ففي تلك البيئة الغنية بأسباب الحياة والتقدم والنشاط استطاع مكي أن يطلب ويدرس، وفي مدينة القيروان، مسقط رأسه ومنشئه، إذ كانت القيروان محجة العلماء وطلاب العلم، قرأ على شيوخها طفولته كلها (^٤)، وتلقى ما كان يتلقاه من كان في سنّه من العلوم والآداب.
وكانت الرحلة سببا لأغلب طلبة العلم وشيوخه، يحرص عليها أهل تلك البلاد لموضع المشرق عندهم وشرفه في أنفسهم. وكان لمكي في الرحلة نصيب وافر غير ما كان لمثله ممن كان في طبقته. فهو في سن مبكرة لم يتجاوز الثالثة عشرة شدّ الرحال إلى مصر. فكان يقيم سنتين وثلاثا ثم يعود إلى القيروان، أو يمضي إلى بلاد الحجاز ليؤدي فريضة الحج. وهو في مصر أو القيروان كان يلقى الشيوخ، ويأخذ عنهم، ويستدرك ويستكمل على هؤلاء وهؤلاء، لا يقصّر ولا يكلّ.
وبدأت رحلاته منذ سنة سبع أو ثمان وستين وثلاثمائة، وانتهت سنة اثنتين
_________________
(١) الصلة ٥٩٧، وانظر أيضا معجم البلدان ١٩/ ١٦٧، وأنباه الرواة ٣/ ٣١٥
(٢) وفيات الأعيان ٤/ ٣٦١
(٣) المغرب في تلخيص أخبار المغرب ٤٤٠، وأنظر تاريخ ابن خلدون ٤/ ٤٨، ورحلة التجاني ٢٤١، ٢٦٦
(٤) جذوة المقتبس ٣٢٩، والصلة ٥٩٧، وبغية الملتمس ٤٦٩
[ المقدمة / ٦ ]
وتسعين وثلاثمائة، أي مدة خمس وعشرين سنة، قضاها مترددا بين بلده القيروان ومصر ثم بين مصر والحجاز والشام (^١).
ثم أمضى سنة بالقيروان، حتى إذا كانت سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، نهض مفارقا القيروان، لا إلى رجعة، متوجها إلى الأندلس قاصدا قرطبة، ليمضي هناك بقية عمره.