«١» ومن ذلك إمالة فواتح السور، قرأ ابن كثير وقالون وحفص «الر، والمر» (^٤) حيث وقع بالفتح، وورش بين اللفظين، والباقون بالإمالة (^٥)، وعلة إمالة هذا النوع أن الألف التي من هجاء «را» في تقدير ما أصله الياء، لأنها أسماء ما يكتب به، ففرّق بينهما وبين الحروف التي لا تجوز إمالتها نحو:
«ما، ولا، وإلا». هذا مذهب سيبويه في إجازة إمالة هذه الحروف التي في أوائل
_________________
(١) الحرف هو (آ ٤٣).
(٢) أول الحرفين في سورة إبراهيم (آ ٢٨)، يوسف (آ ٣٩).
(٣) فما تقدم من الفقرة الثالثة إلى آخر الفقرة التاسعة انظره في التبصرة ٤٠ /أ - ٤٢ /أ. والتيسير ٤٦، ٤٨، ٥٠، ٥١، والنشر ٢/ ٣٥، ٣٩، ٤١
(٤) أول الحرفين في سورة يونس (آ ١)، وثانيهما في الرعد (آ ١) وسيأتي ذكرهما في أول سورة آل عمران وأول سورة هود، الفقرة «١» فيهما.
(٥) التبصرة ٧٥/ ١، والتيسير ١٢٠، والنشر ٢/ ٦٤، وجمال القرّاء ١٢٣ /ب.
[ ١ / ١٨٦ ]
السور، فإن سمّيت بشيء من هذه الحروف جازت الإمالة (^١).
«٢» ومن فواتح السور «كهيعص» قرأ أبو بكر والكسائي بإمالة الهاء والياء، وقرأ أبو عمرو بإمالة الهاء وحدها، وقرأ ابن عامر وحمزة بإمالة الياء وحدها، وقرأ نافع بين اللفظين فيهما، [وقرأ ابن كثير وحفص بالفتح فيهما] (^٢). فمن أمالهما جميعا آثر الخروج من تسفّل إلى تسفّل، لخفّة ذلك، كمن فتحهما جميعا، فآثر الخروج من تصعّد إلى تصعّد، ليعتدل اللفظ.
ومن أمال الياء أقوى ممّن أمال الهاء، لأن من أمال الياء خرج من تصعّد إلى تسفّل، وذلك حسن. ومن أمال الهاء خرج من تسفّل إلى تصعّد، وذلك صعب قبيح.
«٣» ومن فواتح السور «طه» (^٣) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بإمالة الطاء والهاء، وقرأ ورش وأبو عمرو بإمالة الهاء وحدها، وعن ورش الفتح في الهاء، وفتح الباقون (^٤).
«٤» ومن فواتح السور «طس، وطسم» في الثلاثة (^٥) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بإمالة الطاء في الثلاثة، للعلة التي ذكرت لك (^٦).
_________________
(١) كتاب سيبويه ٢/ ٣٤، وإيضاح الوقف والابتداء ٤٧٩
(٢) تكملة لازمة من: ص، انظر التبصرة ٨٦ /أ، والتيسير ١٤٧، والنشر ٢/ ٦٥، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٦٥ /أ.
(٣) الحرف أول سورة طه.
(٤) التبصرة ٨٧ /أ، والتيسير ١٥٠، والنشر ٢/ ٦٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٦٦ /ب.
(٥) الأحرف الثلاثة الآيات الأوائل في السور: النمل، والشعراء، والقصص.
(٦) التبصرة ٩٣ /ب، والتيسير ١٦٥، والنشر ٢/ ٦٨، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٧٨ /أ.
[ ١ / ١٨٧ ]
«٥» ومن فواتح السور «حم» في السبعة (^١)، قرأه ابن ذكوان وأبو بكر وحمزة والكسائي بإمالة الحاء فيهن، وقرأ ورش وأبو عمرو بين اللفظين في الحاء، وفتح الباقون (^٢).
