله. فعلوا ذلك لطلب الدلالة على كسرة «خفت»، وليست الكسرة في الكلام. فإذا كانت الكسرة، موجودة في الكلام، كان أحسن في الجواز، ولم تمتنع العين من الإمالة، لانكسار ما قبلها.
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ٩٥، والتيسير ٩٤، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٣ /أ، وزاد المسير ٢/ ١٣، وتفسير النسفي ١/ ٢٠٧، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٤٥ /ب.
(٢) راجع «أقسام علل الإمالة» الفقرة «٨».
(٣) ب: «علته» وتصويبه من: ص.
[ ١ / ٣٧٧ ]
«٧» قوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ قرأه أبو بكر وابن عامر بضمّ الياء، على ما لم يسمّ فاعله، على معنى: يأمر الله من يصليهم سعيرا، فلم يضف الفعل إليهم في الحقيقة. إنما أقيموا مقام من له الفعل في الحقيقة، وقرأ الباقون بفتح الياء، أضافوا الفعل إليهم، كما قال: ﴿اصْلَوْهَا﴾ «يس ٦٤» فأضاف الفعل إليهم (^١).
«٨» قوله: ﴿وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً﴾ قرأه نافع بالرفع، ونصبه الباقون.
«٩» وحجة من رفع أنه جعل «كان» تامة بمعنى: حدث ووقع، ويقوّي (^٢) ذلك أنه لمّا كان القضاء، في إرث الواحدة لا في نفسها، وجب أن يكون التقدير: فإن وقع أو حدث إرث واحدة، أو حكم واحدة، ونحوه، وقد كان يلزم الرفع في «نساء» في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً﴾ إلا أنه جمع بين المذهبين والمعنيين، فأضمر الاسم مع «نساء» وترك الإضمار مع واحدة، والقياس واحد.
«١٠» وحجة من نصب أنه جعلها «كان» هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر الداخلة على الابتداء والخبر، فأضمر اسمها فيها، ونصب «واحدة» على الخبر، ووفّق في ذلك بين آخر الكلام وأوله، ألا ترى أن أوله «فإن كن نساء» فنصب، وأضمر في «كان» اسمها، فلمّا أجمع على النصب في «نساء» أجرى «واحدة» على ذلك، لأن الآخر قسيم الأول، فجرى على لفظه وحكمه، لأنه تعالى ذكر جماعة البنات وحكمهن في ميراثهن، ثم ذكر حكم الواحدة في ميراثها، فجرت الواحدة في الإعراب مجرى الجماعة، لأن قبل كل واحد منهما «كان»، والتقدير: فإن كان المتروكات نساء، وإن كانت المتروكة واحدة. وإن أضمرت الوارثات والوارثة فالمعنى واحد، والنصب الاختيار، ليتألف آخر الكلام بأوله، وعليه جماعة القراء (^٣).
_________________
(١) زاد المسير ٢/ ٢٤، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٣ /ب، وتفسير النسفي ١/ ٢٠٩
(٢) ب: «وقوى» وتصويبه من: ص.
(٣) زاد المسير ٢/ ٢٦، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٥٨، وتفسير النسفي ١/ ٢١٠، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٤٦ /ب.
[ ١ / ٣٧٨ ]
«١١» قوله: (فلأمه، في أمها، و﴿بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ (^١) قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة، في المفرد والجمع، في الوصل خاصة، وتفرّد حمزة بكسر الميم مع الهمزة في الجمع، وذلك حيث وقع، وذلك إذا كان قبل الهمزة كسرة أو ياء، وقرأ ذلك كله الباقون بضم الهمزة، وكلهم ضمّ الهمزة في الابتداء.
«١٢» وحجة من كسر الهمزة أنه اسم كثر استعماله، والهمزة حرف مستثقل بدلالة ما أجازوا فيها من البدل والتخفيف والحذف ونقل الحركة، دون غيرها من سائر الحروف. فلمّا وقع أول هذا الاسم، وهو «أم» حرف مستثقل، وكثر استعماله، وثقل الخروج من كسر، أو ياء، إلى ضم همزة، وليس في الكلام «فعل»، فلمّا اجتمع هذا الثقل أرادوا تخفيفه، فلم يمكن فيه الحذف، لأنه إجحاف بالكلمة، ولا أمكن تخفيفه، ولا بدله، لأنه أول، فغيروه بأن أتبعوا حركته حركة ما قبله، ليعمل اللسان عملا واحدا، والياء كالكسرة، فإذا ابتدؤوا ردّوه إلى الضم، الذي هو أصله، إذ ليس قبله في الابتداء ما يستثقل.
وقد فعلوا ذلك في الهاء في «عليهم وبهم» أتبعوا حركته حركة ما قبلها، وأصلها الضم، والإتباع في كلام العرب مستعمل كثير.
«١٣» وحجة من كسر الميم مع الهمزة في الجمع أنه أتبع حركة الميم حركة الهمزة، كما قالوا «عليهي» وكسروا الهاء للياء، وأتبعوا حركة الميم حركة الهاء.
فمن قال «عليهمي» بكسر الهاء والميم، هو بمنزلة من كسر الهمزة والميم في قوله:
﴿بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ «النحل ٧٨»، ومن كسر الهاء وضمّ الميم في «عليهمو» هو بمنزلة من كسر الهمزة وفتح الميم، في قوله: ﴿بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾، ومن ضم الهمزة وفتح الميم في «بطون أمهاتكم»، وهو الأصل، بمنزلة من قال «عليهمو» بضم الهاء والميم، فهو الأصل، إلا أن تغيير الهاء، مع الكسرة والياء، أقوى وأكثر وأشهر من تغيير الهمزة مع الياء والكسرة، وذلك لخفاء الهاء وجلادة الهمزة.
_________________
(١) الحرفان الآخران أولهما في سورة القصص (آ ٥٩)، وثانيهما في النحل (آ ٧٨)، وسيأتي ذكره في أول سورة النجم.
[ ١ / ٣٧٩ ]
«١٤» وحجة من ضمّ الهمزة وفتح الميم أنه أتى به على الأصل، فلم يحدث تغييرا في الهمزة، لأنها ليست خفية كالهاء في «عليهم وبهم» وأيضا فإن ذلك لا يلزم في كل مضمومة، قبلها ياء أو كسرة، فجرت اللام على ما جرى عليه سائر الكلام، من ترك الهمزة على أصلها، وهو الضمّ، ألا ترى أنهم يقولون:
في أخيك حسن، ويا هؤلاء أف لكم، وفي أناس، ونحوه، فلا يجوز تغيير ضمة الهمزة، فكذلك همزة «أم» وهو الاختيار، لأنه الأصل، ولأن الجماعة عليه، ولاتفاقهم على الضم في الابتداء، فجرى الوصل على ذلك. فأما الميم فالفتح أصلها (^١).
«١٥» قوله: ﴿يُوصِي بِها﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر «يوصي» الأول بفتح الصاد، ووافقهم حفص على الفتح في الثاني، وقرأهما الباقون بكسر الصاد.
«١٦» وحجة من كسر أنه لمّا تقدم ذكر «الميت»، والمفروض في تركته أضاف الفعل إليه، لأنه هو الموصي، كأنه قال: من بعد وصية يوصي الميت بها.
ففيه تخصيص للمذكور الميت.
«١٧» وحجة من فتح أنه لمّا كان هذا الحكم ليس يراد به واحد بعينه، إنما هو شائع في جميع الخلق، أجراه على ما لم يسم فاعله، فأخبر به عن غير معين، فأما قراءة حفص فإنه جمع بين اللغتين، واتّبع ما قرأ به على إمامه (^٢).
«١٨» قوله: (يدخله، ويدخله) قرأهما نافع وابن عامر بالنون، ومثله موضعان في الفتح «يدخله، ويعذبه» وفي التغابن: (يكفر عنه، ويدخله) (^٣) وفي الطلاق: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ «١١»، وقرأ الباقون بالياء في السبعة.
