«١» إذا اشتكل عليك أمر الألف في الأفعال فأخبر بذلك الفعل عن نفسك، فإن رجعت ألفه في الإخبار إلى الياء فأصلها الياء، وإن رجعت إلى الواو فأصلها الواو، تقول في: رمى، وسعى، رميت، وسعيت، فترجع الألف إلى الياء فتميل ذلك. وتقول في: عفا، ونجا، عفوت، ونجوت، فترجع الألف إلى الواو فلا تميله. وإن شئت أن تقيس بغير ذلك، وذلك أن تخبر بذلك الفعل عن اثنين، فإن رجعت الألف إلى الياء فهو مما أصل ألفه الياء، فأمله. وإن رجعت ألفه إلى الواو فهو مما أصل ألفه الواو، فلا تمله، تقول في: رمى، وسعى، إذا أخبرت عن اثنين: رميا، وسعيا فترجع الألف إلى الياء، فتمال. وتقول في: عفا، ونجا، عفوا ونجوا، فترجع الألف إلى الواو، فلا تمله. وإن شئت فقسه بالمصدر أبدا، فمنه اشتق الفعل، فإن كان المصدر بالياء فأصل الألف في الفعل الياء، فتميلها، وإن كان بالواو فلا تميل الفعل، تقول في مصدر عفا وصفا:
هو العفو، وهو الصفو، فتظهر الواو، فلا تميل الفعل. وتقول في مصدر سعى، ورمى، هو السعي، وهو الرمي، فتظهر الياء، فتميل الألف في الفعل إذا شئت. وإن شئت فقسه بتصرف الفعل. فإن أظهرت فيه الواو فهو من الواو، وإن أظهرت فيه الياء فهو من الياء، تقول: رمى يرمي، وصفا يصفو، ودعا يدعو، وقضى يقضي، فتجد الياء فيما أصل ألفه الياء، وتجد الواو فيما أصل ألفه الواو، فتميل ذوات الياء ولا تميل ذوات الواو، فقس بأي ذلك شئت. فإن كانت الألف الذي تريد معرفة أصلها في اسم، وهي رابعة أو خامسة، فأملها، ولا تنظر إلى أصلها، لأن ما كان أصلها الياء والواو يرجعان، إذا تجاوزا ثلاثة أحرف، إلى الياء، تقول: دعوت وادعيت، وصفوت
_________________
(١) كتاب سيبويه ٢/ ٣١٢، والتبصرة ٣٩ /ب.
[ ١ / ١٨٠ ]
وأصفيت، فترجع الألف إذا صارت رابعة إلى الياء. وإن كان أصلها في الثلاثي الواو فتميلها. وإن كانت الألف في اسم ثلاثي فقسه بالتثنية، فإن ظهرت فيه الواو فألفه أصلها الواو، وإن ظهرت فيه الياء فألفه أصلها الياء، وذلك [نحو] (^١) هدى، وصفى، تقول في التثنية: هديان، وصفوان، فإن لم تعرف بأي شيء تثنيه، بالياء أو بالواو، فانظر إلى فعله، وامتحنه بالأدلة التي قدّمت لك. فإن كانت ألفه واوا (^٢) فثثنّه بالواو، وإن كانت ألفه ياء فثنّه بالياء، ألا ترى أن «هدى» من «هدي»، وأنت تقول فيه، إذا أخبرت عن نفسك: هديت، وإذا أخبرت عن اثنين: هديا، فتعلم أن ألف «هدى» من الياء. وتقول: صفا، وصفوت، والصفو، فتعلم أن ألف الصفا من الواو، فبهذه الأشياء فقس كل ألف أصلية، وردت عليك في القرآن والكلام، تقف بذلك على أصلها. فأما الألف الزائدة فلا أصل لها في ياء ولا واو، وإنما تمال للعلل التي ذكرنا من الكسرات ونحوها.
«٢» ومما أميل لأن أصل ألفه الياء «رأى، ورآه» (^٣)، أماله ابن ذكوان وأبو بكر وحمزة والكسائي، وأمالوا الراء لإمالة الهمزة، وللألف بعدها، فهذا مما أميل للإمالة بعده، وهو قليل، سنذكره. ومثلهم أبو عمرو، غير أنه يفتح الراء (^٤) وقرأ ذلك ورش بين اللفظين في الراء والهمزة. فهذا يمال، لأن الألف التي بعد الهمزة، أصلها الياء، ألا ترى أنك تقول: رأيت رأيا، وهو رأي العين.
ولم تتمكن إمالة الألف إلى الياء إلا بإمالة فتحة الهمزة التي قبلها إلى الكسرة ثم أمالوا الراء لما وقع بعدها من الإمالة، ليعمل اللسان عملا واحدا في الثلاثة الأحرف. وأما أبو عمرو فأبقى الراء على فتحتها، لأنها حرف تكرير، فلو أمالها اجتمع له أربعة أحرف ممالة، لأن الراء كحرفين، فأبقى الراء على فتحتها، لبعدها من الألف، ولما ذكرنا من تكرير الإمالات، ولأنه قد وصل إلى إمالة الألف نحو
_________________
(١) تكملة لازمة من: ص.
(٢) ب: «واو» وتصويبه من: ص.