«٦» ومن ذلك أيضا «ياسين» (^٣) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بإمالة الياء غير أن حمزة أقرب إلى الفتح، وفتح الباقون (^٤).
«٧» وعلة الإمالة في ذلك كله أن هذه الحروف ليست بحروف معان ك «ما، ولا»، إنما هي أسماء لهذه الأصوات، الدالة على الحروف المحكية المقطعة، والأسماء لا تمتنع إمالة ألفها ما لم تكن من الواو، وليست الألف فيها من الواو. ويدل على أنها أسماء أنك تخبر عنها فتعربها، فتقول: حاؤك حسنة، وصادك محكمة، وإذا عطفت بعضها على بعض أعربتها كالعدد، فلما كانت أسماء أمالها من أمالها، ليفرق بالإمالة بينهما (^٥) وبين الحروف التي للمعاني، التي لا تجوز إمالتها نحو: «ما، ولا، وإلا» وإنما لم تجز إمالة هذه الحروف، ليفرق بين الحرف والاسم. ولو سميت بهذه الحروف جازت إمالتها (^٦).
«٨» وممّا أميل لأن ألفه أصلها الياء قوله تعالى: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ في سبحان والسجدة «٨٣، ٥١» (^٧) قرأهما خلف عن حمزة والكسائي بإمالة
_________________
(١) الأحرف على ترتيبها في السوري، غافر، فصلت، الشورى، الزخرف، الدّخان، الجاثية، الأحقاف. وسيأتي ذكرها في سورة الشورى، الفقرة «٢».
(٢) التبصرة ١٠٥ /أ، والتيسير ١٩١، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٩٦ /ب، والنشر ٢/ ٦٨
(٣) هو الحرف الأول من سورة ياسين. وسيأتي ذكره في سورته، الفقرة «١».
(٤) التبصرة ١٠١ /ب، والتيسير ١٨٣، والنشر ٢/ ٦٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٩١ /أ.
(٥) ب: «بينهما» وتوجيهه من: ص.
(٦) كتاب سيبويه ٢/ ٣٦، وإيضاح الوقف والابتداء ٤٧٩
(٧) وسيأتي ذكر هذا الحرف في سورة الإسراء الفقرة «٢٢».
[ ١ / ١٨٨ ]
النون والهمزة وقرأهما خلاد بفتح النون وإمالة الهمزة، وقرأ أبو بكر في سبحان بفتح النون وإمالة الهمزة كخلاد، وفتحهما جميعا في السجدة كالباقين (^١).
«٩» وعلة إمالة هذا أن الألف، التي بعد الهمزة، أصلها الياء تقول:
نأيت، والنأي، فتظهر الياء، وتقول: الرجلان نأيا، فتظهر الياء، فأمال لتقرب الألف إلى أصلها، ولم يمكن تقريب الألف إلى الياء إلا بتقريب فتح الهمزة إلى نحو الكسرة. وممّا يقوي حسن الإمالة في جميع ما ذكرنا أن ألفه أصلها الياء، أن من أمال أراد اتباع الخط، وذلك أن أكثره مكتوب في المصحف الإمام بالياء.
فمن أمال أتى بلفظ خط المصحف واتّبعه، ومن فتح قارب خط المصحف ولم يستوفه. فأما علة من أمال النون أيضا من «نأى» فإنه لمّا وقع بعدها حرفان ممالان، أمال النون للإمالة التي بعدها، فيكون عمل اللسان من جهة واحدة، وهذا من الإمالة للإمالة، وهو قليل (^٢).
