إنّ نحو اللغة العربية هو المسلك الإعرابي الذى تسير فيه ألفاظها. والإعراب من الظواهر التي اختصت بها العربية، (وهو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ) (١). والأصل في العربية أن تكون العلامات ذوات دلالة على المعاني، وأنّ اختلاف العلامات يؤدي إلى اختلاف المعاني (٢). ومن هنا فقد اختص الإعراب بالأواخر؛ لأنه دليل على المعاني اللّاحقة للمعرب (٣).
وقد احتفظت العربية الفصحى في ظاهرة التصرف الإعرابي بسمة من أقدم السّمات اللغوية التي فقدتها جميع اللغات السامية (٤). وتجلّت هذه السمة واضحة في آيات الذكر الحكيم وما ورد فيه من قراءات ضمها كتاب الكنز نختار منها الآتي:
١ - تشديد نون المثنى إذا كان اسما موصولا أو اسم إشارة: ظهر هذا في قوله تعالى: واللذان يأتيانها منكم [النساء/ ١٦] وإن هذان لساحران [طه/ ٦٣] وإحدي ابنتي هاتين [القصص/ ٢٧] وفذانك برهانان [القصص/ ٣٢] وربنا أرنا اللذين (٥) [فصلت/ ٢٩]. فحقّ نون المثنى والملحق به الكسر، وفتحها لغة من لغات العرب (٦). وقد سمع عندهم تشديد نون المثني في اسم الإشارة والاسم الموصول فقط (٧).
قال ابن هشام: ويجوز تشديد نونهما رفعا بالاتفاق وجرّا ونصبا خلافا للبصريين (٨). ونسب هذا التشديد إلى تميم وقيس وأسد، أما التخفيف فنسب إلى قريش (٩). وشدّدت النون هنا فى المثنى للتعويض عن الياء المحذوفة منه، إذ إن
_________________
(١) المزهر ١/ ٣٢٧.
(٢) معاني النحو ١/ ٢٩.
(٣) بدائع الفوائد ١/ ٣٤.
(٤) العربية/ ٣.
(٥) الكنز/ ٥٥٧.
(٦) شرح ابن عقيل ١/ ٦٩.
(٧) كشف المشكل ١/ ١٩٤.
(٨) أوضح المسالك ١/ ١٤٠، وشرح اللمحة البدرية ١/ ٣١٧.
(٩) الظواهر اللغوية في قراءة الحسن البصري/ ٦٢.
[ ١ / ٦٨ ]
الأصل المفرد للاسم الموصول هو (الذي)، وعند تثنيته تسقط الياء ويؤتى مكانها بالألف في حالة الرفع، وبالياء في حالتي النصب والجر، فهو قبل حذف الياء ستكون تثنيته (اللّذيان) أو (اللّذيين) وبعد حذفها سيكون (اللّذان) أو (اللّذين)، ثم جيء بنون ثانية مع النون الأولى كعوض عن الياء المحذوفة (١). وقيل: إن تشديد النون للدلالة
على أن اسم الإشارة هنا مخالف لقياس المثنى الذي ليس بمبهم (٢).
٢ - إعراب المثنى والملحق به بالألف رفعا ونصبا وجرّا: ورد هذا في قراءة النصب لاسم الإشارة (هذان) في قوله تعالى: إن هذان لساحران (٣) [طه/ ٦٣]. والمشهور عند النحاة أن المثنى والملحق به ينصب بالياء، أما الصحيح عندهم فإعرابه بحركة مقدّرة على الياء. لكنه جاء هنا على لغة من يجعل المثنى والملحق به معربا بحركات مقدّرة على الألف مطلقا رفعا ونصبا وجرّا (٤). وإلى هذا ذهب ابن كيسان، ونقله ابن هشام غير منسوب إلى أحد وقال: وعلى هذا فقراءة (هذان) أقيس إذ الأصل في المبنيّ ألّا تختلف صيغه (٥).
٣ - صرف ما لا ينصرف: من العلل التي تمنع صرف الاسم علّة الجمع المتناهي أو ما تسمى بصيغة منتهى الجموع. وهي كل جمع وقع بعد ألف تكسيره حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن، فإن كان أوسطها متحركا صرف (٦). وعلّل ابن هشام منع هذه الصيغة من الانصراف بأنّ الجمع منزّل منزلة جمعين، فهو جمع انتهت إليه
_________________
(١) حجة القراءات/ ١٩٤، وشرح ابن عقيل ١/ ١٤١، وظاهرة التعويض في العربية/ ٤٣، ٤٤
(٢) منثور الفوائد/ ٣٨.
(٣) الكنز/ ٤٨٧.
(٤) شرح اللمحة البدرية ١/ ٧٧٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٥٨، ٥٩، وفقه اللغة (د. كاصد) / ٢٥٦.
(٥) مغني اللبيب ١/ ٣٧، ٣٨، وابن كيسان/ ١٥٢، ١٥٣ وللزيادة في توجيه هذه القراءة ينظر أيضا: معاني القرآن (الفراء) ٢/ ١٨٣، ١٨٤، والخصائص ٣/ ٦٥.
(٦) شرح ابن عقيل ٣/ ٣٢٧، والفوائد الضيائية ١/ ٢١٣، وظاهرة التنوين/ ١٤٤.
[ ١ / ٦٩ ]
الجموع ووقفت عنده فلم تجاوزه فكأنه جمع مرتين (١).
وفي قوله تعالى: سلاسلا وأغلالا وسعيرا [الدهر/ ٤] قرأ المدنيان وهشام والكسائيّ وأبو بكر بتنوين (سلاسلا) في الوصل وقرأ حمزة ورويس بغير ألف (٢).