_________________
(١) التبصرة ٦٢ /أ - ب، وزاد المسير ١/ ٢٧، والحجة في علل القراءات السبع ١/ ٤٥
(٢) التبصرة ٦٢ /ب، وزاد المسير ٢/ ٢٨، والحجة في القراءات السبع ٩٦، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٥٩، وتفسير النسفي ١/ ٢١١
(٣) حرفا سورة الفتح هما (آ ١٧)، وحرفا سورة التغابن (آ ٩)، وسيأتي كل في سورته، الفقرة «٦، ١».
[ ١ / ٣٨٠ ]
«١٩» وحجة من قرأ بالنون أنه أخرج الكلام على الإخبار من الله جل ذكره عن نفسه، بعد لفظ الغيبة، وذلك مستعمل كثير، قال الله جلّ ذكره:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ﴾ «العنكبوت ٢٣» فجرى الكلام على لفظ الغيبة ثم قال: (أولئك يئسوا من رحمتي) فرجع بالكلام إلى الإخبار من الله عن نفسه، فكذلك هذا. وقال تعالى ذكره: ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ «آل عمران ١٥٠» فأتى الكلام على لفظ الغيبة، ثم قال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ﴾ «١٥١» فرجع الكلام إلى الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه.
«٢٠» وحجة من قرأ بالتاء أنه ردّ آخر الكلام على أوله، فلمّا أتى أوله بلفظ الغيبة في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾، و﴿مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال:
«يعذبه، ويدخله، ويكفر» بلفظ الغيبة، ليأتلف الكلام على نظام واحد، وهو الاختيار، لأن أكثر القراء عليه، ولأنه أليق بسياق الكلام (^١).
«٢١» قوله: ﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها﴾ قرأ ابن كثير بتشديد النون، ومثله «هذان، وهاتين، وفذانك، واللّذين» (^٢)، ووافقه أبو عمرو على التشديد في «فذانك» خاصة، وقرأ ذلك (^٣) الباقون بالتخفيف.
«٢٢» وحجة من شدّد النون أن في ذلك ثلاثة أقوال: الأول أنه شدد النون، ليكون التشديد عوضا من الحذف، الذي دخل هذه الأسماء المبهمة في التثنية، لأنه قد حذف ألف منها، لالتقاء الساكنين، وهما الألف التي كانت في آخر الواحد، وألف التثنية، فجعل التشديد في النون عوضا من المحذوف. الثاني أن التشديد وجب لهذه النون، للفرق بين النون، التي هي عوض من تنوين ملفوظ به في الواحد، نحو: زيد وعمرو [وبين النون التي] (^٤) لا تنوين في الواحد
_________________
(١) المختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٤ /أ، وزاد المسير ٢/ ٣٣
(٢) الأحرف على ترتيبها في سورة طه (آ ٦٣)، القصص (آ ٢٧، ٣٢)، فصلت (آ ٢٩).
(٣) لفظ «ذلك» سقط من: ص.
(٤) تكملة لازمة من: ص.
[ ١ / ٣٨١ ]
ملفوظ به، تكون النون عوضا (^١) منه، والثالث أن النون شدّدت للفرق بين النون، التي تحذف للإضافة، وبين النون التي لا تحذف للإضافة، لأن المبهم معرفة، فهو لا يضاف ألبتة. وقد قيل إن التشديد في «فذانك» وجب على إدغام اللام في النون، وذلك أن أصله ذلك، ثم دخلت نون التثنية قبل اللام، فصار «ذانك» فأدغمت اللام في النون، على طريق (^٢) إدغام الثاني في الأول. فوقع التشديد لذلك. ويجوز أن تكون النون، التي للتثنية، وقعت بعد اللام، ثم أدغمت اللام في النون، على إدغام الأول في الثاني، فوقع التشديد (^٣) لذلك.
«٢٣» وحجة من خفّف أنه أجرى المبهم مجرى سائر الأسماء، فخفّف النون، كما تخفف في كل الأسماء، وهو الاختيار، وعليه أتى كلام العرب، وهو المستعمل، وعليه أكثر القراء (^٤).
«٢٤» قوله: (كرها) قرأه حمزة والكسائي بالضم، وفتح الباقون، ومثله في التوبة والأحقاف (^٥) غير أن ابن ذكوان وعاصما وافقاهما على الضم في الأحقاف خاصة، وقرأ ذلك الباقون بالفتح، وهما لغتان مشهورتان كالفقر والفقر والضعف والضعف والشهد والشهد. وقد قيل إن الكره، بالضمّ، المشقة، والكره بالفتح الإجبار، وقيل: الكره، بالضم، ما كرهته بقلبك، وبالفتح الإجبار، وقيل: الكره، بالضم، ما عملته وأنت كاره له من غير أن تجبر عليه، والكره، بالفتح، ما أجبرت عليه. وقال أبو عمرو: الكره بالضم، كل شيء يكره فعله، والكره، بالفتح، ما استكره عليه. وقال الأخفش: هما
_________________
(١) ب: «عوض» وتصويبه من: ص.
(٢) لفظ «طريق» سقط من: ص.
(٣) قوله: «فوقع التشديد … التشديد» سقط من: ص.
(٤) زاد المسير ٢/ ٣٤، والنشر ٢/ ٢٤٠، وتفسير النسفي ١/ ٢١٤، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٤٧ /أ.
(٥) أول الحرفين (آ ٥٣) وثانيهما (آ ١٥) وسيأتي ذكر هذا في سورة الأحقاف، الفقرة «٧».
[ ١ / ٣٨٢ ]
لغتان، بمعنى المشقة (^١) والإجبار (^٢).
«٢٥» قوله: (مبينة، ومبينات) (^٣) قرأ ابن كثير وأبو بكر «مبيّنة» بفتح الياء، وكسرها الباقون. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي «مبيّنات» بكسر الياء، وفتح الباقون، وذلك حيث وقع.
«٢٦» وحجة من فتح الياء أنه أجراه على ما لم يسم فاعله، أي يبين، أي يبينها من يقوم فيها وينكرها، ويبين الآيات أنها آيات، أي يبينها الله أنها آيات.
«٢٧» وحجة من قرأ بكسر الياء أنه أضاف الفعل إلى الفاحشة، لأنها (^٤) تبين عن نفسها أنها فاحشة يقبح فعلها، وتبين الآيات عن نفسها أنها آيات لإعجازها. و«الفاحشة» الزنا (^٥) في قول الحسن والشّعبي، أي: إن زنت المرأة بزنى أخرجت للحدّ، وصلح الخلع. قال عطاء الخراساني (^٦): هو منسوخ، كان الرجل إذا تزوج المرأة فأتت بفاحشة كان له أن يأخذ منها كل ما ساق إليها، فنسخ ذلك بالحدود. وقال الضحّاك (^٧) وقتادة: الفاحشة النشوز: إذا نشزت
_________________
(١) ص: «في المشقة».
(٢) ب: «وفي الإجبار» وبطرح الخافض وجهه كما في: ص. وانظر الحجة في القراءات السبع ٩٧، والتيسير ٩٥، وزاد المسير ٢/ ٤٠، وتفسير النسفي ١/ ٢١٥، وتفسير غريب القرآن ١٢٥، وكتاب سيبويه ٢/ ٢٦٨، وأدب الكاتب ٤٢٤.
(٣) أول الحرفين في سورة الأحزاب أيضا والطلاق (آ ٣٠، ١) والثاني في النور (آ ٣٤) وسيأتي نظير الأول في سورة الطلاق، الفقرة «١».
(٤) ب، ص: «انها» فوجهتها بإضافة الجار.
(٥) تفسير غريب القرآن ١٢٤.
(٦) هو ابن أبي مسلم كما ذكر خليفة بن خياط، وابن عبد الله كما ذكر الذهبي، له رواية عن بعض الصحابة والتابعين، وصفه الذهبي بكثرة الإرسال، (ت ١٣٥ هـ) ترجم في الطبقات ٨٠١، وميزان الاعتدال ٣/ ٧٣
(٧) الضحاك بن مزاحم، تابعي، مفسر، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، سمع سعيد بن جبير وروي عن أبي هريرة وابن عباس، وعنه قرة بن خالد وعبد الرحمن ابن عوسجة، (ت ١٠٥ هـ)، ترجم في الجرح والتعديل ١/ ٤٥٨/٢، وطبقات ابن سعد ٦/ ٣٠٠
[ ١ / ٣٨٣ ]
عنه، كان له أن يأخذ منها الفدية ويدعها. وقيل: المعنى: «إلا أن يزنين» فيحبسن في البيوت. فهذا كان قبل النسخ بالحدود، وقيل: الفاحشة البذاء باللسان. وقيل: هي خروجهن من بيوتهم في العدة. وقد شرحنا هذه الآية في كتاب «الهداية» بغاية الشرح (^١).