*** «١٠» وممّا أميلت ألفه على التشبيه بالألف، التي أصلها الياء، قوله:
«دحاها، وطحاها، وتلاها، وسجى» (^٣) أربعة أفعال أصل ألفها الواو، وقد ذكر بعض العلماء أنه يقال: «دحيت»، فعلى هذا تكون الإمالة في «دحاها» صحيحة، لأن أصل ألفه الياء، ولكن هذه الواو قد ترجع في بعض تصاريف هذه الأفعال إلى الياء، تقول: «طحي، وتلي، ودحي، وسجي» فترجع الواو إلى الياء، وكذلك إن نقلتها إلى الرّباعي ترجع الواو إلى الياء، فشابهت بذلك الألف التي أصلها الياء، فأمالها الكسائي وحده على هذا التشبيه. وحسنت
_________________
(١) التبصرة ٤١ /ب، والتيسير ١٤١، والنشر ٢/ ٤٢، ٢٩٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٦٠ /ب.
(٢) كتاب سيبويه ٢/ ٣١٣
(٣) حرف على ترتيبها في سورة النازعات (آ ٣٠) الشمس (آ ٦، ٢)، الضحى (آ ٢).
[ ١ / ١٨٩ ]
إمالتها، لأن بعدها وقبلها، ما أصل ألفه الياء، فأتبعت لفظ ما قبلها وما بعدها، من الألفات الممالات اللواتي أصلها الياء. وحسن ذلك أيضا لأنها لغة لبعض العرب، يحملون الإمالة في ذوات الواو على حكم ذوات الياء في الأفعال خاصة، فتفرّد الكسائي بإمالتها، وقرأها أبو عمرو بين اللفظين، وفتح الباقون (^١).
«١١» فإن قيل: فلم أمال حمزة والكسائي «العلى» (^٢) وهو من «العلو» والألف ثالثة؟
فالجواب أن «العلى» جمع «علياء» وأصل الياء في «العلياء» الواو، لأنه من «العلو»، لكنها ردّت إلى الياء، لأنه صفة، والصفة أثقل من الاسم، والياء أخفّ من الواو، فردّت إلى الياء للخفّة، كما قالوا: دنيا، وهو من «الدنو». وحق الجمع أن يتضمن باقي الواحد من الحروف، فبقيت الياء التي في «علياء» على حالها في الجمع، وهو «العلى»، فأميل لذلك. وأيضا فإن الواحد، وهو «العلياء» يمال لألف التأنيث، فجرى الجمع في الإمالة على ذلك، وإن لم تكن فيه ألف التأنيث للإتباع. وأمال الكسائي من الأسماء ذوات الواو «والربا» حيث وقع، و«الضحى، وضحاها» (^٣) ووافقه حمزة على ذلك في هذه الأسماء خاصة (^٤). وعلة إمالتهما لذلك، أن لغة كثير من العرب أن يثنّوا ما كان من الأسماء من ذوات الواو مضموم الأول أو مكسورة بالياء، فيقولون في تثنية: ربا، ربيان، وفي: ضحى، ضحيان. والعرب تفرّ من الواو إلى الياء في
_________________
(١) التبصرة ٣٩ /أ، والتيسير ٤٩، والنشر ٢/ ٣٦، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٥ /أ، وكتاب سيبويه ٢/ ٣١١، وإيضاح الوقف والابتداء ٤٣٧، والقاموس المحيط «دحو، تلو، سجو».
(٢) الحرف في سورة طه (آ ٤)، انظر التيسير ٤٧، والنشر ٢/ ٣٦
(٣) أول الأحرف في سورة البقرة (آ ٢٧٥)، الضحى (آ ١)، الشمس (آ ١).
(٤) التبصرة ٤٠ /أ، والتيسير ٤٩، والنشر ٢/ ٣٥
[ ١ / ١٩٠ ]
كثير من الكلام، نحو: ميّت، وهيّن، ومرضي (^١). وشبهه كثير، فأمالوا هذه الأفعال من ذوات الواو، والأسماء، فرارا من الواو إلى الياء، فأتوا بلفظ يدلّ على الياء، وهو الإمالة، فرارا من الواو (^٢)، والفتح أكثر وأصوب، وهو الأصل.