وصرف (سلاسلا) هنا جاء لمناسبة ما بعده وهو جائز (٣) بل حسن؛ لأنها وليتها كلمتان منوّنتان فنوّنت مراعاة لهما (٤). وقال الزّجّاجي: إنّ ما لا ينصرف أصله الصرف وكثير من العرب لا يمتنع من صرف شيء في ضرورة شعر ولا غير، فالتنوين هنا ردّ إلى الأصل (٥).
وقد ورد نظير هذا في قوله تعالى: قواريرا قوارير (٦) [الدهر/ ١٥، ١٦] حيث نوّنت (قواريرا) الأولى لأنها رأس آية، ورءوس الآي التي قبلها والتي بعدها كلّها منونة، أما (قواريرا) الثانية فنونت لمجاورتها للأولى (٧).
٤ - إعراب (لدن) الظرفية: وذلك في قوله تعالى: لينذر بأسا شديدا من لدنه [الكهف/ ٢] حيث قرأ عاصم برواية أبي بكر (لدنه) بإسكان الدال وإشمامها الضمّ مع كسر النون والهاء، وقرأ الباقون بضم الدال والهاء وسكون النون بينهما (٨).
والذى عليه كلام العرب بناء هذا الظرف لشبهه بالحرف، وهو لا يخرج عن الظرفية إلا بجرّه ب (من) وهو الكثير فيه، ولم تعربه إلّا قبيلة قيس (٩). وعلى لغة هذه القبيلة جاءت رواية أبي بكر لقراءة عاصم (١٠).
_________________
(١) الكتاب ٣/ ٢٢٧، وأمالي السهيلي/ ٣٨، ٣٩، شرح اللمحة البدرية ١/ ٢٤٨.
(٢) الكنز/ ٦٠٩.
(٣) أوضح المسالك ٤/ ١٢٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٢٩، والفوائد الضيائية ١/ ٢١٣.
(٤) ظاهرة التنوين/ ١٠٦.
(٥) أخبار أبي القاسم الزجاجي:/ ٢٢٩، والخصائص ٢/ ٩٦.
(٦) الكنز/ ٦٠٩.
(٧) ظاهرة التنوين/ ١٠٦.
(٨) الكنز/ ٤٧٣.
(٩) شرح ابن عقيل ٢/ ٦٧، وأوضح المسالك ٣/ ١٤٥، وشفاء العليل ١/ ٤٨٤، وشرح الأشموني ١/ ٤٥٧.
(١٠) شفاء العليل ١/ ٤٨٤.
[ ١ / ٧٠ ]
٥ - حذف نون الوقاية من (لدنّي): تعدّ (لدن) من الظروف المبنية وهي بفتح اللام وضم الدال وسكون النون، وفيها عدة لغات (١). وقد ظهر حذف نون الوقاية من هذا الظرف في قوله تعالى: من لدني عذرا [الكهف/ ٧٦] حيث قرأ المدنيان بضم الدال وتخفيف النون، ورواه أبو بكر بسكون الدال وإشمام الضم مع تخفيف النون، بينما قرأ الباقون بضم الدال وتشديد النون (٢).
والفصيح، أن نون الوقاية تلحق (لدن) المضاف إلى ياء المتكلم فتقرأ بتشديد النون، وحذف هذه النون قليل (٣) في الكلام، ولا يختص بالضرورة خلافا لسيبويه،
والغالب إثبات هذه النون (٤).
٦ - حذف نون الرفع من الفعل المضارع المرفوع: وذلك في قوله تعالى: قل أفغير الله تأمروني أعبد [الزمر/ ٦٤]. فقد قرأ المدنيان بنون واحدة مخففة (٥).
وهذه القراءة جاءت على حذف إحدى النونين؛ وذلك لأن العرب يستثقلون التضعيف كما ذكر سيبويه (٦). والنون المحذوفة هنا هي نون الرفع على أحد الرأيين (٧) وليست نون الوقاية. وقد ذهب إلى هذا ابن هشام فقال: (الصحيح أن المحذوف نون الرفع) (٨). وساق بعض المحدثين أدلة على هذا الرأي وعدّه من باب التّرخّص في الحذف الإعرابي (٩).
ونظير هذا الحذف ما ورد في قراءة قوله تعالى: فبم تبشرون [الحجر/ ٥٤] وكذلك في قوله تعالى: تشاقون (١٠) [النحل/ ٢٧].
٧ - رفع الفعل المضارع بعد حتى: ترد حتى في كلام العرب على عدة أوجه منها
_________________
(١) الصحاح ٦/ ٢١٩٤، والفوائد الضيائية ٢/ ١٤٤، ١٤٥.
(٢) الكنز/ ٤٧٧.
(٣) شرح ابن عقيل ١/ ١١٥.
(٤) أوضح المسالك ١/ ١٢٠.
(٥) الكنز/ ٥٥٢.
(٦) الكتاب ٣/ ٥٢٠.
(٧) حجة القراءات/ ٦٢٥، وشفاء العليل ١/ ١٢٤.
(٨) أوضح المسالك ١/ ١٠٩.
(٩) العلامة الإعرابية/ ٣٦٥.
(١٠) الكنز/ ٤٦٣.
[ ١ / ٧١ ]
أنها تنصب الفعل المضارع الواقع بعدها بنفسها على رأي الكوفيين، وب (أن) مضمرة بعدها على رأي البصريين لأنها عندهم حرف غاية وجرّ (١). ويبدو أن هذا الرأي هو الذى دفع السّهيليّ من نحاة الأندلس إلى القول بأنّ (حتى) حرف معناه في غيره لا في نفسه بخلاف الاسم (٢).
وقد ورد رفع (حتى) للفعل المضارع بعدها في قوله تعالى: وزلزلوا حتى يقول الرسول [البقرة/ ٢١٤] حيث قرأ نافع برفع (يقول) (٣). وهذه القراءة على أن الفعل مؤول بالحال فيكون التقدير: حتى حالة الرسول والذين آمنوا معه أنهم يقولون ذلك (٤)، وأما قراءة النصب فعلى تقدير: إلى أن يقول الرسول (٥).
