«٤» اعلم أن الهاء حرف خفيّ، فكأن حركة ما قبل الهاء على الهاء، إذا كانت حركة الهاء مثل ما قبلها، فإذا وقفت على هاء الكتابة، وهي مضمومة، وقبلها ضمة أو واو، وقفت بالإسكان لا غير، لأنها لمّا كانت حركتها بمنزلة ما قبلها، كأنها موقوف عليها، وكأن ما قبلها هو آخر الكلمة، فاستغني بها عن الروم. وكذلك إذا (^١) كانت الهاء مكسورة، وقبلها كسرة أو ياء، تقف عليها بالسكو، ولا تقف بالروم، لأن الحركة التي قبلها، كأنها عليها، وكأنها موقوف عليها، لخفاء الهاء (^٢) والياء (^٣) كالكسرة والواو كالضمة في ذلك. وتقف على ما عدا هذين الأصلين، مما قبل الهاء فتحة أو ساكن غير الياء والواو، بالروم أو الإشمام، كسائر الحروف، لأنها لمّا خالفت حركة ما قبلها حركتها، ولم يستغن في الروم بحركة ما قبلها عن روم حركتها، لأنها مخالفة لحركتها، فحسن في ذلك الروم وكذلك الإشمام في المضمومة، فتقف على: «عليه، وأنسانيه، ولأهله» (^٤) بالإسكان لا غير في قراءة الجماعة، الذين كسروا الهاء، وتقف على ذلك كله بالروم أو بالإشمام، في قراءة من ضمّ الهاء، فافهمه (^٥).
«٥» وأما ميم الجمع فالقياس يوجب جواز الروم والإشمام فيها، في
_________________
(١) ص: «ان».
(٢) ص: «لخفائها».
(٣) ب: «والواو» وتصويبه من: ص.
(٤) أول الأحرف في سورة الأنعام (آ ٣٧) وثانيهما في الكهف (آ ٦٣)، وثالثهما في طه (آ ١٠).
(٥) التبصرة ٣٤ /أ، والتيسير ٢٩، والنشر ١/ ٣٠٢
[ ١ / ١٢٧ ]
الوقف على قراءة من ضمّها لغير التقاء الساكنين، لأنها كسائر الحروف. وقد سووا في جواز الروم في الحركات، التي هي إعراب، أو هي بناء لساكن لازم، نحو: «يقول، وقيل» فميم الجمع (^١) كسائر الحروف المتحركة، يلزم فيها ما يلزم (^٢) في الحروف المتحركة بحركة إعراب، أو بحركة بناء ساكن لازم. وما علمت أن أحدا نصّ عليها بمنع ولا إيجاب، غير أنهم أطلقوا الروم والإشمام، في كل مرفوع أو مخفوض أو مضموم، لساكن قبله، أو مكسور لساكن قبله.
فالميم من جملة الحروف. فمن كان مذهبه فيها في الوصل (^٣) الضم، وجب عليه أن يروم أو يشم في الوقف. وأيضا فإن الروم والإشمام إذا دخلا الكلام، ليبيعّن بهما ما كانت حركة الحرف الموقوف عليه في الوصل، فذلك واجب في الميم، لأن بالرّوم والإشمام يعلم: أنها كانت في الوصل مضمومة. ولو وقف عليها بالإسكان لم يعلم: هل كانت في الوصل ساكنة أو مضمومة. ففي الروم والإشمام بيان ما كانت حركة الميم عليه في الوصل، وبيان إن كانت ساكنة أو متحركة، وليست (^٤) صلتها بواو بمانع من الروم والإشمام فيها، كما أنه ليس صلة هاء الكناية بواو في: «قدّره، وأنشره» (^٥) بمانع فيها من الروم والإشمام في الوقف عليها. وليس كون حركة ما قبل الميم كحركتها بمانع فيها من الروم والإشمام فيها، كما كان ذلك مانعا في الهاء، إذا كان حركة ما قبلها كحركتها، لأن الميم ليست بحرف خفي كالهاء. ولو كانت الميم كالهاء لم يجز الإشمام والروم في «يقوم ويحكم» وليس كون الميم من الشفتين بمانع فيها من الروم والإشمام، كما لم تمنع في «يقوم، ويحكم» وشبهه، وكما لم يمنع ذلك في الياء والواو، وهما من الشفتين. والإسكان فيها حسن، وهو الأصل (^٦).
