وأما أسلوبه في كتاب «الكشف» فالحق أن مكيا قد وضع خطة محكمة لتأليف هذا الكتاب، وطبّقها والتزم بها إلى نهاية الكتاب، فقد قال في ذلك:
_________________
(١) الكشف ٦ /ب، ١١ /ب، ٢١ /ب، ٥٠ /أ، ٥١ /ب، ٥٧ /أ.
(٢) الإبانة ٢ /ب، ٣ /أ، ٤ /ب، ٥ /أ، ٧ /أ، ٩ /أ.
[ المقدمة / ٣٦ ]
«وهأنذا حين أبدأ بذلك أذكر علل ما في الأبواب دون أن أعيد ذكر ما في كل باب من الاختلاف إذ ذاك منصوص في الكتاب الذي هذا شرحه، وأرتب الكلام في علل الأصول على السؤال والجواب، ثم إذا صرنا إلى فرش الحروف ذكرنا كل حرف، ومن قرأ به وعلته وحجة كل فريق، ثم أذكر اختياري في كل حرف، وأنبّه على علة اختياري لذلك كما فعل من تقدمنا من أئمة المقرئين» (^١).
وقد مضى الكلام على تبويبه للكتاب وقرنه موضوعاته بعضها إلى بعض، ودلالة ذلك وفائدته.
فأما بحثه لفكرة من أفكاره أو موضوع من موضوعاته فيظهر فيه التزامه بنظام أصل الكتاب، أعني كتاب التبصرة، بيد أن تقيّده بخطة السؤال والجواب في كل الكتاب جنّبه كل عارض يصيب البحث، وجعله يقصر الكلام على المسألة المتناولة دون استطراد. فمن ذلك قوله في الاستعاذة: «قال أبو محمد: إن سأل سائل فقال: لأي شيء جيء بالاستعاذة في أول الكلام؟» فهذا سؤال محكم متعين الفكرة. يجيب عنه مكي بقوله: «فالجواب أن الاستعاذة دعاء إلى الله جل ذكره واستجارة به من الشيطان وامتثال لما أمر به نبيه ﵇ ..» ثم يفصّل جوابه بما يحتمله من شرح وشواهد، ولا يكاد يستطرد إلى ما لم يتضمنه السؤال إلا في القليل النادر، كأن يبحث في جانب من اللغة يستعين به على توجيه الإجابة وإيضاح المراد بها (^٢).
وهو يحيط بالمسألة ويستقصي كل ما يلزم عنها، فمن ذلك كلامه على إشباع كسرة الكاف فيما روي من قراءة ورش، فقال: «فإن سأل سائل فقال: ما العلة التي أوجبت ذكرك لكسر الكاف من «ملك» دون ياء وبضم الدال من «نعبد» دون واو، ولم خصصت هذين الأصلين؟ فالجواب أنه إنما ذكرت ذلك لأن بعض أهل مصر والمغرب روى عن ورش أنه يشبع الكسرة إذا أتت بعدها ياء حتى يتولّد من الكسرة ياء ..» (^٣). وهو في سوى ذلك إنما يجيب عما يسأله
_________________
(١) الكشف ١ /أ - ب.
(٢) الكشف ٢ /ب.
(٣) الكشف ٦ /ب.
[ المقدمة / ٣٧ ]
الجواب الشافي، دون أن يقحم عليه شيئا يخل بالخطة التي أخذ بها نفسه إلى آخر الكتاب.
ومقتضى هذه الخطة أن تكون الجملة ذات تركيب معين، بعيد من التطويل، متجاف عن التأنق، شديد الصلة بمباشرة المسألة أو البحث. فمن ذلك كلامه على أحكام الراء وعللها قوله: «اعلم أن الراءات أصلها التغليظ والتفخيم ما لم تنكسر الراء فإن انكسرت غلبت الكسرة عليها فخرجت عن التفخيم إلى الترقيق وذلك نحو:
مررت بساتر وغافر وشبهه، والدليل على أن أصلها ..» (^١). ومنه كلامه على الإشارة إلى أصل حركة الحرف عند الروم والإشمام قوله: «فإن قيل: هل تسمع هذه الإشارة أو لا تسمع، وهل ترى أو لا ترى، وهل نحكم على الحرف الأول الذي معه الإشارة بالضم أو بالكسر؟ فالجواب أن الإشارة إلى الضم في هذه الأفعال تسمع وترى في نفس الحرف الأول ..» (^٢).
وكان مكي يحتاط لكل ما يخلّ بالموضوع، فلا يختصر فيبهم ويلبس، ولا يطيل فيبتعد ويغرب، وقد بيّن ذلك في آخر الكتاب فقال: «وقد أتينا على ما شرطنا واختصرنا الكلام في العلل غاية ما قدرنا من غير أن نكون قد أخللنا بعلة أو تركنا حجة مشهورة، وأوجزنا العلل خوف التطويل، واختصرنا ذكر قراءة التابعين ومن وافقهم لمن ذكرنا من القراء لئلا يطول الكتاب فيعجز عن نسخه ويحدث الملل في قراءته» (^٣).
فجملته واضحة كل الوضوح، وهي أيضا متماسكة قوية، وبها جمال مبعثه وضوحها، وهي تؤدي المعنى من أقرب سبيل، تجانب التعقيد، وتقترب من اليسر.
_________________
(١) الكشف ٥٢ /ب.
(٢) الكشف ٥٨ /أ.
(٣) الكشف ٢٤٦ /ب.
[ المقدمة / ٣٨ ]