«٢٨» قوله: (محصنات، والمحصنات) قرأ الكسائي بكسر الصاد في جميع القرآن إلا قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ (^٢) فإنه فتح الصاد فيه، وقرأ الباقون جميع ذلك بفتح الصاد.
«٢٩» وحجة من كسر الصاد أنه أضاف الفعل إليهن، فجعلهن أحصن أنفسهن بالعفاف والحرية، نحو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ «النور ٤» أي العفائف الحرائر (^٣)، وقوله: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ «الأنبياء ٩١» يراد به العفاف، أو بالتزويج نحو قوله: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ «النساء ٢٥» أي:
تزوجن. أو بالإسلام نحو قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ «النساء ٢٥» فهن أحصن أنفسهن بعفاف أو بإسلام.
«٣٠» وحجة من فتح (^٤) الصاد أنه أجرى الفعل على ما لم يسم فاعله، فجعلهن أحصنهن غيرهن من زوج أو وليّ. وإنما خص الكسائي (والمحصنات من النساء) بالفتح لأنه نزل في ذوات الأزواج، حرّم الله وطأهن، واستثنى ملك اليمين من السبايا، فلمن سباهنّ وطوءهنّ بعد الاستبراء. وإن كنّ ذوات أزواج في بلدهن، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (^٥).
_________________
(١) التبصرة ٦٣ /أ، والحجة في القراءات السبع ٩٧، وزاد المسير ٢/ ٤١، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٦٦، وتفسير النسفي ١/ ٢١٦
(٢) الحرف في السورة نفسها (آ ٢٤).
(٣) ب: «الأحرار»، وتصويبه من: ص.
(٤) ص: «كسر».
(٥) زاد المسير ٢/ ٤٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٧٣، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٤ /أ - ب، وتفسير النسفي ١/ ٢١٧، وتفسير غريب القرآن ١٢٤
[ ١ / ٣٨٤ ]
«٣١» قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي بضم الهمزة، وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الهمزة والحاء.
«٣٢» وحجة من فتح أنه بنى الفعل للفاعل، وهو الله، لا إله إلا هو، وعطفه على ما قبله، مما أضيف الفعل فيه إلى الله جلّ ذكره في قوله: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ «النساء ٢٤» أي: كتب الله ذلك عليكم، وأحلّ لكم ما وراء ذلك. ف «ما» في موضع نصب.
«٣٣» وحجة من ضم الهمزة أنه بنى الفعل، لما لم يسمّ فاعله على ما جرى من الكلام في أول الآية في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ «٢٣» على ما لم يسم فاعله، فطابق بين أول الكلام وآخره، فكأنه حرّم عليكم كذا وأحل لكم كذا، فهذا أليق بتجانس الكلام وارتباط بعضه ببعض. والاختيار فتح الهمزة، لقرب اسم الله جلّ ذكره منه، وبعد «حرمت» منه، ولأن (^١) عليه أهل الحرمين وأكثر القراء (^٢).
«٣٤» قوله: (فإذا أحصنّ) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بفتح الهمزة والصاد، وقرأ الباقون بضم الهمزة وكسر الصاد.
«٣٥» وحجة من ضمّ أنه أضاف الفعل إلى الأزواج، أو إلى الأولياء، فجرى على ما لم يسم فاعله، وقمن مقام الفاعل لحذفه، وهنّ الإماء، فإذا أحصنهن الأزواج بالتزويج، أو فإذا أحصنهن الأولياء بالنكاح، فزنين، فعليهن نصف ما على الحرائر من المسلمات، اللواتي لم يتزوجن من الحد، إذا زنين.
وذلك خمسون جلدة.
«٣٦» وحجة من فتح الهمزة أنه أسند الفعل إليهن، على معنى: فإذا أسلمن. وقيل: فإذا عففن، وقيل: فإذا أحصن أنفسهن بالتزويج، فالحد لازم لهن إذا زنين في (^٣) الوجوه الثلاثة. ومن ضمّ الهمزة فإنما يجعل الحد لازما لهن إذا زنين
_________________
(١) ب: «لأن» وبالواو عطفا وجهه كما في: ص.
(٢) معاني القرآن ١/ ٢٦٠، وتفسير الطبري ٨/ ١٧٠، والحجة في القراءات السبع ٩٨، وزاد المسير ٢/ ٥٢، وتفسير النسفي ١/ ٢١٩
(٣) ب: «من» ورجحت ما في: ص.
[ ١ / ٣٨٥ ]
بعد التزويج لا غير. وقد أجمع على وجوب الحد على المملوكة إذا زنت، وإن لم تكن ذات زوج، ولولا إجماع أهل الحرمين، مع غيرهم، على الضم لكان الاختيار فتح الهمزة، لصحة معناه في الحكم (^١).
«٣٧» قوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ قرأ الكوفيون بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع.
«٣٨» وحجة من نصب أنه أضمر في «كان» اسمها، ونصب «تجارة» على خبر كان، على تقدير: إلا أن تكون الأموال تجارة، فأضمر الأموال، لتقدم ذكرها. وكان ذلك أولى لينتظم بعض الكلام ببعض، وفيه على هذا حذف مضاف تقديره: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، ليكون الخبر هو الاسم. وقيل التقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة. فهذا تقدير حذف فيه، لأن الأول هو الثاني.
«٣٩» وحجة من رفع أنه جعل «كان» تامة، بمعنى: وقع وحدث، فرفع بها، واستغنى عن الخبر، على معنى: إلا أن تحدث تجارة، أو تقع تجارة.
والعرب تقول: كان أمر، أي حدث أمر. ولولا إجماع الحرميين على الرفع وغيرهم لكان الاختيار النصب، لمطابقة آخر الكلام مع أوله (^٢).
«٤٠» قوله: (مدخلا) قرأه نافع بفتح الميم، وضمّها الباقون، ومثله في الحج (^٣). وكلهم ضمّ ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ في بني إسرائيل «٨٠» لتقدم قوله: (وأدخلني).
«٤١» وحجة من فتح الميم أنه جعله مصدرا لفعل ثلاثي مضمر، دل عليه الرباعي الظاهر، وهو قوله: (ندخلكم) أي: ندخلكم فتدخلون مدخلا، أي: دخولا فدخول ومدخل مصدران للثلاثي، بمعنى واحد، ويجوز أن
_________________
(١) زاد المسير ٢/ ٥٨، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٤ /ب، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٧٦، وتفسير النسفي ١/ ٢٢٠
(٢) زاد المسير ٢/ ٦٠، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٧٩، وتفسير النسفي ١/ ٢٢١، ومغني اللبيب ٥٥٩، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٤٨ /أ.
(٣) الحرف فيها (آ ٥٩)، وسيأتي في سورته الفقرة «١٦».
[ ١ / ٣٨٦ ]
يكون «مدخلا»، بالفتح، مكانا، أي: يدخلكم مكانا، فيتعدّى إليه «ندخلكم»، على المفعول به، وحسن ذلك، لأنه قد وصف بالكريم، كما قال ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ «الشعراء ٥٨».
«٤٢» وحجة من ضم أنه أجراه مصدرا على ما قبله، وهو «يدخلكم»، ولم يحتج (^١) إلى إضمار ثلاثي، فنصبه على المصدر. فالميم في حركتها كحرف المضارعة في حركته، إن كان مفتوحا فتحت الميم، وإن كان مضموما ضمت (^٢) الميم، وفي الكلام مفعول محذوف، لأن الفعل لمّا نقل إلى الرباعي تعدّى إلى مفعول، تقول: دخلت في دار زيد وأدخلت عمرا في دار زيد. فأصل «دخلت» أن لا يتعدّى، لأن نقيضه لا يتعدّى، وهو «خرجت». وحكى النحويون:
دخلت الدار، فعدّوه بغير حرف وهو شاذ، والتقدير: ويدخلكم الجنة مدخلا كريما، أي إدخالا، فمدخل وإدخال مصدران ل «أدخل»، كما كان «دخول ومدخل» مصدرين ل «دخل». ومعنى: «كريم» حسن، كما قال: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ «الشعراء ٧» أي: من كل جنس حسن.
