وأما تبيّن أسلوب مكي فهو واضح في كل ما ترك من آثار. ففي مقدمة كتاب التبصرة ما أعتده دليلا على ذلك قوله: «جمعت في هذا الكتاب من أصول ما فرّق في الكتب، وقربت البعيد فهمه على الطالب، واعتمدت على حذف التطويل والإتيان بتمام المعاني مع الاختصار، ليكون تبصرة للطالب، وتذكرة للعالم، حتى قويت نيتي في كتاب قد علّقت أكثره، أعمله لنفسي تذكرة إن شاء الله، أذكر فيه كشف وجوه القراءات، واختيار العلماء في ذلك .. وأضربت عن التكرار، ليقرب حفظه على من أراد ذلك. ولولا ما فرّق في الكتب مما نحن جامعوه، وما عدم فيه القول مما نحن قائلوه .. يجب أن تعلم أيها الناظر في هذا الكتاب أني ربما قدّمت المتأخر من الحروف المختلف فيها لتصنيفه إلى نظائره، فيكون ذلك أسهل للحفظ، وأقرب للمتعلم، ثم لا نعيده في موضعه» (^٢).
ومنه أيضا قوله: «اعلم أن هذا الباب كثير الاضطراب، وأنا أذكر لك ما قرأت
_________________
(١) أمالي ابن الشجري ٢/ ٤٤١، والبحر المحيط ٢/ ٤٢٦، ٤٣٧، ٥١٨، ٣/ ٣٦، ١٠٤، ١٠٥، ٨/ ١٤٧، ١٧٦ ومواضع أخرى، والمجيد في إعراب القرآن المجيد الجزء الأول ٥١ /ب، ٦٩ /ب، ٧٠ /أ، ٧٨ /أ، ١٤٦ /ب، ١٥٩ /أ، ١٨٨ /ب، ٣٣٦ /أومواضع أخرى.
(٢) التبصرة ٢ /ب.
[ المقدمة / ٢٠ ]
به لتقف عليه إن شاء الله. فمن ذلك إجماعهم على إظهار النون الساكنة والتنوين عند حروف الحلق، وسواء كانت النون في كلمة أو كلمتين ..» (^١).
ومن كلامه على أوجه تصريف لفظة الصلاة وأمثالها في كتاب تفسيره قوله:
«كتبت الصلاة في المصاحف بالواو لتدل الواو على أصلها، لأن أصل الألف الواو، وأصلها صلوة، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت في اللفظ ألفا، دليله قولهم في الجمع: صلوات، وقد ذكرنا أن الجمع يرد الأشياء إلى أصولها، ولذلك قلنا إن أصل ماء موه، وإن الألف بدل من الواو والهمزة بدل من الهاء، ودل على ذلك قولهم في الجمع أمواه فردّ إلى أصله. وقيل: إنما كتبت الصلاة بالواو لتدل على أنه مشتق من الصلوين. وقيل: إنما كتبت بالواو لأن بعض العرب يفخم اللام والألف حتى تظهر الألف، كأن لفظها يشبوبه شيء من الواو، والقول الآخر به يعلل ما كتبوه من: الزكوة والحيوة وشبهه بالواو فاعلمه» (^٢).
وإذا مضينا نرصد أبرز خصائص أسلوبه عدّدنا منها: الدقة، ولا تتوافر الدقة في الأسلوب إلا لمن استوعب مادة بحثه وموضوعه، وهي ميزة بيّنة في كل ما كتبه مكي مما اطلعت عليه.
والاستقصاء والمناقشة، وهذه ميزة تلزم عن الدقة، فلسنا نقف على بحثه المسألة وإن صغرت إلا انتهينا فيها إلى كل ما يمكن أن نجده متفرقا عند غيره من الباحثين. وهو يفضل غيره مثل أبي علي الفارسي في هذا لما يستوفي المسألة حق الاستيفاء دون أن يخرجه ذلك إلى جوانب أخرى تبعد بالقارئ عن أصل المسألة التي كان بدأها، وما أكثر ما اعتذر مكي نفسه من أن يكون أطال في استقصائه ومناقشته.
والبيان والوضوح، وهي ميزة تلزم عن الاستقصاء لما يعرض له مكي من هذه المسائل. فلا تكاد أصول المسألة التي يتناولها ماثلة تتسع مع الاستقصاء والمناقشة بعبارة تبين عن نفسها وتوضح مكنونها، لا تغرب، ولا تنحرف عن وجهها الذي تمضي إليه دون تعثّر، وإن طالت المسألة أو هو أطال بحثها وتقليب وجوهها،
_________________
(١) التبصرة ٣٧ /ب.
(٢) الهداية إلى بلوغ النهاية ٧ /ب.
[ المقدمة / ٢١ ]
على أنها توشك أن تخلو أيضا من الهلهلة والثقل اللذين يسمان العبارة المتكررة.
والمحاكمة والتدليل، وهي ميزة ظاهرة فيما يطبع أسلوبه من استعمال الشرط، يدعم ذلك التمثيل والاستشهاد والعزو، فنراه يأتي بوجوه محتملة، وأخرى مروية، ويناقشها ويعاود بيانها، وعرض جوانبها، فإذا استنفذ كل وجه جاء بالوجه الذي يذهب إليه مدللا عليه محتجا له.
والنتائج والأحكام، وهي تلزم عن المحاكمة والتدليل لما يتوجب على من يحتكم ويدلل من الخلوص إلى نتيجة وحكم على ما عالجه. وما أكثر ما نقرأ قوله، على نحو ما كان يفعل كثير من أئمة كل فن من المتقدمين «فافهم ذلك» و«فاعلمه» وما أشبه ذلك من هذه العبارات التي يختم بها مسألة بحثها وأشبعها بيانا. وربما كانت نتائجه قاطعة، وربما كانت ترجيحية أو مساوية.
وآخرها منهجيته، فكل ما تقدم من ميزات أسلوبه يقتضي هذه المنهجية التي تسم كل موضوعاته وكتبه، فهو ككثير من المتقدمين من العلماء والمؤلفين، يقدّم لموضوعه بالخطة التي يعزم على اتباعها في البحث والدرس، وهو كثيرا ما يكرر ذكر خطة أو فكرتها في غير مقدمة من مقدمات كتبه، حتى كأن كتبه في مجموعها أبواب وفصول كتاب واحد!
بيد أن عبارة مكي، إذا ما أكثر الاستقصاء، وتتبع ومحّص، يبدو عليها الغموض حينا، والهلهلة أحيانا أخرى، ولكنها في كل حال هنات معدودة.