٨ - رفع الفعل المضارع ونصبه بعد (أن) المخففة: من نواصب الفعل المضارع (أن) المخففة. وشرط عملها هذا أن لا تقع بعد فعل من أفعال اليقين. ويجوز في الواقعة بعد الظن رفع الفعل المضارع بعدها وهو قليل. والأكثر في كلام العرب النصب وهو الأرجح (٦).
وفي قوله تعالى: وحسبوا ألا تكون فتنة [المائدة/ ٧١] قرأ الكوفيون إلا عاصما (تكون) برفع النون، وقرأ الباقون بالنصب. وقال أبو حيان: وليس في الواقعة بعد الشك إلّا النصب (٧).
٩ - جزم الفعل المضارع بشرط مقدّر: ذهب ابن هشام إلى أنه إذا سقطت الفاء بعد الطلب وقصد معني الجزاء جزم الفعل جوابا لشرط مقدر لا بسبب الطّلب، وذلك لتضمن الفعل معنى الشرط (٨).
_________________
(١) الكتاب ٣/ ١٦، والخصائص ١/ ٢٦١، ومغني اللبيب ١/ ١٢١ وما بعدها.
(٢) نتائج الفكر/ ٢٥٢.
(٣) الكنز/ ٣٦٢.
(٤) أوضح المسالك ٤/ ١٧٦.
(٥) كشف المشكل ١/ ٥٤٠.
(٦) أوضح المسالك ٤/ ١٦١، والمطالع السعيدة ٢/ ٣٦، وحاشية الدسوقي ١/ ٢٦.
(٧) المطالع السعيدة ٢/ ٣٧.
(٨) أوضح المسالك ٤/ ١٨٧.
[ ١ / ٧٢ ]
ونظير هذا، قراءة جزم الفعل يرثني من قوله تعالى: فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث (١) [مريم/ ٦]. فقراءة الجزم هنا على أنه جواب لفعل الطلب (هب)، أما قراءة الرفع
فعلى أنه صفة ل (وليّ) فيكون المعني: وليّا وارثا (٢) وقال ابن جرير الطبري: وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ برفع الحرفين على الصلة للوليّ لأن الوليّ نكرة وأن زكريا إنما سأل ربه أن يهب له وليّا يكون بهذه الصفة كما روي عن رسول الله ﷺ، لا أنه سأله وليّا ثم أخبر أنه إذا وهب له ذلك كانت هذه صفته، لأن، ذلك لو كان كذلك كان ذلك من زكريا دخولا في علم الغيب الذى قد حجبه الله عن خلقه (٣).
١٠ - إعمال المصدر المنون: إذا نوّن المصدر نصب ما بعده على الظرف وعلى المفعول ونحوه (٤)، كما في قوله تعالى: أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما [البلد/ ١٤] حيث قرأ المكي وأبو عمرو والكسائي (أطعم) فعلا ماضيا (٥) فيكون (يتيما) منصوبا على أنه مفعول به للفعل. وقرأ الباقون (إطعام) فيكون (يتيما) منصوبا على أنه مفعول به للمصدر المنون (٦)؛ لأن المصدر المقدّر من أن والفعل يعمل عمل الفعل إذا كان مضافا أو منوّنا أو محلّى بالألف واللام (٧)، وإعماله محلّى بالألف واللام قليل (٨). وإعماله مضافا أكثر ومنونا أقيس (٩).
١١ - اسم الفاعل المنون: يعمل اسم الفاعل إذا كان منونا أو محلّى بالألف واللام (١٠). وقد ورد اسم الفاعل المنون المجرد من الألف واللام في قوله
_________________
(١) الكنز/ ٤٨٢.
(٢) أوضح المسالك ٤/ ١٨٩، والفوائد الضيائية ٢/ ٢٦٥، ومعاني النحو ٤/ ٣٩٣.
(٣) القراءات القرآنية في بلاد الشام ١/ ١٦٨.
(٤) أمالي السهيلي/ ١١٣.
(٥) الكنز/ ٦٢٦.
(٦) مشكل إعراب القرآن ٣/ ٨١٩، وشرح ابن عقيل ٣/ ٩٤.
(٧) ظاهرة التنوين/ ١٥٧.
(٨) الفوائد الضيائية/ ٢/ ١٩١.
(٩) المقرب/ ١٤٢، وأوضح المسالك ٣/ ٢٠٥، وشرح ابن عقيل ٣/ ٩٣، ٩٤.
(١٠) الكتاب ١/ ١٦٤ وما بعدها، وظاهرة التنوين/ ١٢٨.
[ ١ / ٧٣ ]
تعالى: إن الله بالغ أمره [الطلاق/ ٣]. فروى حفص (بالغ) بغير تنوين مع جر (أمره)، وقرأ الباقون بتنوينه مع جر ما بعده (١). ولكل من القراءتين دلالة تختلف عن الأخرى. فالقراءة بدون تنوين على الإضافة تدل على الماضى، والقراءة بالتنوين تدل على الاستقبال (٢) وفيها يكون (أمره) منصوبا على أنه مفعول به لاسم الفاعل بمعنى سيبلغ أمره فيما يريد منكم (٣).
ومن نظائر هذا الباب قراءة قوله تعالى: هل هن كاشفات ضره [الزمر/ ٣٨] وكذلك قراءة قوله تعالى: أو ممسكات رحمته (٤) [الزمر/ ٣٨].
١٢ - إقامة المفعول به مقام الفاعل: ينوب المفعول به عن الفاعل بعد الفعل المبني للمجهول، ولا يصح قيام غيره من مصدر أو ظرف أو جار ومجرور. هذا هو مذهب البصريين عدا الأخفش (٥). وقد قرأ أبو جعفر قوله تعالى: ليجزي قوما بما كانوا يكسبون [الجاثية/ ١٤] بالياء والبناء للمجهول هكذا: (ليجزى)، فتمسّك بها الكوفيون على رأيهم الذى يجيز إقامة غير المفعول مقام الفاعل (٦).
