أ - توافر لي من كتاب «الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها» أربع نسخ، فيما يلي الكلام عليها والتعريف بها، تقويما لها، وتبيينا لترتيب اعتمادها في تحقيق الكتاب. وأبدأ بأقلها حظا في ذلك، وهي:
١ - نسخة «دير الأسكوريال - إسبانيا» رقمها هو» ٥٢٣١ - ٢ a «: وهي في:
١٩٨ - ورقة، وفي كل صفحة ٢٥ سطرا، وفي كل سطر ١٣ كلمة.
وهي مخرومة من أولها مقدار ثماني ورقات، إذ تبدأ بصفحة قبل «باب المد وعلله وأصوله» وذلك بقوله: «وشبهه هي الاسم لكن لمّا قلّت حروف الاسم فكان على حرف واحد، وذلك الحرف خفي ضعيف قوّوه بزيادة واو فقالوا: بهو وعليهو، فهذا هو الأصل. وحجة من وصل الهاء بياء إذا كان قبلها ياء وهو ابن كثير أنه كسر الهاء للياء التي قبلها لخفاء الهاء، فلما كسرها أبدل من الواو التي زيدت لتقوية الهاء ياء ..».
وهي أيضا مخرومة في ثلث سورة البقرة الأول بمقدار تسع ورقات، ويبدأ الخرم من حيث كلام المؤلف، لدى اختياره وجه قراءة قوله تعالى: ﴿أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ إذ قال: «.. وإنما أسروا أسراء هؤلاء وأسراء هؤلاء والاختيار أسارى على فعالى، وتفدوهم بغير ألف لما ذكرنا من العلة ولأن القراءتين قد ترجعان إلى معنى ولأن أكثر» (^١).
وينتهي لدى كلامه على «باب تفسير أقسام التقاء الساكنين» في وسطه قبل شرطه «الرابع» إذ قال: «كانت قبل المحذوف تدل عليه لأن الفتحة تدل على الألف والضمة تدل على الواو والكسرة تدل على الياء، ولو انفتح ما قبل الواو والياء لم يحذف الأول لالتقاء الساكنين ..» (^٢).
_________________
(١) الكشف، النسخة المذكورة ٥٥ /أ.
(٢) الكشف، النسخة المذكورة ٥٥ /ب.
[ المقدمة / ٣٩ ]
وتنتهي هذه النسخة بقول المؤلف: «وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين والحمد لله رب العالمين».
وأدنى ذلك هذه العبارة: «تمّ كتاب الكشف عن وجوه القراءات السبع في آخر ليلة من شهر رجب الفرد سنة سبع وسبعمائة والحمد لله وحده».
وليس عليها ولا بحواشيها ما يشير إلى ناسخها سوى ما بوجه الورقة الأولى من ثلاثة أسطر صغيرة باللغة الإسبانية أرجح أنها بخط قيّمي المكتبة إذ فهرسوا الكتاب، وبأسفلها رقم الكتاب ورمزه.
وبآخر صفحة منها بأسفلها، بزاويتها اليسرى عبارة باللغة الفارسية في ثلاثة أسطر صغيرة أيضا.
وأما خطها فمشرقي منقوط كله، وهو نسق واحد من أولها إلى وجه الورقة الثالثة والعشرين، ومشكول شكلا تاما في هذه الأوراق، ومن الورقة الثالثة والعشرين إلى آخر الكتاب نسق آخر واحد، ولكنه يشبه خط الأوراق المذكورة إلى حدّ، أغلّب أن ناسخها جميعا واحد، إذ أن قاعدته في الكتابة لم تختلف. والخط في هذا القسم من النسخة مشكول في بعض الألفاظ شيئا قليلا، والفرق بين الخطين واضح في اللوحين النموذجين من هذه النسخة المثبتين في موضعهما من المقدمة. وهو خط القرنين السابع والثامن الهجريين، بيّن الحروف والقاعدة في رسمها.
ولما كانت هذه النسخة مباينة العبارة في كثير من المواضع لعبارة النسخ الثلاث الأخرى، ولكثرة ما بها من سقط، فقد اقتصرت فائدتها على الاستئناس بها دون اعتمادها في النسخ المقابلة.
