ولما كان لمكي ذلك الدأب على الرحلة والطلب فقد كثر شيوخه وتعدد معاصروه ممن كان له بهم صلة.
فأما معاصروه فمن القيروان أصبغ بن راشد بن أصبغ اللخمي، وهو من إشبيلية، ورحل إلى القيروان. وتفقّه مع مكي على ابن أبي زيد وأبي الحسن القابسي. وقد توفي قريبا من الأربعين وأربعمائة (^٣).
_________________
(١) الصلة ٥٩٧، ومعجم الأدباء ١٩/ ١٦٨، وانباه الرواة ٣/ ٣١٦، ووفيات الأعيان ٤/ ٣١٦
(٢) الصلة ٥٩٨، ومعجم الأدباء ١٩/ ١٦٨
(٣) جذوة المقتبس ١٦٤
[ المقدمة / ٧ ]
وكذلك أبو العباس المهدوي، وكان قد دخل الأندلس في حدود الثلاثين وأربعمائة، وكان ذا علم بالقراءات والأدب، وبعض تلاميذ هذا هم تلاميذ مكي أيضا. وكانت وفاته بعد الثلاثين وأربعمائة.
ومن أنداده أبو طاهر الأنصاري إسماعيل بن خلف، وهو عالم مقرئ نحوي، تصدّى لاختصار كتاب «الحجة» لأبي علي الفارسي كما فعل مكي. وتوفي سنة خمس وخمسين وأربعمائة.
وأبو عمر الطلمنكي أحمد بن محمد، نزيل قرطبة، وكان له التقدم على مكي وسواه بأنه أول من أدخل القراءات إليها. وكثير من تلاميذه هم تلاميذ مكي.
وتوفي سنة عشرين وأربعمائة.
وأما شيوخه فمنهم في القيروان الحافظ أبو الحسن القابسي، وهو من جلتهم، وكان موضع إكبار الناس، وكان ورعا مقدما. أفاد مكي منه القراءة والحديث.
وتوفي سنة ثلاث وأربعمائة. وذكر ابن كثير أن الناس عكفوا على قبره ليالي يقرؤون القرآن، وجاء الشعراء لرثائه من كل أوب.
وكذلك أبو محمد بن أبي زيد، الذي انتهت إليه رئاسة المذهب المالكي بالمغرب. وذكر القاضي عياض أنه حاز رئاسة الدين والدنيا. ورحل إليه، ونجب أصحابه. وكان يسمى مالكا الأصغر. وإلى هذا الشيخ كان تفقّه مكي وروايته.
وتوفي سنة تسع وثمانين وثلاثمائة.
ومن شيوخه في مصر محمد بن علي أبو بكر الأدفوي. ذكر الذهبي أنه برع في علوم القرآن وكان سيد أهل عصره. وقد لزم أبا جعفر النّحاس وروى
[ المقدمة / ٨ ]
عنه كتبه، وأخذ القراءة عرضا عن المظفر بن أحمد بن حمدان، وسمع الحروف من أحمد بن إبراهيم وسعيد بن السكن. وذكر الداني أنه تفرد بالإمامة في قراءة نافع رواية ورش. وتوفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (^١).
وكذلك أبو الطيب بن غلبون الذي يرجع إليه ضبط مكي للقراءة. واسمه عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون، نزل مصر من حلب. روى القراءة عرضا وسماعا عن إبراهيم بن عبد الرزاق وإبراهيم بن محمد وابن خالويه ومحمد بن جعفر الفريابي. قال الداني: كان حافظا للقراءة ضابطا ذا عفاف ونسك وفضل وحسن تصنيف (^٢).
وإلى أبي عدي بن الإمام كان اضطلاع مكي برواية ورش، اسمه عبد العزيز ابن علي بن أحمد. أخذ القراءة عرضا وسماعا عن أحمد بن هلال وأبي بكر بن سيف، وروى الحروف عن إبراهيم بن حمدان بسند إلى أبي عبيد القاسم بن سلام، وعن النحاس عن الأزرق. ورواها عنه أبو عمر الطلمنكي وأبو الفضل الخزاعي وطاهر بن غلبون وعبد الجبار الطرسوسي، وتوفي سنة ثمانين وثلاثمائة (^٣).
وكان لمجاورته بمكة أثر في تلمذته على بعض الشيوخ ولقائه إياهم. ومن أبرزهم أحمد بن إبراهيم أبو الحسن العبقسي مسند أهل الحجاز في وقته، وتفرّد بالسماع من محمد بن إبراهيم الديبلي. وكانت وفاته سنة خمس وأربعمائة (^٤).
وكذلك عبد الله بن أحمد أبو ذر الهروي الرحالة الذي كان يحج كل عام، ويسمع الناس ويقيم أيام الموسم. روى عن أبي الفضل بن حميرويه وأبي عمر
_________________
(١) طبقات القراء ٢/ ١٩٨، وطبقات ابن قاضي شهبة ٨٦، وشذرات الذهب ٣/ ١٣٠
(٢) وفيات الأعيان ٥/ ٢٧٧، وطبقات القراء ١/ ٤٧٠
(٣) طبقات القراء ١/ ٣٩٤، وشذرات الذهب ٣/ ١٠١
(٤) شذرات الذهب ٣/ ١٧٣
[ المقدمة / ٩ ]
ابن حيوية ومن في طبقتهما، وأخذ مذهب مالك عن ابن الباقلاني. وصنّف مستخرجا على الصحيحين. وعنه أخذ المغاربة مذهب الأشعري. وكان حافظا ثقة متدينا متقنا. توفي سنة أربع وثلاثين وأربعمائة (^١).
وهؤلاء قليل من كثير من معاصري مكي وشيوخه.