وهذا مخالف لأقيسة البصريين الذين قالوا إنّ النائب عن الفاعل في الآية هو ضمير الغفران (٧).
ونظير هذا قراءة قوله تعالى: كذلك نجزي كل كفور [فاطر/ ٣٦] حيث قرأ أبو عمرو الفعل (نجزي) بياء مضمومة وفتح الزاي و(كلّ) بالرفع على أنه نائب فاعل (٨).
١٣ - تقديم خبر الفعل الناقص على اسمه: في جملة الفعل الناقص يقع الخبر بعد الاسم، ولكن قد يتقدم عليه وجوبا أو جوازا بشروط (٩). وهذا التقديم موافق
_________________
(١) الكنز/ ٥٩٧.
(٢) شرح ابن عقيل ٣/ ١٠٦.
(٣) إعراب القرآن (النحاس) ٣/ ٤٥٣، ومشكل إعراب القرآن ٢/ ٧٤٠.
(٤) الكنز/ ٥٥١.
(٥) أوضح المسالك ٢/ ١٤٩.
(٦) شرح ابن عقيل ٢/ ١٢١.
(٧) نشأة النحو/ ١١٤.
(٨) الكنز/ ٥٣٨.
(٩) الغرة المخفية ٢/ ٤٢٢، وأوضح المسالك ١/ ٢٤٢.
[ ١ / ٧٤ ]
للقياس عند ابن جني (١). وفي قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم [البقرة/ ١٧٧] قرأ حمزة وحفص (البرّ) بالنصب (٢) على أنه خبر للفعل الناقص مقدم على اسمه. ومن العلماء من يرى هذه القراءة أرجح من جهة الصناعة، وعلل ذلك بأن المصدر من (أن) المصدرية يكون في قوة الضمير، والضمير يترجح جعله اسما (٣). والحقيقة أن هذه الأرجحية ربما كانت بسبب التقديم ذاته، أى تقديم الخبر على الاسم، حيث إن هذا التقديم له دلالة بلاغية أوقع من غيره، إذ إنّ العرب تقدم الذى بيانه أهم لهم وهم بشأنه أعنى وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم (٤). وهذا التقديم والتأخير يدخل ضمن ما يسمى بالتأليف التام الذى يعدّ عنصرا من عناصر تأليف الجملة العربية (٥) لأن موقع المفردة يسهم إسهاما كبيرا في تفسير قيمة التقديم الفنية للنص ويمثل مرحلة من مراحل الاتصال بين المتلقي والمعنى المراد (٦).
١٤ - فتح وكسر همزة (إنّ) بعد فاء الجزاء: إذا وقعت (إنّ) بعد فاء الجزاء فيجوز فتحها وكسرها (٧). ورد هذا في قوله تعالى: كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم [الأنعام/ ٥٤]، حيث قرأ الشاميّ وعاصم ويعقوب (فأنّه) بفتح الهمزة وقرأ الباقون بكسرها (٨).
وقراءة الفتح على جعل (أنّ) وصلتها مصدرا مبتدأ خبره محذوف والتقدير:
فالغفران جزاؤه، أو على جعلها خبرا لمبتدإ محذوف، والتقدير: فجزاؤه الغفران. أما قراءة الكسر فعلى جعلها جملة جوابا ل (من) (٩).
_________________
(١) الخصائص ٢/ ٣٨٢.
(٢) الكنز/ ٣٥٩.
(٣) أمالي المرتضى ١/ ٢٠٦، ٢٠٧.
(٤) دلائل الإعجاز/ ٨٤.
(٥) معاني النحو ١/ ١١.
(٦) في البنية والدلالة/ ١٣٥.
(٧) الفوائد الضيائية ٢/ ٣٣٩.
(٨) الكنز/ ٤٠٥.
(٩) شرح ابن عقيل ١/ ٣٦١.
[ ١ / ٧٥ ]
ونظير هذا قراءة قوله تعالى: ندعوه إنه (١) [الطور/ ٢٨]. فمن قرأ بالفتح فعلى تقدير دخول لام التعليل؛ لأن هذه اللام إذا دخلت على (إنّ) لفظا أو تقديرا فتحت همزتها، ومن قرأ بالكسر فعلى الاستئناف والجواب لسؤال مقدر قبله (٢).
وقال النحاس: (والكسر أبين لأنه إخبار بهذا فالأبلغ أن يبتدأ) (٣).
١٥ - إعمال (إن) المخففة عمل (إنّ) المشددة: تهمل (إن) المخففة عند أكثر العرب وإذا أهملت لزمتها اللام الفارقة بينها وبين (إن) النافية (٤)، ويقل عندئذ إعمالها كالمشددة إلا ما حكي عن سيبويه والأخفش (٥). ففي قوله تعالى: وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم [هود/ ١١١] قرئ بتخفيفها وتشديدها (٦). والذين قرءوا بتخفيفها خفّفوا أيضا (ما) التي بعدها.
وعلى هذه القراءة يكون للآية إعرابان، في كلّ منهما تكون (إن) مؤكّدة عاملة عمل (إنّ) المشددة غير أن (ما) تقع اسما موصولا بمعنى الذى خبرا ل (إن)، وتقع أيضا زائدة (٧). وعند الكوفيين لا يجوز إعمال (إن) المخففة بأي حال من الأحوال (٨).
١٦ - الفصل بين (أنّ) المخففة وخبرها: إذا خففت (أنّ) المفتوحة بقيت على عملها، لكن اسمها لا يكون إلا ضمير الشأن محذوفا، وخبرها لا يكون إلّا جملة اسمية أو فعلية (٩). فإذا كان اسمها جملة اسمية لم يحتج إلى فاصل إلّا إذا
_________________
(١) الكنز/ ٥٧٩.