ورمزت لها في التحقيق بحرف «ل».
٢ - نسختا الرباط - المغرب الأقصى، وكلتاهما بالخزانة العامة هناك.
فأولاهما ذات الرقم: ك ٢٦٨٩، وهي تتضمن الجزء الثاني من الكتاب، ويبدا من أول سورة الأعراف إلى آخر الكتاب.
وعدد أوراقها ١٤٥، في كل صفحة ٢٣ سطرا، وفي كل سطر ١٣ كلمة.
وهي في أصل النسخة على رقّ غزال، وخطها مغربي أندلسي جميل. ويبدو لي
[ المقدمة / ٤٠ ]
أنها متقدمة تاريخ النسخ لما في ورقات التصوير من تآكل أطرافها وآثار الأرضة.
بيد أنها خالية من تاريخ النسخ واسم الناسخ.
وتبدأ بورقة، بوجهها العنوان واسم المؤلف بعد ذكر أنه السفر الثاني، وأدنى العنوان وفوقه، وفي الحواشي بعض العبارات غير البينة إلا بعض أحرف من ألفاظ لا تفي بغرض ولا تهدي إلى شيء.
ولكنها على نقصها أفادت في المقابلة كثيرا، ذلك لأن عبارتها توشك أن تكون عبارة النسخة الأم، بل إن مواضع كثيرة ضبطت عنها، وقوّمت بها، وهو ما تترجمه حواشي التحقيق، بيد أن في مواضع منها أيضا خرما، فضلا عن نقصها، حملني على جعلها النسخة الثالثة في المقابلة والتحقيق.
وإن مشابهتها للنسخة الأم بل مماثلتها لها، فضلا عما لميزات النسخة الأخرى، مما سيأتي ذكره بعد، شجعني على أن أقول إن الأصول التي كتبت عنها هذه النسخ هي أقرب الأصول إلى نسخة المؤلف، إن لم تكن هي نسخة المؤلف أو النسخة التي كتبت عنها تلك الأصول، ذلك لائتلاف وجوه عباراتها في مناحيها الكبرى.
ولا اعتداد بالسقط أو الخرم في ذلك، كما أنه لا اعتداد بمباينة الألفاظ بعضها عن بعض على ما يظهر في الحواشي لأنها مباينة ضئيلة لا قيمة لها. وذلك نحو ما جاء في حواشي الورقات التالية الذكر كنماذج على ما نقول وهي:
الورقة ١٢٨ /ب: ٧، ١٠، ١٢٩ /أ: ٢، ٣، ١٢٩ /ب: ١، ٥، ١١، ١٣٦ /أ: ٦، ١٣٦ /ب: ٣، ٦.
ورمزت لها في التحقيق بحرف «ر».
وأما النسخة الثانية فهي ذات الرقم: ق ٢٦٨، وهي تامة، وتقع في: ١٣٢ ورقة، في كل صفحة ٣١ سطرا، وفي كل سطر ٣١ كلمة.
وخطها مغربي صحراوي، وأما معنى صفة خطها بالصحراوي فهو على البيّن دقته وانثناء أواخر ألفاظه إذا كانت راء أو ياء أو ميما بمدّة صغيرة على الحرف ذاته، وأراه أشبه بالخط المعلّق على المعروف في مشرق عالمنا العربي لشدة تقارب الألفاظ بعضها من بعض، لكنها لا تبلغ أن تتصل أو تلتصق.
[ المقدمة / ٤١ ]
وفي وجه أول ورقة منها سوى عنوان الكتاب واسم المؤلف هذه العبارة:
سفر فيه، وكذلك ذكر تملك هو: «الحمد لله، بالله يثق، وعليه يتوكل، ملكه عبيد ربه، أحمد بن محمد بن داود أجزي، تغمده الله برحماه في دنياه وأخراه» وهو أدنى العنوان، وتكرّر في الزاوية اليسرى من الورقة أعلى العنوان، بخط مماثل وهو خط مباين لخط النسخة، وإلى جانب تلك العبارة تحبيس على زاوية لم أتبين اسمها، وأدناه بخط مماثل مايلي: الحمد لله، على يد والدي السيد يوسف الناصر.