(٣) أول الحرفين في سورة الأنعام (آ ٧٦) تقدّم في «أقسام علل الإمالة» الفقرة «١٦» وسيأتي في سورة الأنعام الفقرة «٣٥»، وثانيهما في النمل (آ ٤٠)
(٤) التبصرة ٣٩ /ب، والتيسير ٤٧، والنشر ٢/ ٤٣
[ ١ / ١٨١ ]
الياء، بإمالة فتحة الهمزة نحو الكسرة، فلم يحتج إلى تغيير فتحة الراء، فإن وقع بعد الألف ساكن، فحذفت الألف، فحمزة وأبو بكر يبقيان الإمالة في الراء خاصة، على ما كانت مع الألف، لأن حذفها عارض، ولأن الإمالة قد تقوّت بثباتها في حرفين، ولبعد المحذوف من الأول، فكرها أن يزيلا الإمالة من حرفين، لزوال حرف عارض زواله، وأبقوا الإمالة في حرف واحد، بعيد من المحذوف. ولو كانت الإمالة في حرف واحد لأزالها أهل الإمالة عند حرف الألف نحو: «موسى الكتاب، ونرى الله، والنّصارى المسيح» (^١) لأن الإمالة لم تقو في اللفظ، إنما هي من حرف واحد، أميل لأجل إمالة الألف، فلمّا حذفت الألف زالت الإمالة من الحرف الذي قبله، و«رأى» تمكّنت الإمالة مع الألف في حرفين، فلمّا حذفت الألف حذفا عارضا بقيت الإمالة في الراء، لتمكّنها في حرفين، وزالت الإمالة ممّا يقرب من المحذوف، وهو الهمز، لأن حذف الألف عارض، فاعرف الفرق بينهما، فإن وقفوا رجعوا في الإمالة إلى أصولهم، ومما أميل، لأن أصل ألفه الياء قوله: ﴿بَلْ رانَ﴾ (^٢) «المطففين ١٤»، أماله أبو بكر وحمزة والكسائي (^٣)، وهو من «الرّين» وهو الغلبة، تقول: ران، يرين، أي: غلب (^٤). فالياء ظاهرة في مصدره وفعله، فلذلك أميل، ولم تمنعه فتحة الراء من الإمالة، لأن الألف أصلية، وأكثر ما تمنع فتحة الراء الإمالة في الألف الزائدة نحو: راق، ودوران، وشبهه.
«٣» ومن ذلك «أدراك، وأدراكم» (^٥) حيث وقع، أصل ألفه الياء، لأنه من «دريت» ومن «الدراية» ومن «درى، يدرى» فالياء ظاهرة فيه.
_________________
(١) الحرفان الأولان في سورة البقرة (آ ٥٣، ٥٥)، التوبة (آ ٣٠)
(٢) سيأتي ذكر الحرف في سورة الكهف، الفقرة «٣».
(٣) التبصرة ٣٩ /ب، والتيسير ٥٠، والنشر ٢/ ٥٨.
(٤) ومنه رين النّفس أي خبثها وغثاثتها، وأران القوم هلكت ماشيتهم، ورين الخمرة على العقل غلبتها، انظر القاموس المحيط «ران»، وتفسير غريب القرآن ٥١٧
(٥) أول الحرفين في سورة الحاقة (آ ٣) وثانيهما في يونس (آ ١٦)، وسيأتي ذكرهما في سورة يونس، الفقرة «٤، ٥».
[ ١ / ١٨٢ ]
فأماله أبو بكر وأبو عمرو وابن ذكوان وحمزة والكسائي، وقرأه ورش بين اللفظين وفتح الباقون (^١). وعلة الإمالة فيه على (^٢) ما ذكرنا من محاولة تقريب الألف إلى أصلها، ولا بد من إمالة فتحة الراء إلى الكسر، فبه تتمكّن إمالة الألف إلى الياء.
«٤» ومن ذلك «التوراة» (^٣) حيث وقعت، أصل ألفها الياء، لأنها من «وري الزند»، وأصلها «ووريه» على وزن «فوعلة»، فأبدلوا من الواو الأولى تاء كما فعلوه في «تجاه، وتقاة»، وهما من الوجه والوقاية، ثم لمّا تحرّكت الياء بالفتح، وقبلها فتحة قلبت ألفا، فصارت «توراة»، التاء بدل من واو، والألف بدل من ياء (^٤)، فحسنت إمالته لذلك، وعلى إمالته أبو عمرو والكسائي وابن ذكوان، وقرأ نافع وحمزة بين اللفظين، والباقون بالفتحة (^٥). وعلة إمالته ما ذكرنا من محاولة تقريب الألف إلى أصلها وهو الياء، ولا يتمكّن ذلك، إلا بتقريب فتحة الراء إلى الكسرة، وبين اللفظين هو التوسط، على ما ذكرنا، معناه بين الفتح والإمالة، لا هو مفتوح محض، ولا ممال محض، ومن قرأه بالفتح فهو [على] (^٦) الأصل.
_________________
(١) التبصرة ٤٣ /أ، ٤٤ /ب، والتيسير ١٢١، والنشر ٢/ ٣٩
(٢) لفظ «على» سقط من: ص.
(٣) الحرف في سورة آل عمران (آ ٣) وسيأتي ذكره في سورته، الفقرة «١».
(٤) تفسير غريب القرآن ٣٦، والقاموس المحيط (وري).
(٥) ص: «بالفتح» انظر التبصرة ٤٣ /أ، والتيسير ٨٦، والنشر ٢/ ٥٩
(٦) تكملة موضحة من: ص.
[ ١ / ١٨٣ ]