(٢) حجة القراءات/ ٦٨٤، وأوضح المسالك ١/ ٣٤٠، والمشكاة الفتحية/ ٢٠٢.
(٣) إعراب القرآن (النحاس) ٣/ ٢٥٤.
(٤) ما لم ينشر من الأمالي الشجرية/ ٤٠٩، ٤١٠ نقلا عن كتاب (نصوص محققة في اللغة والنحو، وأوضح المسالك ١/ ٣٦٦.
(٥) شرح ابن عقيل ١/ ٣٧٨، وشفاء العليل ١/ ٣٦٧، وحاشية الدسوقي ١/ ٢٢.
(٦) الكنز/ ٤٤٤.
(٧) الحجة في القراءات السبع/ ١٩٠. ١٩١.
(٨) منثور الفوائد/ ٦٧.
(٩) شرح ابن عقيل ١/ ٣٨٣، ٣٨٦.
[ ١ / ٧٦ ]
قصد النفي. وعلى عدم الفصل جاءت قراءة نافع ويعقوب لقوله تعالى: أن لعنة الله [النور/ ٧] بتخفيف (أنّ) ورفع ما بعدها (١). أما إذا كان خبرها جملة فعلية فعلها متصرف يفيد الدعاء فلا يفصل بينهما بفاصل (٢)، وعلى هذا جاءت قراءة نافع لقوله تعالى: أن غضب الله [النور/ ٩] بكسر الضاد فعلا ماضيا ورفع لفظ الجلالة فاعلا (٣).
١٧ - نصب المستثنى ورفعه: إذا كان الكلام في جملة الاستثناء منفيّا والمستثنى من جنس المستثنى منه الموجود في الجملة، فالمختار في المستثنى الرفع على أنه بدل حسب قول البصريين، أو على أنه عطف نسق حسب قول الكوفيين (٤). وفي قوله تعالى: ما فعلوه إلا قليل منهم [النساء/ ٦٦] قرأ الشامي بنصب (قليل)، وقرأ الباقون بالرفع (٥).
فالقراءة بالنصب جاءت على الاستثناء الذي قال عنه مكي: (وهو بعيد في النفي، لكنه كذلك في مصاحف أهل الشام) (٦). والذى عليه ابن مالك وابن هشام أن النصب عربيّ جيد وفصيح شائع (٧). أما قراءة الرفع فقد جاءت على البدل من ضمير الجماعة الواو، وهو هنا بدل بعض من كل على رأي البصريين، أو على أنه معطوف على الفاعل المرفوع قبله وهو الواو (٨) على رأي الكوفيين الذين عدّوا (إلّا) حرف عطف بمنزلة لا العاطفة. وكان ثعلب قد اعترض على رأي البصريين وقال: كيف يكون (قليل) بدلا وهو موجب ومتبوعه منفي؟ لأنه كان ينكر مخالفة
_________________
(١) الكنز/ ٥٠٣.
(٢) شرح ابن عقيل ١/ ٣٨٦، وأوضح المسالك ١/ ٣٧٢.
(٣) الكنز/ ٥٠٣.
(٤) بدائع الفوائد ٣/ ٦٠، وأوضح المسالك ٢/ ٢٥٧، والفوائد الضيائية ١/ ٤١٨.
(٥) الكنز/ ٣٩١.
(٦) مشكل إعراب القرآن ١/ ٢٠١.
(٧) أوضح المسالك ٢/ ٢٥٨، وشرح الأشموني ٢/ ٤٥٢.
(٨) مشكل إعراب القرآن ١/ ٢٠١، وأوضح المسالك ٢/ ٢٥٨.
[ ١ / ٧٧ ]
البدل للمبدل منه في الإيجاب والنفي. وقد أجاب أبو سعيد السيرافي بأن تخالف البدل مع المبدل منه في النفي والإيجاب لا يمنع البدلية (١).
ومن نظائر هذا قراءة قوله تعالى: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك [هود/ ٨١]. حيث قرأ العشرة إلا ابن كثير وأبا عمرو (امرأتك) بالنصب (٢).
١٨ - اقتران جملة الحال الفعلية بالواو. إذا وقع الحال جملة فعلية فعلها مضارع منفي بالحرف (لا) فيجوز أن يصحبها الواو رابطا لها بصاحب الحال (٣). وذهب ابن مالك في غير الألفية إلى أنّ هذا لا يجوز، وأنّ ما ورد مما ظاهره كذلك فإنه يؤول على إضمار مبتدأ (٤). وفي قراءة قوله تعالى: فاستقيما ولا تتبعان [يونس/ ٨٩] بتخفيف النون (٥) عند ابن عامر، يكون تقدير الكلام على رأي ابن مالك: وأنتما لا تتّبعان. ويقع (لا تتّبعان) خبرا لمبتدإ محذوف، والفعل هنا معرب على غير قراءة التشديد (٦).
١٩ - إضافة الظرف إلى الجملة الاسمية: عند إضافة الظرف إلى غير معرب ولا متمكّن يحسن فيه البناء على الفتح والإعراب أيضا (٧). وقد وردت الإضافة في قوله تعالي: ومن خزي يومئذ [هود/ ٦٦] حيث قرأ المدنيان والكسائي بفتح ميم (يومئذ) على البناء، وقرأ الباقون بكسره جرّا (٨).
ويجوز عند الكوفيين أن تبنى ظروف الزمان مع الفعل المستقبل ولا يجوز ذلك عند البصريين؛ لأن المستقبل معرب (٩).
_________________
(١) شرح الأشموني ٢/ ٤٣٧.
(٢) الكنز/ ٤٤٣، وفي توجيه هذه الآية ينظر: بدائع الفوائد ٣/ ٦٥ وما بعدها.