*** «١٢» الثالث من علل الإمالة المتقدمة الذكر هو الإمالة للإمالة.
وذلك نحو: «رأى، ورآه، ورآك» (^٣)، أميلت الألف التي بعد الهمزة، لتقرب من أصلها وهو الياء، وأميلت فتحة الهمزة، ليوصل بذلك إلى إمالة الألف، وأميلت الراء، لإتيان حرفين ممالين بعدها، ومثله: «ونأى بجانبه» في الموضعين (^٤) إذا أميلت النون.
ومنه وقف حمزة على: «تراءى الجمعان» يقف على ألف بعد الهمزة (^٥)، أصلها الياء، لأنه من «رأى»، فيميل الألف ليقربها من أصلها، ولا تتمكن الإمالة في الألف، حتى تميل ما قبلها نحو الكسر، وهو الهمزة المفتوحة، ومن شأنه تخفيف الهمزة في الوقف، فيخفّفها بعد ألف ممالة، فتصير همزة ممالة بين الهمزة الممالة عن الفتح، وبين (^٦) الألف الممالة، وقد كان في وصله، يميل الألف
_________________
(١) امثلة هذه الألفاظ الأحرف في سورة آل عمران (آ ٢٧)، مريم (آ ٩)، النساء (آ ٤٣).
(٢) كتاب سيبويه ٢/ ٣١٢، وشرح المفصل ٩/ ٥٨
(٣) الأحرف على ترتيبها في سورة الأنعام (آ ٧٦)، الأنبياء (آ ٣٦)، النمل (آ ٤٠)، وسيأتي ثالثها في «أحكام الراءات وعللها»، الفقرة «٦».
(٤) تقدم ذكره في الصفحة ١٨٨.
(٥) الحرف في سورة الشعراء (آ ٦١) وسيأتي ذكره فيها الفقرة «٣»، انظر التبصرة ٤٥ /أ، والتيسير ١٦٥، والنشر ٢/ ٦٤، والمختار في معاني قراءات أهل الأمصار ٧٨ /أ.
(٦) قوله: «عن الفتح وبين» سقط من: ص.
[ ١ / ١٩١ ]
التي بعد الراء لإمالة حرفين بعدها، ولم يعتدّ بحذف الألف الأخيرة، لأنه عارض، فأبقى الإمالة في الراء والألف التي بعدها، لبعدهما من المحذوف، ولم يمكنه إمالة الألف التي بعد الراء، لإمالة ما بعدها، حتى يميل فتحة الراء إلى الكسر، فقويت الإمالة في الألف التي بعد الراء، لإتيان حرفين ممالين بعدها، وهما الهمزة والألف التي بعدها، [ولذلك ثبت الإمالة في الوصل في الراء والألف التي بعدها] (^١) مع سقوط الإمالة من الهمزة، لذهاب الألف التي بعدها، لالتقاء الساكنين، وقوي ثبات ذلك لبعده من المحذوف آخرا. وهذه كلمة تجتمع فيها في وقف حمزة أربعة أحرف ممالة متوالية: الراء، والألف التي بعدها (^٢) والهمزة المخففة، والألف التي بعدها، ولا نظير له، فأما اجتماع ثلاثة أحرف ممالة فقليل نحو: «رأى، ونأى». وأكثر ما تقع الإمالة في حرفين: ساكن ومتحرك قبله. ووقف القراء كلّهم بالفتح، غير حمزة، كوصلهم، إلا الكسائي، فإنه إذا وقف أمال الهمزة، والألف التي بعدها، وفتح الراء، والألف التي بعدها، ويفتح جميع ذلك في وصله كسائر القراء، ولم يمل الراء، والألف التي بعدها، غير حمزة في وصله ووقفه.
وقد أفردنا هذا الحرف بعلله واختلافه في كتاب مفرد (^٣).
***
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص.
(٢) قوله: «التي بعدها» سقط من: ص.
(٣) قوله: «ووقفه وقد .. مفرد» سقط من: ص.
[ ١ / ١٩٢ ]