ويجوز أن يكون «مدخل»، بالضم، مكانا، ويتعدّى إليه «يدخلكم» تعدّيه إلى المفعول، فلا تضمر مفعولا آخر، وحسن ذلك لنعته بالكريم، وكذلك قوله: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ و﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ في «سبحان ٨٠» هما مصدران، جريا على «أدخلني وأخرجني» والمفعول محذوف. ويجوز أن يكونا مكانين فينصبا (^٣) على المفعول به، ولا نضمر مفعولا، وحسن ذلك لإضافتهما إلى «صدق»، كما كان ذلك في قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ (^٤) «القمر ٥٥».
«٤٣» قوله: (واسئلوا) قرأه ابن كثير والكسائي بغير همز في الفعل
_________________
(١) ص: «ولا يحتاج».
(٢) ب: «ضممت» والوجه ما في: ص.
(٣) ب: «فنصبا»، ص: «فينتصبان» ورجحت ما أثبته.
(٤) زاد المسير ٢/ ٦٧، وتفسير النسفي ١/ ٢٢٢
[ ١ / ٣٨٧ ]
المواجه به خاصة، مع الواو والفاء على تخفيف الهمز، ألقيا (^١) حركة الهمزة على السين الساكنة قبلها، فحرّكا السين. وحذفا الهمزة، على أصل تخفيف الهمز، وخصّا هذا بالتخفيف لكثرة استعماله، وتصرّفه في الكلام، وثقل الهمزة، وذلك في الأمر المواجه به إذا كان قبله واو أو فاء، وحسن ذلك لإجماعهم على طرح الهمزة في قوله: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ «البقرة ٢١١»، وفي قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ﴾ «القلم ٤٠» وإنما خصّ المواجه به بطرح الهمزة دون غيره، كما فعلت العرب بطرح لام الأمر في المواجهة، وإثباتها في غير المواجهة، فيقولون: «قم، خذ». فإن كان غير مواجه به لم تطرح اللام، نحو: ليقم زيد، ليخرج عمرو، فكذلك هذا، وإنما فعل ذلك مع الواو والفاء، لأنهما يوصل بهما إلى اللفظ بالسين، لأن أصلها السكون، وحركة الهمزة عليها عارضة، لا يعتدّ بها، فقامت الواو والفاء مقام ألف الوصل، التي للابتداء يؤتى بها. وقرأ الباقون بالهمزة على الأصل، وهما لغتان، والهمز أحب إليّ، لأنه الأصل، ولأن عليه أكثر القراء، ولإجماعهم على الهمز في غير المواجه به، نحو:
«وليسألوا» (^٢).
«٤٤» قوله: (عقدت) قرأ الكوفيون «عقدت» بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف.
«٤٥» وحجة من قرأ بالألف أنه أجراه على ظاهر اللفظ من فاعلين، لأن كل واحد من المتحالفين كفّر يمينا عند المخالفة على الأجر، فهو من باب المفاعلة، والتقدير: والذين عاقدت أيمانكم أيمانهم، ثم حذف المفعول لدلالة المعنى عليه. وهذا ممّا جرى الكلام فيه على غير من هو له، فجعل الأيمان هي العاقدة، والمعنى: أن العاقد هو الحالف، [وإذا كان العاقد هو الحالف] (^٣) وجب أن يجيء على المفاعلة، لأن كل واحد من الفريقين عقد حلفا للآخر.
_________________
(١) ب: «القا» وتوجيهه من: ص.
(٢) التبصرة ٦٣ /أ - ب، وزاد المسير ٢/ ٧٠، وتفسير النسفي ١/ ٢٢٣
(٣) تكملة لازمة من: ص.
[ ١ / ٣٨٨ ]
«٤٦» وحجة من قرأ بغير ألف أنه أضاف [الفعل] (^١) إلى الأيمان، والمراد إضافة الفعل إلى المخاطبين المتحالفين في المعنى، دون من خالفهم، وفيه حذف مفعول، والتقدير: والذين عقدت أيمانكم حلفهم، ثم حذف، فهو محمول على لفظ الأيمان، فأسند الفعل إليها، دون أصحاب الأيمان، فلمّا أسند الفعل إلى الأيمان، في ظاهر اللفظ، لم يحتج إلى المفاعلة، لأن يمين القوم الآخرين لا فعل لها، فهذا في هذه القراءة محمول على اللفظ، لفظ الأيمان، دون أصحاب الأيمان.
وهو في القراءة الأولى محمول على أصحاب الأيمان، وهم فريقان كل واحد حالف محلوف له، فحمل على المفاعلة، وهو باب المعاقدة بالأيمان، والقراءة بالألف أقوى في نفسي، لأن المقصود بالآية أصحاب الأيمان لأن لا فعل ينسب إليها حقيقة، فبابه المفاعلة، مع أن الأكثر من القراء عليه (^٢).
«٤٧» قوله: (بالبخل) قرأ حمزة والكسائي بفتحتين. وقرأ الباقون [بضم] (^٣) الباء وإسكان الخاء، ومثله في الحديد (^٤)، وهما لغتان مشهورتان، وفيه لغة ثالثة وهي فتح الباء وإسكان الخاء، وكلها مصادر مسموعة.
فمن قال: «البخل» جعله ك «الفقر»، ومن قال «البخل» جعله ك «الفقر»، ومن قال «البخل» جعله ك «الكرم»، حكى سيبويه:
بخل بخلا (٥).
«٤٨» قوله: (وإن تك حسنة) قرأ الحرميان بالرفع، جعلا «كان» تامة غير محتاجة إلى خبر، بمعنى: حدث ووقع. وقرأ الباقون بالنصب جعلوا «كان» ناقصة، تحتاج إلى خبر، فأضمروا فيها اسمها، ونصبوا «حسنة»
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص.
(٢) التبصرة ٦٣ /ب، والتيسير ٩٦، وزاد المسير ٢/ ٧١
(٣) الحرف فيها (آ ٢٤).
(٤) كتاب سيبويه ٢/ ٢٦٨، وأدب الكاتب ٤٣٠، والحجة في القراءات السبع ٩٩، وزاد المسير ٢/ ٨٢
[ ١ / ٣٨٩ ]
على خبر «كان» وحسن الإضمار، لتقدّم ذكر «مثقال ذرة»، فالتقدير:
وإن تكن الحسنة مثل ذرة. وإنما جعلت الحسنة هي الاسم، وقد كانت خبرا، لأنها هي مثقال الذرة، فقدّمت الحسنة، وجعلتها الاسم، لإجماعهم على التاء في «تك» وحسن ذلك لأنها هي مثقال الذرة ولو أضمرت المثقال لقبح الإتيان بالتاء في «تك» فأضمرت ما يليق بالتاء، وهو الحسنة، وجعلت «مثقال ذرة» الخبر، لأنه هو الحسنة، فكل واحد محمول على الآخر، وهو هو، ودلّ على هذا التقدير ثبوت التاء في «تك»، وإجماعهم على قوله: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ «الأنعام ١٦٠» فالتضعيف في هذا بعشرة أمثال كالتضعيف في قوله: (يضاعفها) (^١).
«٤٩» قوله ﴿تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ قرأه نافع وابن عامر بفتح التاء، مشدّد السين، وقرأه حمزة والكسائي كذلك، إلا أنهما خفّفا السين وأمالا. وقرأ الباقون بضم التاء، وتخفيف السين.
«٥٠» وحجة من قرأ بضم التاء أنه جعله فعلا لم يسمّ فاعله، من التسوية، مثل قوله: ﴿عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ «القيامة ٤» وأقام «الأرض» مقام الفاعل، على معنى: لو يجعلون والأرض سواء، أي ترابا، كما فعل بالبهائم، ودليله قوله: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ «النبأ ٤٠».
