وكانت أخلاق مكي، بما حظي به من فضائل، نحيزة في نفسه، وبما أهّلته له الحياة دربة ومعاشرة تطبّع واكتساب، كل ذلك ائتلف ليبلغ به منزلة العلماء جلالة وقدوة.
وأبرز أخلاقه علوّ همته الذي نراه في هذا الدأب على الطلب، والرحلة في سبيله، وهو بعد في سن صغيرة.
ومن ذلك ما ذكره أبو عمر بن مهدي أنه كان حسن الفهم جيد العقل (^٣).
وكل من ترجمه جوّد دينه وعقله، ونسبه إلى الفضل وأهله (^٤).
ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن مكتوم أن شيخه أبا حيّان أنشده قصيدة لمكي أنشدها له ابن شقّ الليل محمد بن إبراهيم، وهو أحد معاصري مكي، وهي في تسعة عشر بيتا، مطلعها:
قل لمن يبغي المرا والجد لا … في البراهين وذكر البدلا
وحكايات الأحاديث التي … تورث العجز وتبدي الكسلا
ويك دع عنك الخرافات ولا … تكثر المزح أخي والهزلا
_________________
(١) الصلة ٥١٥، وبغية الملتمس ١٠٥، وشذرات الذهب ٣/ ٣١١
(٢) المغرب في تلخيص أخبار المغرب ١/ ٤٠٤، ٢/ ٧٢، والصلة ١٧٨، ٥٢٤، ٦٣٣، ١٩٧، ٢٧٦، وتكملة الصلة ١٧٨، ١٩٧، ٢٧٦، وطبقات القراء ٢/ ٢٣٩، ٣١٩، ٣٦٤، ١/ ٢٦٩، ٤٢١، وشذرات الذهب ٣/ ٤٠٤، ٣٥٤، ٣٧٦، وكذلك هذه المواضع في الصلة ٢٧٦، ٢٥٦، ١٦٩، ١٦٨، وتكملة الصلة ٢٦٨، ٧٦، ٧٧، ١١٨، ٢٦٢، ٢٦٣، ٢٩٩، ٣٩٩
(٣) الصلة ٥٩٧، وأنباه الرواة ٣/ ٣١٥، ووفيات الأعيان ٤/ ٣٦١
(٤) نزهة الألباء ٣٤٧، ومعرفة القراء الكبار ٣١٦
[ المقدمة / ١٢ ]
وبعد أن يسوق أمثلة من ترهات هؤلاء النفر من المشعوذين قال:
ألفتها عصبة صوفية … تشتهي الأكل وتأبى العملا
من عدا القرآن والعلم فقد … خالف الله وخان الرسلا
فالزموا السّنة لا تبتدعوا … واحذروا الزيغ وخافوا الزللا (^١)
وتفرّد ابن العماد ببيتين من الشعر لمكي يحكيان لباقته وكياسته وهما:
عليك بإقلال الزيارة إنها … إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا
ألم تر أن الغيث يسأم دائما … ويطلب بالأيدي إذا هو أمسكا (^٢)
ولم أقف في ترجمته، في كل نصوصها، على شيء يشينه أو يصمه، لا من قريب ولا من بعيد، حتى إن في ذلك إجماعا منهم على وصفه بالإمامة في العلم، والفضل في الخلق، والجودة في تناوله مسائله، والتبحر في فنون العربية والحفظ والأدب، لم ينمّ أحد منهم بشيء يثلم أستاذيته (^٣). ذكر الذهبي أنه «كان من أوعية العلم مع الدين والسكينة والفهم» و«هو شيخ الأندلس وعالمها، وكان من أهل التبحر في العلوم» (^٤).