والخلاف الذي حُكِىَ عن بعض أهل العلم في قراءة القرآن بالألحان، والذي هم فيه ما بين مجيز ومانع، فالأغلب أنه بُني على فهم معاني الأحاديث التي ورد فيها الحث على التغني بالقرآن والترغيب في ذلك.
وقد بسط الكلام حول هذه المسألة ابن بطال في "شرح البخاري"، وكذلك ابن القيم في "زاد المعاد"، والحافظ ابن رجب الحنبلي في "نزهة الأسماع في مسألة السماع"، وقد ذكروا أدلة المجيزين والمانعين من الفريقين.
فأغلب العلماء قد حكى فيه الإجماع ومنعه منعًا باتًا، والبعض حكى فيه الخلاف فرخص فيه بضوابط.
وممن حكى مثل هذا الحافظ ابن رجب الحنبلي - ﵀- حيث يقول:
قراءة القرآن بالألحان، بأصوات الغناء وأوزانه وإيقاعاته، على طريقة أصحاب الموسيقى، فرخص فيه بعض المتقدمين إذا قصد الاستعانة على إيصال معاني القرآن إلى القلوب للتحزين والتشويق والتخويف والترقيق.
وأنكر ذلك أكثر العلماء، ومنهم من حكاه إجماعًا ولم يثبت فيه نزاعًا، منهم أبو عبيد وغيره من الأئمة.
- وهذا هو الذي عليه أهل التحقيق من الأئمة، والذي تؤيده الأدلة العقلية والنقلية، والذي يظهر للباحث وتميل إليه النفس انتصارًا للقرآن وهو الموافق للأدلة ويؤيده إجماع الأئمة-.
ثم يتابع -الحافظ ابن رجب الحنبلي- ويحرِّر القول في المسألة ويقول - ﵀-:
وفي الحقيقة هذه الألحان المبتدعة المطربة تهيج الطباع، وتلهي عن تدبّر ما يحصل له من الاستماع حتى يصير التلذذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبر معاني القرآن.
ثم يختم -ابن رجب - هذا التحرير بالقول الذي عليه إجماع أهل العلم الذي حكاه عن أبي عبيد القاسم بن سلَّام الهروي وغيره من الأئمة قائلًا: وإنما وردت السنة بتحسين الصوت بالقرآن، لا بقراءة الألحان، وبينهما بون بعيد (^١).
ولقد كثر الاستشهاد بكلام الحافظ ابن رجب﵀- هذا- في غير ما موضع في
_________________
(١) نزهة الأسماع، لابن رجب (ص: ٧٠). نزهة الأسماع في مسألة السماع، المؤلف: عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، الناشر: دار طيبة - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ - ١٩٨٦، تحقيق: وليد عبد الرحمن الفريان، عدد الأجزاء: ١.
[ ٧٢ / ١٠٩ ]
طيات البحث لأهميته وجليل قدره.
ولقد حررَّ الإمام ابن القيم - ﵀- صورة الخلاف الواقع في هذه المسألة، وجمع بين أقوال أهل العلم، وأكد إجماع السلف جميعًا على منع القراءة بألحان الموسيقى، وألحان أهل الفسق والفجور والمجون، والتي تسمى في وقتنا الحاضر اليوم بـ"المقامات الموسيقية"، ووضَّح وجلَّى خطأ من أدخلها في قول من أجاز القراءة بالألحان من أهل العلم.
فقال - ﵀- بعد أن بسط المسألة وساق الأدلة:
وفصل النزاع أن يقال التطريب والتغني على وجهين:
أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم بل إذا خلي وطبعه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين فذلك جائز
الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها. (^١). وسيأتي كلامه- هذا- - ﵀- بشيء من التفصيل بعد قليل. (^٢)
ولكن حين تقلب الحقائق عن معانيها المقصودة فلابد من التحاكم للغة العرب التي نزل بها القرآن، ونطق بها أفصح الخلق - ﵊-.
فمن تأمل الألفاظ التي رغَّب فيها الشرع بتحسين الصوت يجدها ترجع إلى عبارات لغوية تدور حول هذا المعنى مثل ألفاظ "التعني بالقرآن"، أو غيرها من الألفاظ التي وردت على ألسنة بعض شراح الأحاديث التي رغب فيها الشرع بتحسين الصوت، كلفظ "الترنم"، ولفظ "النغم"، ولفظ "التطريب"، فمن تأمل تلك الألفاظ وجد مادتها تدور حول تحسين الصوت بالتلاوة والجهر به فحسب.