«٥١» وحجة من فتح التاء، وشدّد السين أنه بنى الفعل على «يتفعل» فأسنده إلى «الأرض»، فارتفعت بفعلها، وأصله «تتسوى» ثم أدغم التاء، وهي الثانية، في السين، فهو في العلة والحجة مثل «تساءلون به» ومثل «تظاهرون»، وقد مضى تفسيره (^٢). وفي الكلام اتساع، وذلك أنه جعل «الأرض تتسوى بهم»، وليس لها فعل، والمراد به المخبر عنهم، وهم الذين كفروا، يودون: لو يصيرون يتسوون بالأرض، وهو مثل: ألقم فاه الحجر،
_________________
(١) زاد المسير ٢/ ٨٤، والنشر ٢/ ٢٤١، وتفسير النسفي ١/ ٢٢٦، وجاء بآخر الفقرة المتقدمة في «ب» مايلي: اول التاسع.
(٢) راجع الفقرة «١» من هذه السورة.
[ ١ / ٣٩٠ ]
وأدخل زيد القبر، ونحوه، لمّا علم المعنى اتسع فيه، فأقيم الذي ليس له المعنى مقام الفاعل إذ لا يشكل (^١).
«٥٢» وحجة من فتح التاء، وخفّف السين أنه حذف إحدى التائين استخفافا، كما فعل في «تساءلون وتظاهرون»، وقد تقدّم الكلام على علة ذلك. وحسن حذف التاء، وترك الإدغام، لئلا يتوالى مشدّدان: [وهما] (^٢) السين والواو، وفي ذلك ثقل. والقراءة بالتشديد، وفتح التاء أولى (^٣)، لأنه الأصل، وعليه أهل المدينة، فأما الإمالة فيه والفتح فقد تقدّمت علّة ذلك (^٤).
«٥٣» قوله: (أو لامستم) قرأه حمزة والكسائي ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ «آل عمران ٧٠» ولم يقل:
يماسسني. وقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ «الرحمن ٥٦» ولم يقل: يطامثهن، وأيضا فإن اللمس يكون بغير الجماع، كالغمز والإفضاء باليد إلى الجسد، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وعبيدة (^٦) وعطاء والشعبي وابن جبير. وغيرهم يقولون:
إن اللمس في هذا الإفضاء باليد إلى الجسد، وهو قول ابن مسعود وابن عمر (^٧)، وببعض جسده إلى بعض جسدها، فحمل على غير الجماع. فهو من واحد كما قال: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ﴾ «الجن ٨» فهو لمس بغير يد، واللمس على وجهين:
_________________
(١) ب: «يشتكل» ورجحت ما في: ص.
(٢) تكملة موضحة من: ص.
(٣) ب: «بفتح التا وتشديد السين».
(٤) راجع «أقسام علل الإمالة» الفقرة «١٥»، وانظر زاد ١/ ٨٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٤ /ب - ٢٥ /أ.
(٥) الحرف فيها (آ ٦).
(٦) هو عبيدة بن عمرو، الكوفي، تابعي كبير، مخضرم، أخذ القراءة عرضا عن ابن مسعود وروى عنه وعن علي، وأخذ القراءة عنه عرضا إبراهيم النّخعي وأبو إسحاق وروى عنه ابن سيرين، (ت ٧٢ هـ)، ترجم في تذكرة الحفاظ ٥٠، وطبقات القراء ١/ ٤٩٨
(٧) قوله: «وهو قول .. وابن عمر» سقط من: ص.
[ ١ / ٣٩١ ]
لمس باليد ولمس بغير يد، نحو ما ذكرنا في السماء، وقرأ الباقون «(لامستم)» بألف، جعلوا الفعل من اثنين، وجعلوه من الجماع، فجرى على المفاعلة، لأن الجماع لا يكون إلا من اثنين، ويجوز أن يكون لامس من واحد ك «عاقبت اللص»، وتتفق القراءتان (^١).
«٥٤» قوله: ﴿إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء، وعلى الإتباع لمصاحف أهل الشام، فإنها في مصاحفهم بالألف، فأجرى النفي مجرى الإيجاب في الاستثناء، لأن الكلام فيهما يتمّ دون المستثنين، تقول: ما جاءني أحد، فيتمّ الكلام، وتقول: ما جاءني القوم، فيتمّ الكلام، ثم تستثني، إذا شئت فيهما، بعد تمام الكلام، فجرى النصب في النفي (^٢) مجرى الإيجاب، لاتفاقهما في تمام الكلام قبل المستثنى. وقرأ الباقون بالرفع على البدل من الضمير المرفوع في «فعلوه»، وهو وجه الكلام، وعليه الأصول، لأن الثاني يغني عن الأول تقول: ما جاءني أحد إلا زيد، وتقول: ما جاءني إلا زيد، فدل على الأول، ويغني عنه من غير نقص في معناه، فاختير فيه الرفع مع ذكر «أحد»، إذ لا يجوز فيه غير الرفع، مع حذف «أحد»، وهو الاختيار لأن أكثر المصاحف لا ألف فيها في «قليل»، ولأن عليه بني الإعراب، وهو الأصل في الإعراب، وعليه جماعة القراء (^٣).
«٥٥» قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ قرأه ابن كثير وحفص بالتاء، لتأنيث المودة، فحمل على ظاهر اللفظ فأنّث الفعل لتأنيث لفظ المودّة. وقرأ الباقون بالياء، إذ المودة والود بمعنى، فحمل على المعنى، ولأن تأنيث المودة غير حقيقي، ولأنه قد فرّق بين المؤنث وفعله بقوله: (بينكم وبينهم)، والتفريق يقوم مقام التأنيث. وقد مضى الكلام على هذا في قوله: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ﴾ «البقرة ٤٨» والاختيار الياء، لأن الجماعة عليه، ولما قدّمنا من العلة في
_________________
(١) زاد المسير ٢/ ٩٢، وتفسير ابن كثير ١/ ٥٠٢، وتفسير النسفي ١/ ٢٢٧، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٥ /أ.
(٢) ص: «النفي في النصب».
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٠٠. وزاد المسير ٢/ ١٢٥، والمقنع ١٠٣، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٤٩ /أ.
[ ١ / ٣٩٢ ]
اختيار الياء، في «يقبل منها شفاعة» في البقرة (^١).
«٥٦» قوله: (ولا تظلمون فتيلا) قرأه ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة في قوله: (ألم تر إلى الذين قيل لهم). وقرأه الباقون على الخطاب للنبي ومن معه، وقوّى ذلك أن قبله خطابا للنبي، في قوله: (قل متاع الدنيا قليل)، ومخاطبة النبي خطاب لأمته، كما قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ «الطلاق ١» وهو الاختيار، لأن الأكثر من القراء عليه، ولإجماع نافع وابن عامر وعاصم وأبي عمرو عليه (^٢).
«٥٧» قوله: (بيّت طائفة) قرأه أبو عمرو وحمزة بالإدغام، وأظهر الباقون وفتحوا التاء.
«٥٨» وحجة من أدغم أن التاء لمّا كانت من مخرج الطاء حسن فيها الإدغام، إذ كانا من مخرج واحد فأشبها المثلين، وقوّى ذلك أنك تنقل التاء بالإدغام إلى حرف قوي، أقوى من التاء بكثير، ففي الإدغام زيادة قوة في الدغم، وذلك ممّا يحسّن جواز الإدغام ويقويه.
«٥٩» وحجة من أظهر أن التاء لمّا كانت متحركة منفصلة، لأنها لام الفعل، مفتوحة في الفعل الماضي، وليست بتاء تأنيث قويت بالحركة، فبعد الإدغام فيها، لأنك تحتاج، إذا أدغمت، أن تسكن التاء، ثم تدغمها، فتغيرها مرة بعد مرة، وذلك تغيير بعد تغيير، بخلاف ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ﴾ «آل عمران ٧٢» التي الإدغام فيها عليه العمل، والإظهار بعيد لسكونها، ولذلك فتح التاء من أظهر، لأنه فعل ماض آخر مبني على الفتح، والإظهار أحب إليّ، لأنه الأصل، وعليه الجماعة (^٣).