(٣) تسهيل الفوائد/ ١١٣، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٨١، وشفاء العليل ٢/ ٥٤٦.
(٤) شرح عمدة الحافظ/ ٤٤٧، ٤٤٨، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٨٢.
(٥) الكنز/ ٤٣٩.
(٦) حجة القراءات/ ٣٣٦، وشرح عمدة الحافظ/ ٤٤٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٨٢.
(٧) أمالي السهيلي/ ٩٢، وشرح الأشموني ١/ ٤٢١.
(٨) الكنز/ ٤٤٢.
(٩) شرح القصائد التسع المشهورات/ ١١٥، وشرح الأشموني ١/ ٤٢٦، ٤٢٨.
[ ١ / ٧٨ ]
ومن نظائر هذا قراءة قوله تعالى: من فزع يومئذ [النمل/ ٨٩] وكذلك قوله تعالى: من عذاب يومئذ (١) [المعارج/ ١١].
٢٠ - إضافة الظرف إلى الجملة الفعلية جوازا: وذلك في قوله تعالى: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم [المائدة/ ١١٩]. حيث قرأ نافع بنصب (يوم) وقرأ الباقون بالرفع (٢).
ومذهب البصريين في الاسم المضاف جوازا إلى جملة فعلية فعلها مضارع هو وجوب إعراب هذا الاسم، ولا يجوز البناء إلّا في ما أضيف إلى جملة صدّرت بفعل ماض (٣). أما الكوفيون فيجيزون الإعراب والبناء، والإعراب أرجح، وتبعهم في هذا أبو على الفارسي وابن مالك في ألفيته (٤). وقال ابن عصفور:
(والإعراب أحسن) (٥)، فيكون (يوم) مرفوعا على أنه خبر لاسم الإشارة قبله، ويكون على أحد الرأيين عند الكوفيين مبنيّا على الفتح لإضافته إلى الفعل، وعندئذ يحتمل موضعه النصب والرفع (٦).
٢١ - إضافة العدد (مائة) إلى الجمع: ذكر ابن مالك أن اسم العدد (مائة) لا يضاف إلّا إلى مفرد (٧). وقد وردت القراءة بإضافته إلى غير المفرد في قوله تعالى:
ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين [الكهف/ ٢٥]. فقد قرأ حمزة والكسائي وخلف بغير تنوين (مائة) بل بإضافتها إلى (سنين) (٨). وإضافة هذا العدد إلى الجمع ورد بقلّة على رأي ابن عقيل (٩)، وهو حسن في القياس قليل في
_________________
(١) الكنز/ ٥١٧، ٦٠٢.
(٢) الكنز/ ٤٠٠.
(٣) شرح ابن عقيل ٣/ ٦٠، وشرح الأشموني ٣/ ٤٢١، ٤٢٦، ٤٢٨.
(٤) أوضح المسالك ٣/ ١٣٦، وشرح ابن عقيل ٣/ ٥٨، ٥٩، والفوائد الضيائية ٢/ ١٤٧، ومجموع مهمات المتون/ ٣٤٢.
(٥) المقرب/ ٣١٧.
(٦) مشكل إعراب القرآن ١/ ٢٤٤، ٢٤٥
(٧) أوضح المسالك ٤/ ٢٥٥، وشرح ابن عقيل ٤/ ٦٨.
(٨) الكنز/ ٤٧٤.
(٩) شرح ابن عقيل ٤/ ٦٩.
[ ١ / ٧٩ ]
الاستعمال (١). وقال الرّضى: (وقد يجمع مميز المائة نحو: مائة رجال) (٢).
٢٢ - الفصل بين المتضايفين. أجاز الكوفيون في سعة الكلام الفصل بين المضاف الذى هو شبه الفعل والمضاف إليه بما نصبه المضاف من مفعول به أو ظرف أو شبهه، وإلى هذا ذهب ابن مالك (٣).
وقد وردت القراءة بالفصل بينهما بمفعول المضاف في قوله تعالى: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم [الأنعام/ ١٢٧] حيث قرأ ابن عامر بنصب (أولادهم) على أنه مفعول به ل (قتل) وجرّ (شركائهم) على أنه مضاف إليه، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله (٤).
ومثل هذا الفصل غير جائز عند البصريين إلّا في الشّعر مطلقا (٥). ووافق الزمخشريّ البصريين في هذا، وردّ قراءة ابن عامر في الآية الشريفة السابقة، وقال الصبان: (ولا عبرة بردّه مع ثبوتها بالتواتر) (٦). وكان ابن كيسان قد ذهب إلى أنه إذا فصل بين المضاف والمضاف إليه نوّن المضاف، وردّ صاحب الخزانة بأن هذا القول لا يلتفت إليه لأن العرب إذا فصلت بينهما لم تنوّن (٧).
٢٣ - العطف على الجوار: وذلك في قوله تعالى: وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم [المائدة/ ٦] حيث قرأ نافع والشامي ويعقوب والكسائي بنصب (أرجلكم) وقرأ الباقون بالجر (٨). فقراءة النصب بالعطف على (أيديكم) المنصوب، ولا يضر الفصل بالجملة بين المعطوف والمعطوف عليه خلافا لابن
_________________
(١) مشكل إعراب القرآن ١/ ٤٤٠.
(٢) ابن كيسان/ ١٧٦.
(٣) أوضح المسالك ٣/ ١٧٧، وشرح ابن عقيل ٣/ ٨٢، ونشأة النحو/ ١٢٥.
(٤) الكنز/ ٤١٢.
(٥) الخصائص ٢/ ٣٩٠، ٤٠٤، وشرح الأشموني ٣/ ٥٠٠، والقرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية/ ٣٢٥.
(٦) نشأة النحو/ ١٢٥.
(٧) خزانة الأدب ٤/ ٤٢٠. ٤٢١، وأبو الحسن بن كيسان/ ١٦٠.
(٨) الكنز/ ٣٩٦.