_________________
(١) ب: «الجميع» وتوجيهه من: ص.
(٢) ب: «لزم» والأولى ما في: ص.
(٣) ص: «في الوصل فيها».
(٤) ب: «وليس» وفضلت ما في: ص.
(٥) أول الحرفين في سورة يونس (آ ٥) والثاني في عبس (آ ٢٢).
(٦) التبصرة ٣٤ /أ - ب، والتيسير ٥٩، والنشر ١/ ٢٧١، وكتاب سيبويه ٢/ ٣٥٠
[ ١ / ١٢٨ ]
«فسل في وقف البزّي على «ما» (^١) التي للاستفهام التي دخل (^٢) عليها حرف جر».
«٦» اعلم أن «ما» التي للاستفهام، إذا دخل عليها حرف جر حذفت ألفها، للفرق بين الاستفهام والخبر، فتقول في الاستفهام «عمّ تسأل يا هذا» وفي الخبر «عما تسأل أسأل أنا» وتقول في الاستفهام: «لم تؤذونني» وتقول في الخبر: «لما آذيتني آذيتك»، فتحذف الألف في الاستفهام للفرق. فإذا وقفت على الميم، من «ما» [في] (^٣) الاستفهام، وجب أن تحذف الفتحة، وهي دالة على الألف المحذوفة، فكره ذلك بعض العرب، فأدخل «هاء» في الوقف، لتثبت الفتحة ولا تحذف، فيكون في الكلام ما يدلّ على الالف المحذوفة، ولئلا يخلّ بالكلمة على قلة حروفها، فتحذف منها حرفا وحركة، وهي على حرفين، فتبقى على حرف واحد ساكن، ولتظهر (^٤) الحركة، فيقوى الاسم، وتدلّ الحركة على المحذوف منه. وخصّ الوقف بذلك لأن الوصل تكون الميم فيه متحركة، وهي قراءة البزي عن ابن كثير، يقول في الوقف: «عمه، وبمه، وفيمه» (^٥) وشبهه. فيأتي بها لبيان حركة الميم، وهذه الهاء هي هاء السّكت في: «كتابيه، وحسابيه» (^٦) وشبهه، أتى بها لبيان حركة الياء، لأنها اسم على حرف واحد متحرك. فإذا سكن في الوقف ضعف كون اسم [الميم] (^٣) على حرف ساكن،
_________________
(١) ص: «لم».
(٢) ص: «يدخل».
(٣) تكملة لازمة من: ص.
(٤) ص: «ساكن فقواها … في الوقف خاصة لضعف الاسم على حرف ساكن ولتظهر».
(٥) الأحرف على ترتيبها في سورة النبأ (آ ١)، في النمل (آ ٣٥)، في النازعات (آ ٤٣).
(٦) الحرفان في سورة الحاقة (آ ٢٠، ٢٦). وقد تقدّم الكلام على هذه الهاء في «باب علل نقل حركة الهمزة على الساكن قبلها لورش»، الفقرة «٧».
[ ١ / ١٢٩ ]
فأتى بالهاء لتقوية الاسم ببقاء حركته في الوقف، فتدلّ الحركة على الألف المحذوفة، وتقوى الميم بالحركة عليها، ومثله عند البصريين «أنا» الاسم منه الهمزة والنون، وجيء بالألف لبيان حركة النون في الوقف، فلذلك أكثر القراء على حذف الألف في الوصل، إذ هي غير أصلية، إنما جيء بها للوقف. ومن أثبتها في الوصل فعلى لغة من رأى أنّ «أنا» بكماله الاسم، وهو مذهب الكوفيين. وقد رأى بعض نحويي البصرة أن من أثبت الألف في «أنا» في الوصل فقد لحن، كما (^١) رأى من أثبت هاء السكت في «كتابيه» ونحوه في الوصل فقد لحن (^٢). فهذه الهاء في الوقف في «عمه، وفيمه» هاء السّكت.
«٧» وحجة من لم يأت بالهاء في ذلك، أنه اتبع خط المصحف، ولا هاء فيه. وأيضا فإن الوقف عارض، والسكون في الميم عارض، فلم يعتد بذلك، فأبقى الميم على سكونها، وأيضا فإن ما وقع من ذلك في القرآن، لا يحسن الوقف عليه، إذ ليس بكلام تام ولا صالح، ولا قطع (^٣). وأيضا فإن جماعة القراء على ترك الهاء في الوقف إلا البزّي، والإجماع حجة. فإنه
_________________
(١) قوله: «كما رأى … لحن» سقط من: ص.