وأدنى ذلك عبارة تملّك، ولكن ما تلا من عبارتها طمس. ثم أدناه خاتم الخزانة العامة بالرباط، وقد تكرر هذا الختم في غير حاشية من ورقات النسخة.
وفي غير موضع من الحواشي استدراكات مذيّلة بالتصويب حينا وبلفظ «أصل» حينا، مما يقطع أنها نسخة مقابلة.
ولكنها مجهولة الناسخ وتاريخ النسخ، وليس عليها من إشارة تهدي إلى ذلك، حتى العبارة التي جاءت بآخر النسخة بعد تمامها أقطع أنها تضمنت ذكر الناسخ وتاريخ النسخ، لأنها طمست دون أي أثر منها يعين على تبيّن ذلك أو الاهتداء به.
وأما صفة عبارتها فهي مقاربتها لعبارة النسخة الأم، لولا كثرة ما فيها من سقط يغلب على الكلمات، ويكثر في بعض الجمل، ويقل في بعض الفقرات، وكذلك تداخل بعض فقرات في بعض أو تقدمها وتأخرها، خاصة في أول النسخة، وذلك بيّن في المواضع المذكورة:
الورقة ٢ /أ: ١١، ١، ٢ /ب: ٤، ٦، ١١، ١٣، ٤ /ب: ٥، ١٢، ٥ /ب: ٢٠، ٤.
ولكن ميزاتها الأخرى أحلّتها منزلة النسخة التي تلي النسخة الأم في المقابلة، وهو بيّن فيما انتفع بها استدراكا وتوجيها.
ورمزت لها في التحقيق بحرف: «ص».
٣ - النسخة الأم:
وأما النسخة الأم فهي نسخة: «برلين - ألمانيا» ورقمها هو:
، ٨٧٥. Pm - ٧١ على ما ذكر آلورد في فهرسه، وعلى ما نقل عنه بروكلمان في كتاب تاريخ الأدب العربي.
[ المقدمة / ٤٢ ]
وهي تامة إلا ورقة واحدة هي تتمة «باب حكم الوقف على اللام» ومبدأ سورة البقرة والحرف الأول فيها، وهو قوله تعالى: ﴿وَما يَخْدَعُونَ﴾ حتى ذكر الحرف الثاني، وهو قوله تعالى: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾، على البيّن من الإشارة إلى ذلك في حاشية التحقيق. وأظن أن هذا الخرم لسقوط ورقة من الأصل المخطوط لكثرة ما آلت إليه النسخة من التنقل بدأ بمكة المكرمة وانتهى ببرلين، فماذا عسى أن يلحقها من عوارض في هذه الرحلة؟.
وتقع في: ٢٤٨ ورقة سوى أوراق كتاب «الإبانة» التي ألحقت بالنسخة، وهي تقع في: ١٤ ورقة، في كل صفحة ٢٥ سطرا، وفي كل سطر ١٦ كلمة.
وخطها مغربي أندلسي نسقا واحدا كلها، واضحته، لا اضطراب فيه.
وتاريخ نسخها ثامن ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وأربعمائة للهجرة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلى آله وصحبه أجمعين. فهي منسوخة في حياة المؤلف رحمه الله تعالى، قبل وفاته بثلاثة أعوام، وتمّ نسخها على ما ذكر الناسخ نفسه بمكة المشرفة بالديار الحجازية، ويستفاد من عبارة الناسخ أن بعضا من الناس كلّفه نسخها.
وأما الناسخ فاسمه عبد الله بن محمد بن محمد الفهري، وقد بحثت في أغلب التراجم والسير لأفوز بترجمة له تفي بقصد الكشف عن منزلته العلمية التي تعيّن لنا مقدار جهده في نسخه الكتاب، وما يمكن أن يكون استفاده من نسخ أخرى اعتمدها في نسخه، عارض بها نسخته التي كتبها ورجع إليها. فكان أنّ ما وقفت عليه من ذلك كله ترجمتان تكمّل إحداهما الأخرى على قصرهما وقلة فحواهما من المادة التي نحتاج إليها في ذلك.