[ ١ / ٨٠ ]
عصفور (١). أما قراءة الجر فبالعطف على (رءوسكم) المجرورة وهذا ما يسمى بالعطف على الجوار؛ وذلك لأن الواو انفردت عن سائر أحرف العطف بأنها تعطف على الجوار.
وهذا العطف جائز في الجر خاصة (٢). وقيل إنّه عطف على (أيديكم) لا على (رءوسكم) (٣). وقال الزمخشري في توجيه هذه القراءة: (فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة، تغسل بصبّ الماء عليها فكانت مظنّة الإسراف المذموم المنهيّ عنه، فعطف على الممسوح لا لتمسح ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها) (٤).
٢٤ - العطف على الضمير المخفوض: مذهب جمهور النحاة أن الضمير المجرور لا يعطف عليه إلا بإعادة الجار له. واختار هذا ابن مالك في ألفيته وقد أجاز الكوفيون العطف هنا دون إعادة، وهو ما ذهب إليه يونس والأخفش وبعدهما ابن عقيل في شرحه على الألفية واحتج بورود السماع نثرا ونظما (٥).
وقد جاءت قراءة حمزة بجر (الأرحام) (٦) دون إعادة الخافض في قراءته لقوله تعالى: واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام [النساء/ ١] حيث جاء (الأرحام) معطوفا على الهاء المجرورة بالباء (٧). وجاءت قراءة الباقين بالنصب عطفا على لفظ الجلالة بعد حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مكانه، فصار تقدير الكلام:
_________________
(١) تحفة الأقران/ ١٦٠.
(٢) شرح عمدة الحافظ/ ٦٣٨، ومغني اللبيب ١/ ٣٩٢، ٣٩٥.
(٣) مغني اللبيب ٢/ ٧٦٠، ٧٦١.
(٤) الكشاف ١/ ٥٩٧، ومغني اللبيب ٢/ ٧٦١.
(٥) الإنصاف ٢/ ٤٦٣، وأوضح المسالك ٣/ ٣٩٢، وشرح ابن عقيل ٣/ ٢٤٠، والفوائد الضيائية ٢/ ٤٨، ونشأة النحو/ ١٢٦.
(٦) الكنز/ ٣٨٧.
(٧) شرح ابن عقيل ٣/ ٢٤٠.
[ ١ / ٨١ ]
واتقوا الله وقطع الأرحام. وهذا ما يسمى بعطف الخاص على العام، ومثل هذا العطف جائز سماعا وقياسا (١). وقال ابن جني في توجيه قراءة حمزة: (ليست هذه القراءة عندنا من الإبعاد والفحش والشناعة والضعف على ما رآه فيها وذهب إليه أبو العباس (٢)، بل الأمر فيها دون ذلك وأخف وألطف؛ وذلك أنّ لحمزة أن يقول لأبي العباس: إنني لم أحمل (الأرحام) على العطف على المجرور المضمر بل اعتقدت أن تكون فيه باء ثانية حتى كأني قلت: (وبالأرحام) ثم حذفت الباء لتقدم ذكرها) (٣).
ومن نظائر هذه القراءة ما ورد في قوله تعالى: ومن وراء إسحاق يعقوب [هود/ ٧١] حيث قرأ الشامي وحمزة وحفص (يعقوب) بالنصب وقرأ الباقون بالرفع على الباء (٤). فقراءة حمزة هنا، قال عنها الفراء إنه نوى بها الخفض ولا يجوز الخفض إلّا بإظهار الباء (٥). ولم يجوّز ابن جنى الفصل بين الجار والمجرور وجعله أصعب من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وقال: (وإنما كانت الآية أصعب مأخذا من قبل أنّ حرف العطف منها الذى هو الواو ناب عن الجار الذى هو الباء في قوله تعالى: إسحاق. وأقوى أحوال حرف العطف أن يكون في قوة العامل قبله وأن يلي من العمل ما كان الأول يليه، والجار لا يجوز فصله من مجروره) (٦). وذكر مكي أنّ ما قاله الفرّاء إنما هو مذهب الكسائي قبله (٧)، وإليه ذهب أبو علي، وقال: (فلا يخلو أن تعطفه على الباء الجارة كأنه أراد أنها بشّرت بهما) (٨).
٢٥ - العطف على الضمير المنصوب: أجاز ابن مالك وابن عقيل عطف الاسم
_________________
(١) مشكل إعراب القرآن ١/ ١٨٧، والإنصاف في مسائل الخلاف ٢/ ٤٦٣.
(٢) يقصد المبرّد.
(٣) الخصائص ١/ ٢٨٥.
(٤) الكنز/ ٤٤٣.
(٥) معاني القرآن ٢/ ٢٢.
(٦) الخصائص ٢/ ٣٩٥.
(٧) مشكل إعراب القرآن ١/ ٣٦٩.
(٨) المسائل العسكريات/ ١١٧.
[ ١ / ٨٢ ]
على الضمير المنصوب المتصل والمنفصل دون حاجة إلى فاصل بينهما (١).
وقد ورد هذا العطف في الكنز في قراءة قوله تعالى: وقوم نوح من قبل [الذاريات/ ٤٦] حيث قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف بجر (قوم) وقرأ الباقون بالنصب (٢). فالقراءة بالنصب هنا على أنه معطوف على الهاء والميم في فأخذتهم [الذاريات/ ٤٤] أو معطوف على الهاء في فأخذناه [الذاريات/ ٤٠] أو على الهاء والميم في فنبذناهم [الذاريات/ ٤٠] وقيل أيضا إن العطف هنا ليس على الضمير بل على المفعولية بتقدير فعل قبله (٣).