(٢) صاحب هذا الرأي هو المبرّد، وقد تقدم ذكر ذلك في «باب علل نقل حركة الهمزة على الساكن قبلها لورش» الفقرة «٧». وانظر كلام ابن الأنباري على توجيه قوله تعالى: (لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي) وإشباعه بحث ألف «أنا» وقفا ووصلا ومذاهب النحو فيها، إيضاح الوقف والابتداء ٤٠٨ وما بعدها.
(٣) اصطلاحات الوقف اختلف فيها كثيرا، فهي عند ابن الأنباري: «الوقف التام والوقف الكافي الذي ليس بتام والوقف القبيح الذي ليس بتام ولا كاف»، وهي عند أبي جعفر النحاس كما قال: «وهذا كتاب نذكر فيه التمام في القرآن العظيم وما كان الوقف عليه كافيا أو صالحا» وأما عند أبي عمرو الدّاني فقد اختار تقسيما من أقسام شتى وهو: «الوقف على أربعة أقسام: تام مختار، وكاف جائز، وصالح مفهوم، وقبيح متروك»، وهي مدلولات بحسب اجتهاد هؤلاء وهؤلاء من علماء الوقف والابتداء، وأما القطع فبيّن فيما مثّل به ابن الأنباري أنه الحال، وفيما ذكره المبرد وكذلك أبو علي الفارسي يعدّ انه الحال مرة والصفة مرة قال ابن الأنباري: «وأما المقطوع منه دون القطع فقوله: (وله الدين واصبا) الوقف على -
[ ١ / ١٣٠ ]
يلزم من أدخل في هذا هاء، في الوقف لبيان الحركة، أن يدخلها في الوقف على ياء الإضافة حيث وقعت، لأنها تسكن في الوقف، وهي الاسم، فيبقى الاسم على حرف واحد ساكن، وترك الهاء في ذلك إجماع من القراء، وهو جائز في الكلام وهو الاختيار (^١).
«٨» ومما تفرّد به البزّي في الوقف أيضا [أنه] (^٢) كان يقف على:
﴿هَيْهاتَ﴾ الثاني (^٣) «المؤمنون ٣٦» بالهاء. وروي أنه (^٤) يقف عليهما بالهاء، وبالأول قرأت. وحجته في ذلك أنه أجراها على الهاء التي تدل على التأنيث في «التوراة، وكمشكاة» (^٥)، ألا ترى أنها في الوصل بالتاء كالتوراة، وحسن عنده ذلك، لانفتاح التاء، وبنائها على الفتح، بإجماع من القراء، وذهب القراء إلى أن التاء في «هيهات» دلّت على تأنيث الكلمة كقولهم: «همت، ثمت، جلست»
_________________
(١) = (الدين) غير تام لأن (واصبا) قطع منه»، وقال المبرّد: والعرب تنشد قول حاتم الطائي رفعا ونصبا: إن كنت كارهة معيشتنا … هانا فحلّي في بني بدر الضّاربين لدى أعنتهم … والطاعنين وخيلهم تجري وإنما خفضوهما على النعت وربما رفعوهما على القطع والابتداء». وقال أبو علي الفارسي: «والقطع عندهم - فيما أخبرته عن أبي بكر - أن يراد بالاسم أن يكون صفة لما قبله بالألف واللام، فإذا قطع منه الألف واللام نصب، ولولا قطعك الألف واللام لكان جائزا أن تجريه على ما قبله»، انظر إيضاح الوقف والابتداء ١٠٨، ١١٦، ١٣٠، والقطع والائتناف ١ /أ، والمكتفى في الوقف والابتدا ٣ /ب، والكامل في اللغة والأدب ٢/ ٤٠، والبغداديات ٣٦/ ٢
(٢) التبصرة ٣٤ /أ - ب، والتيسير ٦١، والنشر ٢/ ١٢٩، وكتاب سيبويه ٢/ ٣٣٥
(٣) تكملة لازمة من: ص.
(٤) سيأتي ذكره في سورة المؤمنين الفقرة «٨».
(٥) ص: «عنه أنه».