فأما أولاهما فتفيد أنه من أهل تطيلة، حافظ، متقدم، عالم، فاضل، صالح، متدين، وصفه بذلك ابن حبيش، وذكره ابن حارث أيضا. وكانت له رحلة (^١).
_________________
(١) تكملة الصلة ٧٧٧
[ المقدمة / ٤٣ ]
وأما الثانية فتذكر كنيته دون أن تسميه، وتذكر أنه ألّف كتابا في نسب أبي علي القالي، وما له من روايات ودخوله الأندلس (^١).
وعلى ظهر الورقة الأولى، وهي صفحة العنوان غير عبارة العنوان فوقه إلى الشمال منه ذكر ثلاثة تملكات، فأما أولها، وهو الذي فوق العنوان فمطموس، وأما الثاني والثالث فقد ظهر فيهما أن النسخة قد انتقلت إلى المالكين بالابتياع الشرعي، ولعل المالكين كليهما قريبان، لأن في لقب كل منهما نسبة «المدني».
وأما أولهما فقد بقي منه ما يلي: انتقل .. الشرعي إلى ملك الفقير إلى الله تعالى ..
ابن عبد الرحمن بن محمد .. الشافعي المدني .. وذلك في سابع شهر .. الاخر سنة ثمان .. وأما ثانيهما فالذي بقي منه فهو: .. انتقل بالابتياع الشرعي إلى العبد الفقير إلى الله تعالى .. بن علي بن حسن بن رشيد المدني .. في شهر رجب ..
وأدنى ذلك بعض أبيات من الشعر بخط مغاير لخط النسخة أغلّب أنها في الظاءات التي جاء ذكرها في القرآن الكريم.
وقد تكرر في حواشيها ما يؤكد أن هذه النسخة قوبلت على أصل لها، أغلّب أن يكون ذلك الأصل نسخة المؤلف نفسه أو إحدى نسخه، على ما يمكن أن يكون للمؤلف غير نسخة من مصنف له. وقد أكّد هذا عندي ما جاء من ذكر ذلك وهو: «نسخة الشيخ» في وجهي الورقتين: ٢٥٣ /أ، ٢٥٤ /أ، من أوراق كتاب «الإبانة عن معاني القراءات» وهو أيضا بخط الناسخ نفسه. وكذلك ما جاء من ذكر لفظتي «أم» و«أصل» في حواشي هذه الورقات: ٤٦ /أ، ٤٩ /ب، ٥٣ /أ، ٧٠ /ب، ٧٧ /ب، ٩٥ /أ، وسواها.
ويقطع على أنها قوبلت وقرئت ما تكرر من عبارة «بلغت» و«بلغت مقابلة» في نحو الورقات التالية: ٤٠ /أ، ٥٠ /أ - ب، ٥٩ /أ، ١١٩ /أ، ١٢٩ /ب، ١٦٧ /ب، ١٦٩ /أ، ١٩٩ /أ ٢٠٩ /أ، ٢٣٩ /أ، ٢٥٣ /أ.
وأما عبارتها فهي الأولى والأدق بين النسخ الأخرى، إذ هي أوفى بالمعنى والأداء على الملاحظ من حواشي التحقيق. فالسقط فيها لا يكاد يعدو ألفاظا إلا قليلا
_________________
(١) نفح الطيب ٣/ ٧٢
[ المقدمة / ٤٤ ]
من الجمل القصار. وأما الغلط فلا يتجاوز بعض الألفاظ من نحو لفظة «لو» في وجه الورقة السادسة وتوجيهها بلفظة «لما» من نسخة «ص»، ونحو لفظة «لأن» في وجه الورقة الثامنة وكونها «ولأن» بالواو كما في نسخة «ص» ونحو لفظة «فإن» وتوجيهها ب «فإذا» من نسخة «ص» لصوابه. ولكن هذه الملاحظات بمجموعها ليست بذات بال في تقويم النسخة بين سواها من النسخ المعتمدة في المقابلة، وكونها أفضل النسخ وأحراها بالتقديم أما.
وقد رمزت إليها في حواشي التحقيق بحرف «ب» وربما سميتها «الأصل» وذلك في موضعين لا أكثر.