«٦٠» قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾ قرأه حمزة والكسائي، في الصاد إذا
_________________
(١) راجع الفقرة «٢٣، ٢٤» من سورة البقرة.
(٢) ص: «ولإجماع أهل الحرميين وعاصم وغيره»، وانظر زاد المسير ٢/ ١٣٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٥ /ب.
(٣) زاد المسير ٢/ ١٤٢، وراجع الفقرة «٤» فصل «إدغام الثاء في الذال ..».
[ ١ / ٣٩٣ ]
اسكنت، وأتت بعدها الدال، وذلك في اثني عشر موضعا في كتاب الله (^١)، بين الصاد والزاي، لأن الصاد حرف مهموس، وبعدها الدال حرف مجهور، فقرّبت الصاد من الدال بأن خلط لفظها بالزاي، لأنه حرف مجهور، مثل الدال، فصار اللسان يعمل في حرفين مجهورين، وحسن ذلك، لأن الصاد والزاي من مخرج واحد، ومن حروف الصفير. وقرأ الباقون بصاد خالصة على الأصل، واتباعا للخط، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، ولأنه الأصل (^٢).
«٦١» قوله: (فتبيّنوا) قرأه حمزة والكسائي بالثاء، من التثبت في موضعين، في هذه السورة وفي موضع في الحجرات (^٣). وقرأ الباقون بالياء، من التبيين.
«٦٢» وحجة من قرأ بالثاء، أنه لمّا كان معنى الآية الحض للمؤمنين على التأني، وترك الإقدام على القتل، دون تثبّت وتبين، أتى بالتثبت، لأنه خلاف الإقدام، والتثبت أفسح للمأمور من التبين لأن كل من أراد أن يتثبّت قدر على ذلك، وليس كل من أراد أن يتبين قدر على ذلك (^٤)، لأنه قد يتبيّن، ولا يتبين (^٥) له ما أراد بيانه.
«٦٣» وحجة من قرأ بالياء، من البيان، أنه لمّا كان معنى الآية: افحصوا عن أمر من لقيتموه، واكشفوا عن حاله قبل أن تبطشوا بقتله، حتى تتبين لكم حقيقة ما هو عليه من الدّين حمل على التبين، لأنه به يظهر الأمر، وأيضا فإن التبين يعمّ التثبّت، لأن كل من تبين أمرا فليس يتبينه، إلا بعد تثبت، ظهر له ذلك الأمر أو لم يظهر له، لا بدّ من التثبت مع التبين، ففي التبين معنى التثبت، وليس كل من تثبت في أمر تبيّنه. قد يتثبّت ولا يتبيّن له الأمر، فالتبين أعم [من التثبت] (^٦)
_________________
(١) وهذه الأحرف على توالي ترتيب السور في النساء (آ ١٢٢)، الأنعام (آ ٤٦، ٥٧)، الأنفال (آ ٥٧)، يونس (آ ٣٧)، يوسف (آ ١١١) الحجر (آ ٩٤)، القصص (آ ٢٣)، الطارق (آ ١٢)، الزلزلة (آ ٦).
(٢) التبصرة ٦٤ /أ، والتيسير ٩٧، والنشر ٢/ ٢٤٢
(٣) هو (آ ٦)، وسيأتي في أول سورته.
(٤) ص: «عليه».
(٥) ص: «يتثبت».
(٦) تكملة لازمة من: ص.
[ ١ / ٣٩٤ ]
في المعنى لاشتماله على التثبت، وقد جاء عن النبي ﵇ أنه قال: «التبين من الله والعجلة من الشيطان، فتبينوا» (^١). والاختيار القراءة بالياء، لعموم لفظها ولأن أكثر القراء عليها (^٢)، ولأن (^٣) بها قرأ أبو عبد الرحمن والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج وقتادة وابن جبير، وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد. وقرأ ابن مسعود وابن وثّاب وطلحة والأعمش وعيسى بالثاء، وهو اختيار الطبري (^٤).
«٦٤» قوله: ﴿السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قرأه حمزة ونافع وابن عامر بغير ألف، على معنى الاستسلام والانقياد، ومنه قوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ «النحل ٨٧» فالمعنى: لا تقولوا لمن استسلم إليكم وانقاد لست مسلما فتقتلوه حتى تتبينوا أمره. وقرأ الباقون «السلام» بألف، على معنى السلام، الذي هو تحية الاسلام، وعلى معنى: لا تقولوا لمن حياكم تحية الإسلام لست مؤمنا، فتقتلوه، لتأخذوا سلبه، ويجوز أن يكون المعنى:
لا تقولوا لمن كفّ يده عنكم واعتزلكم لست مؤمنا. حكى الأخفش أنه يقال:
أنا سلام، أي معتزل عنكم، لا نخالطكم، ومنه قوله: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ «الفرقان ٦٣» لم يخبر عنهم أنهم حيوهم بالسلام إنما معناه: قالوا براءة منكم لا نخالطكم. وبالألف قرأ ابن عباس وابن جبير وابن هرمز وقتادة والجحدري وابن سيرين. والألف أحب إليّ، لأن أكثر القراء عليه، ولأنه أبين في المعنى. وقد روي في ما قال لهم الرجل الذي قتلوه، ونزلت هذه الآية بسببه، أنه قال لهم: إني مسلم، وروي أنه شهد أن لا إله إلا الله فلم يصدقوه، وقتلوه وروي أنه قال لهم: السلام عليكم، فاتهموه وقتلوه، وهذا
_________________
(١) الترمذي «كتاب البر والصلة» وفيه: «الأناة» وليس فيه «فتبينوا»، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. وانظر أيضا النهاية في غريب الحديث ١/ ١٧٥
(٢) ص: «عليه».
(٣) ب: «ولأنه» ورجحت ما في: ص.
(٤) هو محمد بن جرير أبو جعفر، صاحب التفسير والتاريخ، أخذ القراءة عن سليمان بن عبد الرحمن والعباس بن الوليد وروى الحروف عن هذا وعن يونس ابن عبد الأعلى والتغلبي وأبي كريب، وعنه الدّاجوني وعبد الواحد بن عمر والفرغاني، (ت ٣١٠ هـ) ترجم في تذكرة الحفاظ ٧١٠، وطبقات القراء ٢/ ١٠٦
[ ١ / ٣٩٥ ]
كله يدل على السلام (^١).
«٦٥» قوله: (غير أولي الضّرر) قرأ الكسائي ونافع وابن عامر بالنصب، على الاستثناء من القاعدين، لأنه ثبت أنه نزل بعد نزول (لا يستوي القاعدون). فلو كان صفة لم يكن النزول فيهما إلا في وقت واحد، فلمّا نزل (غير أولي الضرر) في وقت بعد وقت نزل «لا يستوي القاعدون» علم أنه استثناء، إذ لو كان صفة لنزل مع القاعدين في وقت، وقد ثبت أنهما نزلا في وقتين. وروى زيد (^٢) بن ثابت أن ابن أمّ مكتوم الأعمى لمّا نزل «لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون، قال: يا رسول الله هل من رخصة، وشكا ضرره فأنزل الله (غير أولي الضرر) فجعلت بعد القاعدين. وذكر أبو حاتم أن النبي ﵇ قرأه بالنصب، وبه قرأ زيد بن ثابت وأبو جعفر وشيبة وأبو الزّناد (^٣) وشبل وابن الهادي (^٤) وهو أحب إليّ، وهو اختيار أبي عبيد والطبري وأبي طاهر. وقرأ الباقون بالرفع على أن «غير» صفة ل «القاعدين»، كما قال:
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ «الفاتحة ٧» فأتت [غير] (^٥) صفة ل «الذين»، إذ لا يقصد بهم قصد أشخاص بأعيانهم، فاللفظ لفظ المعرفة، والمعنى معنى
_________________
(١) ص: «الإسلام»، انظر الحجة في القراءات السبع ١٠١، وزاد المسير ٢/ ١٧٠، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٦ /أ، وتفسير ابن كثير ١/ ٥٣٩، وتفسير النسفي ١/ ٢٤٤، وتفسير غريب القرآن ١٣٤
(٢) ص: «عن زيد».