(٦) أول الحرفين في سورة آل عمران (آ ٣) وسيأتي ذكره في فصل «معرفة أصل الألف» الفقرة «٤»، وثانيهما في النور (آ ٣٥).
[ ١ / ١٣١ ]
وكقولهم: «ربت رجل رأيت» فدخلت التاء لتأنيث الكلمة. وقد قال قطرب (^١) هي بمنزلة «مرضاة، ومرماة» فجعلها هاء تأنيث، وإن لم يكن لها مذكّر.
«٩» فإن قيل: فلم خصّ البزّي الثانية بالوقف عليها دون الأولى في روايته؟
فالجواب على ما قاله القراء: أنه جعلهما جميعا ككلمة واحدة، نحو «اثنتي عشرة» فوقف على الثاني بالهاء، كما وقف على «عشرة»، ولا يحسن عند الوقف على الأولى، لأنها كاسم واحد.
«١٠» وحجة من وقف بالتاء أنه اتبع خط المصحف، وأن من العرب من يخفضه وينوّنه ك «غرفات، وملكوت» (^٢) ولا يحسن على هذا فيه إلا الوقف بالتاء. وأيضا فإن الوقف بالتاء إجماع من القراء غير البزّي (^٣). وقد قال الأخفش:
هي بمنزلة قولك (^٤): كان من الأمر كيت وكيت، وهذا لا يوقف عليه إلا بالتاء.
وأيضا فإن سيبويه قال: «هيهات» اسم بمنزلة الأصوات. وفتح التاء عنده تدلّ على أنه اسم واحد، وكسرتها إذا كسرت تدل على أنه جمع، لم ينطق بواحده (^٥).
وأيضا فإن التاء لا يحسن حذفها، فهي أصلية. والتاء الأصلية لا يوقف عليها إلا بالتاء في جميع الكلام. ومعنى «هيهات» غير منون البعد. وإذا نوّنت فمعناها:
_________________
(١) اسمه محمد بن المستنير، أحد العلماء باللغة والنحو، أخذ عن سيبويه وجماعة من أهل البصرة، وعنه ابن الجهم، طعن فيه ابن السكّيت (ت ٢٠٦ هـ) ترجم في الفهرست ٨٤، ونزهة الألباء ٩١، وبغية الوعاة ١/ ٢٤١
(٢) أول الحرفين في سورة سبأ (آ ٣٧) والثاني في الأنعام (آ ٧٥).
(٣) ذكر ابن الأنباري أن عيسى بن عمر وأبا عمرو وقفا عليها بالهاء كما ذكر أن الرواية عن أبي عمرو أيضا الوقف بالتاء، وذكر الدّاني وابن الجزري ان الكسائي يقف عليها بالهاء أيضا، انظر إيضاح الوقف والابتداء ٢٩٨، والتيسير ٦٠، والنشر ٢/ ١٢٧
(٤) ب: «قوله» ووجهه ما في: ص.
(٥) كتاب سيبويه ٢/ ٥٥
[ ١ / ١٣٢ ]
بعد، وفتحت للبناء والسكون اللذين قبلها، واختير لها الفتح للألف، والفتحة التي قبلها. وفيها لغات: كسر التاء، والتنوين، والكسر بغير تنوين، وكذلك الضم والفتح بتنوين وبغير تنوين، وهي عند سيبويه ظرف غير متمكن، فلذلك بني، فإذا قلت: هيهات منزلك، فمعناه: في البعد منزلك، وإذا نوّنت فمعناه: في بعد منزلك. ومن العرب من يبدل من الهاء الأولى همزة فيقول: أيهات. ومنهم من يقول: أيهان، بالنون والهمزة (^١). وقد تقدّم الكلام في الوقف على هاء التأنيث وعلى الحركة العارضة، إذا فارقها ما تحركت من أجله. وأن الوقف على ذلك بالسكون لا غير، إلا أن تقف على هاء التأنيث بالتاء فيحسن الروم والإشمام. فكل هذا مذكور في باب الروم والإشمام بعلله.
_________________
(١) استوفى ابن الأنباري الكلام على لفظ «هيهات» من كل وجه، وذكر اللغات التي فيها ومثل لكل وجه، انظر إيضاح الوقف والابتداء ٢٩٨، وأما ابن الجوزي فيذكر هذه الوجوه مسندة قراءة، ويستوفي على ما فعل ابن الأنباري، انظر زاد المسير ٥/ ٤٧١
[ ١ / ١٣٣ ]