٢٦. العطف على اسم (لا) الجنسية: إذا أتي بعد (لا) الجنسية والاسم الواقع بعدها بعاطف ونكرة مفردة وتكررت (لا)، فيجوز فيهما خمسة أوجه (٤)؛ وذلك لأن المعطوف
عليه إمّا أن يبنى مع (لا) على الفتح أو ينصب أو يرفع. فإن رفع المعطوف عليه جاز في الثاني وجهان: أولهما البناء على الفتح وثانيهما الرفع (٥).
وعلى الوجه الأول منهما جاءت قراءة ابن كثير وأبي عمرو في قوله تعالى: لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة [البقرة/ ٢٥٤] بالفتح في الثلاثة، وجاءت قراءة الباقين بالرفع فيهن.
ومن نظائر هذا الباب قراءة قوله تعالى: لا بيع فيه ولا خلة [إبراهيم/ ٣١] وكذلك قوله تعالى: لا لغو فيها ولا تأثيم (٦) [الطور/ ٢٣].
٢٧ - ياءات الأسماء المنقوصة والأفعال: للنحاة في الياءات اللاحقة للاسم والفعل مذاهب. والمختار عندهم في ياء الاسم المنقوص غير المنصوب الحذف
_________________
(١) شرح ابن عقيل ٣/ ٢٣٨.
(٢) الكنز/ ٥٧٨.
(٣) إعراب القرآن ٣/ ٢٤٣، ومشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٨٩.
(٤) تنظر هذه الأوجه في: معاني النحو ١/ ٤٠٢ وما بعدها.
(٥) كشف المشكل ١/ ٣٧٢، وأوضح المسالك ٢/ ١٤ وشرح ابن عقيل ٢/ ١١، ١٥ والفوائد الضيائية ١/ ٤٤٠، وشرح الأشموني ٢/ ١٨.
(٦) الكنز/ ٤٥٦، ٥٧٩.
[ ١ / ٨٣ ]
عند الوقف عليه (١)، كما في قوله تعالى: ولكل قوم هاد [الرعد/ ٧، ٣٣] ومن ولي ولا واق (٢) [الرعد/ ٣٧]. وإثبات الياء في مثل هذه الحالة جائز عند العرب، وكلا الإثبات والحذف من لغاتهم (٣).
ولهم في ياء المتكلم المضافة إلى المنادى الصحيح خمسة أوجه، وقيل أربعة (٤) تدور بين الإثبات والحذف. فمثال إثباتها ما ورد في قوله تعالى: يا عبادي الذين آمنوا (٥) [العنكبوت/ ٥٦]، ومثال حذفها ما ورد في قوله تعالى:
قال رب احكم (٦) [الأنبياء/ ١١٢] ويا عباد فاتقون (٧) [الزمر/ ١٦].
أما الياء المضافة في النداء إلى مثل يا أبت [يوسف/ ٤]، و(أمّت)، فلم يجوّزوا إثباتها بل تحذف لأن التاء عوض عنها، فلا يجمع بين العوض والمعوّض منه، وتكون حركة التاء هنا بالفتح أو الكسر وكلاهما جائز (٨).
أما الياء اللاحقة للفعل، للعرب فيها الحذف مرة والإثبات مرة. فمن حذفها اكتفى بالكسرة التي قبلها دليلا عليها وذلك أنها كالصلة إذ سكنت، وهي في آخر الحروف واستثقلت فحذفت، ومن أتمّها فهو البناء والأصل (٩). وقد ظهر الحذف في قوله تعالى: يوم يأت (١٠) [هود/ ١٠٥] تخفيفا واجتزاء بالكسرة على لغة هذيل وهو كثير فيها (١١).
وفسّر بعض المحدثين حذف الياءات بأنه من باب الترخص في الحركة الإعرابية
_________________
(١) أدب الكاتب/ ٢٧٦، وشرح ابن عقيل ٤/ ١٧٢.
(٢) الكنز/ ٤٥٥.
(٣) الكتاب ٤/ ١٨٣، وشرح ابن عقيل ٤/ ١٧٢، ولغات العرب/ ١٣٨، ١٣٩.
(٤) المقرب/ ١٩٨، وشرح ابن عقيل ٣/ ٢٧٤، والمطالع السعيدة ٢/ ١٠٢.
(٥) الكنز/ ٥٢٥.
(٦) الكنز/ ٤٩٤.
(٧) الكنز/ ٥٥٢.
(٨) المفصل/ ٢٤٣، وشرح ابن عقيل ٣/ ٢٧٦، وظاهرة التعويض/ ٣٢.
(٩) معاني القرآن ١/ ٢٠٠، ٢٠١.
(١٠) الكنز/ ٤٤٥.
(١١) القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية/ ٣٢٣.
[ ١ / ٨٤ ]
الذى يؤتى به للدلالة على معني معيّن (١).
وعلّل الدكتور فاضل السامرائي ذكر الياء وحذفها في القرآن الكريم، وذلك عند كلامه في كتابه (التعبير القرآني) عن الذكر والحذف فقال: (ويمكن هنا أن نذكر أصلا عامّا في ذكر الياء وحذفها وهو: إنّ الاجتزاء بالكسرة عن الياء يختلف عن ذكر الياء في كلّ ما ورد في القرآن الكريم عدا خواتم الآي والنداء، ولها في كل ذلك خط علم
إضافة إلى السياق الخاص. ففي كل موطن ذكر الياء فيه، يكون المقام مقام إطالة وتفصيل في الكلام، بخلاف الاجتزاء بالكسرة فإن فيه اجتزاء في الكلام، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، إن الياء تتردد مظهرة في المواطن التي تذكر فيها الياء أكثر من المواطن التى يجتزأ بالكسرة عنها، وقد تتردد الكلمة ذات الياء مظهرة في السورة أكثر من تردد الكلمة ذات الياء المجتزئة في موطنها (٢).
_________________
(١) العلامة الإعرابية/ ٣٦٩.
(٢) التعبير القرآني/ ٧٦.
[ ١ / ٨٥ ]