(٣) هو عبد الله بن ذكوان، محدّث كبير، وفقيه أهل المدينة، (ت ١٣١ هـ)، ترجم في الجرح والتعديل ٢/ ٤٩/٢، وميزان الاعتدال ٤/ ٥٢٦، وتذكرة الحفاظ ١٣٤
(٤) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي أبو عبد الله المدني، روى عن ثعلبة ابن أبي مالك، وله رؤية، وعمير مولى أبي النجم ومعاذ بن رفاعة وعبد الله بن خباب وعبد الله بن دينار وسواهم، وعنه شيخه يحيى بن سعيد الأنصاري وإبراهيم ابن سعد ومالك والليث بن سعد، وثقه ابن معين والنسائي وابن حبّان، (ت ١٣٩ هـ)، ترجم في تهذيب التهذيب ١١/ ٣٣٩
(٥) تكملة موضحة من: ص.
[ ١ / ٣٩٦ ]
النكرة، وكذلك «القاعدون»، فلذلك وصفوا ب «غير»، وهي لا تكون إلا [صفة] (^١) النكرة (^٢).
«٦٦» قوله (يؤت) الثاني، قرأه أبو عمرو وحمزة بالياء، وقرأ الباقون بالنون.
«٦٧» وحجة من قرأ بالياء أنه ردّه على لفظ الغيبة الذي قبله، وهو قوله:
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ «١١٤» أي: يؤتيه الله أجرا عظيما.
«٦٨» وحجة من قرأ بالنون أنه أجراه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بمنزلة قوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ «آل عمران ١٥١» بعد قوله: (بل الله مولاكم)، وهو إجماع (^٣).
«٦٩» قوله: (يدخلون) قرأه أبو بكر وأبو عمرو وابن كثير بضم الياء وفتح الخاء، ومثله في مريم والأول من غافر (^٤)، أضافوا الفعل إلى غيرهم، لأنهم لا يدخلون الجنة حتى يدخلهم الله جلّ ذكره إياها، فهم مفعولون في المعنى، فبنوا الفعل للمفعول على ما لم يسم فاعله، وقد أجمعوا على قوله:
﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ «إبراهيم ٢٣» ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ﴾ «المجادلة ٢٢» وهو كثير. وقرأ الباقون بفتح الياء وضمّ الخاء، أضافوا الفعل إلى الداخلين، لأنهم هم الداخلون بأمر الله لهم، دليله قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ «الأعراف ٤٩» وقوله: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ «الحجر ٤٦» وهو أيضا
_________________
(١) تكملة موضحة من: ص.
(٢) معاني القرآن ١/ ٢٨٣، وتفسير الطبري ٩/ ٨٥، وتفسير القرطبي ٥/ ٢٤٢، وتفسير ابن كثير ١/ ٥٤٠، وزاد المسير ٢/ ١٧٤، وتفسير النسفي ١/ ٢٤٥، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٥١ /أ.
(٣) النشر ٢/ ٢٤٣، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٦ /ب.
(٤) الحرفان على التوالي (آ ٦٠، ٤٠)، وسيأتي ذكرها في السور المذكورة، الفقرة «١٩، ٣، ٩».
[ ١ / ٣٩٧ ]
كثير، فالقراءتان متداخلتان، لأنهم إذا أمروا بالدخول دخلوا، ولأنهم لا يدخلونها حتى يدخلهم الله إياها، فهم داخلون مدخلون. وعلى هذه العلة تجري قراءة أبي عمرو بضم الياء في سورة الملائكة (^١) تفرّد بذلك، وعلى ذلك تجري قراءة ابن كثير وأبي بكر في الثاني من غافر ﴿سَيَدْخُلُونَ﴾ «٦٠» بضم الياء، والباقون بفتح الياء فيها (^٢).
«٧٠» قوله: ﴿أَنْ يُصْلِحا﴾ قرأ الكوفيون بضم الياء، وكسر اللام، من غير ألف مخفّفا، وقرأه الباقون بفتح [الياء و] (^٣) اللام والتشديد، وبألف بعد الصاد.
«٧١» وحجة من قرأ بضم الياء أنهم جعلوه مستقبل «أصلح» لأن الإصلاح من المصلح بين المتنازعين مستعمل، قال الله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ «الحجرات ١٠»، وقال: ﴿وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ «الأنفال ١»، وقال:
﴿أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ «النساء ١١٤» وقال: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ «البقرة ١٨٢»، وإتيان «صلح» بعده ليس على المصدر، إنما هو اسم كالعطاء، فهو نصب ب «يصلحا» نصب المفعول، كما تقول: أصلحت ثوبا. ويجوز أن تنصب على مصدر فعل ثلاثي مضمر، على تقدير: أن «يصلحا» فيصلح ما بينهما صلحا.
وفي حرف ابن مسعود: (فلا جناح عليهما إن أصلحا بينهما صلحا)، فهذا يدل على الإصلاح دون التصالح.
«٧٢» وحجة من قرأ بألف وفتح الياء أنه لمّا رأى الفعل من اثنين من زوجة وزوج، وهما مذكوران في أول الكلام، أتى الفعل من باب المفاعلة، التي تثبت للاثنين، فجاء على: تصالح الرجلان يتصالحان، ثم أدغمت الياء في الصاد، ونصب «صلحا» كنصبه في القراءة الأولى على الوجهين، والمعروف في كلام العرب
_________________
(١) أي سورة فاطر والحرف فيها (آ ٣٣).
(٢) تفسير النسفي ١/ ٢٥٢
(٣) تكملة لازمة من: ص.
[ ١ / ٣٩٨ ]
التصالح عند التنازع، ف «يصالحا» أولى به من «الإصلاح» وهو مروي عن علي وابن عباس وعائشة وغيرهم، وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد والطبري، وهو أحب إليّ (^١).
«٧٣» قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ قرأه حمزة وابن عامر بضم اللام، وبعدها واو واحدة ساكنة، وقرأ الباقون بإسكان اللام، وبعدها واوان الأولى منهما (^٢) مضمومة.
وحجة من قرأ بضم اللام أنه جعله من: ولي يلي، وأصله «توليوا»، ثم حذفت الواو، التي هي فاء الفعل، على الأصول، للاعتلال في «يعد ويزن»، فدليل حمله على «ولي» أن بعده «أو تعرضوا»، فهو نقيض «تلوا»، لأن ولاية الشيء الإقبال عليه، ونقيضه الإعراض عنه، فإنما قيل لهم: «وإن تلوا الأمر فتعدلوا فيه أو تعرضوا عنه فلا تلوه ولا تعدلوا فيه إن وليتسوه» فإن الله كان بما تعملون خبيرا. ولما كان من قرأه بضمّ اللام معناه الإعراض لأن اللّي في الشيء العوج فيه، والعوج في الحق الإعراض عن إقامته، ف «تلووا» بواوين (^٣) في المعنى هو الإعراض، فالقراءة بضم اللام يفيد معنيين الولاية ونقيضها الإعراض، والقراءة بواوين تفيد معنى واحدا، لأن اللّي هو الإعراض، ويحتمل أن تكون القراءة بضم اللام كالقراءة بإسكانها، وذلك أن أصله «تلووا»، فاستثقلت الضمة على الواو، وبعدها واو أخرى، وألقيت الحركة على اللام، وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين، فهو في القراءة كالقراءة بإسكان اللام واوين. وقيل: إنما أبدل من الواو المضمومة همزة، ثم خفّفها بإلقاء حركتها على اللام، فصارت «تلوا»، وأصلها «تلووا»، فتتفق القراءتان على هذا التقدير.
_________________
(١) زاد المسير ٢/ ٢١٨، وتفسير ابن كثير ١/ ٥٦٢، وتفسير النسفي ١/ ٢٥٤، والنشر ٢/ ٢٤٤، وتفسير مشكل إعراب القرآن ٥٢ /ب.
(٢) لفظ «منهما» سقط من: ص.
(٣) لفظ «بواوين» سقط من: ص.
[ ١ / ٣٩٩ ]
«٧٤» وحجة من قرأ بإسكان اللام أنه جعله من «لوى يلوي» إذا أعرض، وأصله «تلويوا» ثم ألقيت حركة الياء على الواو الأولى، وحذفت الياء لسكونها وسكون الواو الأخيرة بعدها، أو لسكونها وسكون الواو قبلها، لأن حركتها عارضة. وقد قال ابن عباس: هو ليّ القاضي وإعراضه، وأيضا فإن قوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ والعدل هو أن تلي الشيء بالحق، وضده الإعراض عن الحق، فقد فهم في هذا أيضا معنى القراءة بواو واحدة من: ولي، فكلا القراءتين فيه «أو تعرضوا» بمعنى ما قبله، فكرّر للتأكيد ولاختلاف اللفظ. وقد ذكرنا أنه يحتمل أن تكون القراءتان بمعنى واحد من اللّي (^١).
«٧٥» قوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ﴾ و﴿الَّذِي أَنْزَلَ﴾ قرأه نافع والكوفيون بفتح أول الفعلين، وفتح الزاي، وقرأ الباقون بضم أول الفعلين (^٢)، وكسر الزاي.
فمن ضمّ الفعلين للمفعول على ما لم يسم فاعله، كما قال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ «النحل ٤٤» وقال: ﴿أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ «الأنعام ١١٤»، ومن فتح ردّه إلى اسم الله جلّ ذكره الذي قبله، وهو قوله: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾. ففي «نزّل وأنزل» ضمير اسم الله جلّ ذكره كما قال: ﴿إِنّا﴾ ﴿نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ «الحجر ٩» وقال: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ «النحل ٤٤» فأضاف الإنزال إلى نفسه، فجرى هذا على ذلك. وفي الفعلين، على القراءة بالضمّ، ضمير الكتاب، والقراءتان متداخلتان حسنتان، لأن في كل واحدة ردّ آخر الكلام على أوله، وانتظام بعضه ببعض (^٣).
«٧٦» قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ﴾ قرأه عاصم بفتح النون والزاي، على معنى:
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع ١٠٢، وزاد المسير ٢/ ٢٢٢، وتفسير ابن كثير تفسير النسفي ١/ ٢٥٦، وتفسير غريب القرآن ١٣٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٦ /ب - ٢٧ /أ.
(٢) قوله: «وفتح الزاي … أول الفعلين» سقط من: ص.
(٣) التبصرة ٦٤ /ب، والتيسير ٩٨، وزاد المسير ٢/ ٢٢٤، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٢٧ /أ.
[ ١ / ٤٠٠ ]
وقد نزّل الله عليكم، وقرأ الباقون بضم النون وكسر الزاي، على ما لم يسمّ فاعله.
والحجة في ذلك كالحجة فيما قبله، وضمّ النون أحب إليّ، للإجماع على ذلك (^١).
«٧٧» قوله: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ قرأه الكوفيون بإسكان الراء، وفتحها الباقون. وهما لغتان كالسمع والسمع، والقص والقصص والقدر والقدر وفتح الراء أكثر في اللغات وفي الاستعمال، وهو الاختيار لذلك [ولأن الأكثر عليه] (^٢). وقد روي عن عاصم أنه قال: لو كان «الدّرك» بفتح الراء لكانت «السفلى» يعني لو كانت بفتح الراء لكانت جمع دركة، كبقرة وبقر، فيجب على هذا أن يوصف بالسفلى، ولا يوصف بالأسفل (^٣).
«٧٨» قوله: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾ و﴿سَنُؤْتِيهِمْ﴾ قرأ حفص «(سوف يؤتيهم)» بالياء، وقرأ حمزة «(سيؤتيهم)» بالياء، أجرياهما على لفظ الغيبة، لتقدّم ذكر اسم الله جلّ ذكره، وقد مضى له نظائر. وقرأهما الباقون بالنون، على الإخبار من الله عن نفسه جلّ ذكره، وقد مضى له نظائر (^٤).
«٧٩» قوله: ﴿لا تَعْدُوا﴾ قرأ قالون باختلاس حركة العين، لأنها حركة عارضة عليها، لأن أصلها «تعتدوا»، فأصلها السكون، ثم أدغمت التاء في الدال. بعد أن ألقيت حركتها على العين، فاختلس حركة العين، ليخبر أنها حركة غير لازمة، ولم يمكنه أن يسكن العين، لئلا يلتقي ساكنان: العين، وأول المدغم. وكره تمكين الحركة، إذ ليست بأصل فيها، وحسن ذلك للتشديد الذي
_________________
(١) زاد المسير ٢/ ٢٢٨
(٢) تكملة لازمة من: ص.
(٣) زاد المسير ٢/ ٢٣٣، وتفسير ابن كثير ١/ ٥٧٠، وتفسير النسفي ١/ ٢٥٩، وأدب الكاتب ٤٣٢
(٤) راجع تفسير سورة البقرة، الفقرات «١٩١ - ١٩٥»، وتفسير سورة آل عمران، الفقرات «٣٥ - ٣٧».
[ ١ / ٤٠١ ]
في الكلمة، ولطولها، وقد قيل: إنه إنما أخفى الحركة، إذ هي غير أصلية، وأتى هذا في هذه الكلمة سماعا، وليس بأصل يقاس عليه في كل ما كان قد ألقي عليه حركة ما بعده. وقد روي عنه إسكان العين، وهو غير جائز، لأنه يجتمع ساكنان:
الأول غير حرف مدّ ولين، ولا حرف لين، وقرأ ذلك ورش بفتح العين، والتشديد على الأصل، وأصله «تعتدوا» في قراءته، ثم ألقى حركة التاء على العين، وأدغمها (^١) في الدال (^٢)، وقرأ الباقون بإسكان العين والتخفيف، على أنه على وزن «تفعلوا»، وأصله «تعتدووا» بواوين، لأنه عدا يعدو، ثم أعلّ فصار «تعدوا»، مثل قولك: لا تدعوا ولا تعدوا، إذا نهيت الجماعة، وشاهده قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ «الأعراف ١٦٣» وقال: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ «المؤمنون ٧»، وقال: ﴿غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ﴾ «البقرة ١٧٣»، فكل هذا من: عدا يعدو، فهو شاهد للإسكان في الآية، وهو الاختيار لأن الأكثر عليه (^٣).
«٨٠» قوله: ﴿زَبُورًا﴾ قرأه حمزة بضم الزاي حيث وقع، وفتح الباقون.
وحجة من ضمّ أنه جعله جمع «زبر» كدهر ودهور، وزبر يراد به المزبور كقولك هو نسج اليمن، أي منسوج، و«زبر» مصدر، وإنما جاز جمعه لوقوعه موقع الاسم، وقيل «زبورا» بالضم جمع «زبور» بالفتح، على تقدير حذف الزائد، وهو الواو، كما قالوا: ظريف وظروف، كأنه جمع «ظرف»، ومنه قولهم: كروان وكروان، وورشان وورشان، كله جمع، على تقدير حذف الزائد، كأنه في التقدير: وآتينا داود كتبا وصحفا، كما قال:
_________________
(١) ب: «وادغمان» وتصويبه من: ص.
(٢) النشر ٢/ ٢٤٤
(٣) الحجة في القراءات السبع ١٠٣، وزاد المسير ٢/ ٢٤٢، وتفسير ابن كثير ١/ ٥٧٣، وتفسير النسفي ١/ ٢٦١
[ ١ / ٤٠٢ ]
﴿صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ «الأعلى ١٩» وكما قال: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ «عبس ١٣» فمعناه: كتب مزبورة، وبذلك قرأ الأعمش وابن وثّاب. يقال: زبرت الكتاب جمعته.
«٨١» وحجة من قرأ بالفتح أن المعروف أن داود ﷺ أوتى كتابا اسمه الزّبور، كالتوراة والإنجيل والقرآن، فهو كتاب واحد لكل نبي.
فالفتح أولى به، لأنه اسم لكتاب واحد، وهو الاختيار، لصحة معناه، ولأن عليه الجماعة (^١). لم يختلف فيها في ياء إضافة ولا زائدة.
***
_________________
(١) زاد المسير ٢/ ٢٥٥، وتفسير غريب القرآن ٣٧، وتفسير النسفي ١/ ٢٦٣، والقاموس المحيط «زبر».
[ ١ / ٤٠٣ ]